• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    حلم النبي صلى الله عليه وسلم (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته
    د. شريف فوزي سلطان
  •  
    الرقية من العين
    د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر
  •  
    تلبيس الشيطان في الصلاة (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    بر الوالدين (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    ما كرر قر وما هجر فر (خطبة)
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    تفسير سورة آل عمران الآيات (37 - 38)
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
  •  
    أنين مسجد (6) صور من محافظة السلف رحمهم الله على ...
    د. صغير بن محمد الصغير
  •  
    طرق تصحيح العقود المشتملة على مخالفات شرعية: حمل ...
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    تدبر معي آية: الطريق إلى الجنة يبدأ من هنا
    د. علي شومان محمد علي أبو دية
  •  
    وفي حوادث السيارات معتبر (خطبة)
    أحمد بن عبدالله الحزيمي
  •  
    الإحسان أعلى مراتب الإيمان (خطبة)
    خميس النقيب
  •  
    خطبة: أسباب تأخر النصر
    هشام العاقب الأمير أحمد
  •  
    تفسير سورة النازعات
    أ. د. كامل صبحي صلاح
  •  
    تفسير قوله تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    طرق تصحيح العقود المشتملة على مخالفات شرعية: حمل ...
    د. نايف بن محمد اليحيى
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / السيرة والتاريخ / السيرة / في بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وآياته وأخلاقه
علامة باركود

حلم النبي صلى الله عليه وسلم (خطبة)

حلم النبي صلى الله عيه وسلم (خطبة)
د. عبد الرقيب الراشدي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 13/10/2026 ميلادي - 3/5/1448 هجري

الزيارات: 501

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

حِلْم النبي صلى الله عليه وسلم


الخطبة الأولى

الْحَمْدُ للهِ، نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

 

قَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].

 

يا أيها المؤمنون، اعْلَمُوا أَنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ، أَعَاذَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ وَمِنَ النَّارِ؛ أَمَّا بَعْدُ:

يا أيها المؤمنون، روى الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: «غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَزْوَةَ نَخْلٍ، فَلَقِينَا جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ، فَلَمْ يَكُنْ قِتَالٌ، وَأَخَافَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الْخَوْفِ، ثُمَّ قَفَلْنَا، فَأَدْرَكَتْنَا الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْعِضَاهِ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَحْتَ سَمُرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ. قَالَ جَابِرٌ: فَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدْعُونَا، فَجِئْنَا، فَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ جَالِسٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللَّهُ. فَشَامَهُ ثُمَّ جَلَسَ. فَهَا هُوَ ذَا، ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ».

 

وجاء عند النسائي وأحمد بزيادة صححها الألباني في السلسلة الصحيحة، وشعيب الأرناؤوط في تحقيقه للمسند، وفيها: «فَقَالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ يَا مُحَمَّدُ، فَأَطْلَقَهُ، فَأَتَى أَصْحَابَهُ فَقَالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ».

 

وجاء عند البيهقي وغيره بسند حسَّنه ابن حجر الهيتمي وقال: رجاله رجال الصحيح، أنه أسلم ورجع إلى قومه داعيًا إلى الإسلام، وترجم له الحافظ ابن حجر في "الإصابة في تمييز الصحابة"، وقال: "اسمه غَوْرَث بن الحارث المحاربي، له صحبة".

 

يا أيها المؤمنون، ذكر ابن إسحاق في سيرته، وابن كثير في "البداية والنهاية"، أنه في السنة الرابعة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتحديد في شهر ربيع الأول، وصل الخبر إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل نجد من غطفان وبني محارب وبني ثعلبة قد تجمعوا يريدون غزو المدينة، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم ومعه سبعمائة مقاتل في غزوة تسمى غزوة ذات الرقاع، وسميت بذلك لأن الصحابة كانوا يلفون على أرجلهم الخرق من شدة الحر.

 

ولم يحدث بين المسلمين والكفار قتال، فقد ألقى الله الرعب في قلوب الكفار؛ فتفَرَّقوا في الجبال والأودية والشعاب، ورجع المسلمون وقد حقق الله مقصودهم بردعهم للمشركين وكف أذاهم عن المسلمين.

 

يا أيها المؤمنون، وفي طريق عودة النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من الجند، مروا بوادٍ في نجد كثير الشجر، وهو وادٍ موحش كثير المخاطر، فتفرق الجيش تحت الشجر يلتمسون الظل من أجل أن يقيلوا ويأخذوا قسطًا من الراحة، فناموا نومًا عميقًا من شدة الإعياء والتعب، وكان ممن نام معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد نزل النبي صلى الله عليه وسلم وحده تحت شجرة سَمُرَة، وعلَّق سيفه عليها، واستسلم للنوم كما يستسلم البشر.

 

وكان غَوْرَث بن الحارث المحاربي يراقب هذا المشهد، وفي صدره غِلٌّ وحقد يريد أن يثأر من النبي صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه؛ لما أحدثوه من ذعر وخوف في قومه، فتسلَّل بين الشجر كالذئب، لا عين تراه، حتى وصل إلى الشجرة، فرأى سيف النبي صلى الله عليه وسلم معلقًا والنبي صلى الله عليه وسلم نائمًا تحتها، فمدَّ يده واخترط سيف النبي صلى الله عليه وسلم من غِمْده، ووقف فوق رأسه، ثم صاح بكِبْرٍ: "يا محمد، من يمنعك مني؟".

 

هنا كانت لحظة الفصل بين الموت والحياة. استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم، والسيف فوق رأسه مصلت، فلم يجزع، ولم يصرخ. رفع بصره بهدوء الواثق بالله تعالى وقال: "الله"، يعني يمنعني الله منك، كلمة واحدة أسقطت السيف من يد غَوْرَث بن الحارث، فجلس مبهوتًا حائرًا، وهنا علا النبي صلى الله عليه وسلم بسيفه وقال له: «من يمنعك مني؟».

 

وهنا قال غَوْرَث من أعماق قلبه: يا محمد "كُنْ خَيْرَ آخِذٍ يَا مُحَمَّدُ"، وكان مقتضى العدل أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، فهو مُعْتَدٍ غادر، لكن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله "ليُتمِّم مكارم الأخلاق" حلم عليه، وعفا عنه، ولم يعاقِبْه صلى الله عليه وسلم، بل أطلق سراحه، فرجع إلى قومه مسلمًا وهو يقول لهم: "جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ". وكلمة كهذه لا تخرج إلَّا من قلب ذاقَ حلاوةَ الإيمان، فأسلم وحسن إسلامه، وصار من الصحابة كما نصَّ على ذلك الحافظ ابن حجر.

 

انظروا كيف انتصر النبي صلى الله عليه وسلم، لم ينتصر بالسيف، إنما انتصر بحُسْن خُلُقه صلى الله عليه وسلم، فغَوْرَث بن الحارث الذي حمله على الإسلام هو حِلْمُ النبي صلى الله عليه وسلم.

 

يا أيها المؤمنون، ما زلنا في شهر ربيع الأول، شهر ميلاد الرحمة المهداة، وصاحب الخُلُق العظيم صلى الله عليه وسلم، وخير ما نحتفي به في ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم أن نحتفي بالأهداف العظيمة التي بعثه الله من أجل تحقيقها، ومن أجل مقاصد بعثته صلى الله عليه وسلم: إتمام مكارم الأخلاق، كما صحَّ عنه فيما رواه البخاري في "الأدب المفرد" أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ»، وشهد له ربُّه بحُسْن خُلُقه شهادة ما بعدها شهادة فقال: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4].

 

وفي خطبتنا هذه سوف نقف مع خُلُقٍ عظيمٍ من أخلاقه صلى الله عليه وسلم، إنه خُلُق الحِلْم، ونحن في هذا الزمان أحوج ما نكون إليه؛ لأنه زمان كثر فيه الطيش، واستعرَّ فيه الغضب، فكان سببًا في القتل والظلم، وفي الطلاق والشتات، وفي قطيعة الأرحام وخراب الديار.

 

فما أحوجنا أن نتعلم من مدرسة الحلم النبوي كيف نملك أنفسنا عند الغضب! وقد كان صلى الله عليه وسلم في قمة الحِلْم والتأنِّي، وكان هذا الخُلُق سِمةً بارزةً فيه عليه الصلاة والسلام. وسنورِد من الشواهد والوقائع ما يثبت ذلك، سائلين الله تعالى أن ينفع بها الجميع، وأن تكون لنا أُسوة حَسَنة نقتدي فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

يا أيها المؤمنون، إن الحِلْمَ تاجٌ على رؤوس الكرام، وسياجٌ يحفظ به العاقل مروءته، وجمالٌ يزين به المؤمن إيمانه، ومعنى الحلم: أن تضبط نفسك عند فورة الغضب، وأن تكظم غيظك مع القدرة على الانتقام، وأن تُمسك لسانك ويدك وقلبك حين يريد الجهل أن يغلبك.

 

وقد أثنى نبيُّنا صلى الله عليه وسلم على هذا الخُلُق ثَناءً عظيمًا، ورفع من قدر أهله رفعًا كبيرًا، جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»، فانظروا كيف قلب صلى الله عليه وسلم موازين الناس، فالشِّدَّة عندهم في العضلات وفي الصوت وفي البطش، أما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فالشدة الحقيقية: أن تملك لسانك فلا تشتم، وتملك يدك فلا تبطش، وتملك قلبك فلا يحقد، هذا هو البطل، هذا هو القوي عند الله.

 

وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على من تخلَّقوا بخُلُق الحِلْم، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأحنف بن قيس رضي الله عنه، وكان يُضرب به المثل في الحِلْم والسماحة وسَعة الصدر: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ». إنها شهادة من السماء على لسان رسول الله. لم يقل: "إن فيك عبادة"، ولا: "إن فيك علمًا" فقط، بل بدأ بـالحِلْم، فما علت منزلة الأحنف في العرب إلا بحِلْمه، وسَعة صدره.

 

فالله حليم يحب من عباده الحلماء، فإذا أراد الله بعبد خيرًا رزقه حِلْمًا يُطفئ به نار الغضب، ويرفع به درجاته، ويؤلِّف به قلوبَ الخَلْق حوله، وإذا أبغض الله عبدًا نزع منه الحلم، فصار كالبركان يغلي، يحرق نفسه قبل أن يحرق غيره، ويخسر دينه ودنياه في لحظة غضب.

 

يا أيها المؤمنون، ولأهمية خُلُق الحلم، فقد وصف الله تعالى نفسَه بالحلم، وسمى نفسه بالحليم، وذكر اسمه هذا في كتابه في خمسة عشر موضعًا، ما قرنه إلا بأسماء عظام تدل على كمال حلمه وقدرته، ومن أهم ما اقترن به اسم الله الحليم اقترانه باسمه الغفور قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 225]، وقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 235]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [فاطر: 41]، وحلم الله جل وعلا على عباده حِلْمٌ يليق بجلاله، ليس كحلم المخلوقين.

 

ومن أعظم مظاهر حلمه سبحانه حِلْمُه على الكافرين، فقد خَلَقَهم لعبادته، فكَفَروا به، وعبدوا غيره، وجحدوا فضله، ومع ذلك يرزقهم ويمهلهم ويدرُّ عليهم النعم، وقد كفروا به سبحانه وتعالى؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: «مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، يَدَّعُونَ لَهُ وَلَدًا، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ».

 

ومن مظاهر حِلْمهِ سبحانه حِلْمُه على العصاة من عباده المؤمنين، فهم يعصونه ليلَ نهارَ، ويبارزونه بالذنوب في الخلوات، فيسترهم ولا يفضحهم، ويمهلهم ولا يُعاجِلهم.

 

ولو عاجلهم بالعقوبة ما بقي على الأرض أحد، قال تعالى: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ [فاطر: 45]، ومع عصيانهم يناديهم نداء الرحمة والحلم: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53].

 

ما قال: يا من أذنبتم، بل قال: "يا عبادي"... نسبهم إليه مع إسرافهم، ليفتح لهم باب الرجوع، فيا سبحان الحليم! يُعصى فيحلم، ويُكفر به فيرزق، ويُبارز بالمعاصي فيمهل ويحلم، ثم إذا رجع العبد قبله وأحبَّه وفرح بتوبته.

 

يا أيها المؤمنون، إذا كان ربنا بهذا الحلم معنا، أفلا نتحلَّم على بعضنا؟ إذا كان يسترنا ونحن نعصيه، أفلا نستر إخواننا إذا زلوا؟ إذا كان يمهل الكافر، أفلا نصبر على أهل بيتنا؟

 

يا أيها المؤمنون، ولأهمية خُلُق الحِلْم فقد تخلَّق به أنبياء الله ورسله، وجعله الله سياجًا لدعوتهم وسلاحًا لقلوبهم، فما لانت القلوب إلا بالرفق، ولا دخلت الأفئدة إلا بالصبر.

 

وممن اتصف بهذا الخلق العظيم خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، وقد وصفه الله في كتابه وصفًا يليق بمقامه فقال جل جلاله: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 114]، وقال سبحانه: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ﴾ [هود: 75]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الحليم: "هو الذي لا يغضب لنفسه، ولا يعجل بالعقوبة".

 

فانظروا إلى حِلْمه مع قومه المشركين، فقد بعثه الله فيهم داعيًا إلى التوحيد، فكذَّبوه وسخِرُوا منه، وحطَّم أصنامَهم فجمعوا له نارًا عظيمة ليلقوه فيها. ولو كان غيره لانتصر لنفسه، ولبادلهم الشِّدةَ بالشِّدَّةِ، لكن الحِلْم كان دِرْعه؛ فظل يصبر على أذاهم، ويدعوهم باللين، ويجادلهم بالتي هي أحسن رجاء أن يهديهم الله.

 

يا أيها المؤمنون، وتأملوا حِلْم إبراهيم عليه السلام بأبيه، حين وقف الولد الموحِّد أمام الأب المشرك العابد للصنم، قال له أبوه متوعِّدًا مُهدِّدًا: ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴾ [مريم: 46]، فما قابله إبراهيم بالغضب ولا بالقطيعة، بل ودَّعه ببرد اليقين وعذوبة الخطاب فقال: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴾ [مريم: 47]، فجمع بين البر في القول، والرحمة في الدعاء، وإن كان على غير دينه.

 

ثم انظروا إلى كمال حلمه مع ولده إسماعيل عليه السلام، فبعد طول انتظار، رزقه الله بإسماعيل، ووصفه الله في كتابه بالحِلْم فقال: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴾ [الصافات: 101]، فلما جاء أمر الابتلاء ورأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبحه، لم يصرخ ولم يجزع، بل ناداه نداء الحلم والرحمة، وقال له: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ﴾ [الصافات: 102] يستشيره ويسترضيه.

 

فكان رد الغلام الحليم درسًا في التسليم: ﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الصافات: 102]، فاجتمع حلم الأب مع حلم الابن، فكانا معًا مثالًا للرضا بقضاء الله وقدره، وجاءهما بعد ذلك الفرج والمخرج من الله تعالى.

 

يا أيها المؤمنون، وممن تخلَّق بخُلُق الحلم من أنبياء الله ورسله نبي الله شعيب عليه السلام، فقد بعثه الله إلى قوم مَدْين، وقد استشرت فيهم جريمة عظيمة هي تطفيف الكيل والميزان؛ أي: ينقصون الناس حقوقهم إذا وزنوا لهم، ويستوفون لأنفسهم إذا اكتالوا، فوقف فيهم خطيبًا ناصحًا، ينهاهم عن الفساد ويأمرهم بالعدل فقال: ﴿ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ﴾ [هود: 85]، فما كان جوابهم إلا الاستهزاء والسخرية، قالوا: ﴿ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾ [هود: 87]، ثم شهد له قومه بالحلم فقالوا: ﴿ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ﴾ [هود: 87]، والحليم الرشيد: هو العاقل الحليم سديد الرأي المهتدي إلى الحق.

 

يا أيها المؤمنون، وخير من تخَلَّق بخُلُق الحِلْم هو نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم، وكان حِلْمُه من دلائل نبوَّته، وبرهان صدقه، وسر قبول دعوته، فما أرسله الله بالسيف أولًا، بل أرسله بالرحمة، وما ملك القلوب بالغلظة، بل ملكها بالرفق، وكان صلى الله عليه وسلم قرآنًا يمشي على الأرض، شهدت له بذلك أُمُّنا عائشة رضي الله عنها حين سُئلت عن خُلُقِه فقالت: "كان خُلُقه القرآن"؛ رواه مسلم في صحيحه، فما أعظمها من كلمة! وما أبلغه من وصف! فمن أراد أن يرى "الحليم" من البشر فلينظر إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فقد أدَّبه ربُّه فأحسنَ تأديبه، وربَّاه القرآن فكان هو القرآن في أخلاقه ومُعاملته.

 

كيف لا وقد قال الله له: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199]، وله في ذلك مواقف كثيرة، فقد حلم مع جفاء الأعرابي وغلظته، روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ!».

 

وتأملوا المشهد: جذبٌ مؤلم، ونداء باسمه مجردًا من الرسالة، وطلب مال بفظاظة، ماذا فعل سيد الخلق؟ «فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ»، ضحك ولم يغضب! وأعطى ولم يمنع!

 

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وفي هذا الحديث بيان حِلْمه صلى الله عليه وسلم وصبره على الأذى في النفس والمال، والتجاوز على جفاء من يريد تألُّفه على الإسلام، وليتأسَّى به الولاة بعده في خُلُقه الجميل من الصفح والإغضاء والدفع بالتي هي أحسن".

 

يا أيها المؤمنون، كما حلم النبي صلى الله عليه وسلم على صاحب الحق إذا أغلظ عليه في طلبه لحقه، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا. ثُمَّ قَالَ: أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ! فَقَالَ: أَعْطُوهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً».

 

فالحلم عند النبي صلى الله عليه وسلم ليس ترك الحق، بل هو إقامة الحق بالتي هي أحسن.

 

يا أيها المؤمنون، كما حلم النبي صلى الله عليه وسلم والدماء تسيل من على جسده، بعد أن آذاه قومه، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ».

 

قال الإمام النووي رحمه الله: "وهذا النبي المشار إليه من المتقدمين، وقد جرى لنبيِّنا صلى الله عليه وسلم مثل هذا يوم أُحُد، وفي هذا الحديث ما كانوا عليه صلوات الله وسلامه عليهم من الحِلْم والتصبُّر والعفو والشفقة على قومهم ودعائهم لهم بالهداية والغفران، وعذرهم في جنايتهم على أنفسهم بأنهم لا يعلمون".

 

يا أيها المؤمنون، الحِلْمُ ليس ضعفًا، فهذا إبراهيم حطَّم الأصنام بيده، ولكنه ما حطَّم القلوب بلسانه. وهذا شعيب صدع بالحق، ولكنه غلَّفه بالرفق. وهذا محمد صلى الله عليه وسلم أوذي في بدنه وماله وعرضه، فكان الحِلْم تاجه، والعفو شيمته.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام الحلماء، وقدوة الصابرين، نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

يا أيها المؤمنون، من عظمة خُلُق الحِلْم عند النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الكفر أنفسهم استدلُّوا به على نبوَّتِه صلى الله عليه وسلم. فاليهودي العالم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلم بسبب معجزة، بل أسلم بسبب خُلُق الحِلْم عنده صلى الله عليه وسلم، الذي جعله الله تعالى من دلائل نبوَّتِه صلى الله عليه وسلم.

 

روى ابن سعد في الطبقات، والطبراني في معجمه الكبير، وابن حِبَّان في صحيحه، والحاكم في المستدرك وقال: صحيحة على شرط الشيخين ووافقه الذهبي على ذلك، وحسَّنه الهيثمي في المجمع وقال: رجاله ثقات، عن عبدالله بن سلام قال: إن زيد بن سعنة قال: «لَمْ يَبْقَ مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ شَيْءٌ إِلَّا وَقَدْ عَرَفْتُهَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ نَظَرْتُ إِلَيْهِ، إِلَّا اثْنَتَيْنِ لَمْ أَخْبُرْهُمَا مِنْهُ: يَسْبِقُ حِلْمُهُ جَهْلَهُ، وَلَا يَزِيدُهُ شِدَّةُ الْجَهْلِ عَلَيْهِ إِلَّا حِلْمًا».

 

قال زيد: فابتعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم تمرًا بثمن معلوم إلى أجل معلوم، ثم جئت أتقاضاه قبل الأجل بأيام، فأخذت بمجامع قميصه وردائه ونظرت إليه بوجه غليظ ثم قلت: يا محمد، ألا تقضيني حقِّي؟ فوالله إنكم يا بني عبد المطلب لَمُطْلٌ، قال: فنظرت إلى عمر بن الخطاب وعيناه تدوران في وجهه كالفلك، ثم رماني ببصره فقال: يا عدوَّ الله، تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع وتصنع به ما أرى؟ فلولا مكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا لضربت بسيفي رأسك، قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة، ثم قال: «أَنَا وَهُوَ كُنَّا إِلَى غَيْرِ هَذَا أَحْوَجَ مِنْكَ يَا عُمَرُ، تَأْمُرُنِي بِحُسْنِ الْقَضَاءِ وَتَأْمُرُهُ بِحُسْنِ الطَّلَبِ».

 

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ ذَهَبَ مِنْ أَجْلِهِ ثَلَاثٌ» وأشار بيده، ثم قال: «اذْهَبْ بِهِ يَا عُمَرُ فَاقْضِهِ حَقَّهُ، وَزِدْهُ عِشْرِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ مَكَانَ مَا رَوَّعْتَهُ».

 

قال زيد: فذهب بي عمر فقضاني حقي وزادني عشرين صاعًا، فقلت: ما هذه الزيادة يا عمر؟ قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أزيدك مكان ما روَّعتك، قلت: أتعرفني يا عمر؟ قال: لا. قلت: أنا زيد بن سُعْنة. قال: حبر من أحبار يهود؟ قلت: نعم. قال: فما حملك على أن فعلت برسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلت وقلت له ما قلت؟ قلت: يا عمرُ، لم يكن من علامات النبوَّة شيء إلا عرفته في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه، يسبق حِلْمُه جهلَه، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حِلْمًا، وقد اختبرتهما فأشهدك أني قد رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا. وأشهدك يا عمر أن شطر مالي صدقة على أمة محمد.

 

وجاهد مع رسول الله بقية عمره حتى استشهد في غزوة ولقي الله شهيدًا سعيدًا.

 

يا أيها المؤمنون، زيد بن سُعْنة كان يبحث عن "نبي آخر الزمان" في التوراة، فوجد كلَّ العلامات: الخاتم، المولد، الهجرة، وبقيت علامة واحدة لا تُكتَب في الكُتُب: أخلاق الأنبياء فاختبرها. فوجد حِلْمًا يسبق الجهل، ووجد رحمةً تغلب الغضب، فقال: هذا هو. فزيد بن سُعْنة أسلمَ بالحِلْم.

 

يا أيها المؤمنون، تأملوا في قصة إسلام زيد بن سُعْنة، فهو حَبْرٌ من أحبار اليهود، عالم بالتوراة، يحفظ علامات النبوة، يقول "كل شيء عرفته إلا اثنتين"؛ أي: إنه كان ينتظر لحظة الاختبار.

 

فجاء الاختبار في أشدِّ صوره: دين، وجذب للثوب، واتهام بالكذب أمام الناس: "إنكم يا بني عبد المطلب لَمُطْلٌ". هنا كان يمكن للسيف أن يتكلم، وكان يمكن للغضب أن ينتصر، لكن ماذا فعل صاحب الخُلُق العظيم؟ نظر إلى عمر الغاضب وقال بهدوء يخترق القلوب: "أَنَا وَهُوَ كُنَّا إِلَى غَيْرِ هَذَا أَحْوَجَ"، كأنه يقول يا عمرُ، نحن نحتاج الآن إلى الرِّفْق لا إلى الشدة، إلى الحِلْم لا إلى البطش، ثم حوَّل الإساءة إلى إحسان فأمر بزيادة عشرين صاعًا "جزاء ما روَّعْتَه"، أي عَظَمة هذه؟! يُساء إليه فيزيد المحسن إحسانًا.

 

هنا انهار حبر اليهود، قال في نفسه: هذه هي الثانية. "لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا"، فالحلم عند المقدرة، والعفو عند الإساءة، والزيادة مع القدرة على المنع، هذه ليست أخلاق تاجر ولا سياسي، هذه أخلاق نبيٍّ، فكانت النتيجة المباشرة: الشهادة. "أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله"، لم يقنعه دليل، ولم يغُرَّه مال، ولكن أسَرَه الخُلُقُ.

 

يا أيها المؤمنون، إن الحلم ليس ضعفًا كما يظن الجاهلون، وإنما هو قوة العاقل الذي ملك نفسه عند الغضب، وعزة المؤمن الذي آثر رضا الله على هوى نفسه، فبالحلم تُطفأ نيران العداوات التي كادت أن تحرق المجتمع، وكم من خصومة اشتعلت فأطفأتها كلمة ليِّنة ودمعة صبر؟ وبالحلم تُبنى البيوت على المودة والرحمة لا على الصراخ والبطش.

 

وبالحلم تُستجلب محبة الله جل في علاه، الذي قال نبيُّه صلى الله عليه وسلم عنه كما في الحديث المتفق عليه: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ»، ومَن أحبَّه اللهُ أحبَّه الخَلْقُ.

 

يا أيها المؤمنون، إن الناس اليوم لن تقنعهم الشعارات التي نرفعها في محبة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا الخطب التي نلقيها في مدحه صلى الله عليه وسلم، إنما سيقنعهم "محمد" صلى الله عليه وسلم يمشي بيننا في أخلاقنا. سيقنعهم بيت صابر لا يتهدَّم عند أول زَلَل، وزوج يحلم على زوجه إذا أخطأت، وأب يمسك غضبه ولسانه إذا كُسر له متاع.

 

سيقنعهم تاجر في سوقه إذا سُبَّ لم يَسبَّ، وإذا غُشَّ لم يَغشَّ، وسيقنعهم رجل في خصومته قَدَر على أن يبطش فعفا، وعلى أن يقطع فرَحِم، وعلى أن يُشهر فصفح.

 

يا أيها المؤمنون، تأدَّبوا بأدب الله، وتخَلَّقوا بأخلاق أنبيائه، فمَن أراد العِزة فليحلم، ومن أراد الهيبة فليعفُ، ومن أراد أن يحبه الله فليحلم على عباد الله.

 

اللهم كما أحسنت خَلْقَنا فحَسِّن خُلُقَنا، وارزقنا حِلْمًا كحِلْم نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم اجعلنا من الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، واغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين، وأصلح أحوال بيوتنا وقلوبنا، إنك سميع مجيب.

 

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَعَاكُمُ اللهُ- عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِاللهِ؛ كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الْأَحْزَاب: 56].

 

وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا».

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.

 

وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ؛ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَكْرَمَ الْأَكْرَمِينَ.

 

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ، وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّينِ.

 

اللَّهُمَّ بَارِكْ لِمَنْ حَضَرَ مَعَنَا صَلَاتَنَا هَذِهِ فِي عِلْمِهِ وَعُمُرِهِ وَعَمَلِهِ، وَبَارِكْ لَهُ فِي بَدَنِهِ وَصِحَّتِهِ وَعَافِيَتِهِ، وَبَارِكْ لَهُ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، وَبَارِكْ لَهُ فِي مَالِهِ وَرِزْقِهِ، وَاجْعَلْهُ يَا رَبَّنَا مُبَارَكًا مُوَفَّقًا مُسَدَّدًا أَيْنَمَا حَلَّ أَوِ ارْتَحَلَ.

 

اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا.

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى.

 

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ.

 

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ.

 

رَبَّنَا إِنَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ.

 

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

 

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • حلم النبي - صلى الله عليه وسلم - وصبره على الأذى
  • حلم النبي صلى الله عليه وسلم
  • مثل من حلم النبي صلى الله عليه وسلم
  • من حلم النبي صلى الله عليه وسلم

مختارات من الشبكة

  • خطبة: أسباب مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مولد ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • هجرة النبي صلى الله عليه وسلم أنس المستضعفين (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ضحك النبي صلى الله عليه وسلم (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • خطبة: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم(مقالة - ملفات خاصة)
  • خصائص النبي صلى الله عليه وسلم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • املأ قلبك بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم تكن رفيقه في الجنة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: تواضع النبي صلى الله عليه وسلم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الوصف الشجي لصبر الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة بزوغ الفجر والصبح في بيت النبي صلى الله عليه وسلم(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • انطلاق أعمال ترميم مسجد تاريخي في كوسوفا ضمن جهود صون التراث الإسلامي
  • مبادرة تعليمية إسلامية في فيينا لتعريف السكان بفرص التدريب والتأهيل المهني
  • "المدرسة الدينية 2026".. دورة إلكترونية لتعليم أساسيات الإسلام على مدار عام في القرم
  • طلاب تتارستان يتنافسون في حفظ وتلاوة أجزاء من القرآن الكريم بقازان
  • 150 مشاركا في افتتاح الدورة الـ18 من "مدرسة اليوم الواحد" بتتارستان
  • برعاية إسلامية .. "يوم المعرفة" في فيينا يطور مهارات المعلمين
  • برنامج أسبوعي لتعلم العربية والقرآن الكريم للأطفال في وارسو
  • ندوة إسلامية في فوشتري تستعرض سيرة النبي وتعاليمه

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 2/5/1448هـ - الساعة: 19:31
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب