• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    سب الله تعالى وسب دينه (خطبة)
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    طيبون.. حتى الممات (خطبة)
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    السلسلة الذهبية في السيرة النبوية (2) العالم ...
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    نسوا ما ذكروا به، ونسوا حظا مما ذكروا به
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    هندسة الأخلاق في الإسلام: بين العلو والسفول
    محمد بكر
  •  
    الجمع بين الشرب والاغتسال من أثر العائن
    الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري
  •  
    هنيئا للصحابة معايشة الحبيب صلى الله عليه وسلم
    نجاح عبدالقادر سرور
  •  
    أداء الزكاة
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    آثار تصحيح العقود: أثر تصحيح العقد على الثمن
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    الانشغال بما تكفل الله به عما خلق العباد لأجله
    محمد بن قحطان سندي
  •  
    حديث: إذا أمسك الرجل، الرجل وقتله الآخر
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    شروط صحة البيع وآدابه (خطبة)
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    سر الثبات في سورة شيبت النبي صلى الله عليه وسلم: ...
    د. علي شومان محمد علي أبو دية
  •  
    من فارق الدليل ضل السبيل
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    واجب المسلم في زمان الاستضعاف
    إيمان الخولي
  •  
    الطاهرة العفيفة: مريم بنت عمران (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / السيرة والتاريخ / السيرة
علامة باركود

السلسلة الذهبية في السيرة النبوية (2) العالم ينتظر النور (خطبة)

السلسلة الذهبية في السيرة النبوية (2) العالم ينتظر النور (خطبة)
الشيخ عبدالله محمد الطوالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 21/10/2026 ميلادي - 11/5/1448 هجري

الزيارات: 54

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

السلسلة الذهبية في السيرة النبوية

(2) العالم ينتظر النور


الحمدُ للهِ الذي كانَ بعبادهِ خبيرًا بصيرًا، و﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ [الفرقان:1].. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [الإسراء:44].. والصلاةُ والسلامُ على من بعثهُ اللهُ تباركَ وتعالى هاديًا ومبشِّرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسِراجًا منيرًا، صـلوات اللهُ وسلامهُ عليـه، وعلى آله الأطهارِ، وصحابتهِ الأبْرارِ الأخيار، والتابعين وتابعيهم بإحسانٍ ما تعاقبَ الليلُ والنّهار، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

 

أمَّا بعدُ: فاتقوا اللهَ عبادَ اللهِ، والزموا سنَّةَ نبيكم تهتدوا، وأخلِصوا للهِ تبارك وتعالى نياتِكم تُفلِحوا، وابتعدوا عن المنكرات تسْلموا، واستبِقوا الخيراتِ تغنموا وتربحوا.. ﴿ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَار * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب ﴾ [غافر:39].

 

معاشر المؤمنين الكرام: هذه هي الحلقةُ الثانية من حلقات «السلسلة الذهبية في السيرة النبوية»، وكان عنوان حديثنا في الحلقة السابقة: لماذا ندرسُ السيرة.. وكان الجواب: لأنَّه لا يمكنُ الاقتداءُ بالرسول صلى الله عليه وسلم حتى نعرفَ سيرته، ونتعلَّمَ هديهُ وسنته.. ولأنَّ هديهُ عليه الصلاة والسلام هو الميزانٌ الذي توزنُ به الأعمال؛ فمن وافقه فهو على الحق، ومن خالفه فهو على باطل.. ولأنَّ في دراسة السيرة عونًا على فهم كتاب الله عزَّ وجل، ولأنَّ دراسةَ السيرة تُعمِّقُ محبةَ النبي صلى الله عليه وسلم وتزيدُها.. ولأنّ السيرةَ دليلٌ من دلائلِ نبوتهِ وصدقِ رسالته عليه الصلاة والسلام.. ولأنّ دراسةَ السيرةِ من أبواب السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة.. ولكي نأخذَ من السيرة هديًا عمليًا.. يكون له بإذن الله الأثرُ الإيجابيُ في إصلاح أحوالنا، واستقامة أمورنا.

 

والآن أيُّها الإخوة الكرام: تعالوا لنتأمّل قول الله تعالى في سورة الجمعة: ﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِين ﴾ [الجمعة:2].. ثم قال بعدها سبحانه: ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم ﴾ [الجمعة:4].. فإذا أردنا أن نفهم عظمةَ هذا البعث الإلهي الرحيم، ومدى ضخامةَ ذلك الفضل الرباني العظيم، وكم هو حجمُ ذلك الضلال المبين، الذي كان العالم يغرقُ فيه قبل مبعث المصطفى صلى الله عليه وسلم، فلننظر إلى الأحوال الدينيةِ والسياسيةِ والاجتماعيةِ السائدة في تلك الايام.

 

فقد كان العالمُ وقتها يترنحُ في غياهب الظلام، وبلغ من الانحطاط العامِ درجةً لم يشهد لها التاريخُ مثيلًا، فقد بُدلت الشرائع، وحُرفت الأديان، وعبدت الاوثان، وفشا الظلم، وعمّ الطغيان، وغدت الأنظمةُ الجائرةُ هي السائدةُ الحاكمة.. حتى صدق فيهم وصف المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه في صحيح مسلم: «إنَّ اللَّهَ نَظَرَ إلى أهلِ الأرضِ فمَقَتَهُم عَرَبَهُم وعَجَمَهُم إلَّا بَقايا مِن أهلِ الكِتابِ».

 

فها هي إمبراطورية الروم رغم حضارتها الظاهرة، وتقدمها المدني، قد تفرقت كنائسها، وتعددت مذاهبها، وتحولت إلى طوائف متناحرة، يكفُّر بعضها بعضًا، ويسحقُ بعضها بعضًا، واختلطت وثنية الرومان القديمة بتعاليم الإنجيل السماوية، حتى لم يبقَ من الدين إلا طقوسٌ جوفاء.. وإذا نظرت إلى الشِق الآخر، إمبراطورية فارس، رأيتَ أمةً تعبدُ النار، وتؤلهُ ملوكها وتقدسُهم.. وتغرق في مستنقعات الفُحشِ والمجون حتى استباحوا المحارم وخلطوا الأنساب، وأجرموا باسم الدين أيما إجرام.. وهكذا الشرق الأقصى، كالصين والهند وما ورائها، فقد انحطوا إلى دركةٍ سحيقة، فعبدوا الاصنام، والأحجار والأشجار وحتى الحيوان، وقُسِّمَ الناس إلى طبقاتٍ متمايزة، ما بين طبقةٍ منبوذة محتقرة، تعاملُ كالحيوان أو أسوأ.. وطبقة تحيطُ نفسها بهالةٍ من القداسة والعصمة، وتستبيحُ لنفسها كل شيءٍ، ودون خوفٍ من حسيبٍ أو نكير.

 

ولم تكن جزيرة العرب بمعزلٍ عن هذا التيه والفساد، فقد ابتعدوا عن حنيفية أبيهم إبراهيم، وأحاطوا الكعبة المشرفة بأكثر من ثلاثمائةٍ وستينَ صنمًا.. وكان لكل قبيلةٍ صنمٌ، وفي كل بيتٍ وثن، يدعونها ويتمسحون بها، ويتقربون إليها بالنذور والذبائح، ويلتمسون منها النفع والضر.. وركنوا إلى الكهان والعرّافين ومدعي علم الغيب، واستسلموا للأوهام، واستقسموا بالأزلام، حتى بلغ بهم الحالُ كما وصفه أبو رجاء العطاردي رحمه الله، حيث قال: «كُنَّا نَعْبُدُ الحَجَرَ، فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ أَخْيَرُ مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الآخَرَ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنَا جُثْوَةً مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ فَحَلَبْنَا عَلَيْهِ، ثُمَّ طُفْنَا بِهِ»؛ (البخاري).

 

ولم يكن الوضع السياسيُ بأفضل حالًا من هذا التخبط الديني، فقد خضعَ العالم لنظام القطبين المستبدين؛ الرومُ غربًا، والفرسُ شرقًا، كلٌّ منهما يسيطرُ على أجزاء واسعةٍ من الأرض، يسرقون خيراتها، ويستعبدون شعوبها، ومن قاومهم سحقوه ودمروه.

 

وفي ظل هذا الطغيان العام، عاش العرب في شتاتٍ سياسي، وتمزقٍ قبلي، فلا دولةَ تجمعُهم، ولا سلطانَ يوحدُهم، ولا نظامَ يحكمُهم، تتنازعُهم ولاءاتٌ خارجيةٌ مُتصارعة، فبعضهم تبعٌ لفارس، وبعضهم تبعٌ للروم، يجمعهم السلبُ والنهب، وتفرقهم الأحقادُ والحروب الدامية التي يمكن أن تقوم لأتفه الأسباب، ثم تمتدُ لعشرات السنين.. وتتحكم فيهم عصبيةٌ جاهليةٌ مقيتة، تقدم القرابةَ والقبيلةَ على حساب الحق والعدل، كما قال دريد بن الصمة: وَما أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ... غَوَيْتُ، وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ.. وكما قال الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب للنجاشي: «أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، ويَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ...».

 

هذا الفساد العريض في العقيدة والسياسة، ولَّدَ واقعًا اجتماعيًا واقتصاديًا مظلمًا، يقوم على الطبقية الجائرة، والظلم الفاحش، ويقسُّمُ المجتمع عمومًا إلى عمالٍ وأسياد، فالعمال وهم الأكثرية يعملون كالعبيد ويكدحون لتمويل رفاهية الأسياد ونعيمهم.. وسادةٌ مترفين، يملكون القوة والنفوذ والسلطة، ويحتكرون الثروات والمقدرات، فراحوا يثقلون كاهل الشعوب بالضرائب الباهظة، والمكوسِ الخانقة، فتردى الإنتاج، وكسدت الأسواق، وفسدت الأخلاق.. وانحدرت المجتمعات إلى هاوية سحيقة، واستفحش الربا وأُكلت أموال الناس بالباطل، ونُزعت الرحمة من القلوب، وهُضمت حقوق المرأة وغدت تُورَّث كالمتاع.. وربما أُحرقت مع زوجها الميت كما في الهند وغيرها، وبلغ الحالُ بالعرب أن يئدوا بناتهم في التراب خشية الفقر أو العار، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾ [التكوير:8].

 

وهكذا وصلت الأحوالُ إلى الحضيض، وبلغت البشرية بعمومها حدًا من الانحراف والفساد، وكأنها سفينةٌ تاهت وسطَ بحرٍ شديد الظلام، والأمواج العاتية تتقاذفها من كل مكان، قد أوشكت على الغرق والهلاك بكل من فيها.. فهي بأمسِّ الحاجةِ إلى مُنقذٍ عظيم، وقائدٍ حكيم، يتداركُ أمرها، ويعالجُ أوضاعها، ويُصححُ مسارها، ويقودها إلى بر الأمان.. وهنا يتجلى فضل الله ورحمته: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ﴾ [آل عمران:164].. فما أعظمها من رحمة، وما أجلُّه من فضل: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء:107].. ﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم ﴾ [الجمعة:4].

 

هذا ما تيسر إيرادهُ في حلقة اليوم، وللحديث بقيةٌ نستكملها بإذن الله في حلقاتٍ قادمة.. ﴿ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف:176].

 

أقول ما تسمعون...

 

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى، وصلاة وسلاما على عباده الذين اصطفى..

 

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله وكونوا مع الصادقين، وكونوا من ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَاب ﴾ [الزمر:18].

 

معاشر المؤمنين الكرام: بعد أن عرفنا شيئًا من سوء الأحوال التي وصل إليها العالم قبيلَ مولده عليه الصلاة والسلام.. يبرز سؤالٌ يستحقُ التأمل:

 

لماذا اختار الله جزيرة العرب مهدًا للرسالة الخاتمة، ومنطلقًا لأنوار الهداية العالمية..

 

لماذا لم يبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم في بلاد فارس أو الروم، فهي أكثر تقدمًا وحضارة.. أو في بلاد الهند واليونان، حيث الفلسفات والمعارف القديمة؟

 

والجواب ابتداءً: أن الله سبحانهُ وتعالى أعلمُ حيثُ يجعلُ رسالته، وأن اختيارهُ جلّ وعلا قائمٌ على حِكمٍ عظيمة، يظهرُ للمتأمل بعضُها، ويخفى عليه كثيرٌ منها.

 

فحين نتأملُ في أعماق تلك الحضارات القديمة، نجد أنها (كما ذكرنا سابقا) كانت تعيشُ انحرافًا فكريًا وفلسفيًا متجذرًا، وأن الفساد الديني والسياسي والاجتماعي قد نخر فيها حتى بلغ النخاع.. وأن الفلسفات الفكرية قد لوثت العقائد وأفسدتها، وأصلت للكفر وتعدد الآلهة، وأسست للباطل بناءً متكاملًا، له تصورات تحدده، وفلسفات تبرّره، وكيانات دينيةٌ تحميه وتحرسه، مما يجعل محاولة الإصلاح أمرًا عسيرًا جدًا، كمن يحاول البناء على أنقاض ركامٍ متهافت، نخر فيه الفساد حتى بلغ الأساس.. ومن كان هذا حاله فلا إصلاح له إلا بهدمه كاملًا، واقتلاعه من جذوره، ثم بناءه من جديد.

 

أما العرب فإنَّ جاهليتهم على سوئها، لم تتحول إلى منظومةٍ فكريةٍ فلسفية، بل على العكس كانت جاهليةً بدائيةً سببها العزلة والأمية، والفقر وقسوة الظروف، وانعدام المرشد والمعلم.. وقد بقيَ عندهم شيءٌ من آثار ملة أبيهم إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فكانوا يعظّمون البيت الحرام، ويحجّون إلى منى ومزدلفة، ويقفون بعرفة، ويعظّمون الأشهر الحرم، وكانوا يقرّون بأن الله هو الخالق الرازق: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ [لقمان:25].. وكان شركهم في العبادة والوساطة لا في أصل الإقرار بالرب، ولذلك قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ ﴾ [الزمر:3].. نعم كان لديهم أصنامٌ يعبدونها، وبدعٌ يمارسونها، وضلالاتٌ يعتنقونها، وعصبيةٌ مقيتةٌ تجمعهم أو تفرقهم، وهضمٌ لحقوق المرأة، وخمرٌ وميسر، وغيرها من الطوام.. لكنهم كانوا أمةً أميةٍ لا يقرأون ولا يكتبون، ولم يكن لديهم فكرٌ فلسفي، ولا تنظيرٌ عقلي.. ولهذا لما جاءهم الحق، لم يجدوا حُجةً فكريةً يقابلونه بها، وإنما قالوا: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ﴾ [الزخرف:23].. فهي عاداتُ آباء لا فلسفة، وعصبيةُ جهلٍ وتخلف، وما كان كذلك فلا يصمدُ طويلًا أمام الحجةِ والبرهان.

 

وحيث أنَّ الجزيرة العربية كثيرةُ الصحاري، يصعب تحمل أجوائها، وليس فيها ما يغرى الأعداء بغزوها، لذا فإنها لم تخضع لهيمنة القوى الكبرى، ولم تتأثر بأنظمتها أو ثقافاتها، فبقي لأهلها لغتهم وطباعهم، وصفاء معدنهم وبداوتهم، وعاداتهم المتأصلة فيهم..

 

فكان فيهم الكرم والنجدة واغاثة المستجير.. وكانوا يتحلون بالشجاعة وعزة النفس، ويأبون الضيم، ويرفضون الخنوع والاستبداد، ويبذلون النفس دون الحرمة والكرامة، وكان فيهم الوفاء بالعهد، وحفظ الجوار والذمة، ومراعاة الأحلاف.. وكانوا يعتدُّون بالصدق، ويأنفون من الكذب: يدل على ذلك ما في صحيح البخاري من قول أبي سفيان، حين سألهُ هرقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يومئذٍ عدوٌ مشرك، فقال: «فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ».. فإذا كان يأنفُ أن يكذبَ وهو في حال العداوة الشديدة، ففي غيره من الأحوال أولى.. كما كان العرب يتمتعون بقوة الذاكرة وسرعة الحفظ: فيحفظون الأنساب والأشعار والأيام والخطب بمجرد السماع.. وكانوا أرباب فصاحةٍ وقوةِ بيان، يحتفون بالكلمة البليغةِ ويُقيمونَ لها أسواقًا موسمية، كمواسم الشعر والخطابة.. ومن ثم فإنَّ هذه الخصال الفريدة، والأخلاق الأصيلة، هي من جعلت الإسلامَ يصوغُ منهم أعظمَ جيلٍ عرفه التاريخ، وخيرُ أُمةٍ أخرجت للناس.. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقةَ بقوله في الحديث المتفق عليه: «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا».

 

فالمعدن النفيس الخام كان موجودًا، فلمَّا جاء الإسلامُ صقلهُ وهذبه.. فصارت الفطرةُ الصافيةُ توحيدًا، والصدقُ إخلاصًا، والشجاعةُ جِهادًا، والكرمُ إنفاقًا في سبيل الله، والعصبيةُ أُخوّةً في الله، والأنفةُ عِزةً بالدين، وقوة الذاكرة حِفظًا للوحيين، وسحرُ البيان دعوةً وإقناعًا.. وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ»، أي أنه جاء ليتمّمَ ما كان فيهم من خير لا ليبدأ من الأساس..

 

أضف لذلك أنَّ موقع الجزيرة العربية كان موقعًا متميزًا، فهي تتوسطُ العالم كله، ولمكة بالذات مكانةٌ خاصة، ففيها البيت الحرام، وتُعدُّ مركزًا تجاريًا هامًا، وملتقىً عامًا للقبائل في موسم الحج، وكل هذا سيُسهم في انتشار الدعوةِ ونجاحها.

 

ومع كل ما ذكرنا، فإن أهمَّ ما في الجواب أنَّ الله جلَّ وعلا هو الذي اصطفى المكان وأهله، ولله الحكمةُ البالغة، وهو أعلمُ حيث يجعلُ رسالته، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود ﴾ [البقرة:125].. وفي صحيح مسلم، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ».

 

تلك يا عباد الله كانت حالةُ الأرض وما وصلت إليه مِنْ أوضاعٍ لا أسوأ منها.. فاتقوا الله عباد الله، واعرفوا قدر النعم التي من الله بها عليكم، والفضل الذي به غمركم..

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون ﴾ [آل عمران:103].

 

يا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفرقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان.

 

اللهم صل على محمد...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • السلسلة الذهبية في السيرة النبوية (1) لماذا ندرس السيرة (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • سلسلة دروب النجاح (1) البوصلة الداخلية: دليل لاختيار مسارك الجامعي بثقة(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • السلسلة الرمضانية – العيد وأحكامه(مادة مرئية - ملفات خاصة)
  • السلسلة الرمضانية - الست من شوال(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • السلسلة الرمضانية – قضاء الصيام(مادة مرئية - ملفات خاصة)
  • السلسلة الرمضانية.. أخطاء يقع فيها الصائمون(مادة مرئية - ملفات خاصة)
  • السلسلة الرمضانية – رمضان شهر الفتوحات(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • السلسلة الرمضانية – المرأه في رمضان(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • السلسلة الرمضانية – فضل الاعتكاف(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • السلسلة الرمضانية – تحري ليلة القدر(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • السلسلة الرمضانية – فضل ليلة القدر(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • «الإسلام والصحة النفسية».. محاضرة توعوية بعاصمة النمسا
  • الملتقى العالمي الرابع للأئمة والعلماء يعزز التعاون الإسلامي في أستراليا
  • حملة إسلامية في بلغاريا لاستكمال مشروع تعليمي يخدم الأجيال الجديدة
  • مسجد هاجرستاون يستقبل الجمهور في فعاليته السنوية للتعريف بالإسلام
  • انطلاق أعمال ترميم مسجد تاريخي في كوسوفا ضمن جهود صون التراث الإسلامي
  • مبادرة تعليمية إسلامية في فيينا لتعريف السكان بفرص التدريب والتأهيل المهني
  • "المدرسة الدينية 2026".. دورة إلكترونية لتعليم أساسيات الإسلام على مدار عام في القرم
  • طلاب تتارستان يتنافسون في حفظ وتلاوة أجزاء من القرآن الكريم بقازان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 10/5/1448هـ - الساعة: 14:52
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب