• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    خلق الحياء وتحديات العصر (خطبة)
    د. عبدالرزاق السيد
  •  
    أمن الوطن أمانة ومسؤولية (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    المخالفات الشرعية المتعلقة بالعقود وأقسامها: ...
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    الحوار الأسري وأثره في استقرار البيوت (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    جرائم باسم الدين: بين ثقافة الخضوع وضرورة التصحيح
    محمد حسين حسن
  •  
    تأملات في اسم الله المهيمن
    أ. د. وجيه يعقوب السيد
  •  
    تفسير قوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    ثم ماذا بعد هذا؟!
    أمل محمد
  •  
    عطاء المحاريب (خطبة)
    د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
  •  
    خطورة الدَّين (خطبة)
    عبدالحميد أحمد عبدالحميد طايل
  •  
    بر الوالدين جهاد في سبيل الله
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    {وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا} ...
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    اسم الله (العظيم)
    خليل الحربي
  •  
    تخريج حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ ...
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا لهم نار جهنم لا ...
    تفسير القرآن الكريم
  •  
    خصال الفطرة.. امتثال وجمال (خطبة)
    رمضان صالح العجرمي
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب / في النصيحة والأمانة
علامة باركود

خلق الحياء وتحديات العصر (خطبة)

خلق الحياء وتحديات العصر (خطبة)
د. عبدالرزاق السيد

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 28/9/2026 ميلادي - 17/4/1448 هجري

الزيارات: 66

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خُلُق الحياء وتحديات العصر

 

الحمد لله، الحمد لله ذي الفضل والإحسان، جعَل الحياءَ شُعْبَةً من شُعَب الإيمان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بمكارم الأخلاق، وجعلها من صفات أهل الإيمان، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله ربه رحمةً للعالمين، وإمامًا للمتقين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن تبِعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أهمية الحديث عن الحياء:

أيها المسلمون، إن من أجلِّ الأخلاق التي جاء الإسلام بتكميلها، وربَّى عليها النفوس، وجعله شعبةً من الإيمان، وخِصال أهل الفضل والإحسان من الأنبياء والمرسلين، ومن صفات الملائكة المكرمين، وهو رأسُ مكارم الأخلاق، وزينة الإيمان، وشعار الإسلام، ذلكم هو خُلُق الحياء، يحمل صاحبه على فعل الجميل، ويكفُّه عن القبيح، فهو نورٌ في القلب، وزينةٌ في السلوك، وحارسٌ للأعراض، وسياجٌ للأخلاق، إذا استقر الحياء في القلوب صلحت السرائر، واستقامت الجوارح، وحسنت الأخلاق، واستقامت الأحوال، وإذا نُزع الحياء تجرَّأت النفوس على المعاصي، وهانت عليها المنكرات، وكان ذلك من أعظم أسباب فساد الأفراد والمجتمعات.

 

حديث القرآن والسنة عن الحياء:

أيها المسلمون، لقد جاء القرآن الكريم والسنة النبوية بتعظيم خُلُق الحياء، وبيان منزلته، وربطه بالإيمان، حتى صار من أعظم أخلاق المؤمنين، وأجلِّ صفات الصالحين، ومن ذلك قوله تعالى في قصة ابنة الرجل الصالح: ﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ﴾ [القصص: 25]، فخلَّد القرآن حياءها، وجعله موضع مدحٍ وثناء.

 

وعبَّر القرآن عن الحياء بلباس التقوى؛ حيث جاء في قوله تعالى:﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ [الأعراف: 26]، قال الغزالي: لباس التقوى يعني ‌الحياء.

 

وقال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ﴾ [ الأحزاب: 53]، قال الشوكاني: أَيْ يَسْتَحْيِي أَنْ يَقُولَ لَكُمْ: قُومُوا، أَوِ اخْرُجُوا.

 

وفي السنة النبوية إن الحياء هو خُلُق الإسلام؛ فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الإِسْلامِ الْحَيَاءُ)؛ ابن ماجه، وحسَّنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.


الحياء ورفعة الإنسان في الدنيا والآخرة:

أيها المسلمون، إن أعظم الحياء وأشرفه الحياء من الله سبحانه وتعالى، الذي يعلم السر وأخفى، ويرى العبد حيث لا يراه أحد، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فمن استحيا من الله حق الحياء عظُمت مراقبته لربه، واستقامت جوارحه، وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم الحياء من الله؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استَحيوا منَ اللَّهِ حقَّ الحياءِ، قُلنا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا لنَستحيي والحمد لله، قالَ: ليسَ ذاكَ، ولَكِنَّ الاستحياءَ منَ اللَّهِ حقَّ الحياءِ أن تحفَظ الرَّأسَ، وما وَعى، وتحفَظَ البَطنَ، وما حوَى، ولتَذكرِ الموتَ والبِلى، ومَن أرادَ الآخرةَ ترَكَ زينةَ الدُّنيا، فمَن فَعلَ ذلِكَ فقدَ استحيا يعني: منَ اللَّهِ حقَّ الحياءِ)؛صحيح الترمذي، فليس الحياء من الله كلمة تُقال، بل مقام يُرى في السلوك، واستقامة تُلمس في الجوارح، وصدقٌ يظهر في الخلوة قبل العلانية.

 

والحياء شريعة جميع الأنبياء، فهو مما توارثوه عليهم السَّلام؛ ففي صحيح البخاري عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ البدري رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ)، ‏وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم المَثَل الأعلى في الحياء؛ ففي الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: (كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ)، ومع هذا الحياء العظيم كان أثبت الناس في الحق، وأقواهم في نصرة الدين، فجمع بين الحياء والشجاعة، وبين اللين والثبات، فكان خلقه ميزان الكمال الإنساني.

 

إن الحياء مرتبطٌ بالإيمان ارتباطًا لا ينفك، وهو شُعبة من شعب الإيمان؛ ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ).


وإذا كان الحياء في الرجال مروءة وأخلاقًا وكمالًا وجمالًا، فإنه في النساء زينة وجمال، وحسن وبهاء وعفة ودلال، وهو أزين زينتهن وأفضل أخلاقهنَّ، وانظري إلى حياء بنت صاحب مدين عندما عادت إلى موسى عليه السلام؛ لتدعوه إلى مكافئة أبيها على سقيه لهما غنمهما؛ قال الله تعالى: ﴿ فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ﴾ [القصص: 25]، وجلباب الحياء أعظم ما تستتر به المرأة المسلمة، وله أثر عظيم في صلاح أقوالها وأفعالها وتصرفاتها.

 

إن الحياء ليس خلقًا فرديًّا فحسب، بل هو أساس صلاح المجتمع، وميزان رقيِّه، وهو أبهى زينةً يتزيَّن بها المؤمن؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (ما كانَ الفُحشُ في شيءٍ إلَّا شانَهُ، وما كانَ الحياءُ في شيءٍ إلَّا زانَهُ)؛ صحيح التَّرغيب.


والحياء بين الناس يُورث طهارة اللسان، وغض البصر، وحفظ السمعة، وسمو الأخلاق في المجتمع المعاصر الذي كثُرت فيه الجرأة وقل فيه الحياء.

 

ومن تخلَّق بالحياء رفَعه الله، رفعه في الدنيا محبةً وقبولًا، ورفَعه في الآخرة درجةً وفضلًا، فإن القلوب مفطورة على محبة أهل الحياء، وقد سمع النبي رجل ينصح رجل أن يدع الحياء، فقال له كما في الصحيحين عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قال: (مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى رَجُلٍ، وَهُوَ يُعَاتِبُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِي، حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ أَضَرَّ بِكَ"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (دَعْهُ؛ فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ).


عندما يضيع الحياء في المجتمع:

أيها المسلمون، إن من أعظم المصائب التي تُبتلى بها المجتمعات المعاصرة أن يُنزع منها الحياء؛ لأن الحياء هو الحارس الذي يقف بين الإنسان وبين الانحطاط الأخلاقي، فإذا سقط هذا الحارس انطلقت النفوس بلا ضابط، وتجرأت على ما كانت تستقبحه الفِطر، وهانت المحرمات في القلوب شيئًا فشيئًا حتى تُستباح، وقد جاء القرآن بسدِّ كل طريقٍ يُضعف الحياء أو يفتح أبواب الفتنة؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 32]، آية تُرسي أصل الحياء، وتغلق أبواب الفتنة من بدايتها.

 

إن ضياع الحياء لا يأتي دفعةً واحدة، وإنما يبدأ بخطواتٍ يسيرة؛ بنظرةٍ محرمة، أو كلمةٍ ساقطة، أو صورةٍ تُنشر، أو مقطعٍ يُتداول، أو مزحةٍ تُخدش بها المروءة، حتى يألف المنكر، ثم يبرِّره، ثم يدعو إليه، ثم يفاخر به أمام الناس، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديثأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ)؛ متفق عليه.


انظروا إلى واقع الناس اليوم؛ كم من حياءٍ انتُزع بسبب شاشةٍ صغيرة يحملها الإنسان في يده! وكم من بيوتٍ تفكَّكت بسبب رسالةٍ خفية! وكم من قلوبٍ انزلقت حين ظن أصحابها أن الخلوة عبر الأجهزة ليست خلوة، وأن الله لا يراهم!

 

وأصبح عند بعض الناس انقلابٌ في المفاهيم، فترك الحياء يُسمى حرية، والتبرج يُسمى تحضرًا، والبذاءة تُسمى جرأة، وكشف الخصوصيات وسب الناس يُسمى شجاعة، مع أن الله تعالى جعل رفعة الإنسان في عفته، وكرامته في حيائه، وسقوطه في مجاهرته بمعصيته.

 

أيها الأحبة، إذا ضاع الحياء ضعُفت هيبة الوالدين، وانهدم احترام الكبير، وانتشرت الفواحش، وتقطعت الروابط، وضاعت الأمانات، وسهل الكذب والغش والخيانة، والتهاون في الحرام في الكسب والمعاملات؛ فلا يبالي ببيع الحرام، أو أكل المال بالباطل، أو الغش في البيع والشراء؛ لأن من لا يَستحيي من الله لا يستحيي من الناس، وإذا سقط الحياء سقطت معه المروءة كلها.

 

وإذا أردتم أن تروا صورةً من صور ضياع الحياء في هذا العصر، فانظروا إلى ما صنعت بعض وسائل التواصل الاجتماعي؛ فإنها أصبحت ميدانًا تُعرض فيه العورات، وتُنتهك فيه الخصوصيات، وتُطلب فيه الشهرة ولو على حساب الدين والحياء والمروءة.

 

لقد اجتاحت مجتمعاتِنا ثوراتٌ رقميةٌ عاتية، كأنها براكينُ متأججة، لا تُلقي بحِممها على الحجر والشجر، وإنما تقذف بها إلى القلوب والعقول والأخلاق، دخلت كثيرًا من البيوت بلا استئذان، فمزقت ستورًا، وكشفت أسرارًا، وزعزعت قيمًا، وبدلت عادات، حتى جرَّت بعض الناس إلى السفور والفجور، والكذب والدجل، وحب الظهور، والاستعلاء والوشاية، والإسراف والطغيان، فخرجوا من ميدان الفضيلة إلى مستنقع الابتذال، ومن سمو الأخلاق إلى سفاسف الأمور.

 

لقد صار بعض الناس أسيرًا لشهوة الشهرة، وعبدًا للإعجابات والمتابعات، حتى أصبح قلبه يتقلب مع كل موجة، وعقله يُقاد حيث تُقاد الأهواء، وضعف في نفوس كثيرين سلطان الحياء، فإذا ضعف الحياء سهل اقتحام المحرمات.

 

لقد فُتحت أبواب وسائل التواصل على مصاريعها، فانتفع بها قوم، وأساء استخدامها آخرون، حتى رأينا من يكشف أسرار بيته بيده، ومن تنشر أسرارَ بيتها بجوالها، وتعرض زينتها أمام الناس، ومن تجعل حياتها الزوجية مادةً للمشاهدات، ومن يُظهر والديه أو أهله في مواقف لا تليق طلبًا للضحك أو الشهرة، وكأن الحياء قد غاب، والغيرة قد ضعفت، ويعرض خصوصيات أسرته أمام الملايين، لا يبالي بحرمة، ولا يستحيي من نظرة، ولا يخشى سؤالًا بين يدي الله.

 

فإلى أين نحن ذاهبون إذا أصبح كشف الأستار طريقًا إلى الشهرة، ضاعت هيبة البيوت، وهان سترها؟! إن الحياء سياج الأخلاق، فإذا انكسر السياج، تجرأت النفوس على المعاصي، وهانت الفضائل، وسهل الوقوع في كل قبيح، إنها خُطوات شيطانية لنزع الحياء والوقوع في المهلكات التي تقود الإنسان إلى النار، ‏ولقد حذرنا الله تعالى من عداوته وفتنته؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر: 6].

 

كيف نتخلق بالحياء:

أيها المسلمون: اعلموا أن الحياء ليس خُلُقًا يولد به الإنسان فقط، بل هو خُلُقٌ يُغرس في النفس، ويقوى بالطاعة، ويضعف بالمعصية، ومن أراد أن يرزقه الله الحياء، فليأخذ بأسبابه.

 

أولًا: استشعار مراقبة الله تعالى: فإذا أيقن العبد أن الله يراه في كل حين، استحيا أن يراه حيث نهاه، أو يفتقده حيث أمره، ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [ غافر: 19]، وهي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة، فعن سَعِيدِ بن يَزِيدَ الأَزْدِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي، قَالَ: (أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحِييَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا تَسْتَحِيي مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ)؛ أحمد، وصححه الألباني.


ثانيًا: المحافظة على الصلاة والطاعات: فالصلاة صلةٌ بين العبد وربه، وهي التي تزكي النفس، وتنهى عن الفحشاء والمنكر؛ كما قال سبحانه: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ﴾ ]العنكبوت: 45[، وكلما ازداد العبد قربًا من ربه، ازداد حياؤه منه.

 

ثالثًا: غض البصر وحفظ السمع واللسان: فكم من حياءٍ ضاع بسبب نظرة، وكم من قلبٍ فسد بسبب كلمة، أو في تدخُّلٍ فيما لا يَعنيه، والله تعالى يقول: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤولًا ﴾ [ الإسراء: 36].

 

رابعًا: اختيار الصحبة الصالحة: فالمرء يتأثر بجليسه، فإن جالس أهل الحياء والوقار، اكتسب من أخلاقهم، وإن جالس أهل السوء، جرُّوه إلى ما هم عليه، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الرجلُ على دينِ خليلِه، فلينظرْ أحدُكم من يُخالِلُ)؛ صحيح أبي داود.


خامسًا: تربية الأبناء على الحياء: أيها الآباء والأمهات، إن الحياء لا يُغرس بالكلام وحدَه، بل بالقدوة الحسنة، فإذا رأى الأبناء آباءهم وأمهاتهم يحفظون ألسنتهم، ويغضون أبصارهم، ويتحلون بالأدب والوقار، نشؤوا على ذلك، فأنتم مسؤولون عن غرس هذا الخلق في نفوسهم منذ الصغر.

 

سادسًا: حسن استخدام وسائل التواصل: إن هذه الوسائل نعمة إذا استُعملت في الخير، ونقمة إذا استُعملت في الشر، فليستحي المؤمن من ربه قبل أن ينشر صورة، أو يكتب كلمة، أو يشارك مقطعًا، وليتذكر أن الله مطَّلع عليه، وأنه مسؤول عن كل ما ينشره؛ قال تعالى: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ ق: 18].

 

أيها الأحبة: إن الحياء ليس قيدًا على الإنسان، بل هو زينة له، وليس عائقًا أمام النجاح، بل هو سبب لرِفعة صاحبه في الدنيا والآخرة، وإذا أردنا لمجتمعاتنا أن تبقى قويةً متماسكة، فعلينا أن نحفظ هذا الخلق العظيم، وأن نُورثه لأبنائنا كما نورثهم العقيدة والعبادة.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • خلق الحياء
  • خلق الحياء وبيان فضله
  • خلق الحياء وحاجة المجتمعات إليه
  • تذكير الأتقياء بخلق الحياء (خطبة)
  • تذكير النبلاء بخلق الحياء (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • المراهقون بين هدي النبوة وتحديات العصر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خلق الحياء وحاجة المجتمعات إليه وقوله صلى الله عليه وسلم: الحياء لا يأتي إلا بخير(محاضرة - موقع الشيخ د. خالد بن عبدالرحمن الشايع)
  • اللغة العربية: تحديات حالية وحلول مستقبلية(مقالة - حضارة الكلمة)
  • هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الأخلاق: الحياء(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الحديث السابع: تفسير الحياء من الإيمان(مقالة - آفاق الشريعة)
  • شباب المسلمين في ملبورن على موعد مع مؤتمر «تحديات، مسؤوليات، تأثير»(مقالة - المسلمون في العالم)
  • التربية الوقائية: مدخل للتحصين المجتمعي في عصر التحديات ورؤية المملكة 2030(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • مؤتمر دولي في لاغوس يناقش فقه العقيدة الصحيحة والتحديات المعاصرة(مقالة - المسلمون في العالم)
  • الذكاء الاصطناعي: المفهوم، النشأة، الإيجابيات، التحديات: الكويت نموذجا(مقالة - ثقافة ومعرفة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • بعد سنوات من العمل والتبرعات.. افتتاح المركز الإسلامي في إيست سيراكيوز
  • اختتام برنامج تدريبي لتطوير مهارات القيادة والإدارة والتواصل للأئمة في توزلا
  • بعد 8 سنوات من البناء... مسجد جديد يفتح أبوابه بمدينة سومور الفرنسية
  • لأول مرة في تاريخها... إندونيسيا تطلق أول معرض لتلاوة القرآن الكريم بلُغة الإشارة
  • مساجد بريطانيا تفتح أبوابها أمام الجميع في النسخة الـ11 من «زر مسجدي»
  • «الرعاية معا».. مؤتمر طبي إسلامي يجمع 200 متخصص وطالب في أستراليا
  • التوسع في البرامج القرآنية للأطفال والبالغين في الفولغا مع بداية العام الدراسي
  • انطلاق أولى محاضرات موسم الشباب المسلم بتتارستان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 17/4/1448هـ - الساعة: 10:3
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب