• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    كيف نعيش يوم الجمعة؟ (خطبة)
    أحمد بن عبدالله الحزيمي
  •  
    ثناء القرآن على المهاجرين والأنصار (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    بعض ما وكل به الملائكة عليهم السلام من الأعمال
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    بر الوالدين يفرج الله به الهموم
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    المخالفات الشرعية المتعلقة بالعقود وأقسامها: ...
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    التحذير من خطورة الطلاق (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    اسم الله: السلام (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    المخالفات الشرعية المتعلقة بالعقود وأقسامها: ...
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    فضل العلم (خطبة)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    خطبة: الإنذارات والتحذيرات النبوية
    يحيى سليمان العقيلي
  •  
    باب في النظر إلى الله عز وجل
    د. خالد النجار
  •  
    حديث: لا يقاد الوالد بالولد
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    الأسرة التي يريدها القرآن (خطبة)
    عبدالحميد أحمد عبدالحميد طايل
  •  
    حياة القلوب في زمن الشواغل (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    وقفات مع أحكام الوصية (خطبة)
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    اسم الله الخبير
    خليل الحربي
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب / في النصيحة والأمانة
علامة باركود

العفة خلق الأبرار (خطبة)

العفة خلق الأبرار (خطبة)
د. عبدالرزاق السيد

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 24/9/2026 ميلادي - 13/4/1448 هجري

الزيارات: 102

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

العفة خلق الأبرار

إنَّ من أعظمِ المقاصدِ التي جاءَ بها الإسلامُ تزكيةَ النفوسِ، وتهذيبَ الأخلاقِ، وبناءَ الإنسانِ على الطُّهرِ والعفافِ، وإقامةَ مجتمعٍ تسودُه الفضيلةُ، وتُصانُ فيه الأعراضُ، وتُحفَظُ فيه الحرماتُ. ومن أجلِّ الأخلاقِ التي اعتنى بها الإسلامُ، وأعلى منزلتَها، خُلُق العِفَّةِ؛ فهي ليستْ خُلُقًا يُتزيَّنُ به فحسبُ، بل هي عبادةٌ يُبتغى بها وجهُ اللهِ، وحصنٌ يحفظُ الإيمانَ، وسياجٌ يصونُ الأعراضَ، وأساسٌ لاستقامةِ الأفرادِ، وصلاحِ الأُسَرِ، وأمنِ المجتمعاتِ.

 

الحمدُ للهِ الذي جعلَ في الحلالِ غِنًى وكفايةً، وجعلَ في العفافِ طُهرًا وهدايةً، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ البدايةُ وإليهِ النهايةُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أكملُ الناسِ عِفَّةً، وأزكاهم سيرةً، وأطيبُهم سريرةً، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ عليهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ الذينَ جعلوا العفافَ رايةً، والطهارةَ غايةً، وكانوا للأمةِ قدوةً، وعلى مَنْ تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ.

 

أهمية الحديث عن العفة:

أيُّها المسلمون،إنَّ من أعظمِ المقاصدِ التي جاءَ بها الإسلامُ تزكيةَ النفوسِ، وتهذيبَ الأخلاقِ، وبناءَ الإنسانِ على الطُّهرِ والعفافِ، وإقامةَ مجتمعٍ تسودُه الفضيلةُ، وتُصانُ فيه الأعراضُ، وتُحفَظُ فيه الحرماتُ.

 

ومن أجلِّ الأخلاقِ التي اعتنى بها الإسلامُ، وأعلى منزلتَها، خُلُق العِفَّةِ؛ فهي ليستْ خُلُقًا يُتزيَّنُ به فحسبُ، بل هي عبادةٌ يُبتغى بها وجهُ اللهِ، وحصنٌ يحفظُ الإيمانَ، وسياجٌ يصونُ الأعراضَ، وأساسٌ لاستقامةِ الأفرادِ، وصلاحِ الأُسَرِ، وأمنِ المجتمعاتِ.

 

والعِفَّةُ هي كفُّ النفسِ عمَّا حرَّمَ اللهُ، وحبسُها على ما أحلَّ اللهُ، وغضُّ البصرِ، وحفظُ الفرجِ، وصيانةُ اللسانِ، وتعظيمُ حدودِ الرحمنِ؛ فهي عنوانُ الطهارةِ، ودليلُ المروءةِ، وشعارُ المؤمنينَ، وزينةُ الصالحينَ.

 

وإذا ضاعتِ العِفَّةُ ضاعتْ معها القِيَمُ، وتفكَّكَتِ الأُسَرُ، وانتشرتِ الرذيلةُ، وعمَّتِ الفِتَنُ؛ ولذلك شرعَ الإسلامُ كلَّ ما يُرسِّخُ العِفَّةَ، وسدَّ كلَّ طريقٍ يُفضي إلى الرذيلةِ؛ حمايةً للأعراضِ، وصيانةً للمجتمعات.

 

حديثُ القرآنِ والسُّنَّةِ عنِ العِفَّةِ:

أيُّها المسلمون، لقد اعتنى القرآنُ الكريمُ والسُّنَّةُ النبويةُ بالعِفَّةِ عنايةً عظيمةً، ورغَّبا فيها، وجعلاها من صفاتِ المؤمنينَ الصادقينَ الذين يتعفَّفون عن سؤالِ الناسِ والنظر إلى ما في أيديهم، قال الله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 273]، وتحدَّث القرآنُ عن عِفَّةِ اللسانِ؛ فلا ينطق بكذبٍ، ولا زورٍ، ولا غيبةٍ، ولا نميمةٍ، ولا فُحشٍ، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: 72]، ومن أعظمِ صورِ العِفَّة عِفَّةُ الفروجِ، وقد جعلَها اللهُ من صفاتِ أهلِ الفلاحِ، فقال الله سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: 1 - 7].

 

ثم جاءتِ السُّنَّةُ النبويَّةُ تؤكِّدُ هذا المنهجَ العظيمَ، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((مَن يَستَعْفِفْ يُعِفَّه اللهُ، ومَن يَستَغنِ يُغنِه اللهُ، ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْه اللهُ، وما أُعطيَ أحَدٌ عَطاءً خَيرًا وأوسَعَ مِنَ الصَّبرِ))؛ رواه البخاري ومسلم.

 

العِفَّةُ شرفٌ ورِفعةٌ:

أيُّها المسلمون، إنَّ من أعظمِ ما يُكرِمُ به الإنسانُ نفسَه، ويُقرِّبُه من منازلِ الأبرارِ، أنْ يُزكِّيَها بالطاعةِ، ويصونَها عن المحرَّماتِ، ويُجمِّلَها بخُلُقِ العِفَّةِ؛ فإنَّ العِفَّةَ ليستْ حرمانًا، ولا تضييقًا، وإنَّما هي شرفٌ للنفسِ، ورِفعةٌ لصاحبِها، وعنوانُ عزَّتِه وكرامتِه.

 

أن العِفَّةُ منهجُ حياةٍ، وخُلُقٌ شاملٌ يسري في حياةِ المسلمِ كلِّها؛ إذا استقرَّتِ العِفَّةُ في القلبِ، كان أوَّلُ ما يظهرُ أثرَها في لقمةِ العبدِ وشرابِه؛ فلا يرضى إلا بالحلالِ الطيِّبِ؛ لأنَّ اللقمةَ الطيِّبةَ تُباركُ في العمرِ والعملِ، وتُصلحُ القلبَ، وتُعينُ على الطاعةِ، وهذه أوَّلُ مراتبِ شرفِ العِفَّةِ، قال اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 172]، فإذا طابتْ لقمتُه، طاب لسانُه، فلا يخرجُ منه إلا الكلامُ الطيبُ، ولا ينطقُ إلا بما يُرضي اللهَ تعالى؛ فينشر المحبةَ، ويجمع القلوبَ، ويكون مِفتاحًا للخيرِ، مِغلاقًا للشرِّ، وما أكرمَ المؤمنَ حين تكونُ كلماتُه صدقةً، ولسانُه ترجمانًا لإيمانِه! قال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليَقُلْ خَيرًا أو ليصمُتْ...))؛ متفق عليه.

 

وليس هذا فحسبُ، بل تمتدُّ العِفَّةُ إلى السمعِ، فيترفَّعُ المؤمنُ عن اللغوِ والباطلِ، ويُقبِلُ على ما يزكِّي قلبَه من ذكرِ اللهِ، وتلاوةِ كتابِه، وسماعِ الحقِّ؛ فإنَّ الأُذُنَ الطاهرةَ طريقٌ إلى القلبِ الطاهرِ، ومن شرفِ المؤمنِ ألَّا يجدَ لسانُ الباطلِ إلى سمعِه سبيلًا، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: 55]، وإذا سَمَا السمعُ، سَمَا البصرُ، فيغضُّ المؤمنُ بصرَه عمَّا حرَّمَ اللهُ، لا خوفًا من الناسِ، ولكن حياءً من اللهِ وعِفَّةً عمَّا حرم الله، وتعظيمًا له، ورغبةً فيما عندَه؛ فيورثُه اللهُ صفاءً في قلبِه، ونورًا في بصيرتِه، وبذلك تسمو النفسُ، وترتفعُ منزلتُها عند اللهِ وعند الناس، قال سبحانه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور: 30].

 

ولا تكتملُ العِفَّةُ حتى تظهرَ في عملِ الإنسانِ وسلوكِه، فتكون يدُه يدًا أمينةً، تمتدُّ بالخيرِ والإحسانِ، وتكفُّ عن الظلمِ والعدوانِ، وتتعفَّف عن أكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ؛ فالعفيفُ أمينٌ في يدِه كما هو أمينٌ في قلبِه ولسانِه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]، فإذا استقامتْ هذه الجوارحُ كلُّها، تُوِّجتْ بأعظمِ صورِ العِفَّةِ، وهي عِفَّةُ الفروجِ، فهي تاجُ الطهرِ، وزينةُ المؤمنِ والمؤمنة، وعنوانُ كمالِ إيمانِهم؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: 33]، وقال الله سبحانه: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]، ومن جاهدَ نفسَه، واستعفَّ عن الحرامِ، أعانَه اللهُ، وثبَّتَه، وأكرمَه بعونِه وتوفيقِه، فعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((أربعٌ إذا كُنَّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدُّنيا: حفظُ أمانةٍ، وصدقُ حديثٍ، وحُسْنُ خُلقٍ، وعِفَّةٌ في طُعْمةٍ))؛ حسن الترغيب والترهيب.

 

ومن كمالِ العِفَّةِ أنْ يتعفَّفَ المؤمنُ عن سؤالِ الناسِ، وأنْ يجعلَ رجاءَه باللهِ وحدَه، فيسعى في طلبِ الرزقِ الحلالِ، ويرضى بما قسمَ اللهُ له؛ فيعيش عزيزَ النفسِ، كريمَ الوجهِ، مطمئنَّ القلبِ، لا يستعبدُه طمعٌ، ولا تُذِلُّه حاجةٌ؛ لأنَّ عِزَّتَه باللهِ وحدَه؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131]، تلك هي العِفَّةُ التي ربَّى الإسلامُ عليها أبناءَه؛ فهي ليستْ خُلُقًا لفئةٍ دون فئةٍ، ولا للشبابِ دون الشيوخِ، ولا للرجالِ دون النساءِ، بل هي تاجُ المؤمنِ، وزينةُ المؤمنةِ، وسياجُ الأسرةِ، وأمانُ المجتمعِ، بها تزكو النفوسُ، وتسمو الأخلاقُ، وتُصانُ الكراماتُ، ويعيشُ الإنسانُ عزيزًا في نفسِه، كريمًا بين الناسِ، راجيًا ما عند اللهِ.

 

ضياعُ العِفَّةِ وخطرُها:

أيها المسلمون، ما هُتِكَ عِرضٌ، ولا ضاعتْ أمانةٌ، ولا كذبَ لسانٌ، ولا خانتْ عينٌ، ولا أُكِلَ مالٌ حرامٌ، إلا يومَ ضاعتِ العِفَّةُ من القلوبِ. إنَّ ضياعَ العِفَّةِ لا يبدأُ بالفاحشةِ، وإنما يبدأُ بالتهاونِ في الصغائرِ، ثم لا يزالُ الشيطانُ يجرُّ صاحبَه من ذنبٍ إلى ذنبٍ، حتى يقعَ فيما كان بالأمسِ يتعوَّذُ باللهِ منه.

 

وأوَّلُ ما تضيعُ عِفَّتُه عِفَّةُ المطعمِ والمكسبِ؛ فلا يُبالي العبدُ أمن حلالٍ يأكلُ أم من حرامٍ، ولا من أين جمعَ مالَه، فيستحلُّ الربا، والرشوةَ، والغشَّ، وأكلَ أموالِ الناسِ بالباطلِ، فإذا فسدَ المطعمُ قسا القلبُ، وذهبتْ بركةُ الرزقِ، وحِرمانِ إجابةِ الدعاءِ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيُّها النَّاسُ، إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقبَلُ إلَّا طَيِّبًا، وإنَّ اللهَ أمَرَ المُؤمِنينَ بما أمَرَ به المُرسَلينَ، فقال: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعمَلوا صالِحًا إنِّي بما تَعمَلونَ عَليمٌ﴾ [المؤمنون: 51]، وقال: ﴿يا أيُّها الذينَ آمَنوا كُلوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقناكُم﴾ [البقرة: 172]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطيلُ السَّفَرَ أشعَثَ أغبَرَ، يَمُدُّ يَدَيه إلى السَّماءِ، يا رَبِّ، يا رَبِّ، ومَطعَمُه حَرامٌ، ومَشرَبُه حَرامٌ، ومَلبَسُه حَرامٌ، وغُذيَ بالحَرامِ، فأنَّى يُستَجابُ لذلك؟!))؛ مسلم.

 

فأيُّ قلبٍ يخشعُ وقد نبتَ من الحرامِ؟ وأيُّ دعاءٍ يرتفعُ وصاحبُه لا يتعفَّفُ عن السُّحْتِ؟ وأيُّ بركةٍ تُرجى في بيتٍ يُطعَمُ أهلُه من مالٍ لا يرضاهُ اللهُ؟ وإذا هانَ الحرامُ في اللقمةِ، هانت عِفَّةُ اللسانِ، فانطلقَ بالكذبِ، والغيبةِ، والنميمةِ، والفحشِ، والبهتانِ، وقذفِ الأبرياءِ، وإشاعةِ الشائعاتِ.

 

وكم نحن اليومَ بحاجةٍ إلى عِفَّةِ ما نكتبُه وننشرُه في صفحاتِنا؛ خصوصًا في هذا الزمان لم تعد الكلمةُ حبيسةَ مجلسٍ، بل أصبحتْ تعبرُ الآفاقَ عبرَ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، فكم من كلمةٍ هتكتْ عِرضًا، وكم من منشورٍ فرَّقَ أسرةً، وكم من إشاعةٍ أشعلتْ فتنةً، وحرَّشتْ بين المسلمين، ودعتْ إلى سفكِ الدماءِ، ونشرتِ الكراهيةَ والبغضاءَ، وصاحبُها يحسبُها هيِّنةً، وهي عند اللهِ عظيمةٌ، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 15]، وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ- رضي الله عنه- قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثَكِلَتكَ أُمُّكَ يا معاذ، وهل يَكُبُّ النَّاسَ على مَناخرِهم في جَهنَّمَ إلَّا حَصائدُ ألسِنتِهم؟))؛ صحيح بطرقه وشواهده، تخريج المسند لشعيب الأرناؤوط.

 

وإذا أَلِفَ السمعُ الباطلَ، تجرَّأ البصرُ على الحرامِ، وكانتِ النَّظرةُ أولَ طريقِ الفتنةِ، فعن أبي هُرَيْرَةَ رضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((كلُّ ابنِ آدمَ أَصابَ مِنَ الزِّنا لا مَحالَةَ، فَالعَيْنُ زِناها النَّظَرُ، واليَدُ زِناها اللَّمْسُ، والنَّفْسُ تَهْوَى وتُحَدِّثُ، ويُصَدِّقُ ذَلِك أوْ يُكَذِّبُهُ الفَرْجُ))؛ السلسلة الصحيحة.

 

وتكونُ الكارثةُ الكبرى حين تضيعُ عِفَّةُ الفروجِ؛ فهناك تُهتكُ الأعراضُ، وتُدنَّسُ الحرماتُ، وتضيعُ الأنسابُ، وتتفكَّكُ الأسرُ، ويضيعُ الأمنُ، وتُنزعُ الرحمةُ من القلوبِ، فلا يأمنُ أبٌ على ابنتِه، ولا أمٌّ على طفلِها، ولا زوجٌ على أهلِه. وهذا الانهيارُ الأخلاقيُّ الذي نراه ونسمعُ عنه من الاعتداءِ على الأعراضِ، واغتصابِ النساءِ، والاعتداءِ على الأطفالِ، واستغلالِ الضعفاءِ، حتى أصبحَ الناسُ يخافونَ على أعراضِهم، ويقلقونَ على أبنائِهم وبناتِهم، إلا من الثمار الخبيثة لضياع العِفَّة؛ ولهذا حذر الإسلامُ أشدَّ التحذير من ظهور الفاحشة، وأنها من أعظم الأسباب التي تُهلِك المجتمعات بالأمراض الفتَّاكة؛ فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لم تَظْهَرِ الفاحشةُ في قومٍ قَطُّ حتى يُعْلِنُوا بها؛ إلا فَشَا فيهِمُ الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تَكُنْ مَضَتْ في أسلافِهِم الذين مَضَوْا))؛ صحيح الجامع.

 

أيُّها الأحبة، احفظوا عِفَّتَكم، واحرسوا قلوبَكم، وربُّوا أبناءَكم على العِفَّة والحياءِ والطهارةِ وتعظيمِ حرماتِ اللهِ؛ فإنَّ العِفَّةَ سياجُ الإيمانِ، وحصنُ الأسرةِ، وأمانُ المجتمعِ، وبها تُصانُ الأعراضُ، وتُحفَظُ الأموالُ، وتستقيمُ الحياةُ، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المعارج: 29 - 31].

 

كيف نتخلق بالعِفَّةَ في حياتِنا؟

أيها المسلمون،إنَّ العِفَّةَ لا تُنالُ بالأماني، ولا تُحفَظُ بالشعاراتِ، ولكنَّها تُبنى في القلبِ، وتُغرسُ في النفسِ، وتُروى بالإيمانِ، وتُصانُ بالمجاهدةِ، وتثبتُ بمراقبةِ اللهِ تعالى.

 

وأوَّلُ طريقِ العِفَّةِ أنْ يعظُمَ اللهُ في قلبِ العبدِ؛ فيستحضرَ نظرَ اللهِ إليه، ويستحييَ من ربِّه، ويذكرَ وقوفَه بين يدَيْه، ويوقنَ أنَّ لذَّةً عابرةً لا تستحقُّ أنْ يخسرَ من أجلِها رضا اللهِ وكرامتَه. وهكذا كان يوسفُ عليه السلامُ حين أُغلقتِ الأبوابُ، واشتدَّتِ الفتنةُ، وتوافرتْ أسبابُ المعصيةِ، فلم يقلْ: لا يراني أحدٌ، بل قال بقلبِ المؤمنِ العفيفِ: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف: 23].

 

وأنْ يدرِّبَ المسلمُ نفسَه على الصبرِ، وألَّا يستجيبَ لكلِّ رغبةٍ، ولا ينقادَ لكلِّ شهوةٍ؛ فإنَّ النفسَ إنْ لم تُضبطْ قادتْ صاحبَها، وإنْ جُوهِدَتْ انقادتْ له.

 

ولا تُحفَظُ العِفَّةُ مع تضييعِ الفرائضِ؛ فمن أرادَ نورَ العِفَّةِ، فليقمْ بحقِّ اللهِ أولًا، وليحافظْ على الصلاةِ، وليقفْ عند حدودِ الحلالِ والحرامِ، ثم ليزدَدْ قُرْبًا من ربِّه بالنوافلِ؛ فإنَّ كثرةَ القربِ من اللهِ تضعفُ سلطانَ الشهوةِ، وتملأُ القلبَ بمحبتِه، وفي الحديثِ القدسيِّ قال اللهُ تعالى: ((ما تقرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أفضل من أداء ما افترضتُ عليْهِ، وما يزالُ يتقرَّبُ عبدي إليَّ بالنَّوافلِ حتَّى أحبَّهُ))؛ رواه البخاري. من حديث أبي هريرة.

 

وتكتسب العفة بشعور العبد بفقرِه وضعفِه، فلا يغترُّ بنفسِه، ولا يأمنُ عليها، بل يسألُ اللهَ أنْ يصرفَ عنه السوء والفحشاءَ. وكم من إنسانٍ كان قويًّا في ظاهرِه، فلما اعتمدَ على نفسِه سقطَ، وكم من ضعيفٍ التجأ إلى اللهِ فثبَّتَه ونجَّاه، ومن السبعةِ الذين يُظلُّهم اللهُ في ظلِّه ((ورجلٌ دعتْه امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمالٍ إلى نفسِها فقال: إنِّي أخافُ اللهَ))؛ متفقٌ عليه. من حديث أبي هريرة.

 

ومما يعينُ على العِفَّةِ أنْ يُشبِعَ المسلمُ حاجاتِه من الحلالِ، وألَّا يضيِّقَ على نفسِه ما وسَّعَه اللهُ عليه؛ فقد أباحَ اللهُ الطيباتِ، وشرعَ الزواجَ، وفتحَ أبوابَ الرزقِ الحلالِ، حتى لا تتعلَّقَ النفوسُ بالحرامِ، فالحلالُ بابُ طهارةٍ وأمانٍ، وتيسيرُه يغلقُ أبوابًا كثيرةً من الفتنةِ والانحرافِ.

 

وكما أنَّ العِفَّةَ تُبنى بالطاعةِ، فإنَّها تُحمى بالابتعادِ عن أسبابِ الفتنةِ؛ فيغضُّ المسلمُ بصرَه، ويحفظُ سمعَه، ويختارُ صحبتَه، ويبتعدُ عن المواطنِ التي تُضعِفُ قلبَه، ويحذرُ من الصورِ والمقاطعِ والمواقعِ التي تثيرُ الشهوةَ وتُزيِّنُ المعصيةَ.

 

فليس من الحكمةِ أنْ يطلبَ الإنسانُ سلامةَ قلبِه، ثم يفتح عليه كلَّ أبوابِ الفتنةِ.

ولا يكفي أنْ نحفظَ أنفسَنا، بل لا بدَّ أنْ نربِّيَ أبناءَنا وبناتِنا على العِفَّةِ؛ فنغرسَ فيهم مراقبةَ اللهِ، ونعلِّمَهم الحلالَ والحرامَ، ونبيِّنَ لهم شرفَ الطهارةِ، وخطرَ الانحرافِ، ونحصِّنَ عقولَهم بالموازينِ الشرعيةِ الصحيحةِ، حتى لا تخدعَهم الشعاراتُ البرَّاقةُ، ولا تستدرجَهم دعواتُ الفسادِ، ولا يظنُّوا أنَّ الحريةَ في مخالفةِ أمرِ اللهِ.

 

أيها الأحبَّة، إنَّ العِفَّةَ بناءٌ يبدأُ بالإيمانِ، ويقوى بالعبادةِ، ويثبتُ بالمجاهدةِ، ويُحمى بالبُعْدِ عن الفتنِ، ويثمرُ بالتربيةِ الصالحةِ.

 

ومن صدقَ مع اللهِ أعانَه اللهُ، ومن جاهدَ نفسَه هداهُ اللهُ، ومن استعفَّ أعفَّه اللهُ، ومن حفظَ حدودَ اللهِ حفظَه اللهُ في نفسِه وأهلِه ودينِه.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • خطبة عن العفة
  • أين العفة؟
  • الحشمة والعفة (خطبة)
  • الـعـفة (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • من الأخلاق الإسلامية (العفة)(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • الشماتة خلق دميم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • {فلينظر الإنسان مم خلق} (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: التغافل خلق الفضلاء وخصلة الكرماء(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خلق الاحترام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: كبار السن(مقالة - آفاق الشريعة)
  • كبار السن (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وتعاونوا على البر والتقوى (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وتعاونوا على البر والتقوى (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • توقير كبار السن وإكرامهم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • بعد 8 سنوات من البناء... مسجد جديد يفتح أبوابه بمدينة سومور الفرنسية
  • لأول مرة في تاريخها... إندونيسيا تطلق أول معرض لتلاوة القرآن الكريم بلُغة الإشارة
  • مساجد بريطانيا تفتح أبوابها أمام الجميع في النسخة الـ11 من «زر مسجدي»
  • «الرعاية معا».. مؤتمر طبي إسلامي يجمع 200 متخصص وطالب في أستراليا
  • التوسع في البرامج القرآنية للأطفال والبالغين في الفولغا مع بداية العام الدراسي
  • انطلاق أولى محاضرات موسم الشباب المسلم بتتارستان
  • احتفالات قرآنية في بورغاس وفيلكو تارنوفو تكرم أطفالا أتموا قراءة القرآن الكريم
  • المالديف تستهدف الوصول إلى 500 حافظ وحافظة للقرآن الكريم خلال العام

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 12/4/1448هـ - الساعة: 14:30
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب