• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    سورة الأنبياء واستجابة الله الدعاء (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    تحريم سب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله..} (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    الابتلاء بالمصائب والنعم (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    تعظيم بيوت الله وآداب قاصديها (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    المواقف العصيبة التي يندم فيها المفرطون (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    فضيلة الصبر (خطبة)
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    من فضل العدل في القضاء... العادلون على منابر من ...
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    فوائد وأحكام من قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان (خطبة)
    محمد حسين حسن
  •  
    حقيقة التقوى وثمراتها (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    الرد على شبهة: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ...
    د. جاسر يزن سيف الدين
  •  
    فصول في ظلال السيرة النبوية (1): تمهيد (آباء ...
    أ. د. علي حسن الروبي
  •  
    الابتلاء بالتكاليف الشرعية (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    مواعظ وذكرى (خطبة)
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الذكر والدعاء
علامة باركود

{فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله..} (خطبة)

{فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله..} (خطبة)
د. عبد الرقيب الراشدي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 10/8/2026 ميلادي - 27/2/1448 هجري

الزيارات: 37

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله

الخطبة الأولى


الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].


عباد الله:
اعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذنا الله وإياكم من البدع والضلالات ومن النار؛ أما بعد أيها المؤمنون:

فقد روى الإمام الترمذي في سننه، وأحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه بسند صححه الألباني في صحيح الترمذي، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورِق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ 
قالوا: بلى يا رسول الله. 
قال: ذكر الله تعالى))
.


أيها المؤمنون، تأملوا هذا التوجيه النبوي العظيم، النبي صلى الله عليه وسلم يسأل أصحابه: أتريدون أن أدلكم على أفضل أعمالكم، وأطهرها عند ربكم، وأرفعها في منازلكم في الجنة، وخير لكم من بذل الذهب والفضة في سبيل الله، وخير لكم من لقاء عدوكم في ميدان الجهاد؟ فلما قالوا: بلى يا رسول الله، بين لهم أن أعظم ذلك كله هو ذكر الله تبارك وتعالى، فدلَّ هذا على عظم منزلة الذكر، ورفعة شأنه، وأنه يتفوق على كثير من العبادات إذا صحت به النية وخلص به القلب.

 

أيها المؤمنون، لا نزال في أيام شهر ذي الحجة المبارك، وهذا الشهر العظيم يؤدي فيه من وفقه الله تعالى لحج بيته الحرام؛ الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو فريضة الحج، والحج في حقيقته وروحه عبادة عظمى قوامها ذكر الله تعالى وتعظيمه؛ ولذلك أمر الله تعالى الحُجاج بذكره في أغلب مواطن الحج ومناسكه؛ قال سبحانه: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾ [البقرة: 198]، وروى أبو داود والترمذي بسند صححه الألباني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما جُعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، لإقامة ذكر الله)). فالمسلم في طوافه، وفي سعيه، وفي رميه للجمار، يذكر الله بلسانه وقلبه، ويستحضر عظمته، ويجدد عهده معه؛ ولهذا لما قضى الحجاج مناسكهم، وختموا حجهم، جاءت الوصية الإلهية المباشرة بعد انقضاء النسك، فقال جل وعلا: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ [البقرة: 200]، أي: إذا فرغتم من أعمال الحج، فلا تنقطعوا عن ذكر الله، بل اجعلوا ذكركم له أشد من شوقكم إلى أهلكم وولدكم ودياركم، فإن الذكر هو زاد الرحلة وغاية المقصد، وفي خطبتنا هذه سوف نتحدث عن فضائل ذكر الله تعالى، وعن أهميته، وعن أنواعه.

 

أيها المؤمنون: ذكر الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه القيم "الوابل الصيب في الكلم الطيب" أكثر من خمسين فائدة جليلة من فوائد ذكر الله تعالى، وقال في "مدارج السالكين": الذكر منزلة القوم الكبرى، التي منها يتزودون، وفيها يتجرون، وإليها دائمًا يترددون، وهو قوت قلوب القوم الذي متى فارقها صارت الأجساد لها قبورًا.

 

أيها المؤمنون: من فضائل ذكر الله تعالى أنه العبادة الوحيدة التي أمر الله بالإكثار منها على وجه الإطلاق.


المقصود هنا أن الله لم يأمر عباده بالإكثار من عبادة معينة كما أمر بالإكثار من ذكره؛ فالصلاة لها عدد محدد، والصيام له زمن محدد، والزكاة لها نصاب، لكن الذكر مفتوح بلا حد؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 41]، ولم يقل: صلوا كثيرًا، أو صوموا كثيرًا، لأن الإكثار في غير الذكر قد يشق، أما الذكر فهو يسير على اللسان، عظيم في الميزان.


ثم ربط الله الفلاح بكثرة الذكر فقال: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الأنفال: 45].


ووعد الذاكرين والذاكرات بالمغفرة والأجر العظيم فقال: ﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 35]، فمن أراد الفلاح والنجاة فعليه بملازمة الذكر وكثرته.

أيها المؤمنون: ومن فضائل ذكر الله تعالى أنه عبادة سهلة ميسورة لا تتقيد بزمان أو مكان أو حال. 
المقصود أن الذكر لا يُشترط له طهارة كالصلاة، ولا وقت معين كالصيام، ولا مكان مخصوص كالحج، تذكُر الله وأنت قائم، وأنت قاعد، وأنت على جنبك، في بيتك، في سوقك، في طريقك.


وصف الله أولي الألباب فقال: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾ [آل عمران: 190، 191]؛ ولأجل هذا اليسر، أرشد النبي صلى الله عليه وسلم من عجز عن نوافل العبادات الشاقة إلى الإكثار من الذكر؛ روى الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء رضي الله عنه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من عجز منكم عن الليل أن يكابده، وعن النهار أن يصومه، وعن المال أن ينفقه، وعن الجهاد أن يجاهده، فليكثر من ذكر الله)).


فإذا عجزت عن قيام الليل أو صيام النهار أو بذل المال أو الجهاد، فباب الذكر مفتوح لك في كل وقت، وهو يغنيك عن ذلك كله في الأجر إذا صحت النية.

 

أيها المؤمنون: ومن فضائل ذكر الله تعالى أنه روح العبادات وغايتها، المقصود أن العبادات شُرعت في الأصل لإقامة ذكر الله، فالصلاة كلها ذكر: تكبير، وقراءة قرآن، وتسبيح، ودعاء؛ قال الله لموسى عليه السلام: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ [طه: 14].


ولم تنتهِ مهمة الذكر بخروجك من الصلاة، بل أمرنا الله بالاستمرار فيه فقال: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ ﴾ [النساء: 103].


وقال في شأن الجمعة: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الجمعة: 10]، وقال تعالى في شأن الصيام: ﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 185]، وأمر الله تعالى الحجاج بعد إتمام حجتهم أن يذكروا الله تعالى: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ [البقرة: 200]، فالعبادات كلها قنوات تفضي إلى دوام ذكر الله، والذكر هو ثمرتها وروحها.

 

أيها المؤمنون: ومن أعظم فضائل ذكر الله تعالى أن الله تعالى يذكر من ذكره، وهذه والله أعظم منقبة ينالها العبد؛ قال ابن القيم: لو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلًا وشرفًا؛ قال الله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة: 152]؛ أي: اذكروني بطاعتي أذكركم بثوابي ورحمتي؛ وفي الحديث القدسي الصحيح المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله تعالى: أنا مع عبدي حين يذكرني، وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه))؛ أي: إذا ذكرتني في سرك ذكرتك في نفسي، وإذا ذكرتني في مجلس ذكرتك في ملأ الملائكة المقربين، وهذا تشريف لا يعدله تشريف.


بل إن الله يباهي بعبده الذاكر ملائكته؛ روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)).


ومن استوطن المساجد لذكر الله وللصلاة يفرح الله به كما يفرح أهل الغائب بغائبهم؛ روى ابن ماجه وحسنه الألباني عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما توطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر، إلا تبشبش الله له كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم)).

 

أيها المؤمنون: ومن أعظم فضائل ذكر الله تعالى أنه حصن حصين من الشيطان الرجيم، فإن الشيطان عدو مبين للإنسان، ومن أعظم مقاصده أن يصد العبد عن ذكر الله ويستحوذ عليه؛ قال تعالى: ﴿ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [المجادلة: 19].


ومن أعرض عن ذكر الله قيض الله له قرينًا من الشياطين يضله: ﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ [الزخرف: 36]؛ ولهذا جعل الله الذكر حصنًا للعبد؛ روى الترمذي وصححه الألباني عن الحارث الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعًا، حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله))؛ فالذكر كالقلعة التي تحتمي بها من عدوك، فلا تهدموا حصنكم بالغفلة.


ومن أعظم الأذكار التي تحصن المسلم من الشيطان: التهليل مائة مرة في اليوم؛ روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي))، فهذا ذكر يسير، وأجره عظيم، ووقايته بالغة.

 

أيها المؤمنون: ومن فضائل ذكر الله تعالى أنه سبب لإجابة الدعاء.


فمن عرف الله في الرخاء بذكره، عرفه الله في الشدة فأجاب دعاءه؛ روى الطبراني في الأوسط وصححه الألباني عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثة لا تُرد دعوتهم... وذاكر الله كثيرًا)).


وتأملوا قصة نبي الله يونس عليه السلام، إذ ابتلعه الحوت وهو مكروب، فما كان له من ملجأ إلا ذكر الله: ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 87].


فكانت النتيجة: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنبياء: 88]، وقال الله مبينًا السبب: ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [الصافات: 143، 144]، فالذكر في الرخاء سبب لاستجابة الدعاء في الشدة.


فاذكروا الله عباد الله في كل وقت وحين، ولا تكونوا من الغافلين.


أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد:
أيها المؤمنون:
ذكر الإمام ابن القيم أن ذكر الله تعالى على خمسة أنواع، جدير بكل مسلم أن يتعلمها وأن يعمل بها:

النوع الأول: ذكر الله عند ورود أمره؛ المقصود هنا أن يتحول الأمر الشرعي إلى محفز لذكر الله عمليًّا، لا مجرد كلام باللسان، فإذا سمعت نداء المؤذن: "حي على الصلاة"، فذكرك لله ليس أن تقول "سبحان الله" فقط، بل أن تذكر عظمة الآمر سبحانه، فتقوم فورًا وتلبي نداءه، هذا الامتثال السريع هو ذكر بالجوارح.


كذلك إذا جاء وقت الصيام في رمضان، فذكرك لله أن تمتنع عن الطعام والشهوة طاعة له، وإذا جاء وقت إخراج الزكاة، فذكرك لله أن تؤديها طيبة بها نفسك.


فالذكر هنا هو استحضار "أن هذا أمر الله" فيدفعك لتنفيذه دون تسويف، وبهذا يصير الذكر حارسًا على التكاليف، ويمنع الغفلة التي تجعل الإنسان يسمع الأمر ولا يتحرك.

 

أيها المؤمنون: أما النوع الثاني من أنواع ذكر الله تعالى: ذكر الله عند ورود نهيه، وهذا أشد حاجة من الأول، لأن النفس أمارة بالسوء والشيطان لا يمل من تزيين المعصية، فالذكر هنا أن تستحضر مراقبة الله وعقوبته ورحمته في اللحظة التي تهجم فيها عليك فكرة الذنب؛ مثاله: تمر أمامك فتنة، أو يزين لك الشيطان كلمة غيبة، أو معاملة محرمة، فإذا ذكرت الله – أي تذكرت أنه يراك، وأنه نهى عن هذا، وأن عاقبته وخيمة – انكشف لك الأمر وارتدعت؛ ولهذا مدح الله المتقين فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: 201] "طائف من الشيطان" يعني وسوسة أو خاطر سوء يمر بالقلب، و"تذكروا" أي ذكروا الله ووعيده وثوابه، فصاروا مبصرين للحق، فلم ينجرفوا، فالذكر هنا بمثابة "الفرامل" التي توقف العبد عند حدود الله قبل أن يقع في المعصية.

 

أيها المؤمنون: النوع الثالث من أنواع ذكر الله: ذكر الله في الأحوال والمناسبات؛ المقصود هنا أن يربط المسلم حركاته اليومية العادية بذكر الله، فلا يمر عليه موقف من مواقف الحياة إلا وله فيه ذكر مأثور، فإذا دخل بيته قال: "بسم الله ولجنا"، وإذا لبس ثوبه قال: "الحمد لله الذي كساني"، وإذا أوى إلى فراشه قال أذكار النوم، وإذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك"، الحكمة من هذا أن يظل القلب متصلًا بالله طوال اليوم، فلا تصبح حياة المسلم مقسومة إلى "وقت عبادة" و"وقت غفلة"، بل كل حركة لها ذكر، فيتحول الأكل والنوم واللبس إلى عبادة؛


ولهذا قال العلماء: من حافظ على أذكار الأحوال والمناسبات كان من "الذاكرين الله كثيرًا" الموعودين بالمغفرة والأجر العظيم. 
ومن بركة دوام الذكر على اللسان أن العبد يوفق لخاتمة حسنة؛ ولهذا صح عند أبي داود وصححه الألباني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)).


فالذي اعتاد لسانه على ذكر الله في كل حال، يُرجى أن يُختم له بها.

 

أيها المؤمنون: النوع الرابع من أنواع ذكر الله: الذكر المقيد، والذكر المقيد هو الذي قيده الشارع بوقت معين أو عدد معين، فلا يصح الزيادة أو النقص فيه، وأعظم أمثلته: أذكار دبر الصلوات المكتوبة، لماذا قيدها الشرع؟ لأنها تأتي عقب لقاء مباشر مع الله في الصلاة، فكانت خاتمة تجبر النقص وتزيد الأجر، فالذاكر هنا يذكر الله بعد أن كان بين يديه، فيخرج من الصلاة وهو يسبح ويحمد ويكبر، ومن فضل هذا النوع ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: 
((من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)).


وكذلك قراءة آية الكرسي بعد كل صلاة، فهي حرز عظيم؛ روى النسائي وصححه الألباني عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت)).


فالذكر المقيد سهل ميسور، لكن أجره عظيم، ومن فرط فيه فقد فرط في خير كثير.

 

أيها المؤمنون: النوع الخامس من أنواع ذكر الله تعالى: الذكر المطلق؛ وهو الذكر الحر الطليق الذي لم يقيده الشرع بوقت ولا بعدد ولا حال، يذكر العبد ربه في كل وقت: ماشيًا، راكبًا، قائمًا، قاعدًا، مضطجعًا، عاملًا، منتظرًا، السر في هذا النوع أنه يجعل اللسان رطبًا بذكر الله حتى يصير عادة، فلا تمر لحظة غفلة طويلة؛ قال الحسن البصري رحمه الله مخاطبًا تلاميذه: "ما يمنع أحدكم أن يجعل له ملكًا موكلًا يكتب له الحسنات؟" قالوا: وكيف ذلك يا أبا سعيد؟ قال: "يذكر الله فيمشي بلسانه وهو ساكت".


أي: املأ أوقات فراغك وانتظارك وسيرك بذكر الله، فيكتب لك الملك حسنات دون جهد.


وكان السلف يتنافسون في هذا؛ ذكر ابن رجب في "لطائف المعارف" عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يسبح الله كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة، ويقول: "أسبح بقدر ديتي".


فالذكر المطلق هو أوسع أبواب الذكر، ومن أكثر منه صار من "الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات" حقًّا.

 

أيها المؤمنون، هكذا تتجلى لنا عظمة ذكر الله، وفضائله، وأنواعه، وقد انقضى موسم الحج، وخرج الناس من رمضان، ولكن ذكر الله ينبغي أن يكون عبادة العمر، فلنحرص على أن نكون من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات: نذكره عند أمره، ونذكره عند نهيه، ونذكره في أحوالنا ومناسباتنا، ونذكره بالذكر المقيد والمطلق، لنكون ممن عمروا أوقاتهم بذكره، ويُرجى أن يُختم لنا بذكره، فنكون من أهل السعادة في الدنيا، والفوز في الآخرة.


اللهم اجعلنا من الذاكرين لك كثيرًا، والشاكرين لنعمائك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.

 

هذا وصلوا وسلموا -رعاكم الله- على محمد بن عبدالله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].


وقال صلى الله عليه وسلم: ((من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا)). 
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد.


وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحمِ حوزة الدين.


اللهم بارك لمن حضر معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حلَّ أو ارتحل.


اللهم آتِ نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.


اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر.


اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.


ربنا إن ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الجزاء من جنس العمل (خطبة)
  • الحقوق الزوجية (خطبة)
  • الطلاق: أسبابه وعلاجه (خطبة)
  • مدرسة الهجرة (خطبة)
  • ارجموا شياطينكم (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله(محاضرة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • تفسير: (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم...)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أهمية الذكر وفوائده(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير آية: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير: (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله ...)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام (برامج دينية)(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • إذا ذكرت الله في ملأ ذكرك الله في ملأ خير منه(مقالة - آفاق الشريعة)
  • {فإذا قضيتم مناسككم}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حسن الظن بالله من أخلاق المؤمنين(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ذكر الله سبب من أسباب ذكر الله لك في الملأ الأعلى(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • أكثر من 100 شخص يتعرفون على الإسلام خلال يوم المسجد المفتوح في ميلفيل
  • اختتام منافسات قرآنية متميزة في بنغلاديش بمشاركة 3000 متسابق
  • أكثر من 400 طالب يشاركون في مسابقة المعلومات الإسلامية بأستراليا
  • افتتاح تاريخي لأول مسجد في بلييفليا بالجبل الأسود منذ أكثر من قرن
  • منطقة ريبوفسي تحتفل بميلاد مسجد جديد في أجواء إيمانية مميزة
  • أكبر مشروع إسلامي في ريف أستراليا يفتتح أبوابه بعد سنوات من العمل والعطاء
  • القرآن والتربية في صدارة البرامج الصيفية للمسلمين في بينزا وساراتوف وموردوفيا هذا العام
  • اختتام الدورة التاسعة لمسابقة حفظ وتلاوة القرآن الكريم في أزناكاييف

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 26/2/1448هـ - الساعة: 14:4
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب