• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    أمانة العمر وصناعة الأثر.. مسؤوليتك طريق جنتك ...
    د. أحمد بن حمد البوعلي
  •  
    تأملات في اسمه تعالى المتكبر
    أ. د. وجيه يعقوب السيد
  •  
    بوصلة النجاة: بين المهلكات والمنجيات (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    وقفات مع حديث: توزيع التركات (خطبة)
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    السلسلة الذهبية في السيرة النبوية (3) الميلاد ...
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    سر القبول: بين صفاء السريرة وزينة الظاهر
    د. علي شومان محمد علي أبو دية
  •  
    المستفاد من قصة هود عليه السلام (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    الابتداع مانع الاتباع
    أ. د. السيد أحمد سحلول
  •  
    إحسان الظن بالسائل
    أ. د. السيد أحمد سحلول
  •  
    أقسام القصص القرآني
    سهام دسوقي شحاتة
  •  
    تطبيقات على تصحيح العقود المالية المعاصرة: تصحيح ...
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    فصل: في معنى قوله تعالى: ﴿ وهو معكم أين ما كنتم ﴾ ...
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    فضل حسن الجوار
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    {الذين قالوا إنا نصارى}
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}
    سعيد بن محمد آل ثابت
  •  
    الشخصية الكاملة للشاب المسلم (خطبة)
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / السيرة والتاريخ / السيرة
علامة باركود

السلسلة الذهبية في السيرة النبوية (3) الميلاد والنشأة (خطبة)

السلسلة الذهبية في السيرة النبوية (3) الميلاد والنشأة (خطبة)
الشيخ عبدالله محمد الطوالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 26/10/2026 ميلادي - 16/5/1448 هجري

الزيارات: 169

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

السلسلة الذهبية في السيرة النبوية (3)


الميلاد والنشأة:

إن الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].. ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]..

 

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ..

 

معاشر المؤمنين الكرام: هذه هي الحلقة الثالثة من حلقات «السلسلة الذهبية في السيرة النبوية»، وكنا قد تحدثنا في الحلقة السابقة عن عالمٍ يترنحُ في غياهب الظلام، ينتظرُ الفجرَ القادم، عالمٌ ضائعٌ بين عبادة الأوثانِ وتحريفاتِ الكُهان، عالمٌ يُهيمنُ عليه قطبانِ كبيران يتقاسمون خيرات الشعوب، ويسومونهم سوء العذاب.. ثم وقفنا مع سؤال: لماذا اختار الله جزيرة العرب.. فرأينا أن حضارات الأرض تجذّر فيها الفساد لدرجة يصعبُ إصلاحهُ إلا باقتلاع الكيانِ من جذوره، وأنَّ العربَ على جاهليتهم كانت فيهم فطرةٌ نقيةٌ، وخصالٌ كريمة، كأنها معادنُ أصيلةٌ تنتظرُ من يصقلها..

 

ولا شك أيها الكرام، أنَّ لكل فجرٍ مُقدمات، ولكل ميلادٍ إرهاصات، ولكل تحولٍ عظيمٍ بدايات.. وإنّ في تاريخ الإنسانيةِ ساعاتٍ لها شأنٌ خاص، تبدأُ معها مسيرةُ التغيير والإصلاح، ورحلةُ الهداية والنجاح.. وإنَّ الساعةَ التي وُلد فيها خيرُ البشر صلى الله عليه وسلم لهي أعظمُ تلك الساعات بركة وأثرًا، وأجلُّها شأنًا وقدْرا..

 

إنه محمد بن عبدالله، بن عبدالمطلب بن هاشم، بن عبدمناف بن قصي بن كلاب بن مرة.. من قريش، من كنانة، من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.. إسماعيلَ، الذي أسكنهُ أبوه بوادٍ غير ذي زرعٍ عند البيت المحرَّم، وعند قدميهِ تفجَّرت مياهُ زمزم، فعُمِرَ الوادي، وتناسلت فيه الأجيال، حتى انتهى الأمرُ إلى قريش، سادةُ مكة، وأشرفُ قبائلها، وسَدَنةُ البيتِ الحرام؛ الذين اصطفاهم الله وفضَّلهم، واختارهم من بين القبائل، ففي صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ»..

 

وهاشمٌ هذا هو الذي تُنسب إليه الأسرةُ الشريفة: أسرةُ بني هاشم، واسمهُ الأصلي: عمرو.. تولى السقاية والرفادة بعد أبيه عبدمناف، فكان يُطعم الثريدَ للحجاج طوالَ الموسم، ويَذكرُ أهل السير أنه ما سُمّي هاشمًا إلا لأنه كان ينحرُ الإبل، ويهشم الخبزَ ويصنعُ المرقَ ويُطعمُ الناس.. وأنه هو أول من سنَّ رحلتَي الشتاء والصيف، وهي النعمة التي ذكّرهم الله بها بقوله: ﴿ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ﴾ [قريش: 1، 2].. ثم إنَّ هاشمًا، في إحدى رحلاتهِ إلى الشام، نزل بيثرب، فتزوج من بني النجار. ثم مضى في رحلته نحو الشام، فمات بغزة، وبقيت زوجتهُ بيثرب، فولدت له ولدًا سمتهُ شيبة، فنشأ الغلامُ وترعرع عند أخواله من بني النجار، حتى جاء عمّهُ المطّلب فحملهُ إلى مكة، فرآه الناس راكبًا خلف عمّه فظنوه عبدًا، فقالوا: هذا عبدالمطلب، فغلب عليه الاسم.. ثم إنَّ عبدالمطلب خلفَ عمهُ المطلب فأصبحَ هو سيدُ قريش وشريفها المطاع، وهو الذي أعادَ حفرَ بئر زمزم بعد أن دُفنت زمنًا طويلا. فنازعهُ عليها بعضُ قومه، فأبي ونذرَ لله إن رزقَ بعشرة من البنين يمنعونه، ليذبحنّ أحدهم عند الكعبة.. فلما رزقه الله عشرةً من الأبناء، أقرعَ بينهم، فوقعت القرعةُ على أحبّهم إليه، وقعت على عبدالله والد الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يتزوج، فمضى عبدالمطلب ليفي بنذره، فمنعتهُ قريشٌ، وأشاروا عليه بالفداء، فافتداه بمئةٍ من الإبل..

 

ثم زوّجه بآمنة بنت وهب، من بني زهرة، وكانت من أشرف نساءِ قريش نسبًا. فحملت بخير البشر.. وخرج عبدالله في تجارةٍ إلى الشام، فأدركهُ المرضُ في طريق العودةِ وهو بالمدينة، فمات هناك، وآمِنةُ ما تزالُ حاملًا.. فجاء الوليدُ إلى الدنيا يتيمًا لم يرَ أباه..

 

وفي نفس العام حدث أمرٌ جلل، هزّ الجزيرةَ كلَّها، وذكرهُ الله في كتابه دليلًا على قدرته.. فبعد أن بنى أبرهةُ الحبشي، كنيسةً عظيمة في صنعاء، ودعا الناس للحجّ إليها، أبى العرب أن يستجيبوا له، فعزمَ أبرهةُ على هدم الكعبة، وسار بجيشٍ عظيمٍ يتقدمهُ عددٌ من الفيلة الضخمة، فلما اقتربوا من مكة فزع الناس وخرجوا إلى الشعاب، ويذكرُ أهلُ السير أنَّ أبرهة تعجّبَ لما جاءهُ عبدالمطلب يُطالبه بإبله التي أخذها الجند، فقال له: أتكلمني في أبلك وتتركُ بيتًا هو دِينُك ودين آبائك؟.. فقال عبدالمطلب كلمتهُ الخالدة: «أنا ربّ الإبل، وللبيت ربٌّ يحميه».. وكانت العاقبة كما قال الله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ [الفيل: 1 - 5].. اندحر الجيشُ الضخم وهلك، وبقي بيت الله عزيزًا شامخًا تحرسه عناية الله..

 

وفي ذلك العام الذي عُرفَ بعام الفيل، وفي شهر ربيع الأول، وُلد المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ على أنه لم يثبت أنه اليوم الثاني عشر أو غيره، وإنما ثبتَ أنه في يوم الاثنين. ففي صحيح مسلم، حين سُئل صلى الله عليه وسلم عن صيام الاثنين قال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ».. كما أنَّ غالب ما روي من أخبار ومعجزاتٍ متعلقةٍ بميلاده الشريف، كلها ضعيفةٌ واهية، واصحَّ ما جاء فيها حديث الرؤيا، قال صلى الله عليه وسلم: «وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ، أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ».. فهذه إشارةٌ إلى أن رسالتهُ ستتجاوزُ حدود الجزيرة، وأن أنوارها ستصلُ إلى الأمم كلها..

 

ثم جاءت مرحلةُ الرضاعة. فقد ذكر البخاري في صحيحه أنَّ مولاةً لأبي لهب اسمها ثويبةُ أرضعته لعدة أيام.. ثم إنه وجريًا على عادة أشرافِ العرب، حيث يرسلون أبنائهم إلى البادية ليشتدّ عودهم، وتصفو ألسنتهم، فقد اختارت له آمنةُ مرضعةً من بني سعد بن بكر، وهم من أفصح العرب لسانًا وأنقاهم لهجةً.. ويَذكرُ أهل السير أن التي أخذته هي حليمة السعدية، وأنه مكثَ عندها نحوًا من أربع أو خمس سنين.. وفي بيت حليمة وقع له ما ثبت في صحيح مسلم: أنَّ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أتاهُ جِبريلُ عليه السلام وهو يَلعَبُ مع الغِلمانِ، فأخَذَه فصَرَعَه، فشَقَّ عن قَلبِه، فاستَخرَجَ القَلبَ، فاستَخرَجَ منه عَلَقةً، فقال: هذا حَظُّ الشَّيطانِ مِنك، ثُمَّ غَسَلَهُ في طَستٍ مِن ذَهَبٍ بماءِ زَمزَمَ، ثُمَّ لَأَمَه، ثُمَّ أعادَه في مَكانِه، وجاءَ الغِلمانُ يَسعَونَ إلى أُمِّه، يَعني مرضعتَه، فقالوا: إنَّ مُحَمَّدًا قد قُتِلَ، فاستَقبَلوهُ وهو مُنتَقِعُ اللَّونِ، قال أنَسٌ: وقد كُنتُ أرى أثَرَ ذلك المِخيَطِ في صَدرِه".. وكأنَّ اللهَ أرادَ أن يُطهّرَ قلب المصطفى من صغره، ليكون وعاءً صالحًا لوحيه، وألّا يكونَ للشيطان عليه سبيلٌ أبدًا..

 

وبعد هذه الحادثة، يذكر أهل السير أنَّ حليمةَ خافت عليه، فأعادته إلى أُمّهِ بمكة، وهناك مكثَ معها حتى إذا بلغ السادسة، خرجت به إلى المدينة تزور أخوال جدّه من بني النجار، وتزورُ قبرَ زوجها، ومعهم أم أيمن الحبشية رضي الله عنها حاضنة الرسول وأمه الثانية.. وفي طريق العودة توفيت أمنة ودُفنت في الأبواء، فصار صلى الله عليه وسلم يتيمَ الأبوين، وقد ترك ذلك أثرًا في قلبه صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح مسلم أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم زارَ قَبرَ أُمِّه، فبَكى وأبكى مَن حَولَه، فقال: «استَأذَنتُ رَبِّي في أن أستَغفِرَ لَها، فلم يُؤذَنْ لي، واستَأذَنتُه في أن أزورَ قَبرَها، فأُذِنَ لي، فزوروا القُبورَ؛ فإنَّها تُذَكِّرُ المَوتَ».. وبعد وفاةِ أّمّهِ كَفلهُ جدّهُ عبدالمطلب، وأحبّه حبًا عظيمًا، حتى إنه كان يُجلِسهُ على فراشه الخاص عند الكعبة، ولا يُجلِسُ معهما أحدٌ آخر، يقول: إنَّ لابني هذا لشأنًا.. لكن القدرَ لم يُمهلهُ، فمات الجدُّ والنبيُّ ابن ثمانِ سنين، فانتقلت الكفالةُ إلى عمه أبي طالب، شقيقُ أبيه عبد الله. فكان له أبًا ثانيًا، ورغم فقرهِ وقلةِ ذاتِ يدهِ فقد كان يؤثرُ الرسولَ صلى الله عليه وسلم على أبنائه، ويحوطهُ بمحبته وعنايته، وظلَّ يذبّ عنه الأذى ويحميهِ حتى مات بعد البعثة بعشر سنين، وإن لم يكتب الله له الدخول في دين الإسلام.. فلله الحكمة البالغة..

 

هذه يا عباد الله بداية الحكاية: بدءً من نسبٍ اختارهُ الله واصطفاه، إلى بيتٍ بوَّأه الله وحماه، إلى يتيمٍ فقد أباه قبل أن يراه، وفقد أُمّهُ ثم جدّهُ وهو في ريعان صباه، فتولاه الله وآواه، وطهَّرَ قلبهُ وزكاه، وشرحَ صدرهُ وهداه.. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: 113]..

 

وهذا ما تيسر إيرادهُ في حلقة اليوم، وللحديث بقيةٌ نستكملها بإذن الله في حلقاتٍ قادمةٍ، ﴿ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 176].. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم..

 

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على عباده الذين اصطفى..

 

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله وكونوا مع الصادقين، وكونوا من ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 18]..

 

معاشر المؤمنين الكرام: وبعد أن سردنا ما تيسرَ من أحداث السيرةِ المباركة، تعالوا بنا لنستلهم بعضَ فيها من الدروس والعبر..

 

فأول هذه الدروس: أنّ شرفَ النسبِ نعمة، وأنَّ مآثرَ الإنسانِ وأفعالهُ الحميدة تزيدهُ شرفًا وذكرًا.. غير أنَّ شرفَ النسب، لا يُغني عن صالح العمل، ولا يرفعُ صاحبهُ عند الله بغير التقوى؛ ففي صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»..

 

ولأن هاشمٌ اشتهرَ في كتب السيرةِ بالجود والسخاء، وإطعامِ الناسِ وإغاثتهم، وارتبطَ اسمهُ بالبذل والإحسان. فإنَّ في هذا تذكيرٌ لنا بأنَّ النعمَ التي يمنحها الله للإنسان ينبغي أن تظهرَ آثارها عليه، حُبًا في عمل الخير، وسعيًا لكسب محبة الناس، وأنَّ علو المكانةِ لا ينبغي أن يكون بابًا للتعالي على الناس، بل وسيلةً لخدمتهم والإحسانِ إليهم.. فمن كان ذا نسبٍ شريف فليحفظ شرفه بالتقوى وحسن الخلق، ومن كان ذا مالٍ فلينفق منه في وجوه البر والإحسان، ومن كان ذا علمٍ فليؤدِّ حق علمه بالتعليم والنصح والإرشاد.. فقد قال المولى جل وعلا: ﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [القصص: 77]، وفي الحديث الحسن، قال عليه الصلاة والسلام: «خير الناس أنفعهم للناس»..

 

والدرس الثاني: أن عناية الله بعبده لا تعني أن تخلو حياته من المحن والابتلاءات..

 

فلنتأمل نشأة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقد مات أبوه قبل أن يولد، ثم فقد أمه وهو في السادسة، ثم فقد جده وهو في الثامنة.. ومع ذلك فلم يكن اليُتمُ هو نهاية الطريق، ولم تكن المصائبُ حائلًا دون بلوغه عليه الصلاة والسلام ما بلّغه الله من عالي المنزلة، وعظيمِ المكانة.. بل لعلها كانت من أسباب عناية الله الخاصة به، فقال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾ [الضحى: 6 - 8].. وفي هذا ما يفتحُ باب الرجاء لكل من أثقلتهُ الحياةُ بأعبائها ومصائبها، ولكل من ضاقت به الأسباب وأعيتهُ الحيل، ولكل من ظنَّ أن قسوة البدايات قد تمنع روعة النهايات..

 

فلا تيأسوا إذا اشتدت المحن، ولا تظنوا أنَّ البلاء دليلٌ على الهوان، ولكن خذوا بأسباب النجاة واجتهدوا، واستعينوا بالله ولا تعجزوا، وأحسنوا الظن بالله وعليه فتوكلوا؛ و﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 200]..

 

والدرس الثالث: أنَّ رعاية اليتيم مسؤوليةٌ عامة، وواجبٌ إنسانيٌ على جميع أفراد المجتمع، حتى لا يُترك اليتيم فريسةً للحاجة أو الضياع والانحراف..

 

لقد ذاق النبي صلى الله عليه وسلم اليُتم في طفولته، وعرف مبكرًا، معنى فقد الأب والأم والجد.. ولذلك حثَّ صلى الله عليه وسلم بقوةٍ على رعاية اليتيمِ وكفالته، وبشّرَ كافله بقرب المنزلة منه في الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا»، وأشار بالسبابة والوسطى. رواه البخاري.. وفي ذلك ما يوقِظُ في قلوبنا الرحمة بكل طفلٍ فقَدَ من يرعاه، ويذكّرنا أنَّ اليتيمَ لا يحتاجُ إلى المال وحده، بل يحتاجُ إلى قلبٍ يحنو عليه، ويدٍ تمسحُ على رأسه، وبيتٍ يشعرُ فيه بالأمان، ومجتمعٍ يصون كرامته ويحفظُ حقوقه..

 

فيا من وسَّعَ اللهُ عليك، لا تفرط في هذا الخير العظيم.. ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [التغابن: 16].

 

والدرس الرابع: أنَّ صلاحَ القلب أساسُ صلاحِ العمل.. فحادثةُ شقّ صدرهِ الشريفِ في صغره، وغسلُ قلبهِ بماء زمزم. وإن كانت حادثةً خاصةً أكرمَ الله بها نبيَّه صلى الله عليه وسلم، إلا أنَّ فيها ما يُذكّرنا بأهمية القلب ومكانته.. فالقلبُ هو موضِعُ الإيمان، وعليه مدارُ صلاحِ الأعمال أو فسادها، ففي الحديث المتفق عليه قال صلى الله عليه وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».. ففتّشوا عن قلوبكم، واستعدوا ليوم التغابن، ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89]..

 

والدرس الخامس: أنَّ للأم في قلب ولدها منزلةٌ عظيمة لا يزول أثرها وإن رحلت.. فقد توفيت أمُّ النبي صلى الله عليه وسلم، وهو في السادسة من عمره، فما نسيها صلى الله عليه وسلم بعد عشرات السنين؛ مرّ بقبرها فبكى وأبكى من حوله، وقال: «فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ» (مسلم).. وفي ذلك تذكيرٌ لنا بعظيم مكانة الأم وفضلها.. فيا من لا تزال أُمهُ حيّةً، اغتنم وجودها بالبر والإحسان، وبالكلمة الطيبة، وحسن المعاملة، واحسن إلى أبيك كذلك؛ واجتهد في برهما قدر الوسع والطاقة، فقد قال ربنا سبحانه: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 23، 24]..

 

ويا طوبى لمن سمِعَ فعلِم.. وعلِمَ ففهِم.. وفهِمَ فعزم.. وعزمَ فغنِم.. ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 71].. ثم صلوا أحبتي في الله على خير خلق الله...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • السلسلة الذهبية في السيرة النبوية (1) لماذا ندرس السيرة (خطبة)
  • السلسلة الذهبية في السيرة النبوية (2) العالم ينتظر النور (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • السلسلة الرمضانية – العيد وأحكامه(مادة مرئية - ملفات خاصة)
  • السلسلة الرمضانية - الست من شوال(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • السلسلة الرمضانية – قضاء الصيام(مادة مرئية - ملفات خاصة)
  • السلسلة الرمضانية.. أخطاء يقع فيها الصائمون(مادة مرئية - ملفات خاصة)
  • السلسلة الرمضانية – رمضان شهر الفتوحات(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • السلسلة الرمضانية – المرأه في رمضان(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • السلسلة الرمضانية – فضل الاعتكاف(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • السلسلة الرمضانية – تحري ليلة القدر(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • السلسلة الرمضانية – فضل ليلة القدر(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • السلسلة الرمضانية – فضل العشر الأواخر(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • بمناسبة شهر التراث الإسلامي.. مسجد في مانيتوبا يعرف الناس بالثقافة الإسلامية
  • مبادرة خيرية لمركز إسلامي في فلوريدا لأكثر من 200 مستفيد
  • «الاستعداد للحياة الزوجية»: ورشة إسلامية لتعزيز الاستقرار الأسري في فيينا
  • كالغاري الكندية تحتفي بتاريخ المسلمين وثقافتهم خلال شهر أكتوبر
  • «الإسلام والصحة النفسية».. محاضرة توعوية بعاصمة النمسا
  • الملتقى العالمي الرابع للأئمة والعلماء يعزز التعاون الإسلامي في أستراليا
  • حملة إسلامية في بلغاريا لاستكمال مشروع تعليمي يخدم الأجيال الجديدة
  • مسجد هاجرستاون يستقبل الجمهور في فعاليته السنوية للتعريف بالإسلام

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 16/5/1448هـ - الساعة: 16:37
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب