• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | الثقافة الإعلامية   التاريخ والتراجم   فكر   إدارة واقتصاد   طب وعلوم ومعلوماتية   عالم الكتب   ثقافة عامة وأرشيف   تقارير وحوارات   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    ميراث الأزمنة الصعبة.. سنوات الحنابلة في بغداد ...
    محمود ثروت أبو الفضل
  •  
    القدس لنا
    أسامة الفاروق بن شمس الحق
  •  
    صحابة منسيون (9) الصحابي الجليل: أبان بن سعيد بن ...
    د. أحمد سيد محمد عمار
  •  
    من مشكاة النبوة في المال والاقتصاد (10)
    أ. د. باسم عامر
  •  
    قراءات اقتصادية (89) اقتصاد الفقر.. بؤس وأزمات
    د. زيد بن محمد الرماني
  •  
    من مائدة الصحابة: أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه
    عبدالرحمن عبدالله الشريف
  •  
    تراجع الدور الحضاري للأمة الإسلامية: قراءة في ...
    عربي محمد بكر إسماعيل
  •  
    الإسلام والإنسانية: حوار لتصحيح الوهم القائل بأن ...
    ريحان محمدوي
  •  
    الفكر والثقافة
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    أحاديث المازني- من قصص الحياة طبعة دار روائع
    محمود ثروت أبو الفضل
  •  
    قضايا مجتمعية عصرية: ما فائدة الذكاء الاصطناعي إن ...
    محمد حسين حسن
  •  
    من مشكاة النبوة في المال والاقتصاد (9)
    أ. د. باسم عامر
  •  
    عبدالله بن مسعود رضي الله عنه
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    ظاهرة إتلاف المحاصيل الزراعية... إلى أين؟!
    د. منال محمد أبو العزائم
  •  
    من يتحكم بالإنسان العقل أو العاطفة؟
    عدنان بن سلمان الدريويش
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / العبادات / الصلاة وما يتعلق بها
علامة باركود

المساجد حرمات فلا تؤذوا عمارها (خطبة)

المساجد حرمات فلا تؤذوا عمارها (خطبة)
د. أحمد بن حمد البوعلي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 1/10/2026 ميلادي - 20/4/1448 هجري

الزيارات: 6308

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

المساجدُ حُرُماتٌ… فَلَا تُؤْذُوا عُمَّارَهَا

 

الخطبة الأولى

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَّفَ بُيُوتَهُ، وَرَفَعَ مَكَانَتَهَا، وَجَعَلَهَا مَحَالَّ ذِكْرِهِ وَطَاعَتِهِ، وَأَمَرَ بِتَعْظِيمِهَا وَصِيَانَتِهَا، وَحَرَّمَ فِيهَا وَفِي غَيْرِهَا أَذِيَّةَ الْمُؤْمِنِينَ وَالِاعْتِدَاءَ عَلَى حُقُوقِهِمْ. أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ عَلَى نِعَمِهِ الْعِظَامِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَفْضَلُ مَنْ عَمَرَ الْمَسَاجِدَ ذِكْرًا وَعِبَادَةً، وَأَكْمَلُ مَنْ صَانَ حُرْمَةَ الْمُسْلِمِينَ وَرَعَى حُقُوقَهُمْ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاهْتَدَى بِهَدْيِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ:

فَأُوصِيكُمْ، عِبَادَ اللَّهِ، وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرُ زَادٍ لِلْمَعَادِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ شَعَائِرِ هَذَا الدِّينِ تَعْظِيمَ بُيُوتِ اللَّهِ، وَحِفْظَ حُرْمَتِهَا، وَرِعَايَةَ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا وَخَارِجَهَا، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ بُيُوتُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَهِيَ مَحَالُّ الْإِيمَانِ، وَمَنَابِعُ الْهُدَى، وَمَوَاطِنُ الْأُلْفَةِ وَالْإِخَاءِ، فَلَا يَلِيقُ بِمَنْ يَعْمُرُهَا أَنْ يُؤْذِيَ مُسْلِمًا بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، أَوْ يُؤْذِيَ الْمُصَلِّينَ وَالذَّاكِرِينَ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ إِكْرَامَ بُيُوتِ اللَّهِ وَكَفَّ الْأَذَى عَنْ عِبَادِ اللَّهِ.

 

عِبَادِ اللَّهِ: إِنَّ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا تَتَقَاذَفُهَا أَمْوَاجُ الْمَشَاغِلِ، وَتُرْهِقُهَا كَبَدُ الْحَيَاةِ وَعَنَاؤُهَا، فَتَظَلُّ تَبْحَثُ عَنْ وَاحَةٍ تَسْتَرِيحُ فِيهَا، وَظِلٍّ ظَلِيلٍ يَأْوِي إِلَيْهِ قَلْبُهَا الْكَسِيرُ. وَمَا ثَمَّ -وَاللهِ- مَلَاذٌ أَطْهَرُ، وَلَا حِصْنٌ أَمْنَعُ مِنْ بُيُوتِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ! هِيَ رِيَاضُ الْجَنَّةِ فِي الْأَرْضِ، وَمَحَطُّ الرَّحَمَاتِ، وَمُتَنَزَّلُ السَّكِينَةِ.

 

فَمِنْ هُنَا -يَا عِبَادَ اللهِ- كَانَتْ عِنَايَةُ الْإِسْلَامِ بِالْمَسَاجِدِ عِنَايَةً بَالِغَةً؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ أَعْلَى الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ فَعَلَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْمَدِينَةِ أَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ» [1].

 

عِبَادَ اللَّهِ:

فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الْمُبَارَكِ الَّذِي بَرَكَتْ فِيهِ نَاقَتُهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْدَ وُصُولِهِ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرًا، خَطَّ النَّبِيُّ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ أَسَاسَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَاشْتَرَى مَكَانَهُ مِنْ غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ كَانَا يَمْلِكَانِهِ، وَرَغْمَ أَنَّ الْغُلَامَيْنِ أَرَادَا التَّنَازُلَ عَنْهُ لِلَّهِ تَعَالَى، إِلَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَبَى إِلَّا شِرَاءَهُ بِثَمَنِهِ الْعَادِلِ؛ تَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ فِي صِيَانَةِ الْحُقُوقِ. وَلَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَوْقِفَ الْمُشْرِفِ بَلْ سَاهَمَ فِي بِنَائِهِ بِنَفْسِهِ، يَنْقُلُ الْحِجَارَةَ وَالطُّوبَ، وَيَبْنِي بِيَدَيْهِ الشَّرِيفَتَيْنِ لِيُؤَسِّسَ لِلْعَالَمِ صَرْحَ الطُّهْرِ وَالْفَضِيلَةِ.

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:

إِنَّ لِلْمَسْجِدِ فِي الْإِسْلَامِ مَكَانَةً رَفِيعَةً؛ فَقَدْ أَضَافَ اللَّهُ الْمَسَاجِدَ إِلَى نَفْسِهِ إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ وَإِجْلَالٍ فَقَالَ: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ﴾ [2]، فَالْزَمُوا بُيُوتَ اللَّهِ تُفْلِحُوا؛ فَإِنَّ لُزُومَهَا عِلَامَةُ الصِّدْقِ، وَمِنَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: «رَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسَاجِدِ» [3].

 

وَقَدْ شَهِدَ اللَّهُ لِعُمَّارِهَا بِالْإِيمَانِ فَقَالَ: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ﴾ [4]. وَامْتَدَحَهُمُ الرَّحْمَنُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [سورة النور، الآيتان: 36 – 37].

 

ومِن عِمارة المسجد إقامة الصلوات جماعة فيها، والمحافظة على نظافتها؛ فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ (أَيْ أَمَاكِنِ التَّجَمُّعَاتِ) وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ [5].

 

وَمَنْ سَاهَمَ فِي ذَلِكَ فَلَهُ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ؛ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ تَعَالَى بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ»[6]، وَكَيْفَ لَا وَهِيَ أَحَبُّ الْبِقَاعِ؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا» [7].

 

ومِنْ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ تَنْزِيهُ مَسَاجِدِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ:

1) اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ: فَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ فِي مَرَضِهِ فَقَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» [8]؛ فَلَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ فِي مَسْجِدٍ فِيهِ قَبْرٌ.

 

2) تَلْوِيثُهَا بِالْأَقْذَارِ الْحِسِّيَّةِ: فَلَمَّا بَالَ الْأَعْرَابِيُّ فِي الْمَسْجِدِ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ، وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» [9].

 

3) إِتْيَانُهَا بِالرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ: كَأَكْلِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِمَا كَالدُّخَّانِ؛ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ» [10]، وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: «فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ» [11].

 

4) إِنْشَادُ الضَّالَّةِ وَالتِّجَارَةِ وَرَفْعِ الْأَصْوَاتِ: فَالْمَسَاجِدُ لَمْ تُبْنَ لِأُمُورِ الدُّنْيَا؛ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ؛ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» [12]، وَيُلْحَقُ بِذَلِكَ النَّهْيُ عَنِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَاتِّخَاذِهَا طُرُقًا عَابِرَةً.

 

5) مَظَاهِرُ الْخُصُومَةِ وَانْتِهَاكِ الْحُرْمَةِ: كَسَلِّ السُّيُوفِ أَوْ رَفْعِ السِّلَاحِ، وَكَذَلِكَ دُخُولُ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ إِلَى رِحَابِهَا.

 

أَسْأَلُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ عُمَّارِ بُيُوتِهِ وَالْمُحْسِنِينَ إِلَيْهَا. أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْمَسَاجِدَ بُيُوتًا لِلْعِبَادَةِ، وَرَغَّبَ فِي عِمَارَتِهَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

 

أَمَّا بَعْدُ:

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ قَاصِدَ الْمَسْجِدِ يَتَقَلَّبُ فِي رَحَمَاتِ اللَّهِ وَأُجُورِهِ؛ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ» [13]، وَمَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ يُرْفَعُ دَرَجَةً وَتُحَطُّ عَنْهُ سَيِّئَةٌ، بَلْ حَتَّى رُجُوعُهُ مَكْتُوبٌ لَهُ ثَوَابُهُ [14].

 

وَاعْلَمُوا أَنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِلصَّلَاةِ بِالْأَبْدَانِ فَقَط، بَلْ لِتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ وَالْأَرْوَاحِ، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ جَنَاحِ النَّقْصِ أَنْ يَأْتِيَ الْمَرْءُ لِيُقِيمَ شَعِيرَةً فَيَقَعَ فِي كَبِيرَةِ أَذِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ!

 

ومن صور هذه الأذيَّة:

أَوَّلًا: ظَاهِرَةُ حَجْزِ الْأَمَاكِنِ فِي الصُّفُوفِ الْأُولَى:

إِنَّ حَجْزَ مَكَانٍ بِسَجَّادَةٍ وَالْغِيَابَ عَنْهُ زَمَنًا طَوِيلًا هُوَ تَعَدٍّ ظَاهِرٌ عَلَى حَقِّ مَنْ حَضَرَ مُبَكِّرًا. كَيْفَ تَرْضَى لِنَفْسِكَ -يَا عَبْدَ اللهِ- أَنْ تُبْعِدَ مُسْلِمًا سَبَقَكَ بِقَدَمِهِ لِتَجْلِسَ مَكَانَهُ بِخِرْقَةٍ أَوْ عَصًا؟ هَذَا فِيهِ اِعْتِدَاءٌ وَإِيغَارٌ لِلصُّدُورِ، وَالْمُسَارَعَةُ تَكُونُ بِالْأَبْدَانِ لَا بِالْجَمَادَاتِ! قَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» [15].

 

ثَانِيًا: أَذِيَّةُ الْمُصَلِّينَ عِنْدَ الْمَدَاخِلِ بِالْأَحْذِيَةِ:

إِنَّ بَعْضَ الْمُصَلِّينَ -هَدَاهُمُ اللَّهُ- يَرْمُونَ أَحْذِيَتَهُمْ فِي طَرِيقِ النَّاسِ وَعِنْدَ مَدْخَلِ الْمَسْجِدِ، مِمَّا يَتَسَبَّبُ فِي تَعَثُّرِ كِبَارِ السِّنِّ وَالْمَكْفُوفِينَ وَذَوِي الْإِعَاقَةِ. اِتَّقُوا اللهَ! فَقَدْ جِئْتُمْ تَطْلُبُونَ الْأَجْرَ فَلَا تَرْجِعُوا بِالْأَوْزَارِ! قَالَ صلى الله عليه وسلم: «إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» [16]، فَكَيْفَ بِمَنْ يَضَعُ الْأَذَى فِي طَرِيقِ الْمَسْجِدِ؟!

 

ثَالِثًا: إِغْلَاقُ الطُّرُقِ وَمَوَاقِفِ السَّيَّارَاتِ:

وَمِنْ صُوَرِ الْأَذِيَّةِ الْبَارِزَةِ إِيقَافُ السَّيَّارَاتِ بِشَكْلٍ عَشْوَائِيٍّ يُغْلِقُ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُجَاوِرِينَ لِلْمَسْجِدِ، أَوْ يَحْبِسُ سَيَّارَاتِ الْمُصَلِّينَ. كَيْفَ تَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ بِنَافِلَةٍ أَوْ فَرِيضَةٍ وَأَنْتَ تَحْبِسُ مُسْلِمًا أَوْ تُؤْذِي جَارًا؟! هَذَا سُلُوكٌ يَتَنَافَى مَعَ رُوحِ الْإِسْلَامِ.

 

رَابِعًا: نَغَمَاتُ الْجَوَّالاتِ وَقَطْعُ الْخُشُوعِ:

أَمَا يَسْتَحْيِي الْمَرْءُ أَنْ يَقِفَ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ الْمُلُوكِ، ثُمَّ تَرْتَفِعَ جَوَّالَاتُهُ بِنَغَمَاتٍ وَأَصْوَاتٍ تُفْسِدُ عَلَى الْمُصَلِّينَ خُشُوعَهُمْ وَصَلَاتَهُمْ؟ هَذَا مِنَ الْإِثْمِ الْمُبِينِ؛ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: 58].

 

خَامِسًا: صِيَانَةُ الْمَسَاجِدِ عَنِ اللغْوِ وَالْغِيبَةِ:

يَجِبُ أَنْ تُصَانَ هَذِهِ الْبُيُوتُ عَنِ الْأَحَادِيثِ السَّيِّئَةِ وَالْغِيبَةِ وَالَّتِي تَنْهَشُ أَعْرَاضَ النَّاسِ؛ فَالْمَسْجِدُ طُهْرٌ كُلُّهُ فَلَا تُلَوِّثُوهُ بِآفَاتِ الْأَلْسُنِ.

 

فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- وَحَافِظُوا عَلَى أَدَبِ بُيُوتِ اللَّهِ، وَتَعَاوَنُوا عَلَى حِفْظِ مَكَانَةِ الْمَسَاجِدِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [سورة المائدة، الآية: 2].

 

أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى خَيْرِ خَلْقِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عُمَّارِ بُيُوتِكَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَارْزُقْنَا تَعْظِيمَ شَعَائِرِكَ.

اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الشَّحْنَاءِ، وَأَعِذْنَا مِنْ أَذِيَّةِ عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ.

اللَّهُمَّ احْفَظْ عَلَيْنَا أَمْنَنَا وَإِيمَانَنَا، وَاجْعَلْ بُيُوتَنَا مَنَارَاتٍ لِلْهُدَى وَالسَّلَامِ.

اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَسَدِّدْ خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ، وَارْزُقْهُمْ بِطَانَةَ الصَّلَاحِ وَالْفَلَاحِ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.



[1] أخرجه البخاري رقم (428)، ومسلم رقم (524).

[2] سورة الجن، الآية: 18.

[3] جزء من حديث السبعة الذين يظلهم الله، أخرجه البخاري رقم (660)، ومسلم رقم (1031).

[4] سورة التوبة، الآية: 18.

[5] أخرجه أبو داود رقم (455)، والترمذي رقم (594) وصححه الألباني.

[6] أخرجه البخاري رقم (450)، ومسلم رقم (533).

[7] أخرجه مسلم رقم (671).

[8] أخرجه البخاري رقم (1330)، ومسلم رقم (531).

[9] أخرجه مسلم رقم (285).

[10] أخرجه البخاري رقم (855)، ومسلم رقم (561).

[11] أخرجه مسلم، رقم (564).

[12] أخرجه مسلم رقم (568).

[13] أخرجه البخاري رقم (662)، ومسلم رقم (669).

[14] إشارة إلى حديث أبي بن كعب في مسلم رقم (663): «قد جمع الله لك ذلك كله».

[15] أخرجه البخاري رقم (615)، ومسلم رقم (437).

[16] أخرجه مسلم رقم (1009).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • لوازم الإيمان وحقيقتها (خطبة)
  • المرأة في الإسلام كرامة ورسالة (خطبة)
  • نعمة الأمن والأمان (خطبة)
  • العلم بداية نهضة الأمم وبداية العام الدراسي (خطبة)
  • الأمن أمانة فلا تبدده الشائعات (خطبة)
  • الاستقامة: ماهيتها وحقيقتها وثبات الأنبياء والصالحين (خطبة)
  • نفحات الجمعة وفضل المبكرين (خطبة)
  • التربية والعشرة الزوجية سكن ومودة (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • علة حديث: ((لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه))(مقالة - آفاق الشريعة)
  • إرشاد العابد إلى آداب المساجد(مقالة - آفاق الشريعة)
  • البعد عن إيذاء الناس بمختلف الصور(مقالة - موقع الشيخ الدكتور عبدالله بن ضيف الله الرحيلي)
  • من الكبائر الشائعة: (9) إيذاء الله تعالى ورسولِه صلى الله عليه وسلم وسب الدين وسب الدهر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • عمارة المساجد حسا ومعنى (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حقوق المساجد(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مبادرة "زوروا مسجدي 2025" تجمع أكثر من 150 مسجدا بمختلف أنحاء بريطانيا(مقالة - المسلمون في العالم)
  • "اجلس فقد آذيت": خاطرة تربوية تأصيلية في ضوابط الاستشهاد بالمواقف النبوية(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • من مائدة السيرة: إيذاء قريش للمسلمين(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فضائل المساجد وواجبنا تجاهها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • للعام الرابع .. المجتمع المسلم في كورنوال يحتفي بالتراث والثقافة الإسلامية
  • بمناسبة شهر التراث الإسلامي.. مسجد في مانيتوبا يعرف الناس بالثقافة الإسلامية
  • مبادرة خيرية لمركز إسلامي في فلوريدا لأكثر من 200 مستفيد
  • «الاستعداد للحياة الزوجية»: ورشة إسلامية لتعزيز الاستقرار الأسري في فيينا
  • كالغاري الكندية تحتفي بتاريخ المسلمين وثقافتهم خلال شهر أكتوبر
  • «الإسلام والصحة النفسية».. محاضرة توعوية بعاصمة النمسا
  • الملتقى العالمي الرابع للأئمة والعلماء يعزز التعاون الإسلامي في أستراليا
  • حملة إسلامية في بلغاريا لاستكمال مشروع تعليمي يخدم الأجيال الجديدة

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 17/5/1448هـ - الساعة: 14:8
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب