• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    ولد الهدى فالكائنات ضياء (خطبة)
    وضاح سيف الجبزي
  •  
    العلي.. الأعلى.. المتعال
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    أخطاء تفسد العبادات الخفية
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    آثار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    التحذير من شهادة الزور
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    التواسي لا التنازع: تأملات في هدي السلف وواقع ...
    د. علي شومان محمد علي أبو دية
  •  
    الصبر ضياء
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    تفسير سورة آل عمران الآيات (11-12)
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
  •  
    حديث: يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    خطبة أسباب الثبات على الدين
    سعيد بن محمد آل ثابت
  •  
    عقوق الوالدين (خطبة)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    خطبة فتنة المسيح الدجال (1)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    الزلازل بين التخويف الإلهي ونداء التوبة (خطبة)
    حسام كمال النجار
  •  
    باب في القلوب
    د. خالد النجار
  •  
    خطبة: "احفظ الله يحفظك"
    سعيد بن محمد آل ثابت
  •  
    سؤال حسنة الدنيا وحسنة الآخرة: جامع الدعاء وبوابة ...
    الشيخ فؤاد بن يوسف أبو سعيد
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / السيرة والتاريخ / السيرة / في بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وآياته وأخلاقه
علامة باركود

ولد الهدى فالكائنات ضياء (خطبة)

ولد الهدى فالكائنات ضياء (خطبة)
وضاح سيف الجبزي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 22/8/2026 ميلادي - 10/3/1448 هجري

الزيارات: 339

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

ولد الهدى فالكائنات ضياء

 

الحمد لله رب العالمين، أولى ما فغر الناطق به فمه، وافتتح كلمه، جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، وعظمت منته، وعمت رحمته، وفاضت نعمته، وتمت كلمته، ونفذت مشيئته، وسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته.

 

أحمده حمدَ موقنٍ بجزيل خيره، مخلص في التوكل عليه دون غيره، متبرئ له من الاغترار بالقوة والحول، مستمد منه العصمة والتوفيق في الفعل والقول.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قدم نبينا على كل نبيٍّ أرسله، وكتابنا على كل كتاب أنزله، وجعل أمتنا الأخيرة الأولى، فله الشكر من معتقد أنه به وله.

 

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، وسفيره بينه وبين عباده، أرسله بالدين القويم، والمنهج المستقيم، ليكون رحمةً للعالمين، وإمامًا للمتقين، وحجةً على الخلائق أجمعين، ونجاةً لمن آمن به من الموحدين، وشفيعًا في المحشر، ومفخرًا للمعشر، ومزيلًا للغمة، عن جميع الأمة.

خير الصلاة وخير تسليمي
وأعز إجلالي وتعظيمي
لمحمد ما رتلت ألف
متبوعة باللام والميمِ
المصطفى المغدوق عن كرم
بأشد إغداق وتكريمِ
حومت فيه بأحرفي شرفًا
فازددت من شرف بتحويمي
وتلوت فيه من الصلاة بلا
حد لعد أو لترقيمي

 

اللهم فصلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ما ثبت حراء وثبير، وهب نسيم وعبير.

 

أما بعد:

وُلد الهدى فالكائنات ضياء
وفم الزمان تبسم وثناءُ
الروح والملأ الملائك حوله
للدين والدنيا به بُشراءُ
والعرش يزهو والحظيرة تزدهي
والمنتهى والسدرة العصماءُ
بك بشر الله السماء فزينت
وتضوعت مسكًا بك الغبراءُ
يوم يتيه على الزمان صباحه
ومساؤه بمحمد وضَّاءُ
ذعرت عروش الظالمين فزلزلت
وعلت على تيجانهم أصداءُ
والنار خاوية الجوانب حولهم
جمعت ذوائبها وغاض الماءُ
والآي تترى والخوارق جمة
جبريل روَّاح بها غدَّاءُ

 

أيها المباركون، لقد كان ميلاد محمد -صلوات ربي وسلامه عليه- علامة فارقة في تاريخ البشرية، وحدًّا فاصلًا في حياة الأمم، وحدثًا خالدًا في ذاكرة التاريخ، وخطًّا عريضًا في صفحات الحياة، وعنوانًا بارزًا في سجلات التدوين، ونقطة مضيئة في سماء الكون.

أبان مولده عن طيب عنصره
يا طيب مبتدأ منه ومختتم
يوم تفرس فيه الفرس أنهم
قد أنذروا بحلول البؤس والنقم
وبات إيوان كسرى وهو منصدع
كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم

 

عن العرباض بن سارية -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، وسأنبئكم بتأويل ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى قومه، ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام))[1].

 

فبمولده صلى الله عليه وسلم، خرج نور أضاءت له قصور الشام، وسقطت أربع عشـرة شرفةً من إيوان[2] كسرى، وخمدت النار التي يعبدها المجوس، وانهدمت الكنائس حول بحيرة ساوة[3].

وهدهدت مكة الوسنى أناملها
وهزت الفجر إيذانًا بإسفار
فأقبل الفجر من خلف التلال وفي
عينيه أسرار عشاق وسمار
كأن فيض السنا في كل رابية
فوج وفي كل سفح جدول جاري
تدافع الفجر في الدنيا يزف إلى
تاريخها فجر أجيال وأدهار
واستقبل الفتح طفلًا في تبسمه
آيات بشرى وإيماءات إنذار

 

يقول صلى الله عليه وسلم: ((إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم))[4].

اختاره من أكرم الآباء
وأفضل الرجال والنساء
فمن يداني أبويه في الشرف؟
والدر لا يخرج إلا من صدف

 

واستبشر عبد المطلب بميلاد هذا الحفيد، وقدوم الوافد الجديد، واستقبله بابتهاج وجذل، فأدخله الكعبة، وقام عندها يدعو الله، ويشكر له ما أعطاه[5].

وقال فيه شعره وأنشدا
وقال: قد سميته محمدا

وهذا الاسم لم يكن معروفًا عند العرب، ولما قيل له: لم سميته محمدًا؟ قال:أردت أن يحمده الله -عز وجل- في السماء، ويحمده الناس في الأرض[6]، وقد حقق الله جل جلاله رجاءه.

وضم الإله اسم النبي إلى اسمه
إذا قال في الخمس المؤذن: أشهدُ
وشق له من اسمه ليُجله
فذو العرش محمود وهذا محمدُ

 

محمد صلى الله عليه وسلم، واسمه: أحمد، بشر بذلك عيسى عليه السلام: ﴿ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾ [الصف: 6]؛ يقول صلى الله عليه وسلم: ((أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي، الذي يُمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي))[7] ، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذٍ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر))[8] ، ((وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع))[9].

يا شاديًا يشدو بمدح محمد
كرر فديتك مدحه يا شادي
كرر على الأسماع ذكر محمد
فلذكره برد على الأكبادِ

 

ثم إن عبدالمطلب التمس لرسول صلى الله عليه وسلم المراضع، فاسترضع له امرأةً من بني سعد، وهي حليمة بنت أبي ذؤيب، وقد كانت حليمة تحدِّث كما قال ابن إسحاق[10]: أنها خرجت من بلدها مع زوجها وابن لها صغير ترضعه، في نسوة من بني سعد بن بكر، تلتمس الرضعاء، وذلك في سنة شهباء، لم تبق لنا شيئًا، قالت: فخرجت على أتان لي قمراء، معنا شارف لنا، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه، ولكن كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، إذا قيل لها: إنه يتيم؛ وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أب الصبي، فكنا نقول: يتيم، وما عسى أن تصنع أمه وجده فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعًا غيري، فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعًا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة، قالت: فذهبت إليه، فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى رويَ، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا هي حافل، فحلب منها ما شرب، وشربت معه حتى انتهينا ريًّا وشبعًا، فبتنا بخير ليلة، قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة لقد أخذتِ نسَمة مباركة، قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك، قالت: ثم خرجنا وركبت أنا أتاني، وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك أربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها لشأنًا، قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به معنا شباعًا لبنًا، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعًا ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعًا لبنًا، فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير، حتى مضت سنتاه وفصلته، وكان يشب شبابًا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلامًا جفرًا[11].

أقام في سعد بن بكر عندها
أربعة الأعوام تجنى سعدها
وحين شق صدره جبريلُ
خافت عليه حدثًا يؤولُ
ردته سالمًا إلى آمنة
وخرجت به إلى المدينة
تزور أخوالًا له فمرضت
راجعةً فقبضت ودفنت
هناك بالأبواء وهو عمره
ست سنين مع شيء يقدره

 

وهكذا عانى اليُتم من صغره، وذاق ألم الفراق من طفولته صلى الله عليه وسلم.

مات أبوه وهو في المدينه
والحمل في آمنة الأمينه
وأمه ماتت لست سنوات
من عمره ويا لموت الأمهات

 

وها هو القرآن يسجل تلكم المعاناة التي لاقاها صلوات ربي وسلامه عليه: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾ [الضحى: 6 - 8].

 

إن تفاقم مصاب اليتم على النبي صلى الله عليه وسلم بفقد الأم زاد من مشاعر الحنو والرأفة في قلب عبد المطلب وفؤاده، فكان يؤثر محمدًا صلى الله عليه وسلم على أولاده، كان يُوضع لعبدالمطلب فراش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالًا له، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبدالمطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني هذا، فوالله إن له لشأنًا، ثم يجلسه معه على فراشه، ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع[12].

وبعد عامين توفي جده
وفي أشد اليتم زاد مجده
وعمه الشقيق ضمه إليه
وكان فوق كل أحد لديه

 

وغمره بالحب، واختصه بالقرب، وأظله بعنايته، وحفه برعايته، وأحاطه بحمايته، وأدناه في الحضر، واستصحبه في السفر، وهيأ له سبل العيش، وأعانه على الحركة والسعي.

وشب طفل الهدى المنشود متزرًا
بالحق متشحًا بالنور والنار
في كفه شعلة تهدي وفي فمه
بشرى وفي عينه إصرار أقدار
وفي ملامحه وعد وفي دمه
بطولة تتحدى كل جبار

 

واشتغل النبي صلى الله عليه وسلم صدر حياته برعي الغنم.

وما رعى لقومه الأغناما
إلا ليرعى العرب والأعجاما

يقول صلى الله عليه وسلم: ((ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط[13] لأهل مكة))[14].

واشتغل النبي بالتجاره
فعرفت خديجة الأماره
فانتدبته المرأة المطهره
في سفر مع الغلام ميسره
ولا تسل عن كثرة الأرباح
وعن صفات سيد البِطاح
فخطبت محمدًا بعلًا لها
والناس يعرفون فيها فضلها
وإن تكن في سنها كبيره
فإنها في حسنها شهيره
وكم وكم من رجل يخطبها
فغير هذا الزوج لا يعجبها

 

وشهد صلى الله عليه وسلم في صباه وشبابه أحداثًا عظامًا، وأمورًا جسامًا، من ذلك: حلف الفضول، والذي يعتبر من مفاخر العرب، وعرفانهم لحقوق الإنسان؛ حيث تداعت فيه قبائل من قريش، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألَّا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها، وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس، إلا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه، حتى ترد عليه مظلمته[15]

إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا
ألا يقيم ببطن مكة ظالم
أمر عليه تعاقدوا وتواثقوا
فالجار والمعتر فيهم سالم

 

لقد كان هذا الحلف أعظم حلف قامت به قريش، وأشرف حلف عقده أهل مكة، وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك الحلف، الذي كان نصرةً للمظلوم، وأخذًا على يد الظالم، وإحقاقًا للحق، والتزامًا بمبادئ العدالة والإنصاف، وهذا من روح الإسلام، وجوهر الدين، وصلب الشريعة؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((شهدت حلف المطيبين[16] مع عمومتي وأنا غلام، فما أحب أن لي حمر النعم، وأني أنكثه))[17] ، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لقد شهدت في دار عبدالله بن جُدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أُدعى به في الإسلام لأجبتُ))[18].

أحلف بالله الذي لم يوجد
في الناس مثل المصطفى محمد
بأنه في خلقه الإنساني
مكمل في الذات والمعاني
مبارك في سائر الأحوال
مصدق في القول والفعال

 

أيها الإخوة، ومن الأحداث التي شهدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شبابه، وكان له دور بارز فيها: بناء الكعبة الشريفة؛ فقد شارك صلى الله عليه وسلم في البناء، ونقل الأحجار على كتفه الشريف[19]، وحكم بين المتنازعين في وضع الحجر الأسود[20].

واختلفوا في الحجر الأسود من
يضعه في الركن تلقاء اليمن؟
وحكموا محمدًا في المشكله
وجاء بالحكم الذي ما أعدله
فالناس في مكة أجمعونا
يرون فيه الصادق المأمونا

 

فسيرته الإجمالية صلى الله عليه وسلم: ما همَّ بسوء قط؛ فما سجد لصنم، ولا شرب الخمر، ولا شهد السامر، ولا حلف باللات والعزى، ولا احتفل بأعياد الجاهلية، ولا طعم ما ذبح على النصب.

محترم الجناب في طفولته
وسيد الرجال في رجولته
أدبه الله بأحسن الأدب
فصار للوحي العظيم منتدب

 

ولـما تكامل له أربعون سنة صلى الله عليه وسلم، وهي سن الكمال، قيل: ولها تبعث الرسل[21]، وهو السن الذي خص بدعاء: ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ ﴾ [الأحقاف: 15]، لما بلغ صلى الله عليه وسلم هذه السن؛ بدأت طلائع النبوة تلوح وتظهر، ويخبرنا صلى الله عليه وسلم عن ذلك فيقول: «إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن»[22].

 

وعن علي -رضي الله عنه- قال: ((كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبل، ولا شجر إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله))[23].

 

ومنها: الرؤيا الصادقة الصالحة يراها صلى الله عليه وسلم، فتجيء مثل فلق الصبح[24].

وطال في غار حرا اعتزاله
لما عليه قومه وآله
وربما يمكث فيه شهرا
ليقضي الله تعالى أمرا
وقبل ما يوحي إليه ربه
وقد صفا جوهره وقلبه
كان يرى الرؤيا تجيء صدقا
ولا يرى إلا هدى وحقا

 

معاشر الفضلاء، وفي أثناء خلوته، وعزلته بحراء صلى الله عليه وسلم، وفي يوم الاثنين، من شهر رمضان﴿ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ [البقرة: 185]، أشرق عليه نور النبوة، وأكرمه الله تعالى برسالته، وبعثه إلى خلقه، واختصه بكرامته، وجعله أمينه بينه وبين عباده[25].

وجاءه الأمين جبرئيل
ومعه من ربه التنزيل
قال له: اقرأ أيها النبي
قال: وكيف يقرأ الأمي؟
فغطه وقال: باسم الأكرم
وباسم من علم ما لم يعلم
فعاد خائفًا من الروح الأمين
وذكر الأمر لأم المؤمنين
قالت له: كلا وألف كلا
يا من تعين عاجزًا وكلَّا
والله لا يخزيك رب الناس
يا واصل الأرحام والمواسي
ثم قضت خديجة عشرينا
وبعدها سبعًا من السنينا
بمالها وعرضها والجاه
راضيةً تفدي رسول الله
وكان في إحسانها يشكرها
وظل بعد موتها يذكرها

 

أيها الأحبة، وكان من أول ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم من القرآن: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق: 1]، ﴿ يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴾ [المدثر: 1]، ﴿ يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴾ [المزمل: 1]، ﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ [القلم: 1]، وكان مطلع سورة المدثر أول ما نزل من أوامر التبليغ: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ [المدثر: 1 - 3][26].

 

ومضى صلى الله عليه وسلم في سيرته، ومسيرته ثابت الخطى، رابط الجأش، ساكن النفس، واضح الرؤية،نافذ البصيرة، صلب العزيمة، قوي الشكيمة، يبحر في عباب الأيام، ويمخر في لجة الحياة، ويطوي فيافي المعاناة، ويقطع قفار الصعاب، ويجتاز مفاوز الأخطار، ويتخطى صروف الدهر، ويتقي نوازل الأيام، ويدافع نوائب الزمان، ويمتطي طوارق الحدثان.

ومضى ثابت الخطى لا يبالي
بالتحدي والمكر والشائعات

تقلبت به صروف الحياة صلى الله عليه وسلم، من قوة وضعف، وغنًى وفقر، وكثرة وقلة، ونصر وهزيمة، وظعن وإقامة، وجوع وشبع، وحزن وسرور، فكان قدوة في ذلك كله، وحقق عبودية الموقف لربه كما ينبغي له، ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].

أيروم مخلوق ثناءك بعدما
أثنى عليك الواحد الخلاق؟

لقد كان صلى الله عليه وسلم كريم السجايا، مهذب الطباع، نقي الفطرة، جم الحياء، حي العاطفة، طاهر السريرة، جميل السيرة، قمةً في الفضائل، غاية في الإحسان، ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4].

فاق البرية أخلاقًا ومنزلةً
هو الكمال تجلى منه إنسان

محمد صلى الله عليه وسلم، ما أحسن الاسم والمسمى جمع المحاسن، ونال المحامد، وحاز المكارم، واستولى على القيم، وتفرد بالمثل، وسيطر على المبادئ، وتميز بالأخلاق صلى الله عليه وسلم، فكان أحسن الناس خلقًا، وأعزهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأكثرهم صفحًا، وأغزرهم عفوًا، وأصدقهم حديثًا، وألينهم عريكة، وأعفهم نفسًا، وأكرمهم خيرًا، وأبرهم عملًا، وأوفاهم عهدًا، وأوسعهم ذمة، وأحفظهم أمانة، وألزمهم صيانة.

 

بورك مولده، وسعد مورده، وقطعت حجته، وسمت درجته، وسطع صباحه، وتوقد مصباحه، وعلا عند الله مكانه، وعظم بين الخلائق شانه، وامتلأ بالصدق جنانه، وطاب بالرحمة لسانه، وحلا بالقول بيانه، وانشغل بالبر كيانه، يحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويقري الضيف، ويصل الرحم، ويعين على نوائب الحق صلى الله عليه وسلم.

يتيم له القلب الذي فاض رحمةً
على هذه الدنيا فأضحى لها أبا
دعاها إلى النور المبين فأشرقت
رؤاها ولا يشقى بها غير من أبى
فصلوا على خير البرايا وسلموا
وسيروا على الآثار من سار ما كبا

 

اللهم وصلِّ وسلم على سيدنا محمد الذي فضلتنا به جميع الأمم فضلًا منك وإحسانًا، وملأت به قلوبنا يقينًا وإيمانًا، ورفعتنا به على من خالفنا وعادانا، وعلى آله الذين سامكوا السماك علوًّا ومكانًا، وعلى أصحابه المنزل فيهم: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ﴾ [الفتح: 29].

 


[1] رواه أحمد (17163) وقال الأرنؤوط: صحيح لغيره، والحاكم (4175) وصحَّحه، ووافقه الذهبي، وابن حبان (6404)، والبزار (4199)، السلسلة الصحيحة (1546- 1925).

[2] الإيوان: الصُّفة العظيمة؛ لسان العرب (13/ 40).

[3] ينظر: تاريخ الطبري (2/ 166)، دلائل النبوة للبيهقي (1/ 126)، تاريخ دمشق لابن عساكر (72/ 119)، المنتظم لابن الجوزي (2/ 250)، تاريخ الإسلام للذهبي (1/ 35).

[4] رواه مسلم (2276).

[5] سيرة ابن هشام (1/ 160).

[6] تاريخ دمشق (3/ 32)، إمتاع الأسماع للمقريزي (4/ 96).

[7] رواه البخاري (4896)، ومسلم (2354).

[8]رواه أحمد (2692)، والترمذي (3615) وحسَّنه، وصححه الألباني، وابن ماجه (4308).

[9]رواه مسلم (2278).

[10] ينظر: سيرة ابن هشام (1/ 162-164).

[11] استجفر الصبي: إذا قَوِي على الأكل؛ النهاية لابن الأثير (1/ 268).

[12] السير والمغازي، لابن إسحاق (1/ 168)، دلائل النبوة، للبيهقي (2/ 22).

[13] القيراط: جزء من أجزاء الدينار؛ النهاية (4/ 42).

[14] رواه البخاري (2262).

[15] سيرة ابن هشام (1/ 134)، صحيح السيرة (صـ36).

[16] اجتمع بنو هاشم، وبنو زُهرة، وتَيْم في دار ابن جُدعان في الجاهلية، وجعلوا طِيبًا في جَفنة، وغمسوا أيديهم فيه، وتحالفوا على التناصر، والأخذ للمظلوم من الظالم، فسموا المُطَيَّبِين؛ النهاية (3/ 149).

[17] رواه أحمد (1655)، صحيح الأدب المفرد (567)، وابن حبان (4373)، والحاكم (2870).

[18] سيرة ابن هشام (1/ 134)، معرفة السنن والآثار للبيهقي (13232).

[19] رواه البخاري (1582)، ومسلم (340).

[20] أخرجه ابن إسحاق (108)، وأحمد (15504)، وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح، وينظر: صحيح السيرة (صـ41).

[21] زاد المعاد (1/ 82).

[22] رواه مسلم (2277).

[23] رواه الترمذي (3626)، والحاكم (4238) وصححه، ووافقه الذهبي، الصحيحة (2670).

[24] رواه البخاري (3)، ومسلم (160).

[25] ينظر: طبقات ابن سعد (1/ 194)، زاد المعاد (1/ 76).

[26] ينظر: جمال القراء للسخاوي (1/ 39-43)، البرهان للزركشي (1/ 193).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • مولد النبي صلى الله عليه وسلم
  • حول ذكرى مولد النبي
  • مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم وإستراتيجية الدعوة الإسلامية
  • كلمة بين يدي الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم

مختارات من الشبكة

  • مختصر أحكام الهدي للمتمتع والقارن(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الهدي النبوي عند نزول المطر(مادة مرئية - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • عمامة الرأس في الهدي النبوي(مقالة - موقع د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر)
  • أثر الهَدْي القرآني في حماية المُستهلك (ملخص)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • منهجيات تربوية ودعوية من الهدي النبوي: مختارات من (رياض الصالحين)، مع دروس تربوية ودعوية مستفادة (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الهدي النبوي في التربية والتعليم: بعض سماته وأساليبه(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • شرح حديث أبي موسى: مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الهدي النبوي في التعامل مع المخطئ (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الشيخ العلامة محمد ولد سيدي ولد حبيب الشنقيطي المتوفى عام 1438 هـ(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • كيف أتعامل مع أبناء زوجي؟(استشارة - الاستشارات)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • ندوة أكاديمية عن أساسيات الدعم الديني والنفسي في عمل الأئمة
  • مسابقة أدبية بعنوان "الرسول يلهمنا" في مدينة زينيتسا
  • قرية روبينيتشي تتزين بمسجدها المرمم بعد 3 سنوات من البناء
  • صلاة الاستسقاء تجمع مساجد بريطانيا لمواجهة الجفاف
  • شباب البوسنة المسلمون يوظفون الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية لخدمة المجتمع
  • افتتاح مسجد جديد في نيامي بتبرعات الجالية المسلمة في بلغاريا
  • مسلمون يقيمون مبادرة خيرية لتوزيع الحقائب والمستلزمات المدرسية في شيكاغو
  • "علماء الدين المسلمون: جيل جديد": برنامج علمي يجمع مشاركين من 17 منطقة روسية

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 9/3/1448هـ - الساعة: 14:13
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب