• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    سمات أهل الجنة.. كيف تكون حراما على النار؟
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    تحريم قول: إن الله في كل مكان وأن ذلك دعوة إلى ...
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    مخالفة الأنظمة المرورية: إثم شرعي وخطر مجتمعي ...
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    سلسلة: حين يخاطبك القرآن: حين تفتح أبواب الرحمة: ...
    نوال محمد سعيد حدور
  •  
    صناعة التفاهة وسقوط الموازين (خطبة)
    الشيخ عبدالخالق حنش
  •  
    فصول في ظلال السيرة النبوية (6): (الجهر بالدعوة)
    أ. د. علي حسن الروبي
  •  
    أثر تصحيح العقد على الزمن السابق للتصحيح
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    الإنفاق على اليتامى جهاد في سبيل الله
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    الراحمون يرحمهم الرحمن (خطبة)
    خميس النقيب
  •  
    نعمة الماء وذم الإسراف (خطبة)
    د. محمد بن مجدوع الشهري
  •  
    يعلمنا القرآن (5): عاقبة كفران النعم زوالها
    ميسون عبدالرحمن النحلاوي
  •  
    مراقبة الله سبيل لدخول الجنة
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    منهج البخاري ومسلم في ترك أحاديث هي أصل في بابها ...
    نورة بنت صالح النفجان
  •  
    سب الله تعالى وسب دينه (خطبة)
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    طيبون.. حتى الممات (خطبة)
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    السلسلة الذهبية في السيرة النبوية (2) العالم ...
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / المعاملات / في الوقف والوصية والمواريث
علامة باركود

وقفات مع أحكام الوصية (خطبة)

وقفات مع أحكام الوصية (خطبة)
رمضان صالح العجرمي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 23/9/2026 ميلادي - 12/4/1448 هجري

الزيارات: 3823

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

وَقَفَاتٌ مَعَ أَحْكَامِ الوَصِيَّةِ


1- مَعْنَى الوَصِيَّةِ وَحُكْمُهَا وَأَدِلَّتُهَا.

2- أَهَمِّيَّةُ كِتَابَةِ الوَصِيَّةِ.

3- الأَحْكَامُ المُتَعَلِّقَةُ بِالوَصِيَّةِ.

 

(الْهَدَفُ مِنَ الخُطْبَةِ)

التَّذْكِيرُ بِأَهَمِّيَّةِ كِتَابَةِ الوَصِيَّةِ وَالمُبَادَرَةِ بِهَا قَبْلَ المَوْتِ حَتَّى لَا تَضِيعَ الحُقُوقُ، مَعَ بَيَانِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَا.

 

مُقَدِّمَةٌ وَمَدْخَلٌ لِلمَوْضُوعِ:

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ عِبَادَ اللهِ، فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ.))؛ هَذَا الحَدِيثُ فِي بَيَانِ مَشْرُوعِيَّةِ الوَصِيَّةِ؛ أَيْ مِمَّا يَلْزَمُ المَرْءَ المُسْلِمَ أَلَّا يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ وَلَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ بِهِ مِمَّا فِيهِ حُقُوقٌ عَلَيْهِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: "فَوَاللَّهِ مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ ذَلِكَ، إِلَّا وَوَصِيَّتِي عِنْدِي."

 

فَلَوْ أَنَّكَ سَأَلْتَ أَحَدًا: هَلْ كَتَبْتَ وَصِيَّتَكَ؟ لَنَظَرَ إِلَيْكَ نَظْرَةَ تَعَجُّبٍ وَاسْتِغْرَابٍ، وَهَلْ أَنَا عَلَى فِرَاشِ المَوْتِ حَتَّى أَكْتَبَ وَصِيَّتِي؟!

 

فَكَمْ مِنْ مَيِّتٍ لَمْ يَكْتُبْ وَصِيَّتَهُ فَهُوَ مُرْتَهَنٌ بِدَيْنِهِ؟! وَكَمْ مِنْ غَنِيٍّ لَمْ يَنْتَفِعْ بِمَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ؟! وَكَمْ مِنْ حُقُوقٍ أُضِيعَتْ، وَأَمَانَاتٍ لَمْ تُؤَدَّ إِلَى أَصْحَابِهَا؟! وَكَمْ مِنْ وَصِيَّةٍ لَمْ تُكْتَبْ فَتَاهَتِ الحُقُوقُ وَتَشَاحَنَ الوَرَثَةُ؟! كُلُّ ذَلِكَ سَبَبُهُ التَّسَاهُلُ فِي كِتَابَةِ الوَصِيَّةِ.

 

فَمَعَ هَذِهِ الأَهَمِّيَّةِ العَظِيمَةِ، تَعَالَوْا بِنَا نَقِفُ هَذِهِ الوَقَفَاتِ مَعَ: مَعْنَى الوَصِيَّةِ وَحُكْمِهَا، ثُمَّ أَهَمِّيَّةِ كِتَابَتِهَا، ثُمَّ أَهَمِّ الأَحْكَامِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَا.

 

الوَقْفَةُ الأُولَى: مَعْنَى الوَصِيَّةِ وَحُكْمُهَا وَأَدِلَّتُهَا

الوَصِيَّةُ لُغَةً: مَعْنَاهَا العَهْدُ إِلَى الغَيْرِ، أَوِ الأَمْرُ.

 

وَشَرْعًا: الأَمْرُ بِالتَّصَرُّفِ بَعْدَ المَوْتِ، أَوِ التَّبَرُّعُ بِالمَالِ بَعْدَهُ؛ مِثْلَ أَنْ تَقُولَ: "أُوصِي أَنْ يُبْنَى مَسْجِدٌ مِنْ مَالِي بَعْدَ مَوْتِي"، أَوْ: "أُوصِي فُلَانًا أَنْ يُسَدِّدَ دَيْنِي"؛ فَتَشْمَلُ الوَصِيَّةُ أَمْرَيْنِ:

1- الأَمْرُ بِالتَّصَرُّفِ بَعْدَ المَوْتِ؛ كَالوَصِيَّةِ لِشَخْصٍ بِتَغْسِيلِهِ، أَوِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.

 

2- دَفْعُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ لِجِهَةٍ؛ عَلَى أَنْ يَمْلِكَ المُوصَى لَهُ الهِبَةَ بَعْدَ مَوْتِ المُوصِي. وَسُمِّيَتْ وَصِيَّةً؛ لِأَنَّ المُوصِيَ وَصَلَ مَا كَانَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ بِمَا كَانَ بَعْدَ مَمَاتِهِ.

 

وَدَلِيلُهَا مِنَ القُرْآنِ؛ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ﴾؛ فَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهَا عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ لِمَنْ تَرَكَ مَالًا كَثِيرًا؛ وَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ آيَاتِ المَوَارِيثِ، فَنُسِخَ مِنْهَا الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِذَا كَانُوا مِنَ الوَارِثِينَ. وَقَدْ أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الوَصِيَّةِ.

 

وَأَمَّا حُكْمُ الوَصِيَّةِ: فَالأَصْلُ فِي الوَصِيَّةِ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ؛ لَكِنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ بِلَا بَيِّنَةٍ، أَوْ أَمَانَاتٌ وَوَدَائِعُ بِلَا إِشْهَادٍ؛ فَيَجِبُ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يُدَوِّنَ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ مِنَ الحُقُوقِ فِي وَصِيَّةٍ يُبَيِّنُ فِيهَا ذَلِكَ؛ حَتَّى لَا تَضِيعَ عَلَى النَّاسِ حُقُوقُهُمْ.

 

وَتُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَرَكَ خَيْرًا كَثِيرًا بِالثُّلُثِ فَأَقَلَّ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ ﴾؛ وَالخَيْرُ: هُوَ المَالُ الكَثِيرُ. فَتُسْتَحَبُّ الوَصِيَّةُ بِشَيْءٍ مِنَ المَالِ، يُصْرَفُ فِي طُرُقِ البِرِّ وَالخَيْرِ وَالإِحْسَانِ؛ لِيَصِلَ إِلَيْهِ ثَوَابُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.

 

الوَقْفَةُ الثَّانِيَةُ: أَهَمِّيَّةُ كِتَابَةِ الوَصِيَّةِ

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ عِبَادَ اللهِ، إِذَا عَرَفْنَا مَعْنَى الوَصِيَّةِ وَحُكْمَهَا، فَلِمَاذَا يُشَدِّدُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى كِتَابَتِهَا؟ وَلِمَاذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا لَا يَبِيتُ لَيْلَةً إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ عِنْدَهُ؟ وَلِمَاذَا نَكْتُبُ نَحْنُ الوَصِيَّةَ اليَوْمَ؟ فَالوَصِيَّةُ فِيهَا مِنَ الخَيْرِ العَظِيمِ الَّذِي يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَى المُوصِي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ وَمِنْ ذَلِكَ:

أَوَّلًا: طَاعَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَطَاعَةٌ لِأَمْرِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَالَ: ((مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ))؛ فَهُوَ أَمْرٌ يَدُلُّ عَلَى الأَهَمِّيَّةِ، وَالمُؤْمِنُ شَأْنُهُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ. فَكَيْفَ يَتَهَاوَنُ المُسْلِمُ فِي أَمْرٍ أَوْصَى بِهِ نَبِيُّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟

 

وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِمَا فِيهِ الخَيْرُ وَالصَّلَاحُ لِلْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ وَلِذَلِكَ فَهِمَهَا ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فَقَالَ: "مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ إِلَّا وَوَصِيَّتِي عِنْدِي".

 

ثَانِيًا: إِبْرَاءُ ذِمَّةِ المُوصِي مِنَ الحُقُوقِ الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِهَا:

إِمَّا حُقُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى؛ مِنْ نَذْرٍ أَوْ زَكَاةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ حَجٍّ لَوْ فَاجَأَهُ المَوْتُ دُونَ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ أَدَائِهَا بِنَفْسِهِ.

 

أَوْ حُقُوقٌ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللهِ؛ مِنْ دُيُونٍ، أَوْ وَدَائِعَ وَأَمَانَاتٍ وَنَحْوِهِمَا.

 

فَكَمْ مِنَ النَّاسِ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لِأَخِيهِ، أَوْ أَمَانَةٌ عِنْدَ جَارِهِ، أَوْ مَظْلَمَةٌ فِي عُنُقِهِ؟! فَهُوَ مَحْبُوسٌ فِي قَبْرِهِ بِهَذَا الدَّيْنِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ.))؛ [رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ.]؛ فَالوَصِيَّةُ هِيَ صَكُّ البَرَاءَةِ مِنَ القَبْرِ، وَكِتَابَتُهَا دَلِيلٌ عَلَى الحِرْصِ عَلَى أَدَاءِ الحُقُوقِ لِأَصْحَابِهَا؛ وَكَمَا قِيلَ: الوَصِيَّةُ المَكْتُوبَةُ هِيَ الشَّاهِدُ الَّذِي يَنْطِقُ بَعْدَكَ وَيَرُدُّ الحُقُوقَ لِأَهْلِهَا.

 

فَالوَصِيَّةُ عَوْنٌ لِأَوْلِيَاءِ المُوصِي إِذَا فَاجَأَهُ أَجَلُهُ، عَلَى نَفْعِهِ وَإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ مِنْ حُقُوقِ اللهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ خَلْقِهِ. فَمِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَتَسَاهَلُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَيَتَهَاوَنُ فِي أَمْرِهَا؛ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي كَثُرَتْ فِيهِ المُعَامَلَاتُ.

 

ثَالِثًا: الاعْتِنَاءُ بِمَزِيدٍ مِنَ البِرِّ يَسْتَمِرُّ لَهُ بَعْدَ المَوْتِ

 

فَهِيَ سَبِيلٌ لِعَدَمِ انْقِطَاعِ الأَعْمَالِ بَعْدَ الوَفَاةِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ.))؛ [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]

 

فَقَدْ يُقَصِّرُ الإِنْسَانُ أَوْ يَغْفَلُ فِي حَيَاتِهِ عَنِ البَذْلِ وَالإِنْفَاقِ فِي أَعْمَالِ الخَيْرِ؛ فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ رُبَّمَا يُؤَجِّلُ وَيُسَوِّفُ فِي بَابِ الصَّدَقَاتِ. يَقُولُ: بَعْدَ مَا يُنْهِي الأَوْلَادُ دِرَاسَتَهُمْ سَأَتَصَدَّقُ، بَعْدَ مَا يَتَزَوَّجُ الأَوْلَادُ سَأَتَصَدَّقُ، وَهَكَذَا حَتَّى يَأْتِيَهُ المَوْتُ بَغْتَةً فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ!

 

وَلِذَلِكَ فَقَدْ شَرَعَ اللهُ تَعَالَى لَهُ بِرَحْمَتِهِ أَنْ يُوصِيَ بِجُزْءٍ مِنْ مَالِهِ فِي أَعْمَالِ الخَيْرِ؛ فَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ، زِيَادَةً فِي حَسَنَاتِكُمْ؛ لِيَجْعَلَهَا لَكُمْ زِيَادَةً فِي أَعْمَالِكُمْ.))؛ [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ].

 

وَالأَفْضَلُ أَنْ تَكُونَ الوَصِيَّةُ وَالوَقْفُ فِي حَالِ الحَيَاةِ، وَإِمْضَاؤُهَا قَبْلَ الوَفَاةِ فَلَا تُؤَخَّرُ فِي الحَالَاتِ الحَرِجَةِ؛ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَمَا سُئِلَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: ((أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الرُّوحُ الحُلْقُومَ، قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ كَذَا))؛ [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]؛ فَاكْتُبْ وَصِيَّتَكَ يَا عَبْدَ اللهِ الآنَ؛ لَعَلَّهَا تَكُونُ الصَّدَقَةَ الجَارِيَةَ الَّتِي تُثْقِلُ مِيزَانَكَ بَعْدَ رَحِيلِكَ.

 

رَابِعًا: التَّبَرُّؤُ مِنَ البِدَعِ وَالمُحْدَثَاتِ بَعْدَ المَوْتِ؛ وَذَلِكَ بِأَنْ يُوصِيَ بِمَا يُوَافِقُ الشَّرْعَ حَتَّى لَا يُفْعَلَ بَعْدَهُ مَا يُخَالِفُ السُّنَّةَ؛ مِثْلَ: أَنْ يُوصِيَ وَيَتَبَرَّأَ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَيْهِ، وَشَقِّ الجُيُوبِ، وَلَطْمِ الخُدُودِ، وَإِقَامَةِ السَّرَادِقَاتِ وَالعَزَاءِ وَالاجْتِمَاعِ؛ بَلْ يُوصِي أَنْ يُتَصَدَّقَ عَنْهُ أَفْضَلُ مِنْ دَفْعِ الأَمْوَالِ فِي هَذِهِ المُخَالَفَاتِ.

 

وَقَدْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوصُونَ بِذَلِكَ، وَالآثَارُ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ؛ مِنْهَا: عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: "الحِدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". وَهَذَا عَمْرُو بْنُ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُوصِي بَنِيهِ، وَهُوَ فِي سِيَاقِ المَوْتِ، فَيَقُولُ: "فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ". وَهَذَا أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُوصِي عِنْدَ مَوْتِهِ فَيَقُولُ: "إِذَا مُتُّ فَلَا تَضْرِبُوا عَلَيَّ فُسْطَاطًا، وَلَا تَتْبَعُونِي بِنَارٍ، وَأَسْرِعُوا بِي إِلَى رَبِّي؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِذَا وُضِعَ الْعَبْدُ أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ عَلَى سَرِيرِهِ قَالَ: قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي، وَإِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ السَّوْءُ قَالَ: وَيْلَكُمْ أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي))"، وَهَذَا قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُوصِي عِنْدَ مَوْتِهِ فَيَقُولُ: "إِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَنُوحُوا عَلَيَّ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُنَحْ عَلَيْهِ".

 

خَامِسًا: قَطْعُ النِّزَاعَاتِ المُحْتَمَلَةِ، وَإِنْهَاءُ الخِلَافَاتِ الَّتِي قَدْ تَحْدُثُ بَيْنَ الوَرَثَةِ مِنْ بَعْدِهِ.

 

فَكَمْ مِنْ إِخْوَةٍ اخْتَلَفُوا وَتَفَرَّقُوا وَتَقَطَّعَتْ بَيْنَهُمُ الأَرْحَامُ بِسَبِ: "قَالَ أَبُونَا" وَ "لَمْ يَقُلْ".؟! فَكِتَابَةُ الوَصِيَّةِ تَمْنَعُ هَذَا الشَّكَّ وَالظَّنَّ، وَتَرْفَعُ الخِلَافَ، وَتَحْفَظُ المَوَدَّةَ بَيْنَ الإِخْوَةِ.

 

وَكَذَلِكَ كَمْ مِنْ غَنِيٍّ مَاتَ وَتَرَكَ المَلَايِينَ فَضَاعَتْ فِي المَحَاكِمِ وَالمُحَامِينَ؟ وَكَمْ مِنْ فَقِيرٍ لَهُ دَيْنٌ عِنْدَ غَنِيٍّ لَمْ يَأْخُذْهُ؟ فَكِتَابَةُ الوَصِيَّةِ تَحْفَظُ المَالَ مِنَ الضَّيَاعِ، وَتَضْمَنُ أَنْ يَذْهَبَ حَيْثُ أَرَادَ المُوصِي لَا حَيْثُ يُرِيدُ الوَرَثَةُ.

 

سَادِسًا: التَّذْكِيرُ بِالمَوْتِ وَالاسْتِعْدَادِ لِلِقَاءِ اللهِ تَعَالَى؛ فَكِتَابَةُ الوَصِيَّةِ تُذَكِّرُكَ أَنَّكَ رَاحِلٌ، وَأَنَّ الدُّنْيَا مَتَاعٌ زَائِلٌ. وَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى العَقْلِ وَالحَزْمِ، لَا عَلَى التَّشَاؤُمِ.

 

وَالوَصِيَّةُ لَا تُقَدِّمُ أَجَلًا وَلَا تُؤَخِّرُهُ؛ وَلَكِنَّهَا صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِ المَوْتِ وَالاسْتِعْدَادِ لَهُ، وَاسْمَعْ إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: ((أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ: المَوْتِ.))؛ [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ].

 

فَبَادِرْ يَا عَبْدَ اللهِ بِكِتَابَةِ وَصِيَّتِكَ الآنَ، وَلَا تَقُلْ: "أَنَا صَغِيرٌ" أَوْ "لَازَالَ بَدْرِي"؛ فَالمَوْتُ لَا يَعْرِفُ صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا. فَاكْتُبْ وَصِيَّتَكَ اليَوْمَ قَبْلَ أَنْ يُكْتَبَ عَنْكَ غَدًا.

 

فَإِذَا عَرَفْنَا أَهَمِّيَّةَ كِتَابَةِ الوَصِيَّةِ، فَمَا هِيَ الأَحْكَامُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ نُرَاعِيَهَا فِيهَا؟ هَذَا مَا نَذْكُرُهُ فِي الخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى.

 

نَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ أَنْ يَخْتِمَ لَنَا بِخَاتِمَةِ السَّعَادَةِ أَجْمَعِينَ، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الأَحْكَامُ المُتَعَلِّقَةُ بِالوَصِيَّةِ:

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ عِبَادَ اللهِ، بَعْدَ أَنْ عَرَفْنَا أَهَمِّيَّةَ كِتَابَةِ الوَصِيَّةِ وَالمُبَادَرَةِ بِهَا، فَإِنَّ الوَاجِبَ عَلَيْنَا اليَوْمَ أَنْ نَعْرِفَ الأَحْكَامَ الَّتِي يَجِبُ مُرَاعَاتُهَا عِنْدَ كِتَابَةِ الوَصِيَّةِ؛ فَإِنَّ الوَصِيَّةَ أَمَانَةٌ، وَالتَّفْرِيطُ فِيهَا خَسَارَةٌ، وَالحِسَابُ عَلَيْهَا يَوْمَ القِيَامَةِ. فَمِنَ الأَحْكَامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالوَصِيَّةِ:


أَوَّلًا: تَحْرُمُ الوَصِيَّةُ بِأَمْرٍ فِيهِ مَعْصِيَةٌ أَوْ إِضْرَارٌ بِالوَرَثَةِ؛

فَلَا تَصِحُّ الوَصِيَّةُ بِجِهَةِ مَعْصِيَةٍ؛ لِأَنَّ الوَصِيَّةَ شُرِعَتْ لِزِيَادَةِ الحَسَنَاتِ. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ لِمَعَابِدِ الكُفَّارِ، أَوْ لِشِرَاءِ آلَاتِ اللَّهْوِ، أَوْ لِأَيِّ وَجْهٍ مُحَرَّمٍ، فَتَكُونُ وَصِيَّةً بَاطِلَةً.

 

كَمَا تَحْرُمُ الوَصِيَّةُ إِذَا قُصِدَ بِهَا المُضَارَّةُ بِالوَرَثَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ﴾؛ أَيْ: لَا يُدْخِلُ الضَّرَرَ عَلَى الوَرَثَةِ بِأَنْ يُوصِيَ بِدَيْنٍ لَيْسَ عَلَيْهِ، أَوْ يَتَحَايَلَ لِبَعْضِ الأَوْلَادِ دُونَ بَعْضٍ. وَمِنْ ذَلِكَ: أَنْ يَمِيلَ الأَبُ أَوِ الأُمُّ لِبَعْضِ الأَبْنَاءِ فَيُوصِي لِأَوْلَادِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ أَوِ الْمَرْأَةَ لَيَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللهِ سِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ، فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ.))؛ [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ].

 

وَتُكْرَهُ الوَصِيَّةُ لِمَنْ مَالُهُ قَلِيلٌ وَوَرَثَتُهُ مُحْتَاجُونَ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ))؛ [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

 

ثَانِيًا: لَا تَصِحُّ الوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ))؛ [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ]. وَعَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ لِلمُسْلِمِ أَنْ يُوصِيَ لِأَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنَ الوَرَثَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمْ ثَابِتٌ بِالمِيرَاثِ.

 

تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ: أَمَّا إِذَا مَاتَ ابْنٌ فِي حَيَاةِ الأَبِ وَلَهُ أَوْلَادٌ، فَهَؤُلَاءِ الأَحْفَادُ لَا يَرِثُونَ مَعَ وُجُودِ أَعْمَامِهِمْ. فَيُسْتَحَبُّ لِلأَبِ أَوِ الجَدِّ أَنْ يُوصِيَ لَهُمْ بِمِقْدَارٍ لَا يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ جَبْرًا لِكَسْرِهِمْ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ: "الوَصِيَّةُ الوَاجِبَةُ" عِنْدَ بَعْضِ الفُقَهَاءِ.

 

ثَالِثًا: الوَصِيَّةُ لَا تَصِحُّ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ((الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ))؛ [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]؛ فَفِي هَذَا الحَدِيثِ بَيَانٌ لِمِقْدَارِ مَا يَجُوزُ لِلمُسْلِمِ أَنْ يُوصِيَ بِهِ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.

 

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: "لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ.))"؛ [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] فَلْيَحْرِصِ المُسْلِمُ عَلَى أَلَّا يُفْقِرَ وَرَثَتَهُ، وَلْيَجْعَلْ وَصِيَّتَهُ فِي وُجُوهِ الخَيْرِ بِمَا لَا يَضُرُّهُمْ.

 

رَابِعًا: الدَّيْنُ وَالوَاجِبَاتُ الشَّرْعِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الوَصِيَّةِ؛ فَلَا تُنَفَّذُ الوَصِيَّةُ إِلَّا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ وَالحُقُوقِ الوَاجِبَةِ؛ كَالزَّكَاةِ وَالحَجِّ وَالكَفَّارَاتِ وَالنَّفَقَاتِ الوَاجِبَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾، وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: "قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالدَّيْنِ قَبْلَ الوَصِيَّةِ"؛ [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ].

 

وَقَدْ قُدِّمَتِ الوَصِيَّةُ عَلَى الدَّيْنِ فِي اللَّفْظِ، مَعَ أَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا فِي التَّنْفِيذِ وَالحُقُوقِ المُتَعَلِّقَةِ بِالتَّرِكَةِ؛ قَالَ العُلَمَاءُ: "إِنَّمَا قُدِّمَتِ الوَصِيَّةُ عَلَى الدَّيْنِ فِي الآيَاتِ اعْتِنَاءً بِهَا، وَحَثًّا عَلَى المُبَادَرَةِ بِتَنْفِيذِهَا وَعَدَمِ إِهْمَالِهَا بَعْدَ مُؤْنَةِ التَّجْهِيزِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ وَسَدَادِ الحُقُوقِ"، وَقَالُوا: "لِأَنَّ الدَّيْنَ لَهُ مَنْ يُطَالِبُ بِهِ، أَمَّا الوَصِيَّةُ فَهِيَ تَبَرُّعٌ مَحْضٌ، وَقَدْ يَتَهَاوَنُ الوَرَثَةُ فِي تَنْفِيذِهَا".

 

خَامِسًا: أَحْكَامٌ مُتَفَرِّقَةٌ فِي الوَصِيَّةِ:

1- شُرُوطُ الوَصِيِّ: يَشْتَرِطُ فِي الوَصِيِّ أَنْ يَكُونَ جَائِزَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ؛ فَيَكُونَ: عَاقِلًا، بَالِغًا، حُرًّا، مُخْتَارًا.

 

2- قَبُولُ الوَصِيَّةِ: لَا يَصِحُّ قَبُولُ الوَصِيَّةِ وَلَا مِلْكُهَا إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ المُوصِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ ثُبُوتِ الحَقِّ. هَذَا إِذَا كَانَتِ الوَصِيَّةُ لِمُعَيَّنٍ، أَمَّا إِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ كَالفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ، أَوْ عَلَى طَلَبَةِ العِلْمِ، أَوِ المَسَاجِدِ، وَدُورِ الأَيْتَامِ، فَإِنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى قَبُولٍ وَتَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ المَوْتِ.

 

3- الرُّجُوعُ فِي الوَصِيَّةِ: يَجُوزُ لِلمُوصِي أَنْ يَرْجِعَ فِي وَصِيَّتِهِ كُلِّهَا أَوْ بَعْضِهَا؛ لِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "يُغَيِّرُ الرَّجُلُ مَا شَاءَ مِنْ وَصِيَّتِهِ".

 

4- أَفْضَلُ وَقْتٍ لِلوَصِيَّةِ: أَنْ يُوصِيَ الإِنْسَانُ وَهُوَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ يَخْشَى الفَقْرَ وَيَأْمُلُ الغِنَى؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الغِنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ.))؛ [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

 

5- ثُبُوتُ الوَصِيَّةِ: تَثْبُتُ الوَصِيَّةُ بِالقَوْلِ الصَّرِيحِ، أَوْ بِالكِتَابَةِ.

 

6- مُبْطِلَاتُ الوَصِيَّةِ: وَتَبْطُلُ الوَصِيَّةُ بِأَحَدِ أُمُورٍ:

رُجُوعُ المُوصِي عَنْهَا بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ.

 

مَوْتُ المُوصَى لَهُ قَبْلَ المُوصِي.

 

قَتْلُ المُوصَى لَهُ لِلمُوصِي عَمْدًا؛ كَمَا قَرَّرَ الفُقَهَاءُ: "مَنِ اسْتَعْجَلَ الشَّيْءَ قَبْلَ أَوَانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمَانِهِ".

 

تَلَفُ العَيْنِ المُوصَى بِهَا.

 

رَدُّ المُوصَى لَهُ الوَصِيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ المُوصِي.

 

خِتَامًا: يَا عَبْدَ اللهِ: أَحْضِرْ وَرَقَةً الآنَ وَاكْتُبْ فِيهَا: دُيُونَكَ وَمَا لَكَ وَمَا عَلَيْكَ، اكْتُبْ وَصِيَّتَكَ بِمَا لَا يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ فِي وُجُوهِ الخَيْرِ إِنْ أَحْبَبْتَ، وَاكْتُبْ مَكَانَ دَفْنِكَ، وَمَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَ أَوْلَادِكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ ثُمَّ ضَعْ هَذِهِ الوَرَقَةَ فِي مَكَانٍ مَعْلُومٍ وَأَخْبِرْ أَهْلَكَ بِمَكَانِهَا؛ فَإِنَّ المَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً وَالقَبْرُ صُنْدُوقُ العَمَلِ.

 

نَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ أَنْ يَخْتِمَ لَنَا بِخَيْرٍ، وَأَنْ يَجْعَلَ آخِرَ كَلَامِنَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • من أحكام الوصية في الفقه الإسلامي
  • التيمم: أحكام فقهية ومعان تربوية (خطبة)
  • شعيرة الأذان: فضائل وكنوز وأمان (خطبة)
  • وقفات مع حديث: "إنما الأعمال بالنيات" (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • وقفات تربوية مع سورة التين (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات تربوية مع سورة العلق (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات تربوية مع سورة الشرح (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع بداية العام الدراسي (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات تربوية مع سورة الضحى (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات تربوية مع سورة البلد (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: وقفات مع عيد الأضحى(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: وقفات مع سورة الحج(مقالة - ملفات خاصة)
  • خطبة: وقفات مع آية ﴿إن الله يأمر بالعدل الإحسان﴾(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات مع اسم الله الرحمن الرحيم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • كالغاري الكندية تحتفي بتاريخ المسلمين وثقافتهم خلال شهر أكتوبر
  • «الإسلام والصحة النفسية».. محاضرة توعوية بعاصمة النمسا
  • الملتقى العالمي الرابع للأئمة والعلماء يعزز التعاون الإسلامي في أستراليا
  • حملة إسلامية في بلغاريا لاستكمال مشروع تعليمي يخدم الأجيال الجديدة
  • مسجد هاجرستاون يستقبل الجمهور في فعاليته السنوية للتعريف بالإسلام
  • انطلاق أعمال ترميم مسجد تاريخي في كوسوفا ضمن جهود صون التراث الإسلامي
  • مبادرة تعليمية إسلامية في فيينا لتعريف السكان بفرص التدريب والتأهيل المهني
  • "المدرسة الدينية 2026".. دورة إلكترونية لتعليم أساسيات الإسلام على مدار عام في القرم

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 12/5/1448هـ - الساعة: 11:57
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب