• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    حديث: إذا أمسك الرجل، الرجل وقتله الآخر
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    شروط صحة البيع وآدابه (خطبة)
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    سر الثبات في سورة شيبت النبي صلى الله عليه وسلم: ...
    د. علي شومان محمد علي أبو دية
  •  
    من فارق الدليل ضل السبيل
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    واجب المسلم في زمان الاستضعاف
    إيمان الخولي
  •  
    الطاهرة العفيفة: مريم بنت عمران (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    خطبة الإخلاص لله وحده
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    تعليقات على كتاب الأصول الثلاثة للإمام محمد بن ...
    الشيخ فهد بن ثقيل بن حماد اللاحقي
  •  
    سلسلة الميزان كيف نزن الشبهات (4) قبة الصخرة ...
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    تفسير سورة آل عمران الآيات (41-42)
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
  •  
    شرب الخمر من الكبائر
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    آثار تصحيح العقود: أثر تصحيح العقد على حكم الربح ...
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    نصائح وتوجيهات لمن يحضر الصلوات
    أحمد بن علي بن أحمد العنسي
  •  
    نفر من قدر الله إلى قدر الله
    عصام الدين أحمد كامل
  •  
    خطبة أحكام الشتاء
    سعيد بن محمد آل ثابت
  •  
    معاملة الرسول- صلى الله عليه وسلم- مع خصومه
    د. محمود مقاط
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / خواطر إيمانية ودعوية
علامة باركود

واجب المسلم في زمان الاستضعاف

واجب المسلم في زمان الاستضعاف
إيمان الخولي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 21/10/2026 ميلادي - 11/5/1448 هجري

الزيارات: 94

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

واجب المسلم في زمان الاستضعاف


اقتضت حكمة الله تعالى أن يبتلي عباده المؤمنين بتسلط أعدائهم عليهم مدة من الزمن؛ وذلك للابتلاء والتمحيص ولتمييز الخبيث من الطيب، وإنها لسنة الصراع بين الحق والباطل، وأن يكون للحق أعداء يكيدون له ويمكرون بأهله؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ [الأنعام: 112].

 

وقد تكون الحكمة من تسليط أعدائه على أوليائه أن يستخرج من المستضعفين الدعاء واللجوء إلى ربهم؛ إذ يقول تعالى: ﴿ فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [يونس: 85، 86].

 

كما أن من الحكمة إيقاظ الغافلين واستثارة هممهم وعزائمهم في مواجهة ومدافعة الباطل وأهله وبقاء جذوة الدين مشتعلة.

 

وإن ما نراه اليوم ويحدث للأقليات المسلمة في الأرض في الإيغور وبورما وغيرها من البلاد ما هو إلا سلسلة وامتداد لتاريخ طويل من الاستضعاف للمسلمين منذ عصر أصحاب الأخدود؛ فقد حفر الطغاة الحفر لكل من أسلم لله وحرقوهم أحياء، ويليهم فرعون وما فعله ببني إسرائيل؛ كان يقتل أطفالهم حتى تفنى هذه الطائفة ولا ينافسهم أحد على الملك، ويستخدم النساء في الخدمة وفي عصر النبوة كان المشركون يعذبون الفئة القليلة المسلمة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، تركه صلى الله عليه وسلم الأصنام في جوف الكعبة طيلة العهد المكي دون تحطيم لأنه وقت استضعاف، ثم تحطيمه لها في فتح مكة عند التمكين.

 

وكان النبي صلى الله عليه وسلم مأمورًا بالكف عن القتال في مكة والصبر على أذى المشركين وسخريتهم؛ لأن المسلمين كانوا مستضعفين في مواجهة الكفار، وعندما هاجروا إلى المدينة، وحدث التمكين لهم ولدين الله؛ أمرهم بالجهاد.

 

وتتكرر هذه المشاهد فنراها في قصة سقوط الأندلس حين استخدم النصارى كل وسائل التعذيب ضد المسلمين وقتها حتى يردوهم عن دينهم، حتى إنهم كانوا ينشرونهم بالمناشير، ويدفنونهم أحياء بالمئات وفي عصرنا هذا سمعنا عن البوسنة والهرسك المسلمين وقصتهم مع الصرب المعتدين من قتل واغتصاب للنساء وبقر بطون الحوامل؛ حتى يستأصلوا هذه الفئة المسلمة، وها نحن في عصرنا هذا نرى استخدام الظالمين لنفس أدوات التعذيب وأشكالها مع الأقليات المسلمة في بلادهم؛ من خطف الأطفال وإجبار النساء على الإجهاض وسجن الرجال، واغتصاب النساء، ويضطر من يفلت من العقاب أن يهاجر فرارًا بدينه وكأنها سنة في كل زمان ومكان، كتب الله أن تظل باقية حتى قيام الساعة؛ ألا وهي سنة الاستضعاف في الأرض والحق أن في كل مرة يُعذب فيها المسلمون من قتل وإحراق وتشريد، إلا وارتفعت راية الإسلام بعدها عالية فما سمع بهم أحد إلا وقرأ عن الإسلام وتعجب من هؤلاء الذين يدفعون حياتهم ثمنًا لتمسكهم بدينهم، وكأن الله عز وجل استخدم هذه الفئة القليلة لإعلاء كلمة الحق في الأرض، فكان الابتلاء في الدين هو نفسه سببًا في نشر الدين وكان التمكين مخبوءًا في الابتلاء؛ إنها إرادة الله لدفع الناس بعضهم ببعض حتى يتحقق وعد الله بالنصر والتمكين للإسلام ويتخذ من عباده جنودًا لتحقيقه؛ إذ يقول تعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾ [القصص: 5].

 

هل هناك أسباب لهذا الاستضعاف؟ هذا ما سنعرفه.

 

من أولى أسباب تمكن أعداء الإسلام من المسلمين: تفرقهم وانشقاقهم:

فقد حذرنا الله عز وجل من طاعة الكفار والركون إليهم، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 100].

 

حذر النبي من تقليد الأمة لليهود والنصارى، واحتذاء حذوهم فيما وقعوا فيه من معاصٍ وكبائر؛ عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع؛ حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟)).

 

فقد ثبت في الحديث الصحيح عن عبدالله بن عمرو قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي».


وقد بينت الآيات خطر تفرق المسلمين عن الصراط المستقيم واتباعهم الأهواء؛ فقال سبحانه: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ [الأنعام: 153]؛ يقول القرطبي: وهذه السبل تعُم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء؛ مما أدى إلى استنزاف طاقة المسلمين المادية والفكرية والبشرية في الداخل في صراعات مفتعلة في مجتمع منقسم على نفسه، وكان الأولى لها أن توجه للإصلاح الداخلي وإعمار الأرض وتعبيد الناس لله.

 

ومنبع كل ذلك هو التكالب على الدنيا وحب الجاه والرياسة، بل وصل الحال لبعضهم يبيع الدين بالدنيا وقبض الثمن والتحالف مع أعداء المسلمين ضد أبناء وطنه؛ مما مكن العدو من ديار المسلمين وأحكم سيطرته عليها.

 

والفرقة بينهم كانت إما فرقة بسبب تقسيم حدودي أو الفرقة بين الشمال والجنوب أو الفرقة داخل القبيلة الواحدة، والذى بدوره أدى إلى تمايز الناس بعضهم البعض على حسب الأحساب والأنساب وليس بتقوى الله كما وصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي من دعوات الجاهلية؛ ولأن العصبية هي المحاباة والمدافعة، والعصبية التي نهى النبي عنها هي أن يعين الرجل قومه على الظلم، لذلك كانت من أهم أسباب الفرقة والتقاتل بين الناس، فقد ركز الرسول صلى الله عليه وسلم على إزالتها وسد كل المنافذ المؤدية لها، فقد آخى بين الأوس والخزرج والمهاجرين والأنصار، ودعا إلى نبذ عادات الجاهلية، ومن ذلك قوله عز وجل: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 103].

 

وعن جابر رضي الله عنه قال: ((غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعاب، فكسع أنصاريًّا، فغضب الأنصاري غضبًا شديدًا حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال دعوى أهل الجاهلية؟ ثم قال: ما شأنهم؟ فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعوهما فإنها خبيثة، وقال عبدالله بن أبي بن سلول: أقد تداعوا علينا، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فقال عمر: ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث لعبدالله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه)).

 

فأمرهم عليه الصلاة والسلام بترك دعوى الجاهلية؛ لأنها خبيثة منتنة، ودعاهم للتعاون على الخير ونصرة الحق ونبذ كل دعوى للاجتماع على الظلم والعدوان، إذ يقول تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾ [المائدة: 2]، وربط القلوب برابطة العقيدة والأخوة في الله، وبينت السنة أن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله، وأثاب المرء عليها، إذ يقول صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من كن فيه وجد بهن طعم الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار))، فعلى المجتمع المسلم أن ينتبه لذلك في القرن العشرين، وينبذ أي تعصب لأحساب أو أحزاب أو أفكار ومعتقدات، ولندرك أن الأخوة في الله واجب، وأما اختلاف المذاهب فهو رحمة بالمسلمين، فلنرأب الصدع ولا ندع لأعداء المسلمين ثغرة يتسللون إلينا منها.

 

ومن أسباب الاستضعاف:

عدم الأخذ بأسباب القوة:

المتأمل لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجده قد أخذ بالأسباب منذ بداية الدعوة، ولجأ لكل وسيلة تحمي المسلمين وتؤمن لهم سلامة دينهم، كالهجرة إلى بلاد يأمنون فيها على دينهم، ومن ثم بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية، والمؤاخاة بين الأوس والخزرج والمهاجرين والأنصار، وأخذ العهود والتحالفات مع المشركين واليهود، وحياد الأعداء حتى تقوى الدولة الإسلامية وتستقر شؤونها.

 

وقد أمرنا الله عز وجل بالأخذ بأسباب القوة، قال تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 60]، وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بالرمي، فقال عليه الصلاة والسلام وهو على المنبر: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾ [الأنفال: 60]، ((ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي))، يقول القرطبي: المراد بالقوة هنا الرمي، وقد بيَّن صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان))، قال النووي رحمه الله: والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة، فيكون صاحب هذا الوصف أكثر إقدامًا على العدو في الجهاد، وأسرع خروجًا إليه وذهابًا في طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، وأنشط طلبًا لها، ومحافظة عليها ونحو ذلك، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((وفي كل خير)) فمعناه: في كل من القوي والضعيف خير؛ لاشتراكهما في الإيمان مع ما يأتي به الضعيف من العبادات.

 

ومن أسباب الاستضعاف ترك الجهاد في سبيل الله، فقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم عاقبة ترك الجهاد والانشغال عنه، وبين لنا أن عاقبة ذلك هو الذل، فقال: ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)).

 

والحديث فيه تحذير ووعيد شديد عن الاشتغال بالزرع في زمن يتعين فيه الجهاد، وإهمال القيام بوظائف العبادات، وترك الجهاد في سبيل الله المتعين فعله، وعاقبة ذلك الذل والهوان والضعف، الذي لا يرفعه إلا بالرجوع إلى دين الله، فما تداعت علينا أعداء الإسلام وتكالبت علينا إلا لتكالبنا على الدنيا واللهث وراءها وطول الأمل فيها، الذي أدى إلى تشبث الناس بالحياة وثقل عليهم فكرة التضحية بالنفس والموت في سبيل الله.

 

وهذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا سبب هذا الوهن الذي أصاب الأمة، قوله: ((يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال ثوبان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: لا، بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت، وفي رواية: وكراهية القتال)).

 

وقد حث المولى عز وجل المؤمنين على القتال ونهاهم عن العجز والوهن في ملاقاة العدو، وذلك في أحداث غزوة أحد برغم جراحهم، وقد ربط بين الإيمان والعلو في الأرض والتمكين، فحين يكون الإيمان صادقًا تعلو مكانة المسلم عند الله، ويهابه أعداؤه؛ لتمكن الدنيا من قلوبنا وسيطرة الوهن عليها إذ يقول تعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 139]، يقول السعدي: أي لا تفعلوا أفعال الضعفاء وأنتم أقوياء، فالوهن انكسار الجسد بالخوف وغيره، وأما الضعف فنقصان القوة، فإن وهن القلب مستدع لوهن البدن، وذلك يضعف عن مقاومة الأعداء، وإننا لنرى أن المسلمين اليوم يعانون حالة من الهزيمة النفسية، والتي بدورها نتجت من ضعف علاقتهم بالله عز وجل وعدم الالتزام بأوامره، وهو الذي يمدهم بأسباب القوة والعزيمة لمواجهة أي صعاب.

 

ومن أسباب الاستضعاف: الغزو الفكري والثقافي:

هذا الغزو الفكري الثقافي الذي يهدف إلى تشويه صورة الإسلام والتشكيك في القرآن والسنة النبوية، بل وشخص النبي، والتشكيك في تاريخنا الإسلامي، وتشويه الرموز والقادة المسلمين وتصويرهم في صورة منافية لأخلاقيات الإسلام. ومن الغزو الثقافي نشر فلسفات وثقافات غربية لا تناسب مجتمعاتنا الإسلامية، وتفكيك الأسرة، ونشر المذهب الفردي، وإبعاد المرأة عن دورها الأساسي في الحياة وهو رعاية أبنائها، بشعارات تحقيق الذات والطموحات خارج البيت، فتفككت وانهارت الأسر، كما ساعد الغزو الفكري والثقافي على نشر الإلحاد والعلمانية والاستشراق، والتغلغل إلى التعليم، وتمييع المسلم وإذابة الهوية الإسلامية، وتوجيه الإعلام وبث أفكار لا تليق بمجتمعاتنا الإسلامية، الهدف منها نشر الانحلال الأخلاقي، وتشويه صورة المتدينين، وصناعة أبطال وهميين، وإغفال الشباب عن القادة الحقيقيين.

 

إنها معركة طويلة أدت لاستضعاف المسلمين ووقوعهم تحت هزائم داخلية معنوية واقتصادية وتعليمية وثقافية قبل الهزيمة العسكرية أمام أعدائها من الخارج؛ وقد أخبرنا الله عز وجل عنها فقال سبحانه: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 109]، كما أخبر سبحانه عن استمرارها، فقال عز وجل: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴾ [البقرة: 217]، إنه الغزو الثقافي الذي أدى إلى إسقاط الخلافة الإسلامية، وإقامة سبعين جنسية على أنقاضها، وشغل كل بلد بنفسها وبمواطنيها عن النظر في أحوال جيرانها من المسلمين والاهتمام بشأنهم، وخلع عنهم رابطة العقيدة التي كانت تربطهم وواجبتها، واستبدالها بالقوميات والشعارات الوطنية، وشغلهم بأزمة رغيف العيش وغيرها من الأزمات الداخلية، كما أن استعار الشهوات واللهث وراء الرغبات الجنسية كان من أهم أدوات الغزو الإعلامي الذي سيطر بها على كثير من الشباب عقلًا وقلبًا وإرادة، بإعلاء قيمة الشهوات على التمسك بدين الله والتضحية من أجله، ومعرفة الغاية الحقيقية من الحياة، وخلخلة عقيدة المسلم.

 

كما حذر من حياة الترف الذي يكون سببًا في هلاك العباد والبلاد، وحث المسلمين على الأخذ بأسباب القوة التي منها تمسك المسلمون بدينهم وقوة إيمانهم بالله، وهي سر عزتهم وثباتهم في مواجهة عدوهم، فكلما قويَ الإيمان قويت الإرادة وعظمت التضحيات من أجل الحفاظ على الدين، فقد تجرع المسلمون الأوائل العذاب على يدي مشركي قريش، وصبروا واحتسبوا، منهم من قضى نحبه ورزقه الله الشهادة، ومنهم من فر بدينه إلى بلاد يأمن فيها على نفسه ودينه.

 

فهذا هو عمار بن ياسر عندما كان بنو مخزوم يعذبونه وأباه وأمه، ما كان يملك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يقول لهم: ((صبرًا يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة))، وعن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: ((شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا، فاحمر لونه أو تغير، فقال: كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون))، وكانت المرحلة المكية هي مرحلة بناء العقيدة حتى يسهل على الناس أن يتحملوا من أجل نصرة دينهم، وأن يمكن له في الأرض فترة الحديث عن الجنة والنار والإيمان بالغيب ويوم الحساب، وإلا فلماذا يضحي الإنسان إذا لم يعرف ثمرة تضحياته؟

 

ولما توعد فرعون بني إسرائيل جزعوا وتضجروا، فسكنهم موسى عليه السلام وأمرهم بالاستعانة بالله وبالصبر، وسلاهم ووعدهم النصر، وذكرهم بوعد الله لهم بإهلاك القبط وتوريثهم أرضهم وديارهم، قال تعالى: ﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128]، ليس معنى الصبر هنا هو الاستسلام للواقع أو قبولًا بالذل، بل هو ثبات على المبدأ، وانتظار لفرج الله، وجهاد مستمر حتى يأتي النصر من عند الله.

 

فكانت العاقبة كما قال سبحانه: ﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ﴾ [الأعراف: 137]؛ ليعلم الباطل أنه مهما علا وتجبر فهو إلى زوال أمام إرادة الله، وأن التمكين لدين الله وأوليائه المستضعفين هي سنة ماضية ووعد حق لا يتخلف.

 

ومن الأخذ بالأسباب تقوية اقتصاد البلاد وسد حاجاتها: فإن الله عز وجل أمرنا بعمارة الأرض، فقال سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ [الأعراف: 10]، وقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾ [الملك: 15]، فقد حث على الإنتاج الذي هو جزء من عمارة الأرض، فالأمة التي تنتج حاجاتها تستغني عن غيرها، والأمة الإسلامية مليئة بالموارد والطاقات التي يجب توجيهها لتعود بالنفع على الأمة، والإنتاج جزء من تلك العمارة، والأمة المنتجة تسد حاجاتها وتستغني عن غيرها، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة)).

 

وحث رسول الله صلى الله عليه وسلم على العمل، فقال: ((ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده))، وهذا الإنتاج بدوره يؤدي إلى الاكتفاء الذاتي الذي يغنيها عن الاحتياج لغيرها: الاكتفاء الزراعي والصناعي والتقني بحسب الإمكانيات المتاحة.

 

كم أثر الحصار الاقتصادي في الشعب على المسلمين حتى أكلوا ورق الشجر، وكم أثر حصار الرسول صلى الله عليه وسلم لقافلة أبي سفيان في تغيير مسار تحركاتهم، وكانت غزوة بدر وتحقق النصر للمسلمين

 

القوة الإعلامية:

لا ينكر أحد تأثير الإعلام في تغيير وجه المجتمع وأخلاقياتهم وتشويه صورة الإسلام، وقد ظهر ذلك منذ بداية الدعوة حين انطلقت الحملة الإعلامية للتكذيب بالقرآن والافتراء والطعن في النبي والتقول عليه أنه ساحر وأنه كاهن وأنه شاعر، إذ يقول تعالى: ﴿ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴾ [ص: 6]، قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ﴾ [الذاريات: 52]، وكيف كان تأثير الإعلام حين أُشيع مقتل عثمان حين بعثه الرسول للتحدث مع المشركين في مكة أنهم جاؤوا معتمرين وليس للحرب، فتأخر عثمان عندهم، فأُشيع أنه قُتل.

 

كان هذا في العهد المكي، وعندما هاجر النبي إلى المدينة لم تقف الافتراءات ونشر الإشاعات والأراجيف، فقد خاض المنافقون في عرض النبي وتحدثوا عن زوجته، وانتشرت الإشاعات تزلزل أرجاء المدينة حتى نزلت الآيات تبرئها بوحي من الله، فلا بد من مواجهة التضليل الإعلامي ولا ندع له الفرصة للنيل من الحق وأهله؛ ومن أمثلة ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رفض أن يقتل عبدالله بن أبي عندما قال ما قال في أثناء العودة من المريسيع، وبين لعمر -الذي انبرى لقتله وأراد استصدار أمر من النبي بذلك- أن الإعلام سيذيع عنه أنه بدأ يقتل في أصحابه، وقال: ((دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه))، فيجب التأكيد على حرمة نقل الأخبار الكاذبة والترويج لها، ويجب على المسلم ألَّا يسمع لهم ولا يركن إليهم، وأن يعمل عقله ويتدبر في الأمر بدلًا من إذاعته وإشاعته، كما أن عليه رد الشبهات وتفنيدها إذا كان على علم، ويعلم بذلك أنه يعين على الحق.

 

ومن الأخذ بالأسباب في مجال القوة الإعلامية:

الجهاد بالكلمة:

فقد أقسم الله عز وجل بالقلم فقال سبحانه: ﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ [القلم: 1]، وهو القلم المعروف عند الناس على أحد أوجه التفسير، وأقسم الله به لما فيه من المنافع والحكم، وإن الجهاد يكون بالسنان وكذلك بالبيان، عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)).

 

إن ظهور الإسلام بالعلم والبيان قبل ظهوره باليد والقتال، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مكث بمكة ثلاث عشرة سنة يظهر الإسلام بالعلم والبيان والآيات والبراهين، فآمنت به المهاجرون والأنصار طوعًا واختيارًا بغير سيف؛ [مجموع الفتاوى].

 

وقد كان الشعر وسيلة إعلامية وحربًا نفسية أثرت في هزيمة المشركين في العصر النبوي، كما أن من وسائل الجهاد باللسان الشعر، ولأهميته في المعركة مع الكفار أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حسان بن ثابت وأمره بهجائهم، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضع لحسان منبرًا في المسجد فيقوم عليه يهجو من قال في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن روح القدس مع حسان ما نافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم))، كما أن من وسائل مواجهة تضليل الإعلام:

 

كما يجب تربية الوعي لدى الشباب لأساليب الإعلام الحديث وتأثيره النفسي والفكري، ليكون المتلقي قادرًا على فرز المواد الإعلامية وكشف الأهداف الخفية وراءها، وإذا كان أهل الباطل يعملون ليل نهار، فحريًّا بأهل الحق أن يعملوا على تعزيز الإعلام المضاد وتطوير الإعلام الإسلامي المؤثر، لاستخدامه كأداة فاعلة في تفنيد الشبهات، وبث روح الأمل والإيجابية بدلًا من اليأس الذي تروج له بعض القنوات.

 

وليكون أهل الحق على يقين أن هذا التضليل سيمضي ويبقى الحق كما بقي من قبل: ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ﴾ [الرعد: 17]، ولكن عليهم الأخذ بالأسباب ونشر الوعي؛ حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا: ﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾ [الشعراء: 227].

 

يقول ابن القيم في الجواب الكافي:

إن المؤمن قوته من قلبه، وكلما قوي قلبه قوي بدنه، وأما الفاجر فإنه وإن كان قوي البدن فهو أضعف شيء عند الحاجة، فتخونه قوته عند أحوج ما يكون إلى نفسه، فتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانهم عند أحوج ما كانوا إليها، وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم.

 

فمهما بلغت الأمة من الضعف فلا يستولي عليها الكسل واليأس، فقد أرسل الله عز وجل إلى بني إسرائيل من يخلصهم من استضعاف فرعون لهم، ومكن لهم في الأرض وجعل منهم ملوكًا، ولكن لنرى الله من أنفسنا خيرًا.

 

وقد حث القرآن على الجهاد في سبيل الله فقال سبحانه: ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴾ [النساء: 75]، يقول القرطبي: حضت على الجهاد، وهو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب، ويفتنونهم عن الدين، فأوجب تعالى الجهاد؛ لإعلاء كلمته، وإظهار دينه، واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده، وإن كان في ذلك تلف النفوس، فإنه يستنهض فيهم همم المؤمنين ومشاعر الأخوة الإيمانية لنجدة المستضعفين الذين لا حيلة لهم في دفع الظلم عن أنفسهم؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الأنفال: 72].

 

هذا وإن الله عز وجل لم يأمر النبي بقتال المشركين في المرحلة المكية، وهم مستضعفون، لكن عندما هاجر النبي والصحابة إلى المدينة ومكن الله لهم، كان عليه واجب الجهاد للدفاع عن المقدسات، ولا يتركون البيت الحرام بين يدي الكفار، وأن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يظهر دين الإسلام على الدين كله.

 

من وسائل مواجهة الاستضعاف وأهم وسيلة هي علاقة الفرد بربه: هل يطيعه؟ هل يأتمر بأوامره؟ إذ يقول تعالى: ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ [النور: 54]، فهو الذي بيده الأمر كله، وهو الذي بيده قلوب العباد يحركها كيف يشاء، فعليه أن يصلح ما بينه وبين الله أولًا بالتوبة الصادقة من المعاصي التي تعد من أسباب البلايا، ودعاء الله عز وجل بكشف الضر: ﴿ فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ﴾ [الأنعام: 43]، وتصحيح الإيمان وقوة العقيدة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11].

 

ولنعلم أنه لن يحدث التغيير ويرفع تسليط الأعداء علينا إلا إذا تاب المسلم ورجع إلى ربه.

 

إذا كنت مقيمًا على ذنب، فاتركه لله، إذا كنت مقصرًا في الصلاة، آن الأوان أن تعود إليها.

 

إذا كنت هاجرًا للقرآن، فارجع إليه والزمه، تنصر الأمة بصلاح أفرادها، وتهزم بذنوبهم.

 

ومن واجبات المستضعفين الهجرة وترك الديار التي يفتنون فيها ولا يأمنون فيها على دينهم إلى ديار الأمن والعدل، إذ يقول تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء: 97].

 

عن ابن عباس: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم) وتلاها إلى آخرها، قال: كانوا قومًا من المسلمين بمكة، فخرجوا في قوم من المشركين في قتال، فقتلوا معهم، فنزلت هذه الآية، نزلت هذه الآية في ناس من أهل مكة أخفوا إسلامهم ولم يهاجروا، فلما كان يوم بدر خرجوا مع المشركين إلى حرب المسلمين فقتلوا، فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، وقالوا لهم ما ذكر الله سبحانه.

 

ومن الأدلة على وجوب الهجرة في كتاب الله قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 41]، وقوله سبحانه: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ﴾ [آل عمران: 195]؛ قال ابن حجر رحمه الله: وقد وقعت في الإسلام على وجهين، الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن، كما في هجرتي الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة. الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين، وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة إلى أن فتحت مكة، فانقطع الاختصاص وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيًا، فقد كانت فرضًا في البداية إلى أن فتح الله مكة ودخل الناس في الدين أفواجًا.

 

ومن تلك الأدلة:

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [الأنفال: 72]، فكانوا يتوارثون بالإسلام والهجرة مع وجود النسب، ثم نسخ بالرحم والقرابة، بقول الله تعالى: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ [الأنفال: 75].

 

لما لاقى المسلمون الأوائل في مكة العذاب أصنافًا على يد المشركين، أشار عليهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهبوا إلى الحبشة، فإن فيها حاكمًا عادلًا لا يظلم عنده أحد، فامتثلوا لأمر الله وهاجروا إلى الحبشة وعاشوا في أمان هناك.

 

ومن الأدلة ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: ((لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا))، فالذي انقطع الهجرة إلى المدينة حيث الرسول عليه الصلاة والسلام، والهجرة من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، والذي بقي الهجرة للفرار بالدين.

 

كما أن الهجرة سنة لكل صاحب رسالة، هكذا بينت لنا الآيات، قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ﴾ [إبراهيم: 13، 14]، وبيَّن لنا رسول الله حين قال: ((ما من نبي إلا وقومه أخرجوه))، ويقول تعالى في قصة شعيب: ﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ﴾ [الأعراف: 88].

 

ليأتي التثبيت الإلهي لأصحاب الدعوات والربط على قلوبهم بحتمية هلاك الظالمين والتمكين لدين الله وأهل الحق في الأرض، وليعلم أعداء الإسلام أن طبيعة هذا الدين تأبى على أصحابه التنازل عن عقيدتهم وهويتهم الإسلامية.

 

ولأهمية حدث الهجرة فقد وضع التقويم بتاريخ هجرة النبي، لأنه الحدث الذي فرق الله به بين مرحلة الاستضعاف ومرحلة التمكين.

 

من الواجبات في مواجهة الاستضعاف توحيد صفوف المسلمين:

 

الفرقة من أسباب الاستضعاف وطمع الأعداء وتسلطهم، والفرقة عذاب، وتوحيد الصفوف رحمة بالأمة، وقد نهى الله عز وجل عن التنازع والفرقة وحذر منه، وأخبرنا أنه سبب ذهاب القوة، قال تعالى: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 46]، فأمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله، ونهى عن الفرقة والتنازع، وأخبر أن الفرقة والتنازع يؤدي إلى الفشل، وهو ضعف القلب من فزع يلحقه، فالتنازع والاختلاف إلا لتحكم الأهواء والمصالح الشخصية، كما دعاهم إلى الصبر على طباع الناس، فنحن مختلفون عن بعض، فالمسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم.

 

وقال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 103]، يذكرهم أن الفرقة جاهلية، وأن الأخوة وتوحيد الصفوف نعمة وفضل من الله يتفضل به على عباده، يجمع به بين القلوب المتنافرة، وما يجمع بينهم إلا دين الله وحبله المتين، ودعاهم للاعتصام بالله ففيه الهداية لهم، يصور المشهد صاحب الظلال فيقول: وبينما حركة السقوط في حفرة النار متوقعة، إذا بالقلوب ترى يد الله، وهي تدرك وتنقذ، وحبل الله وهو يمتد ويعصم، وصورة النجاة والخلاص بعد الخطر والترقب، وهو مشهد متحرك حي تتبعه القلوب واجفة خافقة، وتكاد العيون تتملاه من وراء الأجيال.

 

قال تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الحجرات: 9]، ولم يزُل وصف الإخوة على المؤمنين حتى حال تقاتلهم، فقد بيَّن الله تعالى أنهم مع اقتتالهم وبغي بعضهم على بعض إخوة مؤمنون، وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل؛ [الجامع لأحكام القرآن].

 

يقول الشيخ ابن باز رحمه الله: وما يقال بالنسبة للأفراد يقال بالنسبة للأمم المسلمة؛ إذ يجب على الأمة القوية في مالها أو رجالها أو سلاحها أو علومها، أن تمد الأمة المستضعفة.

 

وقد أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالوحدة فقال عليه الصلاة والسلام: ((إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا وشبك أصابعه))؛ يقول المناوي في فيض القدير: أي كما أن الرجل إذا تألم بعض جسده سرى ذلك الألم إلى جميع جسده، فكذا المؤمنون ليكونوا كنفس واحدة، إذا أصاب أحدهم مصيبة يغتم جميعهم ويقصدوا إزالتها، وفي هذا التشبيه تقريب للفهم وإظهار المعاني في الصور المرئية.

 

فكل الاتفاقيات والمعاهدات والمشاريع والمصالح المشتركة لا يمكنها أن تجمع المسلمين كما تجمعهم العقيدة، ومتى ما غاب شعور الإخوة الإسلامية والجسد الواحد، غابت الألفة والمحبة والخير والقوة والتعاون والعدل، وحلت الفرقة والخلاف والنزاع والعصبية والضعف والظلم.

 

وقد اشتد أذى المشركين لهؤلاء الباقين من أفراد المسلمين؛ بعد عجزهم عن إدراك الرسول وصاحبه، ومنعهما من الهجرة، وبعد قيام الدولة المسلمة، وبعد تعرض الدولة المسلمة لتجارة قريش في بدر، وانتصار المسلمين ذلك الانتصار الحاسم، فأخذ المشركون يسومون هذه البقية المتخلفة ألوانًا من العذاب والنكال، ويفتنونهم عن دينهم في غيظ شديد.

 

وقد فتن بعضهم عن دينهم فعلًا؛ واضطر بعضهم إلى إظهار الكفر تقية، ومشاركة المشركين عبادتهم، وكانت هذه التقية جائزة لهم يوم أن لم تكن لهم دولة يهاجرون إليها - متى استطاعوا - فأما بعد قيام الدولة، ووجود دار الإسلام، فإن الخضوع للفتنة، أو الالتجاء للتقية، وفي الوسع الهجرة والجهر بالإسلام، والحياة في دار الإسلام، أمر غير مقبول.

 

وهكذا نزلت هذه النصوص؛ تسمي هؤلاء القاعدين محافظة على أموالهم ومصالحهم، أو إشفاقًا من مشاق الهجرة ومتاعب الطريق، حتى يحين أجلهم، تسميهم: (ظالمي أنفسهم)، بما أنهم حرموها الحياة في دار الإسلام، تلك الحياة الرفيعة النظيفة الكريمة الحرة الطليقة، وألزموها الحياة في دار الكفر، تلك الحياة الذليلة الخانسة الضعيفة المضطهدة، وتوعدهم (جهنم وساءت مصيرًا)، مما يدل على أنها تعني الذين فتنوا عن دينهم بالفعل هناك.

 

وعليه فإن الله لم يترك المؤمنين في أوقات الاستضعاف، بل أمرهم بالتوكل عليه وتعليق القلب به فقط، وهذا ما نراه في قصة موسى عليه السلام مع قومه حين تملكهم الخوف من بطش فرعون:

﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يونس: 84 - 87]، وكان التوكل هو الحصن الحصين من الفتن وطوق النجاة وقت نزول البلاء، وهذا ما فعله الأنبياء جميعًا حين أعلنوا التوكل على الله في مواجهة أقوامهم.

 

فهذا نوح شاخ في قومه يدعوهم إلى الله، وقابلوه بالسخرية والاستهزاء، فقابل كيدهم ومكرهم وجمعهم بالتوكل على الله تعالى، وهم أمة وهو واحد، فقال لهم: ﴿ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ ﴾ [يونس: 71]، يا لها من ثقة بالله عظيمة، واعتماد عليه وحده لا شريك له، لم يهب جمعهم، ولم يخش كيدهم، ولم يترك دعوتهم.

 

وقابل شعيب عليه السلام تكذيب قومه وصدودهم وتهديدهم بإعلان التوكل على الله تعالى، وقال أيضًا: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [هود: 88].

 

ولما خوف قوم هود هودًا بآلهتهم، تبرأ منهم ومن شركهم، وقابل تهديدهم بتحديهم، ولم يكن له سلاح ولا قوة إلا التوكل على الله تعالى، قال لهم: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ﴾ [هود: 55، 56].

 

ما أجمل أن يستسلم القلب لله ويفوض الأمر له، ويتبرأ من حوله وقوته والبشر أجمعين، فتسكن نفسه ويزول خوفه ويطمئن قلبه، ويكون قلبه خالصًا لله!

 

إن المؤمن يعرف أن الله مصدر القوة وملجأ الأمان، فيتوجه إليه بالفصل بين الحق والطغيان، ويعلم أن المعركة لا بد منها لا مفر، ويؤمن أن نهاية الطريق فتح ونصر.

 

ولكن عليهم الصبر على ما يلاقونه من أذى، فقد صبر الرسول والصحابة على أذى قومه، اتهموه بالسحر، والكهانة، والجنون، والشعر، وكان عمه أبو لهب يمشي خلفه في الأسواق ليكذبه ويصد الناس عنه.

 

في الطائف: خرج إليهم يرجو إسلامهم، فاستقبلوه برمي الحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين، وعندما جاءه ملك الجبال ليطبق عليهم الأخشبين (جبلين عظيمين)، وعانا الصحابة أيما معاناة ولاقوا صنوفًا من العذاب، وكل ذلك والرسول يأمرهم بضبط النفس والصبر حتى يأتي وعد الله بالنصر؛ فعن خباب بن الأرت قال: ((شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا، قال: كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)).

 

﴿ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ [إبراهيم: 12].

 

لنصبرن، لا نتزحزح ولا نضعف ولا نتراجع ولا نهون؛ ولا نتزعزع ولا نشك ولا نفرط ولا نحيد.

 

وهذه كلمة المطمئن إلى موقفه وطريقه، المالئ يديه من وليه وناصره، المؤمن بأن الله الذي يهدي السبيل لا بد أن ينصر وأن يعين، وماذا يهم حتى ولو لم يتم في الحياة الدنيا نصر إذا كان العبد قد ضمن هداية السبيل؟ والقلب الذي يحس أن يد الله -سبحانه- تقود خطاه، وتهديه السبيل، هو قلب موصول بالله لا يخطئ الشعور بوجوده -سبحانه- وألوهيته القاهرة المسيطرة؛ وهو شعور لا مجال معه للتردد في المضي في الطريق، أيًّا كانت العقبات في الطريق، وأيًّا كانت قوى الطاغوت التي تتربص في هذا الطريق، ومن ثم هذا الربط في رد الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- بين شعورهم بهداية الله لهم وبين توكلهم عليه في مواجهة التهديد السافر من الطواغيت؛ ثم إصرارهم على المضي في طريقهم في وجه هذا التهديد.

 

التوبة والرجوع إلى الله:

إن الذنوب والمعاصي تعد أكبر عائق يقف بين الإنسان وبين تحقيق أهدافه ونيل تأييد الله؛ فهي تضعف الهمة، وتورث الخذلان، وتضيق سبل الرزق والتوفيق، وفي المقابل، فإن الرجوع إلى الله يزيل هذا الركام، ويعيد للإنسان طمأنينته وقوته.

 

فما وقع بلاء إلا بذنب، وما ارتفع إلا بتوبة؛ ويقول الحق: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ [الشورى: 30]، وترى المسلم إذا وقع في ابتلاء أو تسلط عليه شرار الخلق يرجع السبب؛ لأنه لم يأخذ بالأسباب كفاية، ولكنها قوانين إلهية وقواعد خطها لنا الإسلام حتى لا نضل.

 

فليبادر كل منا إلى التوبة وترك المعاصي، فأول طريق نصرة الحق أن ننصر الله في أنفسنا أولًا على شهواتنا وأهوائنا، حتى يتحقق النصر على أرض الواقع.

 

الدعاء والالتجاء إلى الله:

إدراك أنه وحده الذي بيده نجاتك وإخراجك من الظلمات إلى النور، فلا تطلب النصرة من سواه، وأن يثبتك ويمكن لدينه في الأرض، فهو الذي بيده دفع الحق والباطل وإدارة الصراع بينهم لصالح أهل الحق، ولكنه ابتلاء لأهل الحق، فهل سيصبرون على مواجهة الباطل ويطول الوقت وهم مستضعفون، فهل سينجحون في الاختبار؟ لا بد من الثقة في موعود الله مهما طال الوقت، ومن ظن أن الله يترك أهل الحق أو يخذلهم فقد أساء الظن بالله، إذ يقول تعالى:

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 160]، ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 126].

 

نعم، لا نغفل عن الأخذ بالأسباب، ولكن لا نترك الدعاء، فلا نجاة إلا بالالتجاء لله ليرفع البلاء.

 

لذلك فإن الدعاء واحد من أسباب النصر المهمة ورفع الاستضعاف، وطريق نحو التمكين ودفع البلاء والفتنة.

 

أمرهم بالصلاة:

في قوله تعالى: ﴿ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ﴾ [يونس: 87]، أي اتخذوها مساجد، وصلوا فيها مستخفين في حال خوفكم من فرعون وقومه؛ فلا تتركوا الصلاة والإقبال عليها بأي حال؛ قال ابن كثير رحمه الله:

وكأن هذا -والله أعلم- لما اشتد بهم البلاء من قبل فرعون وقومه، وضيقوا عليهم، أمروا بكثرة الصلاة؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾ [البقرة: 153]، وفي الحديث: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى))؛ [أخرجه أبو داود].

 

كما أن الصلاة لها دور في تسكين النفس ورفع الضغوط النفسية، وما أكثرها هذه الأيام، وتعيد النفس إلى ثباتها الانفعالي، إذ يقول: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾ [المعارج: 19 - 22].

 

والمسلم مأمور بالصلاة في كل وقت، وخاصة عند الخوف، فهناك صلاة في المعركة تسمى صلاة الخوف، وصلاة عند الحاجة تسمى صلاة الحاجة.

 

وعليهم أن يوقنوا في نصر الله للفئة المستضعفة، كما قال موسى لقومه: ﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128]، فالملك ملكه، والسماء سماؤه، وما يحدث للمؤمنين لا يغيب عنه، ومالك الأرض ووارثها هو الذي يقرر متى يمكن للمؤمنين فيها، ومتى يطرد الظالمين منها وفقًا لسنته وحكمته.

 

والحقُّ إنه ليس لأصحاب الدعوة إلى رب العالمين إلا ملاذ واحد، وهو الملاذ الحصين الأمين، وإلا ولي واحد وهو الولي القوي المتين، وعليهم أن يصبروا حتى يأذن الولي بالنصرة في الوقت الذي يقدره بحكمته وعلمه، وألا يعجلوا، فهم لا يطلعون الغيب، ولا يعلمون الخير.

 

إن العاقبة للمتقين، طال الزمن أم قصر، فلا يخالج قلوب المستضعفين قلق على المصير، ولا يخايل لهم تقلب الذين كفروا في البلاد، فيحسبونهم باقين.

 

وهو الذي وعد بذلك في كتابه الحكيم إذ يقول تعالى: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الروم: 47]، وإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبشر بالنصر في عز الأزمات، ففي خضم معركة الأحزاب وأعداء الإسلام مجتمعون على الفئة القليلة المؤمنة، فغذا بالنبي يضرب الحجر فيرى بنور اليقين ويقول: الله أكبر، تفتح فارس، ولما لا وهو القائل، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها)).

 

وسُئل عبدالله بن عمرو بن العاص: أي المدينتين تفتح أولًا: القسطنطينية أو رومية؟ فقال: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب؛ إذ سئل صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولًا: القسطنطينية أم رومية؟ فقال: ((مدينة هرقل تفتح أولًا))، ترى الصحابة يعيشون باليقين الذي رباهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد هزم المسلمون أعداء الإسلام بقوة يقينهم بالله، وليس بكثرة عدة وعتاد.

 

فكلما قوي إيمان الإنسان بربه، وقويت صلته به، زاد يقينه في تأييد الله له، وتلاشت مخاوفه، وليعلم المسلم أن الله إذا أراد شيئًا فلا راد لقضائه، فعندما يقول: ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾ [القصص: 5]، إنها إرادة الله التي تقف في وجه أهل الباطل الذين تخدعهم قوتهم وسطوتهم، وينسون أن الله غالب على أمره، وأن المقياس عند الله مختلف، فالغلبة لمن اتبع دينه وائتمر بأوامره، فإنها سنة إلهية تجري، وتعطي الأمل لكل مستضعف أن العاقبة في النهاية لأهل الحق وإن طال الزمان، فأروا الله من أنفسكم خيرًا.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • محمد تلك الشخصية الساحرة
  • لغة الحوار بين الزوجين
  • ليدبروا آياته: سورة الحشر
  • تأملات في سورة الفيل

مختارات من الشبكة

  • يا معاشر المسلمين، زوجوا أولادكم عند البلوغ: تزويج الأولاد حق واجب فقهًا ونظاما(مقالة - موقع د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر)
  • ومضات نبوية: "أنتم شهداء الله في أرضه"!(مقالة - آفاق الشريعة)
  • واجبنا تجاه النبي (صلى الله عليه وسلم)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • واجبنا نحو رسولنا صلى الله عليه وسلم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • واجبنا نحو الإيمان بالموت (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • واجب أمة الإسلام نحو نبيها محمد عليه الصلاة والسلام(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وجبت محبتي للمتزاورين في (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أقوال الفقهاء في حكم خدمة الزوجة لزوجها(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • القلب السليم والقلب الضيق(مقالة - آفاق الشريعة)
  • جنس السفر المبيح للفطر(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • «الإسلام والصحة النفسية».. محاضرة توعوية بعاصمة النمسا
  • الملتقى العالمي الرابع للأئمة والعلماء يعزز التعاون الإسلامي في أستراليا
  • حملة إسلامية في بلغاريا لاستكمال مشروع تعليمي يخدم الأجيال الجديدة
  • مسجد هاجرستاون يستقبل الجمهور في فعاليته السنوية للتعريف بالإسلام
  • انطلاق أعمال ترميم مسجد تاريخي في كوسوفا ضمن جهود صون التراث الإسلامي
  • مبادرة تعليمية إسلامية في فيينا لتعريف السكان بفرص التدريب والتأهيل المهني
  • "المدرسة الدينية 2026".. دورة إلكترونية لتعليم أساسيات الإسلام على مدار عام في القرم
  • طلاب تتارستان يتنافسون في حفظ وتلاوة أجزاء من القرآن الكريم بقازان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 10/5/1448هـ - الساعة: 14:52
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب