• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    تخريج حديث: ليس الوضوء من القطرة والقطرتين
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    رجفة قلب.. ومغفرة رب (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    ميزان التفاضل (خطبة)
    أحمد بن عبدالله الحزيمي
  •  
    السنة النبوية وأثرها في بناء الإنسان (خطبة)
    حسام كمال النجار
  •  
    نفحات الجمعة وفضل المبكرين (خطبة)
    د. أحمد بن حمد البوعلي
  •  
    هل لكل نبي أو رسول كتاب؟
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    وجود والديك على ظهر الدنيا فرصة لدخول الجنة
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    فوائد وأحكام من قوله تعالى: {إن في خلق السماوات ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    ثمار الإيمان بالقضاء والقدر (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    طرق تصحيح العقود المشتملة على مخالفات شرعية: ...
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    تأملات في سورة الفيل
    إيمان الخولي
  •  
    (الرهن) نموذج تطبيقي لشمول الشريعة الإسلامية ...
    د. محمد بن علي بن جميل المطري
  •  
    اسم الله: المتكبر (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    انفراد الله بالرزق
    محمد بن قحطان سندي
  •  
    باب في الخطب
    د. خالد النجار
  •  
    خطبة: ( إن ربك لبالمرصاد )
    الشيخ عبدالخالق حنش
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / مواضيع عامة
علامة باركود

السنة النبوية وأثرها في بناء الإنسان (خطبة)

السنة النبوية وأثرها في بناء الإنسان (خطبة)
حسام كمال النجار

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 5/10/2026 ميلادي - 24/4/1448 هجري

الزيارات: 110

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

السُّنَّة النبوية وأثرها في بناء الإنسان

 

الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، الحمد لله الذي هدانا للإيمان، وشرَّفنا بالإسلام، وأكرمنا بخير الأنام، سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، فكان الرحمةَ المُهداةَ، والنِّعْمةَ المُسداةَ، والأُسوةَ الحسنةَ، والقُدوةَ الكاملةَ، الذي أرسله ربُّه بالهدى ودين الحق، وجعل طاعته من طاعته، واتِّباعه من اتِّباعه، ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم من محبته سبحانه وتعالى.

 

أحمده سبحانه وأشكره على نعمة الإسلام والهداية، وأسأله أن يثبتنا على السُّنَّة، وأن يرزقنا اتِّباع النبي الأمين، في السِّرِّ والعَلَن، وفي القول والعمل، وفي السرَّاء والضرَّاء.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نرجو بها النجاة يوم نلقاه، ونشهد بها أن الأمر كله لله، وأن الحكم له، وأن الهدى هداه.

 

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وخليله، أرسله ربُّه رحمةً للعالمين، وحُجَّةً على الناس أجمعين، فبلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغُرِّ الميامين، الذين آمنوا به وناصروه واتَّبَعوا النور الذي أنزل معه، واقتفوا أثرَه، وساروا على منهاجه، ونقلوا لنا سُنَّتَه نقاءً صافيًا، ودينًا كاملًا، وشرعًا مكينًا، ومن تَبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

أيها الإخوة المؤمنون، عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم، فهي وصية الله للأوَّلين والآخرين، وهي الزاد الأوفى ليوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بنونَ إلَّا من أتى الله بقلب سليم. اتقوا الله حق تُقاته، ولا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون، واعلموا أنَّ خيرَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدثة بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالةٌ.

 

أيها الإخوة في الله، الأحبة في الإيمان، إن من أعظم نِعَم الله على هذه الأمة أن بعث فيها رسولًا من أنفسها، يُعلِّمُها الكِتابَ والحِكمةَ، ويُزكِّي النفوس، ويهدي القلوب، ويُعَلِّم الناس كيف يعبدون ربَّهم، وكيف يعيشون حياتهم على هَدْيٍ من الله.

 

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوةً في عبادته، وأخلاقه، ومعاملاته، وصبره، ورحمته، وعدله، وتواضُعِه، وحفظه للحقوق، وأدائه للأمانة؛ ولذلك لم تكن سُنَّتُه صلى الله عليه وسلم مجردَ أقوالٍ تُرْوى، ولا أحاديث تُحفَظ، ولا أحكام تُدرس في الكتب فقط، وإنما كانت منهجَ حياةٍ، وهديًا يُعاش، وأخلاقًا تُمارَس، وطريقًا تُبْنى به شخصية الإنسان.

 

ومن هنا ينبغي أن نسأل أنفسنا سؤالًا صادقًا، لا سؤالًا نتكلف له الإجابة: ماذا بقي من هَدْيِ نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم في حياتنا؟ كيف نتعامل مع أهلينا؟ كيف نعامل أبناءنا؟ كيف نتعامل مَعَ مَن يخالفُنا؟ كيف نختلف معَ غيرِنا؟ كيف نتصرَّفُ حينَ نغضبُ؟ كيف نتعامل مع المال؟ كيف نؤدي أعمالنا؟ كيف نحفظ الأمانة؟ كيف نتعامل مع الضعيف؟ كيف نتصرَّفُ حين نملك القدرة على الانتقام؟ وكيف يكون حالنا حين لا يرانا الناس؟ هنا تظهر حقيقة الاتِّباع، وهنا يظهر أثر السُّنَّة النبوية في الإنسان.

 

فالمحبَّةُ الصادقةُ للنبي صلى الله عليه وسلم ليست كلمةً تُقال باللِّسان فقط، وإنما اتِّباع يظهر أثرُه في السلوك والعمل، قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 31].

 

فكلما اقترب الإنسانُ من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ظهر أثرُ ذلك في قلبه وعبادته وأخلاقه ومعاملاته، وأصبح أكثرَ رحمةً، وأصدقَ أمانةً، وأحسنَ خُلُقًا، وأشدَّ ضبطًا لنفسه، وأبعدَ عن الظُّلْم والعدوان.

 

ومن هنا كان حديثنا اليوم: السُّنَّة النبوية وأثرها في بناء الإنسان. سنقِفُ مع بعض المعاني الإيمانية والتربوية المُستمدَّة من كتاب الله وسُنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، ومن هدي أصحابه وسَلَف الأُمَّة، لعلَّ اللهَ أن ينفعنا بها، وأن يجعلها موعظةً لقلوبنا، وتَذْكِرةً لأرواحنا، وأن يرزقنا صِدْق محبة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، وحُسْن اتِّباعه، والثبات على سُنَّته حتى نلقاه.

 

أولًا: مكانة السُّنَّة النبوية في دين الله:

أيها المؤمنون، قبل أن نتحدَّث عن أثر السُّنَّة في بناء الإنسان، ينبغي أن نقف أولًا عند سؤال أعظم: ما مكانة السُّنَّة النبوية في دين الله؟ ولماذا جعل الله اتِّباع النبي صلى الله عليه وسلم جزءًا من طاعته سبحانه؟ ولماذا لم يقل الله تعالى: اتبعوا القرآن فقط، وإنما قَرَنَ طاعةَ الرسول بطاعتِه؟

 

الجواب نجده واضحًا في كتاب الله عز وجل، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [سورة الحشر: 7]. وهذه الآية من أعظم الأصول في بيان وجوب اتِّباع رسول الله صلى الله عليه وسلم. تأملوا عباد الله التعبير القرآني: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾، لم يقل: فاعرفوه فقط، ولم يقل: فاسمعوه فقط، ولم يقل: فاقرؤوه فقط، بل قال: ﴿ فَخُذُوهُ ﴾؛ أي: تلقوه بالقبول والامتثال، ثم قال: ﴿ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾، فالموقف من سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم ليس موقفَ المُتفرِّج، وإنما موقفُ المؤمن الذي يسمع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: سَمِعْنا وأطَعْنا.

 

قال الإمام أبو جعفر الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية: "يقول تعالى ذكره: وما أعطاكم رسولنا من شيء فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا عنه، واتقوا الله بامتثال أمره واجتناب نهيه، فإن الله شديد العقاب لمن خالف أمره وخالف أمر رسوله"؛ ["جامع البيان عن تأويل آي القرآن"، تحقيق الدكتور عبدالله بن عبدالمحسن التركي، دار هجر بالقاهرة، الطبعة الأولى 1428هـ، المجلد الثالث والعشرون، ص 276].

 

قال الإمام أبو الفداء إسماعيل بن كثير رحمه الله في تفسيره: "وهذه الآية أصل كبير في وجوب امتثال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والانتهاء عن نهيه، وأنه يجب على الناس أن يقبلوا ما جاءهم به الرسول، ويدعوا ما نهاهم عنه، وهذا عام في جميع الأحكام التي بلغها الرسول عن ربه" ["تفسير القرآن العظيم"، تحقيق الدكتور سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الثانية 1420هـ، المجلد السادس، ص 423].

 

وهذا يقودنا إلى حقيقة عظيمة: أن القرآن يأمرنا باتِّباع النبي صلى الله عليه وسلم، والسُّنَّة تُبيِّن لنا كيف يكون هذا الاتِّباع. فالقرآن يأمرنا بالصلاة والسُّنَّة تُعلِّمنا كيف نصلي، والقرآن يأمرنا بالزكاة والسُّنَّة تُبيِّن تفاصيلها ومقاديرها وأحكامها، والقرآن يأمر بالحج والسُّنَّة تبين لنا كيف حج النبي صلى الله عليه وسلم، والقرآن يأمر بالعدل والإحسان والسُّنَّة تعطينا صورًا عملية للعدل والإحسان، والقرآن يأمر بالرحمة والسُّنَّة تُعلِّمنا كيف نرحم، والقرآن يأمر بالصدق والسُّنَّة تعرض لنا الصدق في صورة إنسان يمشي على الأرض اسمه محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.

 

وهذه من أعظم خصائص السُّنَّة، أنها تجعل القيم الإسلامية قابلة للرؤية والمشاهدة والتطبيق. فالسُّنَّة ليست منافسة للقرآن، وإنما هي بيان له، وتفصيل لمجمله، وتطبيق لهدي الله تعالى.

 

قال الله سبحانه: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [سورة النحل: 44]. فتأملوا: ﴿ لِتُبَيِّنَ ﴾، فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس ناقلًا للنص فقط، وإنما هو المبين عن الله فيما أوْحاه الله إليه، وهو المُعلِّم والمزكِّي والقدوة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [سورة آل عمران: 164]. وانظروا كيف جمع الله بين: يتلو عليهم آياته، ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الحكمة في مثل هذه الآيات تشمل السُّنَّة النبوية، وهذا معنى بالغ الأهمية: فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن دوره أن يقرأ القرآن على الناس وينصرف، بل كان دورُه: تلاوةً، وتعليمًا، وتزكيةً، وقدوةً، وتطبيقًا.

 

ثانيًا: السُّنَّة من الوحي وحجيتها في التشريع:

أيها المسلمون، ومن أعظم ما يُرسِّخ مكانة السُّنَّة في القلب أن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يتحدث في أمور الدين من عند نفسه، قال الله سبحانه: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [سورة النجم: 3-4]. وهذه الآية تُبيِّن أن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته في الشريعة ليست صادرةً عن هوى، وإنما هي وحي من الله، قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسيره: "يقول تعالى: وما ينطق هذا الرسول عن هوى نفس، ولا عن رأي، إنما هو وحي من الله إليه"؛ ["تفسير القرآن العظيم"، تحقيق الدكتور سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الثانية 1420هـ، المجلد السابع، ص 456].

 

وهذا يعني أن سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم هي وَحْيٌ متلوٌّ (القرآن) ووَحْيٌ غير متلوٍّ (السُّنَّة)، وكلاهما حجة على الأمة. وقد أجمع أهل العلم على أن السُّنَّةَ الصحيحةَ حُجَّةٌ مستقلةٌ في التشريع، تؤكد ما في القرآن، وتُفَصِّل مُجملَه، وتُخصِّص عامَّه، وتُقيِّد مُطلقَه، وتُضيف أحكامًا لم يَرِدْ فيها نصٌّ قرآنيٌّ.

 

قال الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه «الرسالة»: «فَأَحْكَمَ فَرْضَهُ بِإِلْزَامِ خَلْقِهِ طَاعَةَ رَسُولِهِ، وَإِعْلَامِهِمْ أَنَّهَا طَاعَتُهُ... فَجَمَعَ لَهُمْ أَنْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْفَرْضَ عَلَيْهِمْ اتِّباع أَمْرِهِ، وَأَمْرِ رَسُولِهِ، وَأَنَّ طَاعَةَ رَسُولِهِ: طَاعَتُهُ»؛ [الشافعي، «الرسالة»، تحقيق أحمد محمد شاكر، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، الطبعة الأولى، 1358هـ/1940م].

 

وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: «السُّنَّة عِنْدَنا آثارُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَالسُّنَّة تُفَسِّرُ الْقُرْآنَ، وَهِيَ دَلَائِلُ الْقُرْآنِ»؛ [ابن أبي يعلى، «طبقات الحنابلة»، تحقيق وتقديم وتعليق عبدالرحمن بن سليمان العثيمين، الأمانة العامة للاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1419هـ/1999م، المجلد الأول، ص 241].

 

ثالثًا: الأدلة على وجوب اتِّباع السُّنَّة من الكتاب والسُّنَّة:

أيها الإخوة، إن الأدلة على وجوب اتِّباع سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم من الكتاب والسُّنَّة كثيرة جدًّا، نذكر منها ما يلي:

من القرآن الكريم:

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [سورة النساء: 59].

 

قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية، مبينًا معنى الردِّ إلى الله والرسول: إن الرد إلى الله يكون إلى كتابه، والرد إلى الرسول يكون إلى سُنَّتِه؛ فقال في تفسيره: «فإن تجدوا إلى علم ذلك في كتاب الله سبيلًا، فارتادوا معرفة ذلك أيضًا من عند الرسول إن كان حيًّا، وإن كان ميتًا فمِن سُنَّتِه»، وقرر أن ذلك هو التحاكم إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ [الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق: عبدالله بن عبدالمحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة الأولى، 1422هـ، المجلد الثامن، في تفسير سورة النساء، الآية 59].

 

قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [سورة النساء: 64].

قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسير الآية: «إلا ليطاع فيما أمر به ونهى عنه»، وبيَّن أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة؛ لأنه إنما جاء بأمر الله تعالى؛ [القرطبي، الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السُّنَّة وآي الفرقان، في تفسير سورة النساء، الآية 64].

 

قوله تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [سورة النساء: 65].

قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «فدلَّ على أن من لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسُّنَّة ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر». وقال أيضًا في بيان معنى الآية: «وقوله: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾؛ أي: التحاكم إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله، والرجوع في فصل النزاع إليهما خير، ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾؛ أي: وأحسن عاقبة ومآلًا»؛ [ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، 1420هـ، المجلد الثاني، ص 345-346].

 

قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [سورة آل عمران: 31].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فجعل محبة العبد لربِّه موجبة لاتِّباع الرسول، وجعل متابعة الرسول سببًا لمحبة الله عبده»؛ [ابن تيمية، مجموع الفتاوى، جمع وترتيب: عبدالرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1416هـ، المجلد الأول، ص 5].

 

من السُّنَّة النبوية:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ»؛ [رواه البخاري في «صحيحه» كتاب الجهاد والسير، باب يُقاتل من وراء الإمام ويتقى به، برقم (2957)، ومسلم في «صحيحه»، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، برقم (1835)].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»؛ [رواه أبو داود في «سُنَنه»، كتاب السُّنَّة، باب في لزوم السُّنَّة، برقم (4604)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود»].

 

وقال صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّة الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»؛ [رواه أبو داود في «سننه»، كتاب السُّنَّة، باب في لزوم السُّنَّة، برقم (4607)، والترمذي في «سننه»، كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسُّنَّة واجتناب البدع، برقم (2676)، وابن ماجه في «سننه»، المقدمة، باب اتِّباع سُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين، برقم (42)، وهو حديث صحيح].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ، لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّة نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم»؛ [أورده الإمام مالك في «الموطأ»، كتاب القدر، باب ما جاء في النهي عن القول في القدر، برقم (3)، بلاغًا، في «الموطأ» برواية يحيى، ص (899)، وقد قال ابن عبدالبر في «التمهيد» عن هذا البلاغ: إنه محفوظ معروف مشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم شهرةً يكاد يُستغنى بها عن الإسناد].

 

رابعًا: السُّنَّة تبني الإنسان من الداخل (الإخلاص والنية):

أيها الأحبة، إن أعظم ما تفعله السُّنَّة أنها تبدأ من داخل الإنسان؛ قبل أن تُغير مظهره تُغير قلبه، وقبل أن تعلمه كيف يتعامل مع الناس، تعلمه كيف يتعامل مع الله، وقبل أن تصلح سلوكه أمام الآخرين، تصلح نيَّته وهو وحده؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ"؛ [رواه البخاري في "صحيحه"، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، برقم (1)، دار ابن كثير بدمشق، الطبعة الأولى 1423هـ، المجلد الأول، ص 23. ورواه مسلم في "صحيحه"، كتاب الإمارة، باب قوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيَّات»، برقم (1907)، دار الجيل ببيروت، الطبعة الأولى 1416هـ، المجلد الثالث، ص 1515].

 

هذا الحديث ليس مجرد حديث عن النيَّة بمعناها الضيِّق، وإنما هو تأسيس عظيم لبناء الإنسان. فالسُّنَّة تُعلِّم الإنسان أن العمل لا يُقاس بمظهره وحده. قد يعمل رجلان العمل نفسه، لكن بينهما عند الله ما بين السماء والأرض؛ هذا يعمل ابتغاء وجه الله وهذا يعمل رياءً وسُمْعةً، هذا ينفق على أسرته يريد بذلك وجه الله وهذا ينفق ليُقال عنه كريم، هذا يعمل بإتقان لأنه يرى أن الله يراه وهذا يعمل بإتقان فقط عندما يكون المدير أمامه.

 

وهنا تبني السُّنَّةُ الإنسانَ من الداخل، تجعله يملك رقابة داخلية. والرقابة الداخلية أعظم من ألف كاميرا، وأقوى من ألف لائحة، وأعمق من ألف عقوبة؛ لأن الإنسان إذا غاب الرقيب من الناس، بقي رقيب الله.

 

ومن أعظم ما يوضح أثر الإخلاص في بناء الإنسان حديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، فانطبقت عليهم الصخرة، ولم يستطيعوا الخروج، فقال بعضهم لبعض: انظروا إلى أعمال صالحة عملتموها لله خالصةً فادعوا الله بها. فدعا أحدهم ببِرِّه بوالديه، ودعا الآخر بعِفَّتِه، ودعا الثالث بأمانته في حفظ أجر الأجير، فانفرجت الصخرةُ حتى خرجوا؛ [رواه البخاري في "صحيحه"، كتاب الإجارة، باب من استأجر أجيرًا فترك أجره، برقم (2272)، المجلد الثالث، ص 45. ورواه مسلم في "صحيحه"، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب استحباب التوبة والاستغفار، برقم (2743)، المجلد الرابع، ص 2096].

 

وهذا درس تربوي عظيم: لا تنتظر دائمًا أن يرى الناس الخير الذي تفعله، يكفي أن يراه الله. لا تنتظر أن يشكرك كلُّ أحد، يكفي أن يكون عملك عند الله محفوظًا. ولا تجعل قيمتك مرتبطة بتصفيق الناس. فمن تربَّى على السُّنَّة عرَف أن أعظم شاهد على عمله هو الله.

 

خامسًا: السُّنَّة تبني الضمير والقلب السليم:

عباد الله، الإنسان قد يملك العلم لكنه يحتاج إلى ضمير، وقد يملك المال لكنه يحتاج إلى أمانة، وقد يملك القوة لكنه يحتاج إلى تقوى، وقد يملك السلطة لكنه يحتاج إلى عدل، وقد يستطيع أن يفعل الخطأ ولا يراه أحد لكنه يحتاج إلى قلب يقول له: اتق الله؛ وهذا هو الضمير الذي تبنيه السُّنَّة.

 

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ"؛ [رواه البخاري في "صحيحه"، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، برقم (52)، المجلد الأول، ص 98. ورواه مسلم في "صحيحه"، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، برقم (1599)، المجلد الثالث، ص 1219].

 

وهذا الحديث من أعظم الأحاديث في بناء الإنسان. فالقلب هو مركز الإصلاح، وإذا صلح القلب انعكس صلاحُه على اللسان، والعين، واليد، والمال، والعمل، والأسرة، والمجتمع؛ ولهذا فإن إصلاح المجتمع لا يبدأ دائمًا من الشارع، ولا يبدأ دائمًا من المدرسة، ولا يبدأ دائمًا من القانون، بل يبدأ أولًا من الإنسان نفسه.

 

سادسًا: السُّنَّة تبني الإنسان على الصدق والأمانة:

أيها المؤمنون، من أعظم الأخلاق التي بنت السُّنَّة بها الإنسان الصدق؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا. وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا"؛ [رواه البخاري في "صحيحه"، كتاب الأدب، باب قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119]، برقم (6094)، المجلد الخامس، ص 234. ورواه مسلم في "صحيحه"، كتاب البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب وحسن الصدق، برقم (2607)، المجلد الرابع، ص 2012].

 

لاحظوا التعبير النبوي: "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ"، ثم "فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ"، ثم "وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ"، فالصدق ليس خُلُقًا منفصلًا، إنه طريق، تَصْدُق فيقودك الصدق إلى البر، والبر يقودك إلى الجنة. وفي المقابل: "وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ"، فالكذب أيضًا طريق، وهنا نكتشف أن الإنسان لا يسقط غالبًا في لحظة واحدة، وإنما يبدأ بخطوة: كذبة صغيرة، ثم كذبة أكبر، ثم تبرير، ثم اعتياد، ثم يصبح الكذب جزءًا من شخصيته. والسُّنَّة تقطع الطريق من بدايته؛ تُعَلِّم الإنسان أن يقول الحق ولو كان على نفسه، وأن يكون صادقًا في البيت، وفي العمل، وفي التجارة، وفي شهادته، وفي وعوده.

 

ومن أعظم ما نفتقده عندما تضعف القيم: الأمانة. والأمانة ليست فقط أن تحفظ مالًا أعطاك إياه إنسان، الأمانة أوسع من ذلك بكثير: الوظيفة أمانة، والوقت أمانة، والعلم أمانة، والكلمة أمانة، والسر أمانة، والمال أمانة، والأبناء أمانة، والسلطة أمانة، والمسؤولية أمانة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"؛ [رواه البخاري في "صحيحه"، كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، برقم (893)، المجلد الثاني، ص 34. ورواه مسلم في "صحيحه"، كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، برقم (1829)، المجلد الثالث، ص 1459].

 

وهنا تبني السُّنَّة إنسانًا لا يسأل فقط: ماذا سأحصل؟ بل يسأل: ماذا سأُسأل؟ وهذا فرق هائل؛ الإنسان الذي لا يرى إلا المكاسب قد يبيع ضميره، أما الإنسان الذي يتذكر السؤال أمام الله فإنه يضع لنفسه حدودًا لا يتجاوزها.

 

سابعًا: السُّنَّة تبني الإنسان على الرحمة والتواضع:

أيها الأحبة، قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [سورة الأنبياء: 107]، فالرحمة ليست صفة هامشية في شخصية المسلم، بل هي من صميم الدين؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ"؛ [رواه أبو داود في "سننه"، كتاب الأدب، باب في الرحمة، برقم (4941)، دار الفكر ببيروت، الطبعة الأولى 1412هـ، المجلد الرابع، ص 120. ورواه الترمذي في "سننه"، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة المؤمنين، برقم (1924)، تحقيق الدكتور بشار عواد، دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى 1418هـ، المجلد الرابع، ص 324، وقال: "حديث حسن صحيح"].

 

والرحمة التي تُعلِّمنا إياها السُّنَّة ليست ضعفًا، فالرحمة أن تقدر فلا تنتقم، أن ترى الخطأ فتحاول الإصلاح، أن ترى الضعيف فلا تستغل ضعفه، أن ترى الطفل فتحتمل حاجته، أن ترى الكبير فتوقِّره، أن ترى العامل فتؤدي حقَّه، أن ترى المخطئ فتفرق بين تصحيح الخطأ وإهانة الإنسان.

 

ومن أعظم ما يحتاج إليه الإنسان في زمن الشهرة والمظاهر: التواضع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ"؛ [رواه مسلم في "صحيحه"، كتاب البر والصلة والآداب، باب التواضع، برقم (2588)، المجلد الرابع، ص 2003]. والتواضع ليس أن تحتقر نفسك، وإنما أن تعرف قدر نفسك دون أن تحتقر الآخرين، أن تعرف ما عندك من فضل وتعلم أن الفضل من الله، أن تنجح فلا تتكبَّر، أن تملك فلا تطغى، أن تكون مسؤولًا فلا تستعبد من تحتك، أن تكون غنيًّا فلا ترى الفقير أقلَّ منك، أن تكون عالمًا فلا تحتقر الجاهل، أن تكون قويًّا فلا تظلم الضعيف.

 

ثامنًا: السُّنَّة تبني الإنسان المنضبط المتحكم في غضبه:

عباد الله، من أصعب المواقف التي يظهر فيها معدن الإنسان: الغضب؛ فالإنسان وهو هادئ يستطيع أن يقول كلامًا جميلًا، لكن ماذا يحدث عندما يغضب؟ هنا تظهر التربية؛ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أَوْصِنِي"، قال: "لَا تَغْضَبْ"، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: "لَا تَغْضَبْ"؛ [رواه البخاري في "صحيحه"، كتاب الأدب، باب الحذر من الغضب، برقم (6116)، المجلد الخامس، ص 245].

 

ولم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم: لا تغضب أبدًا؛ لأن الغضب طبيعة بشرية، وإنما أرشده إلى ألَّا يستسلم للغضب، وألا يتحوَّل الغضب إلى ظلم وعدوان. وهنا يأتي بناء الإنسان: أن تغضب لكن لا تظلم، أن تختلف لكن لا تفجر، أن ترفض الخطأ لكن لا تهين الإنسان، أن تكون قويًّا لكن لا تتجاوز حدود الله.

 

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ"؛ [رواه البخاري في "صحيحه"، كتاب الأدب، باب من ملك نفسه عند الغضب، برقم (6114)، المجلد الخامس، ص 244. ورواه مسلم في "صحيحه"، كتاب البر والصلة والآداب، باب فضل من يملك نفسه عند الغضب، برقم (2609)، المجلد الرابع، ص 2016].

 

يا الله! كيف أعاد النبي صلى الله عليه وسلم تعريف القوة؟ الناس قد تقول: القوي هو الذي يصرع الآخرين، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا، القوي هو الذي يملك نفسه. وهذا هو بناء الإنسان؛ أن تستطيع أن ترد لكن تختار العفو، أن تستطيع أن تنتقم لكن تختار الإصلاح، أن تستطيع أن تجرح لكن تختار الكلمة الطيبة، أن تستطيع أن تهدم العلاقة لكن تختار الصبر؛ هذا هو الإنسان القوي.

 

تاسعًا: السُّنَّة تبني الأسرة والعلاقات الاجتماعية:

أيها المسلمون، إذا أردتم أن تعرفوا أثر السُّنَّة في بناء الإنسان، فانظروا إلى الأسرة؛ فالأسرة هي أول مدرسة، والطفل يتعلم الأخلاق قبل أن يتعلم الكلمات؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي"؛ [رواه الترمذي في "سننه"، كتاب المناقب، باب فضل أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، برقم (3895)، تحقيق الدكتور بشار عواد، دار الغرب الإسلامي ببيروت، الطبعة الأولى 1418هـ، المجلد السادس، ص 234، وقال: "حديث حسن صحيح"].

 

وهذه كلمة تحتاج إلى أن تُكتب في كل بيت: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ"؛ لأن الأخلاق الحقيقية لا تظهر فقط أمام الغرباء، الاختبار الحقيقي في البيت. كيف تعامل زوجتك؟ كيف تعامل أبناءك؟ كيف تتعامل مع والديك؟ كيف تتعامل مع من يعيش معك كل يوم؟ هناك يستطيع الإنسان أن يتصنع ساعة أو ساعتين، أما داخل البيت فتظهر حقيقته؛ ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيته نموذجًا في الرحمة والتواضع وحسن المعاشرة.

 

وقال صلى الله عليه وسلم: "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا"؛ [رواه البخاري في "صحيحه"، كتاب النكاح، باب الوصاة بالنساء، برقم (5186)، المجلد السادس، ص 123. ورواه مسلم في "صحيحه"، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، برقم (1468)، المجلد الثاني، ص 1088].

 

فالسُّنَّة لا تبني الرجل وحده، ولا المرأة وحدها، بل تبني العلاقة بينهما. تُعَلِّم الزوج الرحمة، وتُعَلِّم الزوجة المودَّة، تُعَلِّمهما الصبر، تُعَلِّمهما حفظ الأسرار، تُعَلِّمهما التغاضي، تُعَلِّمهما أن البيت ليس ساحة معركة لإثبات من الأقوى، بل هو سكن؛ قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ [سورة الروم: 21]، فإذا دخلت السُّنَّة البيت دخلت معه الرحمة، وإذا خرجت السُّنَّة من البيت دخلت القسوة.

 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ"؛ [رواه البخاري في "صحيحه"، كتاب الأدب، باب الوصاة بالجار، برقم (6014)، المجلد الخامس، ص 211. ورواه مسلم في "صحيحه"، كتاب البر والصلة والآداب، باب الوصية بالجار، برقم (2625)، المجلد الرابع، ص 2020]. فهل السُّنَّة مجرد عبادات فردية؟ لا، السُّنَّة تدخل في علاقتك بجارك: هل تؤذيه؟ هل ترفع صوتك عليه؟ هل تعتدي على حقه؟ هل تتجاهل حاجته؟ هل تساعده عند الحاجة؟ هل تحفظ عرضه؟ هل تفرح لفرحه؟ هل تعينه عند مصيبته؟ هذه هي السُّنَّة وهي تتحوَّل إلى بناء اجتماعي.

 

عاشرًا: السُّنَّة تبني الإنسان النافع المحافظ على حقوق الآخرين:

أيها المؤمنون، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ"؛ [رواه مسلم في "صحيحه"، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن والذكر، برقم (2699)، المجلد الرابع، ص 2074]. وهذه مدرسة عظيمة: لا تجعل وجودك عبئًا على الناس، كن نافعًا. إذا استطعت أن تصلح فأصلح، إذا استطعت أن تساعد فساعد، إذا استطعت أن تعلم فعلِّم، إذا استطعت أن تفرج كربة فافرجها، إذا استطعت أن تُدخِل السرور على قلب إنسان فافعل؛ هذا هو الإنسان الذي تبنيه السُّنَّة.

 

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ"؛ [رواه البخاري في "صحيحه"، كتاب الإيمان، باب أي الإسلام خير، برقم (10)، المجلد الأول، ص 47. ورواه مسلم في "صحيحه"، كتاب الإيمان، باب بيان خصال الإيمان، برقم (40)، المجلد الأول، ص 64]. تأملوا: لم يقل: المسلم من كثرت كلماته، ولا: المسلم من أكثر الجدل، ولا: المسلم من انتصر في كل نقاش، بل: "مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ". وهذا يجعلنا نعيد التفكير في مفهوم التدين. قد يكون الإنسان كثير العبادة لكن لسانه يؤذي الناس، فأين أثر السُّنَّة؟ قد يصلي لكنه يغش، فأين أثر السُّنَّة؟ قد يصوم لكنه يظلم، فأين أثر السُّنَّة؟ قد يتحدَّث عن محبة النبي صلى الله عليه وسلم لكنه يقطع رحمه، فأين أثر السُّنَّة؟ العبادة التي لا تُصلح السلوك تحتاج إلى أن نراجع فَهْمنا لها.

 

الحادي عشر: السُّنَّة تبني العقل وتُعَلِّم التثبُّت:

أيها المسلمون، ومن أعظم آثار السُّنَّة في الإنسان أنها لا تبني قلبه فقط، وإنما تبني عقله أيضًا، تُعَلِّمه التثبُّت، وتُعَلِّمه ألَّا يُصدِّق كل ما يسمع، وتُعَلِّمه ألَّا ينقل كل ما يصل إليه؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [سورة الحجرات: 6].

 

هذه الآية لا تعلمنا فقط كيف نتعامل مع الأخبار الدينية، إنها تُعَلِّمنا منهجًا في الحياة: لا تنقل خبرًا لمجرد أنك سمعته، لا تشارك منشورًا لمجرد أنه أعجبك، لا تحكم على إنسان من رسالة، لا تتهم إنسانًا من مقطع مجتزأ، لا تصنع فتنة من خبر مجهول، تَبَيَّن. وهذه الكلمة وحدها لو تحوَّلت إلى ثقافة في المجتمع لتَغَيَّر كثير من الأمور.

 

والسُّنَّة النبوية كانت مدرسةً عمليةً في التثبت، قال صلى الله عليه وسلم: "كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ"؛ [رواه مسلم في مقدمة "صحيحه"، باب النهي عن الرواية عن الضعفاء، برقم (5)، المجلد الأول، ص 10]. تأملوا: ليس شرطًا أن يخترع الإنسان الكذبة، يكفي أحيانًا أن ينقل كل ما يسمع، لأنه لا يدري: هل الذي سمعه صحيح؟ هل فهمه؟ هل نُقل إليه كاملًا؟ هل قيل في سياقه؟ هل صاحبه ثقة؟ وهنا تبني السُّنَّة العقل المسؤول.

 

الثاني عشر: السُّنَّة تبني الإنسان المتوازن:

عباد الله، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يُرَبِّ أصحابه على الرهبانية ولا على الانفلات، بل ربَّاهم على التوازن، قال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ"؛ [رواه البخاري في "صحيحه"، كتاب الصوم، باب من صام الدهر، برقم (1968)، المجلد الثالث، ص 45]. وهذه قاعدة عظيمة في بناء الإنسان: هناك إنسان ينسى أهلَه باسم العبادة، وهناك إنسان ينسى العبادةَ باسم العمل، وهناك إنسان ينسى نفسَه من شدة الانشغال بالآخرين. والهدي النبوي يقول: أعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه. الله له حق، والنفس لها حق، والأهل لهم حق، والجسد له حق، والعمل له حق، والناس لهم حقوق؛ وهذا هو التوازن.

 

الثالث عشر: السُّنَّة محفوظة بعناية الأمة:

أيها المؤمنون، ومن رحمة الله بهذه الأمة أن حفظ لها سُنَّة نبيِّها، فحفظها الصحابة، ثم حملها عنهم التابعون، ثم أتباع التابعين، ثم جاء أئمة الحديث فكتبوا ورحلوا وجمعوا ونقدوا وميَّزوا الصحيح من الضعيف. وكان الرجل منهم يرحل مسافات طويلة من أجل حديث واحد. لماذا؟ لأنهم عرفوا أن الكلمة المنسوبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانة، وهكذا نشأ علم الرجال، وعلم الجرح والتعديل، وعلم العلل، وعلم التخريج، وعلم مصطلح الحديث، وصارت للأمة منظومة علمية دقيقة لحفظ السُّنَّة.

 

ولهذا عندما نقول: حديث رواه البخاري، فليس مجرد اسم كتاب، بل وراءه إمامٌ أمضى عمره في جَمْع الصحيح وتمييزه. وعندما نقول: رواه مسلم، فهذا وراءه جهد علمي ضخم. وعندما نقول: رواه أبو داود أو الترمذي أو النسائي أو ابن ماجه، فهذا جزء من تراث حديثي هائل حفظ للأمة جانبًا عظيمًا من سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم.

 

ولهذا ينبغي أن نتعَلَّم نحن أيضًا: لا تقل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا إذا كنت متأكدًا. وإذا لم تكن متأكدًا، قل: رُوي، أو: وَرَدَ، أو اترْكِ الحديثَ حتى تتحقَّق منه؛ فالكلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس كالكلام عن أي أحد.

 

الرابع عشر: التذكير بالأُسوة الحسنة:

عباد الله، لو أردنا أن نضع عنوانًا جامعًا لكل ما سبق، فلن نجد أبلغ من قول الله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]. تأملوا: لم يقل: كان لكم في رسول الله معلومة، ولم يقل: كان لكم في رسول الله قصة، بل قال: ﴿ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾؛ أي: قدوة يُقتدى بها. قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "هذه الآية أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله"؛ ["تفسير القرآن العظيم"، تحقيق الدكتور سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الثانية 1420هـ، المجلد السادس، ص 321].

 

وهذا هو معنى السُّنَّة في أعمق صورها: أن ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتَتَعَلَّم كيف تكون إنسانًا، تَتَعَلَّم منه كيف تعبد الله، كيف تحب، كيف ترحم، كيف تصبر، كيف تختلف، كيف تعفو، كيف تعمل، كيف تقود، كيف تتعامل مع أهلك، كيف تتعامل مع أصحابك، كيف تتعامل مع الضعفاء، كيف تتعامل حتى مع من خالفك.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، وحبيبُه وخليلُه، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تَبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

 

أيها الإخوة المؤمنون، عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي وصيته للأوَّلين والآخرين، وهي سبيل الفلاح والنجاة، وهي التي تُورِث الخير كُلَّه، وتَصرِف الشرَّ كُلَّه. اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتنَّ إلَّا وأنتم مسلمون.

 

أيها المسلمون، إن أعظم ما نخرج به من حديثنا اليوم أن السُّنَّة النبوية ليست بابًا من أبواب المعرفة فقط، وإنما هي طريق لبناء الإنسان، فمن أراد أن يبني قلبه، فليتَعَلَّم من سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أراد أن يبني أخلاقه، فليتَعَلَّم من سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أراد أن يبني بيته، فليتَعَلَّم من سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أراد أن يُربِّي أبناءه، فليتَعَلَّم من سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أراد أن يتعامل مع الناس، فليتَعَلَّم من سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أراد أن يكون قويًّا، فليتَعَلَّم كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يضبط قوَّته بالعدل، ومَن أراد أن يكونَ رحيمًا، فليتَعَلَّم رحمته، ومن أراد أن يكون كريمًا، فليتَعَلَّم كَرَمَه، ومن أراد أن يكون عفوًّا، فليتَعَلَّم عَفْوَه، ومن أراد أن يكون صادقًا، فليتَعَلَّم صِدْقَه.

 

عباد الله، لا تجعلوا السُّنَّة كتابًا نقرؤه ثم نُغلقه، اجعلوها خُلُقًا يمشي معكم؛ إذا دخلتم بيوتكم فادخلوا بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، إذا خرجتم إلى أعمالكم فاحملوا أمانته، إذا تعاملتم مع الناس فاحملوا رحمته، إذا اختلفتم فاحملوا عدله، إذا غضبتم فتذكَّروا حِلْمه، إذا قدرتم فتذكَّروا عفوه، إذا أخطأتم فتذكَّروا شجاعته في الرجوع إلى الحق، وإذا رأيتم محتاجًا فتذكَّروا رحمتَه، فليس المقصود من دراسة السُّنَّة أن نعرف كيف عاش النبي صلى الله عليه وسلم فقط، بل المقصود أن نعرف كيف نعيش نحن على هَدْيِهِ.

 

أيها الأحبة، إن الأُمَّة لا تُبنى بكثرة الكلام، ولا تُبنى بالشعارات، ولا تُبنى بالمظاهر وحدَها، إنما تُبنى بالإنسان، والإنسان لا يُبنى من الخارج فقط، بل يُبنى من الداخل: يُبنى قلبُه، وعقلُه، وضميرُه، وأخلاقُه، وهنا يأتي هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [سورة الأحزاب: 21]، فاجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قُدْوتَكم، واجعلوا سُنَّتَه ميزانًا لأخلاقكم، واجعلوا سيرته مدرسةً لأبنائكم، واجعلوا محبَّتَه دافعًا إلى العمل، لا مجرد كلمات على الألْسِنة.

 

وقد قال عبدُالله بن مسعود رضي الله عنه: "اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا، فَقَدْ كُفِيتُمْ، إِنَّمَا الدِّينُ اتِّباع، وَالِاتِّباع خَيْرٌ مِنَ الِابْتِدَاعِ"؛ [رواه الدارمي في "سننه"، كتاب المقدمة، باب اتِّباع السُّنَّة، برقم (214)، تحقيق الدكتور حسين سليم أسد، دار المغني للنشر والتوزيع بالرياض، الطبعة الأولى 1412هـ، المجلد الأول، ص 78. ورواه الطبراني في "المعجم الكبير"، برقم (8752)، تحقيق الدكتور حمدي بن عبدالمجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية بالقاهرة، الطبعة الأولى 1414هـ، المجلد التاسع، ص 234، بسند صحيح].

 

وهذه كلمة قصيرة لكنها عميقة: "اتَّبِعُوا"؛ لأن الإنسان لا يحتاج في دينه إلى أن يخترع طريقًا من عند نفسه. الله أكمل الدين؛ قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [سورة المائدة: 3]، فإذا أراد الإنسان أن يصل إلى الله، فليتَّبِع الطريق الذي رسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

وتذكَّروا، أيها الإخوة، أن الله قد أمرنا بالصلاة والسلام على نبيِّه، فقال في محكم كتابه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [سورة الأحزاب: 56].

 

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

 

اللهم إنا نسألك حبَّك وحبَّ نبيِّك محمد صلى الله عليه وسلم، وحب كل من يحبك ويحب رسوله، والعمل بطاعتك وطاعة رسولك، والثبات على سُنَّتِه، والموت على مِلَّتِه.

 

اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتَّبِعُون أحسنَه، واجعلنا من الذين جاهدوا فيك حقَّ جهادك، واجعلنا من أتباع نبيِّك محمد صلى الله عليه وسلم في السِّرِّ والعَلَنِ.

 

اللهم أحيِ في قلوبنا سُنَّة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وثبِّت أقدامنا على صراطه المستقيم، ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهَّاب.

 

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شَرَّ ما قضيت، إنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحْمِ حوزة الدين، واجعل بلاد المسلمين آمنةً مطمئنَّةً، وسائر بلاد العالم عامرة بالخير والإيمان.

 

اللهم احفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ووفقنا لاتِّباع سُنَّة نبيك، واجتناب البدع والأهواء، وجنِّبْنا سُبُل الغواية والضلال، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مُضلِّين.

 

اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

 

عباد الله، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90]، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

والحمد لله رب العالمين.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • خطوات نحو النصر والتمكين
  • خطوات نحو العدالة
  • نبوءة النبي: يسمونها بغير اسمها
  • أمم أمثالكم
  • نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم: كما تداعى الأكلة إلى قصعتها
  • قصة مبهرة في القضاء والقدر
  • يوم عرفة يوم لا يشبهه يوم
  • الذنوب الجارية وخطرها في ميزان الإسلام

مختارات من الشبكة

  • سلسلة تعرف على نوادر الرسائل والكتب (6) صلة السنة بالقرآن(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • مكانة السنة المطهرة كمصدر من مصادر التفسير بالمأثور(مقالة - موقع الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي)
  • أهل السنة والجماعة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • بيان أقسام السنة إلى قولية وفعلية وتقريرية(مقالة - موقع الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي)
  • بيان المعاني التي تطلق عليها السنة(مقالة - موقع الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي)
  • مفهوم السنة في اللغة والاصطلاح(مقالة - موقع الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي)
  • مكانة السنة وأئمة أهل السنة(مادة مرئية - موقع الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي)
  • فضل صيام يوم عرفة(مقالة - ملفات خاصة)
  • من هو السني؟ وهل يخرج المسلم من السنة بوقوعه في بدعة جاهلًا أو متأولا؟(مقالة - آفاق الشريعة)
  • شرح كتاب السنة لأبي بكر اشرح كتاب السنة لأبي بكر الخلال (رحمه الله) المجلس (70)(مادة مرئية - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • 150 مشاركا في افتتاح الدورة الـ18 من "مدرسة اليوم الواحد" بتتارستان
  • برعاية إسلامية .. "يوم المعرفة" في فيينا يطور مهارات المعلمين
  • برنامج أسبوعي لتعلم العربية والقرآن الكريم للأطفال في وارسو
  • ندوة إسلامية في فوشتري تستعرض سيرة النبي وتعاليمه
  • المركز الإسلامي في فيينا يستضيف ندوة لتعزيز الوعي حول الإسلام
  • بعد سنوات من العمل والتبرعات.. افتتاح المركز الإسلامي في إيست سيراكيوز
  • اختتام برنامج تدريبي لتطوير مهارات القيادة والإدارة والتواصل للأئمة في توزلا
  • بعد 8 سنوات من البناء... مسجد جديد يفتح أبوابه بمدينة سومور الفرنسية

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 24/4/1448هـ - الساعة: 15:17
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب