• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / ملفات خاصة / رأس السنة الهجرية
علامة باركود

مدرسة الهجرة (خطبة)

مدرسة الهجرة (خطبة)
د. عبد الرقيب الراشدي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 4/7/2026 ميلادي - 18/1/1448 هجري

الزيارات: 191

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

مدرسة الهجرة

 

الخطبة الأولى

الحمدُ للهِ، نَحمَدُهُ تعالى ونستعينُهُ ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِن شُرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].

 

عباد الله، اعلموا أن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ نبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ مُحدَثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النارِ، أعاذنا اللهُ وإياكم منَ البدعِ والضلالاتِ ومنَ النارِ، أما بعد:

أيها المؤمنون، روى الإمام الواحدي في أسباب النزول، ورواه كثير من أهل التفسير؛ كالطبري وابن كثير وغيرهما، كما رواها الحاكم في مستدركه وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، ورواها الإمام أحمد في "مسنده"، والبيهقي في "سننه الكبرى"، والطبراني في "معجمه الكبير"، وحسَّنها العلامة الألباني في "السلسلة الصحيحة" عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى المدينة، كان بمكة رجل من خزاعة يقال له ضمرة بن جندب الخزاعي رضي الله عنه، قد أسلم، ولكنه كان مقعدًا، مشلول اليدين والرجلين، لا يستطيع أن يتحرَّك ولا أن يمشي على قدميه. فأقام بمكة معذورًا، والله عز وجل قد عذر أمثاله في كتابه كما قال تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ ﴾ [النور: 61]، فلما اشتدَّ أذى المشركين على المؤمنين الذين بقوا في مكة، قال ضمرة لبنيه: "والله، ما أنا ببائتٍ الليلة بمكة، أخرجوني". فقال له بنوه: "يا أبانا، قد عذرك الله، أنت معذور، فاترك". فقال: "لا عذر لي، احملوني فإني لا أستطيع المشي". فأتوا بسرير، فوضعوه عليه، وأخذ الأبناء الأربعة يحملونه من جوانب السرير، يتناوبون كل مسافة، حتى خرجوا به من مكة، وبلغوا به "التنعيم" على بعد خمسة أميال من مكة، فاشتد به المرض ونزل به الموت. فلما أيقن بالرحيل، رفع يديه المشلولتين، ووضع اليمنى على اليسرى، وبايع الله بلسانه وقال: "اللهم هذه بيعتي لك، وهذه بيعتي لرسولك". ثم فاضت روحه إلى بارئها. فاختلف الصحابة فيه: هل نكتبه من المهاجرين أم لا؟ فأنزل الله تعالى من فوق سبع سماوات قرآنًا يُتْلى: ﴿ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 100]. وسمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم "المبتغي"؛ أي: المبتغي وجهَ الله والدارَ الآخرة.

 

فضمرة بن جندب رضي الله عنه رجل مشى في طريق الهجرة بجسد منهك وقلب متوهِّج، قطع ما قطع من المسافة على سريرٍ يحمله أبناؤه، ثم أدركه الموت في التنعيم قبل أن يبلغ المدينة. لم يصل إلى غايته المكانية، لكنه وصل إلى غايته الربانية؛ لأن الله الذي لا تخفى عليه خافية علم صدق نيَّتِه، ورأى لهفة قلبه، وشهد بيعة يده على يده، فكتب اسمه في سجل المهاجرين بحروف من نور.

 

أيها المؤمنون، إن أذى المشركين لمن بقي من المؤمنين في مكة هو الدافع لهجرة ضمرة بن جندب رضي الله عنه، فقد آذاه المشركون من أهل مكة مع أن الرجل كان مُقْعَدًا، مشلول اليدين والرجلين، لا يحمل سيفًا، ولا يمشي في سوق، ولا يخطب في نادٍ. جسده عاجز لا يشكل خطرًا على أحد، لكن كفار مكة مع ذلك لم يتركوه يعيش في أمان؛ أخذوا يؤذونه ويضيقون عليه رغم حالته، فقد خافوا من صدق إيمانه، ومن ثباته على دينه وهو مقعد على فراشه، وهنا تتكَشَّف لنا حقيقة قديمة متجددة: أن أهل الكفر لا يطيقون رؤية من يخالفهم في المعتقد، ولو كان هذا المخالف ضعيفًا لا حول له ولا قوة؛ فضمرة لم يقاتلهم، ولم ينازعهم في ملكهم، ومع ذلك ما تركه المشركون وشأنه، إنهم يريدون منه شيئًا واحدًا فقط: أن يترك دينه، وأن يعتنق أفكارهم، وأن يسير في ركابهم، فإن أبى، فالأذى والتنكيل هو جزاؤه، وهذا سلوك أهل الباطل في كل زمان ومكان؛ ولهذا عزم ضمرة على الهجرة، لم يهاجر طلبًا لمال ولا بحثًا عن راحة، إنما هاجر فرارًا بدينه من أذى لا يرحم الضعف، ومن قوم لا يرضون إلا بالموافقة على باطلهم. فالهجرة ليست خيارًا ترفيهيًّا، بل هي خيار اضطراري يلجأ إليه المؤمنون حين يشتدُّ أذى أهل الباطل على الحق وأهله.

 

أيها المؤمنون، ها نحن نقف اليوم في مطلع عامنا الهجري الجديد 1448، نقف كما وقف المسلمون في كل عام عند محطة عظيمة من محطات الزمان، نقف عند ذكرى حدثٍ غيَّر وجه التاريخ وبَدَّل مسار الأمة: إنه حدث هجرة النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة، والهجرة كأنها مدرسة ربانية مفتوحة الأبواب، ينبغي لكل مسلم أن يدخلها، وأن يجلس في مقاعدها ليتعَلَّم دروسها، ويستلهم عبرها؛ وذلك أن مدرسة الهجرة عامرة بالدروس، زاخرة بالعبر، وليست العبرة في أن نسمع قصة الهجرة النبوية في كل عام ثم ننصرف، وليست العبرة في أن نتلوا آياتها ونردد أحاديثها ثم نعود إلى غفلتنا، العبرة أن نُحوِّل حدث الهجرة إلى واقع نعيشه، وأن نتزوَّد منه بوقود لنواصل سيرنا الطويل إلى الله تعالى، وأن نجعل من بداية عامنا الهجري انطلاقة صدق جديدة، نهجر فيها ما نهى الله عنه، ونقبل فيها على ما أمر الله به، حتى نكون بحق من أهل قوله: ﴿ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [النساء: 100]، ومن أهل بيعة "يا رب هذه بيعتي لك".

 

أيها المؤمنون، إن مدرسة الهجرة مليئة بالدروس والعبر، ومن دروس الهجرة أن نعلم أن الهجرة سُنَّة من سُنَن الأنبياء والمرسلين. فمعظم أنبياء الله ورُسُله هاجروا إلى الله تبارك وتعالى. لماذا؟ لأن أسباب الصراع بين أهل الحق وأهل الباطل، وبين أهل الإيمان والكفر، أسباب مستمرة إلى يوم القيامة؛ وذلك أنبياء الله ورسله جاءوا يدعون أقوامهم إلى عبادة الله، وكان أقوامهم على الشرك يعبدون من دون الله تبارك وتعالى، فتعارضت دعوة الله تبارك وتعالى التي جاء بها أنبياء الله ورسله مع شهوات هؤلاء القوم الكفار ورغباتهم، ولم يستجب معظم أهل الكفر لأنبياء الله ورُسُله. ولم يكتفوا بذلك، بل هدَّدوا أنبياء الله ورُسُله، وجعلوهم بين خيارين: إما أن يعودوا إلى الملَّة التي عليها أهل الكفر، أو أن يخرجوا من ديارهم مهاجرين إلى أماكن أخرى. خياران اثنان يضعهما أهل الكفر أمام أنبياء الله ورسله، وقد ذكر الله تعالى هذه الحقيقة في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ [إبراهيم: 13]، وهذان الخياران الصعبان يضعهما الكفار أمام أهل الإيمان في كل زمان ومكان؛ لأن أهل الكفر لا يطيقون رؤية أهل الإيمان وهم يعبدون الله تبارك وتعالى، وكان في ذلك ضرر عليهم وتهديد لمصالحهم ولطموحاتهم، وقد شهر قوم شعيب عليه السلام هذين السلاحين في وجهه وفي وجه من آمنوا معه، كما قال الله تعالى: ﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ﴾ [الأعراف: 88].

 

أيها المؤمنون، وأمام هذا الأذى الذي يتعرض له أهل الإيمان، اضطر كثير من الأنبياء والرسل إلى الهجرة إلى الله تعالى، فرارًا بدينهم، وأول نبي هاجر هجرة صحيحة كاملة إلى الله كان خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، فحين بُعِث في أمة تعبد الأصنام والتماثيل من دون الله، خاطبهم بعقل المؤمن وحجة الموحِّد، فقال لهم: ﴿ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ﴾ [الأنبياء: 52]. دعاهم إلى الحق بالبرهان، فأبوا إلا العناد. فلما كسَّر أصنامَهم، وكشف زيف معبوداتهم، لم يجدوا حجة إلا النار، فجمعوا الحطب وألقوه فيها، فنجَّاه الله من النار بقوله لها: ﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الأنبياء: 69]، وبعد أن نجَّاه الله من كيد أهل الكفر، لم يبقَ إبراهيم في أرض الكفر لحظة واحدة، فقرر الهجرة، فقال بلسان الواثق بالله: ﴿ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي ﴾ [العنكبوت: 26]، وما قال: إني مهاجر إلى أرض، ولا إلى مال، ولا إلى منصب، فقد جعل هجرته إلى الله تعالى، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ [الصافات: 99]، فكانت هجرته هجرة قلب قبل أن تكون هجرة جسد.


فخرج إبراهيم عليه السلام مهاجرًا من بابل في العراق، إلى أرض الشام، ثم هاجر إلى مكة المكرمة بأمر الله. ترك الأهل والوطن والأصنام، وخرج يبحث عن موضع يعبد فيه ربَّه وحده.

 

أيها المؤمنون، أتدرون ماذا كانت مكافأة هذه الهجرة الطويلة وهذا الصبر العظيم لإبراهيم عليه السلام؟ كافأه الله نصرًا وتمكينًا ورفعةً، فنصره على أعدائه، ومَكَّن له في الأرض، وجعله إمامًا للناس كلهم؛ كما قال تعالى لإبراهيم: ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ [البقرة: 124]، وجعل في ذريته النبوَّة والكتاب؛ فمن نَسْله إسحاق ويعقوب وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين: قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ﴾ [العنكبوت:27]، وأرشده إلى بناء بيته الحرام، فصارت هجرته سببًا في قِبْلة المسلمين إلى يوم الدين، وجعل الله سيرته وهجرته تُتْلى في كتابه إلى قيام الساعة رمزًا للصدق والتوحيد والهجرة إلى الله تعالى، فهجرة إبراهيم عليه السلام تعلمنا أن طريق الله يبدأ بخطوة ترك، وأن النصر والتمكين لا يأتيان إلا بعد الهجرة والصبر.

 

قلت ما قد سمعتم فاستغفروا الله يا لفوز المستغفرين!

 

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي يقصُّ علينا من أنباء الرسل ما نُثَبِّت به فؤاد كل مؤمن، والصلاة والسلام على من هاجر فكان أسوةً للمهاجرين، أما بعد:

أيها المؤمنون: وممن سار على طريق الهجرة من أنبياء الله ورسله، نبي الله موسى عليه السلام، وفي قصة هجرته درس عظيم لكل من ضاقت به أرض الكفر، واشتدَّ عليه أذى الطغاة، فموسى عليه السلام بعثه الله إلى فرعون الذي بلغ الغاية في الكفر والإجرام حتى قال للناس مُتكبِّرًا: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعات: 24]، وقال: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ [القصص: 38].

 

وفرعون لم يكن طاغية فقط، بل كان ساحرًا لعقول أتباعه بسحره وبيانه، فاستخفَّ بذلك قومه فأطاعوه، قال الله عنه: ﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾ [الزخرف: 54]، وبسبب خِفَّة عقول أتباعه زين لهم الباطل حتى اتَّبعوه وأطاعوا أمره، كما قال تعالى عنهم: ﴿ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ [هود: 97].

 

أيها المؤمنون، لما جهر موسى عليه السلام بدعوة الحق، ودعا الناس إلى عبادة الله وتوحيده، أجمع الملأ من قوم فرعون على قتله، هنا يأتي دور الرجل الناصح الأمين، الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، خائفًا على نبي الله موسى عليه السلام، فقال: ﴿ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ﴾ [القصص: 20]، عندها قرَّر موسى عليه السلام أن يهاجر من مصر إلى مَدْيَن، وقد وصف الله حاله عند هجرته من مصر ﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ﴾ [القصص: 21]، وخرج وحيدًا، بلا زادٍ، وبلا راحلةٍ، وبلا خطةٍ واضحةٍ، لكن قلبه كان مُعَلَّقًا بالله الذي قرر أن يهاجر إليه، فدعا ربَّه وهو في طريق الهجرة قائلًا: ﴿ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ [القصص: 22].

 

فمكث موسى عليه السلام في مَدْيَن عشر سنين، رعى الغنم، وتزوَّج، وهناك آتاه الله النبوَّة والحكم. هاجر خائفًا مطاردًا، وعاد نبيًّا مكرمًا. ثم رجع إلى فرعون يدعوه إلى الله، فلما أصَرَّ فرعون على الكفر والتنكيل، نجَّى الله موسى ومن آمن معه، وأغرق فرعون وجنوده في اليَمِّ في يوم عاشوراء، في العاشر من محرم.

 

وبعد الهجرة والصبر جاء وعد الله لموسى ولمن آمن معه بقوله تعالى: ﴿ وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾ [القصص: 5]، ثم أورثهم الله مشارق الأرض ومغاربها التي بارك فيها، وأهلك فرعون وجنوده، كما قال تعالى: ﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ [الأعراف: 137].

 

أيها المؤمنون، إن وعد الله نافذ، فمن هاجر إليه وصبر، كتب الله له العاقبة، ففرعون بجنده وطغيانه صار عبرة، وبنو إسرائيل المستضعفون صاروا أئمة ووارثين.

 

أيها المؤمنون، وممن سار على طريق الهجرة نبيُّنا محمد عليه الصلاة والسلام وقصة هجرته لا تخفى عليكم، وقد أشار الله تبارك وتعالى إلى الأجواء التي بسببها هاجر محمد عليه الصلاة والسلام وهو يخبر عن المكر والكيد الذي فعله المشركون: فقد اجتمع الكفار وأخذوا يتدارسون أحوال دعوة محمد عليه الصلاة والسلام، فقرروا قتله، فنَجَّاه الله تبارك وتعالى من ذلك، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال: 30]، فهاجر النبي عليه الصلاة والسلام من مكة وهو لا يريد أن يخرج من وطنه الذي عاش فيه؛ لهذا لما خرج النبي عليه الصلاة والسلام من مكة وقف خارجها في منطقة تُسَمَّى "الحَزْوَرَة" والتفت إلى مكة، كما صحَّ عند الترمذي وهو يقول عليه الصلاة والسلام والدموع تتساقَطُ من عينيه: "والله، إنك لأحبُّ البلاد إليَّ، ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت"، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ﴾ [القصص: 85]. قال ابن عباس وغيره من أهل التفسير: أي إن الذي أخرجك من مكة وأنزل عليك القرآن سوف يعيدك مرة أخرى إلى وطنك الذي خرجت منه مهاجرًا. وفعلًا ما هي إلا سنوات قليلة، ثماني سنوات، حتى عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كوَّن دولته في المدينة وآخى بين المهاجرين والأنصار، عاد إلى مكة منتصرًا وهو يتلو قوله تبارك وتعالى: ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء: 81]، ودخل الناس بعد الهجرة وبعد الفتح في دين الله أفواجًا.

 

أيها المؤمنون، ونأتي نحن بعد ألف وأربعمائة وثمانية وأربعين سنة، فيسأل سائل منا: ما حظي من الهجرة؟ وهنا نقول: ينبغي أن يأخذ كل واحد منا حظَّه من الهجرة، فاعزم أيها المسلم أن تهاجر إلى الله تبارك وتعالى، بأن تهجر كل ما نهى الله تبارك وتعالى عنه من الذنوب والمعاصي والآثام، حتى تكون من المهاجرين الصادقين في عصرنا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قد بيَّن كما في البخاري: "المسلم مَنْ سَلِم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"، فمن معاني الهجرة هجر الذنوب والمعاصي فإذا تركت ذنبًا أو معصية، فأنت بذلك من المهاجرين إلى الله تبارك وتعالى. وهكذا ينبغي للمرء المسلم أن يستحضر نية الهجرة إلى الله تبارك وتعالى، وأن يهجر كل ما يخالف أمر الله ورسوله، عملًا بقوله تعالى: ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾ [المدثر: 5]؛ أي: كل رجز وكل باطل أو منكر ينبغي للمرء المسلم المهاجر إلى الله أن يتركه ويهجره، حتى ينال حظَّه من الهجرة. والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن الهجرة لا تنقطع إلى قيام الساعة فقد صحَّ عند أبي داود بسند صحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطْلُع الشمس من مغربها".

 

أيها المؤمنون، ينبغي لنا أن نتعلَّم هذا الدرس العظيم من دروس الهجرة النبوية؛ ألا وهو درس أن الهجرة، سنة الأنبياء والمرسلين، وأنها باقية إلى يوم الساعة، وأن كل مسلم ينبغي له أن يعزم أن يكون من المهاجرين إلى الله ورسوله، بأن يمتثل أوامر الله تبارك وتعالى وطاعته، وأن يهجر كل ما نهى الله عنه ورسوله، وبذلك ينال حظَّه من الهجرة إلى الله ورسوله.

 

أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المهاجرين إليه بقلوبنا قبل أبداننا، ومن الصادقين الذين إذا أدركهم الموت وجدوا أجرهم موقوفًا على أكرم الأكرمين.

 

هذا وصلُّوا وسلِّموا- رعاكم الله- على محمد بن عبدالله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".

 

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيدٌ، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيدٌ.

 

وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين؛ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحْمِ حوزة الدين. اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل.

 

اللَّهم آتِ نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها. اللَّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر. اللَّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات. ربنا إن ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • صلاتك معراجك (خطبة)
  • مع الحجاج في ثواب الحج (خطبة)
  • الحقوق الزوجية (خطبة)
  • الطلاق: أسبابه وعلاجه (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • نهاية رمضان، وماذا يجب أن نتعلمه من مدرسة الصيام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • رمضان مدرسة الإحسـان (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • رمضان مدرسة التغيير (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: مدرسة الصوم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • رمضان مدرسة الصوم التربوية(مقالة - ملفات خاصة)
  • البرنامج العملي للاستفادة من مدرسة رمضان(مقالة - موقع الشيخ الدكتور عبدالله بن ضيف الله الرحيلي)
  • تتويج الفائزين في أول مسابقة لطلاب "مدرسة القرآن" بمنطقة توزلا(مقالة - المسلمون في العالم)
  • الحج مدرسة الانتماء ووحدة القلوب(مقالة - ملفات خاصة)
  • اختتام الدورة السابعة عشرة من "مدرسة اليوم الواحد" لتعليم أصول الإسلام في تتارستان(مقالة - المسلمون في العالم)
  • السلسلة الرمضانية – رمضان مدرسة تربوية(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مئات الزوار يشاركون في يوم المسجد المفتوح الثالث عشر بمدينة توومبا الأسترالية
  • انطلاق دورتين صيفيتين لأطفال المسلمين بمقاطعة بنزا
  • أكثر من 600 شاب يشاركون في مؤتمر الشباب المسلم 2026 بأستراليا
  • مائدة مستديرة دولية في روسيا لتطوير تعليم العربية لغير الناطقين بها
  • برامج تدريبية جديدة لتعزيز كفاءات رجال الدين في بلغاريا
  • تتويج الفائزين في أول مسابقة لطلاب "مدرسة القرآن" بمنطقة توزلا
  • مسابقة قرآنية للفتيات المسلمات في قرية تيوبياك
  • وضع حجر الأساس لمسجد جديد في أوسينوفسكي

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 18/1/1448هـ - الساعة: 18:0
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب