• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    يسر الشريعة وشمولية الأجر (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    الحقد الرافضي ونصر الله لأوليائه (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    إشاعة الفاحشة
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    سعد بن معاذ رضى الله عنه وأرضاه (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    ميلاد الأخلاق والقيم (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    خلق الحياء وتحديات العصر (خطبة)
    د. عبدالرزاق السيد
  •  
    أمن الوطن أمانة ومسؤولية (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    المخالفات الشرعية المتعلقة بالعقود وأقسامها: ...
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    الحوار الأسري وأثره في استقرار البيوت (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    جرائم باسم الدين: بين ثقافة الخضوع وضرورة التصحيح
    محمد حسين حسن
  •  
    تأملات في اسم الله المهيمن
    أ. د. وجيه يعقوب السيد
  •  
    تفسير قوله تعالى: {إن في خلق السماوات والأرض ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    ثم ماذا بعد هذا؟!
    أمل محمد
  •  
    عطاء المحاريب (خطبة)
    د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
  •  
    خطورة الدَّين (خطبة)
    عبدالحميد أحمد عبدالحميد طايل
  •  
    بر الوالدين جهاد في سبيل الله
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / خطب المناسبات
علامة باركود

ميلاد الأخلاق والقيم (خطبة)

ميلاد الأخلاق والقيم (خطبة)
د. عبد الرقيب الراشدي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 28/9/2026 ميلادي - 17/4/1448 هجري

الزيارات: 207

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

ميلاد الأخلاق والقيم


الخطبة الأولى

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 

قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].

 

أيها المؤمنون، اعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذنا الله وإياكم من البدع والضلالات ومن النار، أما بعد:

روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله، ادْعُ على المشركين. قال: «إني لم أُبْعَث لعَّانًا، وإنما بُعِثت رحمةً».

 

أيها المؤمنون، تأملوا في هذا الموقف، وقد كان ذلك بعد أن اشتدَّ أذى المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه، ضربوه، وسبُّوه، وأخرجوه من دياره، وحاصروه في الشِّعْب ثلاث سنين، والدماء تسيل، والقلوب تتألَّم، فجاء الصحابة، وقالوا: "يا رسول الله، ادعُ على المشركين"، لكن سيد الخلق، وخير البرية، ورحمة الله للعالمين صلى الله عليه وسلم لم يرفع يديه للدعاء عليهم ولعنتهم، بل رفعها لرحمتهم وقال: "لم أُبْعَث لعَّانًا"؛ أي: لم تكن مهمتي السبّ والشتم والانتقام، "وإنما بُعِثت رحمةً"، بُعِثت لأحيي القلوب الميتة، وأشفي الجراح، وأخرج الناس من الظلمات إلى النور.

 

أيها المؤمنون، اختلف أهل السِّيَر والمؤرخون في تحديد يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقيل: الثاني عشر من ربيع الأول، وقيل: التاسع، وقيل: في الثامن عشر، وقيل: غير ذلك. وسبب اختلافهم؛ لأن أحدًا من الخلق لم يكن يعلم يومها أن هذا الطفل الذي وُلِد في شِعاب مكة سيكون يومًا من الأيام خاتمَ النبيِّين وإمامَ المرسلين. فلم يؤرخ له أحد؛ لأنه كان كغيره من المواليد، طفلًا يولد، ثم يفطم، ثم يشب. أما ما شاع في كتب السير من أخبار تزعم أن معجزات صاحبت مولده صلى الله عليه وسلم، فأكثرها لا يسلم من ضعف أو وضع، ولا تقوم على ساق الصحة والتثبُّت. فمولده صلى الله عليه وسلم لم يكن بمعجزة كما كان في ميلاد عيسى عليه السلام، والثابت الذي لا مرية فيه: أن ميلاده البشري صلى الله عليه وسلم كان في شهر ربيع الأول، وأن الله بعثه على رأس أربعين سنةً، رحمةً للعالمين، وهذا هو المقام الذي يجب أن نقف عنده في خطبتنا هذه.

 

أيها المؤمنون، نحن أحوجُ ما نكون إلى أن نتذكَّر أهداف بعثته، ومقاصد رسالته، وأن نتعرَّف على الأهداف الكبرى التي من أجلها بعَثَه الله تعالى.

 

وأهداف بعثته صلى الله عليه وسلم ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [آل عمران: 164]، تأمَّلوا قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾؛ أي: تفَضَّل وتكرَّم. فأعظم مِنَّة على وجه الأرض هي بعثة نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم.

 

أيها المؤمنون، إن أول هدف من أهداف بعثته صلى الله عليه وسلم هي تلاوة الآيات، قال تعالى: ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ﴾، والآيات التي تلاها صلى الله عليه وسلم على أُمَّته على نوعين:

الآيات المسطورة، وهي آيات القرآن الكريم الذي بين أيدينا، حروفه في المصاحف، ومعانيه في الصدور. تلاها عليهم فأحيا بها القلوب الميتة، وأنار بها العقول الحائرة، وهدى بها البشرية من عبادة حجر لا يضر ولا ينفع، إلى سجود لرب السماوات والأرض.

 

ومن الآيات التي أمر الله نبيه بتلاوتها على أُمَّته الآيات المنظورة، وهي آيات الله المبثوثة في صفحات الكون المفتوحة، فأخبرهم أن الشمس آية من آيات الله، وفي الليل آية، وفي خلقهم آية، وكل هذه الآيات تدل على خالقها العظيم سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾ [فصلت: 53]، فمن قرأ المصحف المسطور ولم يقرأ الكون المنظور، ومن حفظ الآية ولم يتبَصَّر بالآية، فقد نقص حظُّه من تلاوة آيات الله.

 

أيها المؤمنون، وأما الهدف الثاني من أهداف البعثة النبوية فهو تزكية الأنفس، قال تعالى: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾، والتزكية ليست كلمة، إنها عملية جراحية ربانية للقلب، إنها تزكية من أمراض الباطن: كالكِبْر الذي يهوي بصاحبه، وكالحسد الذي يأكل الحسنات، وكالبغضاء التي تُمزِّق الأُمَّة، ويُطهِّرها من أمراض العقيدة؛ كالشرك الخفي، وكالرياء الذي يحبط العمل، وكالنفاق الذي يُمزِّق الصَّفَّ.

 

ويزكيهم إلى مقامات العبودية؛ كالإخلاص حتى يكون العمل كله لله، وكالصدق حتى يوافق الظاهر الباطن، وكالتوكُّل حتى لا يلتفت القلب لغير الله. فلا تنفع أمة بعلم بلا قلب، ولا حضارة بعقل بلا روح. قال الحسن البصري: "التزكية هي طب القلوب، وبها صاروا خير أمة أخرجت للناس". فكان صلى الله عليه وسلم معلمًا يتلو، ومربيًا يُزكِّي، فمن أخذ التلاوة وترك التزكية صار حافظًا بلا خلق، ومن أخذ التزكية وترك التلاوة صار متعبدًا بلا علم، ولا كمال إلا بجمعهما.

 

أيها المؤمنون، أما الهدف الثالث من أهداف البعثة النبوية فهو تعليم الكِتاب والسُّنَّة، فقال تعالى: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [البقرة: 129]، جاء معلمًا؛ يعلمهم أحكام الحلال والحرام، وحدود الله، وشرائع الدين التي جاء ذكرها في كتاب الله تعالى، وكذلك يعلمهم السُّنَّة، وهي المعبر عنها بـ "الحكمة"، فجاء صلى الله عليه وسلم يعلمهم كيف يطبقون القرآن في بيوتهم وأسواقهم وحروبهم وسلمهم، وقد صحَّ عند أبي داود قوله صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه».

 

أيها المؤمنون، ثم ذكر الله تعالى مبررات بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وهي إخراج البشرية من الضلال الذي كانت تعيش فيه قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [آل عمران: 164]، توقفوا هنا، وتأمَّلوا حال البشرية قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا في ضلال في كل المستويات:

فقد كانوا في ضلال في العقيدة، فقد كان حول الكعبة 360 صنمًا. يقدم لها الناس القرابين، ويسجدون لها، وتدعى من دون الله.

 

وكانوا في ضلال في الأخلاق: فكانت البنت توأد وهي حية خوف العار، وكانت الأرحام تُقطع لأتفه الأسباب، يفتخر بالظلم ويسمى "مروءة".

 

وكانوا في ضلال في السياسة، فكانت تقوم بينهم حروب لعقود لأجل ناقة أو كلمة. القوي يأكل الضعيف، ولا قانون إلا قانون الغاب.

 

وكانوا في ضلال في إنسانيتهم، فالإنسان صار سلعةً تُباع في الأسواق، والمرأة متاع بلا حقوق، واليتيم مال سائب.

 

أيها المؤمنون، بسبب هذا الضلال الذي كانت تعيشه البشرية في مختلف المجالات قبل بعثته صلى الله عليه وسلم مقتهم الله تعالى، قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: «إنَّ اللهَ نظر إلى أهلِ الأرضِ فمقتَهم؛ عربَهم وعجَمهم، إلا بقايا من أهلِ الكتابِ»، وبعد مقت الله للبشرية نظر الله تعالى إلى قلوب أهل الأرض جميعًا، فلم يجد قلبًا يمكن أن يحتمل أعباء الرسالة والنبوَّة إلا قلبًا واحدًا إنه قلب محمد صلى الله عليه وسلم. قال صلى الله عليه وسلم كما في مسند أحمد بسند صحيح: «إنَّ اللهَ نظَرَ في قلوبِ العِبادِ؛ فوجَدَ قلبَ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ خيرَ قلوبِ العِبادِ، فاصطَفاه لنفْسِه، فابْتعَثَه برِسالتِه»، إنه صاحب قلب رحيم، وصدر سليم، ونيَّة خالصة، فاصطفاه الله تعالى ليكون رسول رب العالمين وقال له: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ ﴾ [المدثر: 1، 2].

 

أيها المؤمنون، ومن أعظم أهداف بعثته صلى الله عليه وسلم إتمام مكارم الأخلاق، فببعثته صلى الله عليه وسلم ولدت الأخلاق والقيم، قال صلى الله عليه وسلم، وفي الأدب المفرد للبخاري بسند صحيح: «إنَّما بُعِثْتُ لأُتمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ»، لم يقل: "لأُتَمِّم العبادات"؛ لأن العبادة وسيلة، والأخلاق هي الثمرة التي يراها الناس، وكل العبادات لها أهداف أخلاقية كما لا يخفى عليكم. فقد بعث الله تعالى نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم ليتمم ما نقص من مكارم الأخلاق، فجاء يُهذِّب الكرم فيجعله مع العدل، وليقوِّم الشجاعة فتصبح مع الرحمة، وليُعَلِّم القوي أن يعفو، والغني أن يعطي، والرجل أن يكرم المرأة.

 

فالمنَّة كانت ببعثته صلى الله عليه وسلم لا بمولده؛ لأنه ببعثته صلى الله عليه وسلم ولدت الأخلاق، وولدت القيم، وببعثته ولد التوحيد فكسرت الأصنام، وترددت كلمة "الله أحد" في جنبات مكة، وصار العبد الحبشي بلال يؤذن فوق الكعبة ليعلم العالم أن الرب واحد، وأن الناس سواسية لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. وببعثته ولدت القيم والأخلاق، فالذي كان يقتل ابنته خوف الفقر والعار، صار يُقبِّلها ويقول إنها ريحانته، والذي كان يغدر صار الصادق الأمين، والذي كان يظلم صار العدل يجري على لسانه حتى مع عدوِّه. جاء ليتمم مكارم الأخلاق، فعَلَّم الدنيا الرحمة حتى بالحيوان، والصدق حتى في المزاح، والوفاء حتى مع الخَصْم.

 

أيها المؤمنون، و"مكارم الأخلاق" التي جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُتمِّمها هي أعلى الدرجات وأشرفها، فلم يبعثه الله رسولًا صلى الله عليه وسلم ليصنع قصورًا ولا ليجمع مالًا، وإنما جاء ليصنع إنسانًا، فغرس الصدق حتى لقبوه قبل النبوَّة بالصادق الأمين، وغرس الرحمة حتى قال صلى الله عليه وسلم كما عند الترمذي بسند حسن صحيح: «ليس مِنَّا من لم يرحم صغيرنا ويُوقِّر كبيرنا»؛ [رواه الترمذي 1919]، وغرس العدل حتى قال كما في البخاري: «لو أنَّ فاطمةَ بنت محمد سرقَتْ لقطعتُ يدَها».

 

اللهم ارزقنا مكارم الأخلاق، واجعلنا ممن يتمثَّلها واقعًا عمليًّا في حياتنا.

 

قلت ما قد سمعتم فاستغفروا الله يفوز المستغفرون.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:

أيها المؤمنون، وقد شهد الله لنبيِّه بأعظم شهادة، فقال جل وعلا: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، اسمعوا إلى هذه الآية وما تحمله من جلال وتأكيد. فيها قسم محذوف تقديره: "والله إنك لعلى خلق عظيم"، وهذا مؤكد أول، وفيها "إنَّ" التوكيدية وهي مؤكد ثانٍ، وفيها لام التوكيد المتصلة بـ "على"، وتُسمَّى اللام المزحلقة؛ لأنها تزحلقت عن اسم "إن" لتؤكد الخبر، وهي مؤكد ثالث، والجملة الاسمية من "إنَّ" واسمها وخبرها مؤكد رابع؛ لأنها تدل على الثبوت والاستمرار.

 

فالخلق ليس عارضًا ولا متكلفًا بل هو ثابت في كيانه. وفي الآية حرف "على" الذي يفيد الاستعلاء والتمكُّن كأن الخلق مركب يركبه النبي ويسيطر عليه. وتأملوا كيف نكَّر لفظ "خلق"، فلم يقل "الخلق المعروف"، بل قال "خلق" نكرة للتفخيم والتعظيم؛ أي: على خُلُق عظيم لا يحيط بوصفه بشر، يجمع كل المحاسن. ونكَّر "عظيم" كذلك ليدل على أن عظمته لا حدود لها، فهو عظيم في عفوه، وعظيم في صدقه، وعظيم في رحمته، وعظيم في شجاعته.

 

أيها المؤمنون، اعلموا أن الناس لم يدخلوا في دين الله لأنهم رأوا معجزة فقط أيَّد الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم، بل دخلوا في هذا الدين؛ لأنهم رأوا خلقًا عظيمًا يتمثَّله بشر، فالمعجزات أبهرت العيون، ولكن الأخلاق ملكت القلوب، فكان صلى الله عليه وسلم سيِّد الأخلاق، وإمام الكمال البشري، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، بشر من الناس، لكنه بلغ في الخلق غايته ومُنْتهاه.

 

فما فُتِحت القلوب بالسيف، وإنَّما فُتِحت بالرِّفْق، وما غُزيت النفوس بالحديد، وإنما غُزيت بالإحسان، فالخلق هو المفْتاح، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو صاحب المفتاح.

 

أيها المؤمنون، هناك أناس كُثُر أسلموا متأثرين بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، وممن أسلم متأثرًا بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ثمامة بن أثال. روى البخاري في كتاب المغازي، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلًا قِبَل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد.

 

فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما عندك يا ثمامة؟»، فقال: عندي خير يا محمد، إن تقتُل تقتُل ذا دَم، وإن تُنعِم تُنعِم على شاكر. فتركه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عاد إليه من الغد فقال: «ما عندك يا ثمامة؟»، فقال: ما قلت لك، إن تُنعِم تُنعِم على شاكر. فتركه، ثم عاد إليه من الغد فقال: «ما عندك يا ثمامة؟»، فقال: عندي ما قلت لك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أطلقوا ثمامة»، فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسولُ الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهُك أحبَّ الوجوه إليَّ، والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحبَّ الدين إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدُك أحبَّ البلاد إليَّ.

 

وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشَّره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر، فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ قال: لا، ولكني أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حِنْطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم".

 

أيها المؤمنون، تعالوا نقف عند سارية من سواري المسجد النبوي، هناك رجل مقيد، لكنه ليس أسير جسد فقط، إنه أسير كبرياء، أسير عداوة، أسير تاريخ طويل من الحرب على هذا الدين، إنه ثمامة بن أثال، سيد بني حنيفة، اللسان الذي كان ينهش عرض النبي، والقلب الذي كان يغلي حقدًا على أصحابه.

 

جاءوا به، فربطوه، هنا كانت الدنيا كلها تنتظر قرارًا واحدًا: "اضربوا عنقه"، ولكن الذي جاءه لم يكن سيفًا، كان خلقًا يمشي على قدمين.

 

أيها المؤمنون، تأمَّلوا عظمة الأخلاق في هذا المشهد، ثلاثة أيام، والرجل مقيد، وكان يستحق القتل، ثلاثة أيام، ولم يُرَ أحد يضربه، ولم يُسمَع أحد يسبه، ولم يذقه أحدٌ طعمَ الإهانة، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه كل يوم فيسأله: "ما عندك يا ثمامة؟".

 

لا توبيخ، لا شماتة، لا تشفٍّ، سؤال من يريد أن يعطي فرصة، لا من يريد أن ينتقم.

 

أيها المؤمنون، تصوَّروا مشاعر ثمامة في تلك الأيام الثلاثة، كان يرى شيئًا لم يكن يتخيَّله، يرى الرجل الذي كان يسبُّه ليلَ نهارَ، كيف يجلس بين أصحابه فيُحدِّثهم عن الرحمة، وعن العدل، وعن حُسْن الخُلُق، وعن زراعة القيم، ويراه يصلي بهم، فيبكي في صلاته رحمةً بهم، يرى الجارية تأتي فتأخذ بيده لتقضي حاجتها، فيقوم معها بلا تكبُّر ولا ترفُّع، يرى رجلًا لا يفرق بين سيد وعبد، ولا بين قويٍّ وضعيفٍ، كان يسمع عن "محمد" أساطير، فلما رآه رأى "قرآنًا يمشي". رأى واقعًا يكسر كل ما كان يسمعه، رأى أخلاقًا لا تكتب في الكتب، بل تُعاش في الطُّرُقات.

 

أيها المؤمنون، ثم جاءت اللحظة التي كسرت كلَّ قوانين البَشَر؛ في اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم كلمة واحدة: "أطلقوا ثمامة"، بلا فدية، بلا معاهدة، بلا ذل، أطلقوه كما يطلق الكريم، لا كما يطلق المنهزم. هنا سقطت كل حسابات ثمامة. قال في نفسه: "قوم يأسرونك ثم يطلقونك بلا مقابل؟ رجل تحاربه ثم يحسن إليك؟ دين يقابل الإساءة بالإحسان؟" هنا أدرك أن هذا ليس ملكًا، ولا زعيم قبيلة، هذا نبي ممتلئ أخلاقًا ورحمةً، فذهب ثمامة واغتسل، غسل عن جسده غُبارَ الأسْر، وغسل عن قلبه غبار الجاهلية، ثم عاد راكضًا إلى نفس السارية التي قيَّدته، ليعلن أمامها حريته الحقيقية: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسولُ الله".

 

أيها المؤمنون، أنصِتُوا لكلماته التي سجَّلها الزمان ودوَّنها التاريخ بمداد من نور قال ثمامة: "محمد، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه إليَّ، والله ما كان من دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينُك أحبَّ الدين إليَّ، والله ما كان من بلد أبغض إليَّ من بلدك، فأصبح بلدُك أحبَّ البلاد إليَّ "من الذي يقلب البغض إلى حب في ثلاثة أيام؟ من الذي يحول العدوَّ إلى جندي، والأسير إلى داعية؟ إنه الخلق، خُلُق قال عنه ربُّه: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، خلق جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما بُعِثْت لأُتَمِّم مكارم الأخلاق».

 

السيف يفتح البلاد، ولكن الخُلُق يفتح القلوب، والقلب إذا انفتح، اتَّسَع للعالم كله.

 

أيها المؤمنون، في ذكرى مولِده صلى الله عليه وسلم إذا أردنا أن نحتفل بنبيِّنا حقًّا، فلنحتفل بـميلاد الأخلاق والقيم التي جاء بها نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم، لنتذكَّر بعثه والأهداف السامية التي من أجلها بعث الله تعالى نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم.

 

ومن هذه الأهداف إتمام مكارم الأخلاق، والعالم اليوم لا يحتاج مِنَّا مظاهر احتفالات ولا رفع شعارات فقط، في ذكرى مولِده صلى الله عليه وسلم بل يحتاج أن يرى أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم في حياتنا، يحتاج أن يرى الصدق في تجارنا، والرحمة في بيوتنا، والعدل في معاملاتنا، والعفو في خلافاتنا، فبهذا الخلق أسلم من أسلم، وبهذا الخلق دخل الناس في دين الله أفواجًا.

 

أيها المؤمنون، وواجبنا نحو نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم محبته محبة صادقة، وهنا سؤال يطرحه كل واحد مِنَّا على نفسه: هل أطعته فيما أمر؟ هل انتهيت عما نهى؟ إن محبته الحقيقية أن نقرأ سيرته فنمشي على خُطاه، وأن نحيي في بيوتنا وأسواقنا ما أماته الناس من خلقه: الصدق، والأمانة، والرحمة، والعدل. أن ندعو إليه بلساننا وحالنا، وأن نُقدِّم شريعته على هوانا، فهو القائل صلى الله عليه وسلم كما في البخاري: «لا يؤمن أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من ولِده ووالِده والناس أجمعين».

 

اللهم إنَّا نشهدك أنَّا نحب نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فاجعلنا من أتباعه، وارزقنا شفاعته، واسقنا من حوضِه شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، واحشرنا في زُمْرته تحت لوائه، يا رب العالمين.

 

هذا وصلوا وسلموا- رعاكم الله- على محمد بن عبدالله، كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: «مَن صلَّى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا».

 

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

 

وارْضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وارْضَ اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تَبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين. اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحْمِ حوزة الدين.

 

اللهم بارك لمن حضر معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حلَّ أو ارتحل.

 

اللهم آتِ نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى.

 

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر.

 

اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.

 

ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

 

﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201].

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • مرحبا شهر الصيام (خطبة)
  • نستقبل رمضان بترك الشحناء والبغضاء (خطبة)
  • أفراح الصائمين (خطبة)
  • التشاؤم بشهر صفر بين الماضي والحاضر (خطبة)
  • {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله..} (خطبة)
  • لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله (خطبة)
  • معجزات في طريق الهجرة (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • ميلاده ميلاد أمة سعدت بميلادها الأمم(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • بريطانيا: زيادة عدد مواليد المسلمين على عدد المواليد النصارى(مقالة - المسلمون في العالم)
  • الفكر والخلاصة في سيرة مبدع الطيران والزجاجة: عباس بن فرناس (274 هجري - 887 ميلادي) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • منطقة ريبوفسي تحتفل بميلاد مسجد جديد في أجواء إيمانية مميزة(مقالة - المسلمون في العالم)
  • ليلة القدر.. وعد النور وميلاد الأقدار(مقالة - ملفات خاصة)
  • سؤال لمن يهنئ النصارى بعيد ميلادهم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حديث القرآن عن عيسى عليه السلام وأمه (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الميلاد الجديد: التوبة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • غير تاريخ ميلادك(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • ميلاد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ومرضعاته (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • بعد سنوات من العمل والتبرعات.. افتتاح المركز الإسلامي في إيست سيراكيوز
  • اختتام برنامج تدريبي لتطوير مهارات القيادة والإدارة والتواصل للأئمة في توزلا
  • بعد 8 سنوات من البناء... مسجد جديد يفتح أبوابه بمدينة سومور الفرنسية
  • لأول مرة في تاريخها... إندونيسيا تطلق أول معرض لتلاوة القرآن الكريم بلُغة الإشارة
  • مساجد بريطانيا تفتح أبوابها أمام الجميع في النسخة الـ11 من «زر مسجدي»
  • «الرعاية معا».. مؤتمر طبي إسلامي يجمع 200 متخصص وطالب في أستراليا
  • التوسع في البرامج القرآنية للأطفال والبالغين في الفولغا مع بداية العام الدراسي
  • انطلاق أولى محاضرات موسم الشباب المسلم بتتارستان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 17/4/1448هـ - الساعة: 11:9
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب