• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    فضل العلم والتعليم (خطبة)
    يحيى بن إبراهيم الشيخي
  •  
    بلاغة أسلوب الحوار التعليمية في القرآن الكريم
    د. أيمن أبو مصطفى
  •  
    التعايش مع الآخر منهج إسلامي أصيل (خطبة)
    د. عبدالرزاق السيد
  •  
    الماء حياة فلا تقتلوه بالإسراف (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    الإيمان بالقضاء والقدر: أهميته ومراتبه (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    الماء نعمة ونماء (خطبة)
    خالد سعد الشهري
  •  
    الأمن أمانة فلا تبدده الشائعات (خطبة)
    د. أحمد بن حمد البوعلي
  •  
    آداب الاستئذان (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    كيفية الإيمان بالملائكة والكتب والرسل
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    {ولمن خاف مقام ربه جنتان}
    نايف عبوش
  •  
    مرور المرأة أمام المصلي
    د. خالد النجار
  •  
    ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون (خطبة)
    أبو سلمان راجح الحنق
  •  
    ضبط كتب السنة بين الرواية والرأي - لفظة "لأراه ...
    شوقي محمد البنا
  •  
    أقسام العقود من حيث الصحة والبطلان والفساد
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    تخريج حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء ...
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    تفسير: {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ...
    تفسير القرآن الكريم
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / عقيدة وتوحيد
علامة باركود

تأملات في اسمه تعالى الرحيم

تأملات في اسمه تعالى الرحيم
أ. د. وجيه يعقوب السيد

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 14/9/2026 ميلادي - 3/4/1448 هجري

الزيارات: 38

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

تأملات في اسمه تعالى الرَّحِيم

 

كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم كاشفَ الكربِ، فارجَ الهَمِّ، مجيبَ دعوةِ المضطرين، رحمنَ الدنيا والآخرة ورحيمَهما، أنت ترحمني، فارحمني رحمةً من عندك، تغنيني بها عن رحمة من سواك. ويقال: إن عيسى ابن مريم عليه السلام كان يُعَلِّمُ هذا الدعاءَ لأتباعه ويقول: لو كان على أحدكم جبلُ ذهبٍ دَيْنًا قضاه الله عنه؛ (رواه البزَّار).


إنها رحمة الله التي كتبها على نفسه، وجعلها سابقةً لغضبه، لا عاصم لنا من الله إلا بها، حين تضيق النفس وتنخلع القلوب، ويستبدُّ الألم والهلع بالنفوس، لا نجد ملجأً نؤوي إليه، ولا بابًا نهرع نحوه، سوى بابه سبحانه وتعالى، فرحمته بلا حدود، وفضله بلا قيود، رزقه إلينا نازل، وبِرُّه بجميع خلقه واصل، فاللهم يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، ارحمنا رحمة من عندك، تغنينا بها عن رحمة من سواك، ولا تكِلْنا لأنفسنا طرفة عين، ولا أقل من ذلك ولا أكثر، أنت ربنا وخالقنا ورازقنا، وأنت على كل شيء قدير.

 

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله خلقَ يوم خلقَ السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة»؛ (رواه مسلم).


فإذا وجدت إنسانًا رحيمًا فاعلم أن السبب في ذلك هو اصطفاء الله له، فهو سبحانه الذي أودع الرحمة في قلوب عبادِه، فهم يتراحمون ويتوادُّون ويتعاطفون فيما بينهم ببركتها وبسرِّها، وأما رحمة الله بعباده فلا يمكن تصوُّرها بحال من الأحوال كما أشرنا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرسُ حافرَها عن ولدها، خشيةَ أن تصيبه"؛ (رواه البخاري).


ومما يظهر عظيم رحمة الله تعالى يوم القيامة بعباده ما جاء في الأثر، من أن رجلًا يُؤمر به إلى النار، فإذا بلغ ثلث الطريق التفتَ، وإذا بلغ نصف الطريق التفتَ، وإذا بلغ ثلثي الطريق التفتَ، فيقول رب العزة: رُدُّوه، ثم يسأله ويقول: لم التفتَّ؟ فيقول: يا رب، لما بلغتُ ثلث الطريق تذكرتُ قولك: "وربك الغفور ذو الرحمة"، فقلتُ: لعلك أن تغفر لي، فلما بلغتُ نصف الطريق تذكرتُ قولك: "ومن يغفر الذنوب إلا الله"، فقلتُ: لعلك أن تغفر لي، فلما بلغتُ ثلثي الطريق تذكرتُ قولك: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله"، فازددتُ طمعًا، فيقول الله تعالى: اذهب فقد غفرتُ لك.

 

فمن يقنط من رحمة ربه، ومن ييأس من فضله، إلا المحروم والبائس والشقي؟

واسمه تعالى (الرَّحِيم) مِن صِيَغ المُبالغة، وهو يعني أنَّه تعالى عظيم الرَّحمة، كثير البِرِّ والإحسان، واسع المغفرة، رفيق بعباده، لطيف بهم، وهذا الاسم الكريم «الرَّحيم» يختصُّ الله به عباده المؤمنين دون غيرهم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم مائة وثلاث عشرة مرة؛ اقترن في إحدى وسبعين مرة منها باسمه تعالى الغفور، وبذلك يكون هذان الاسمان هما أكثر أسماء الله تعالى الحسنى اقترانًا في كتاب الله، كما اقترن باسمه تعالى العزيز في ثلاث عشرة مرة، وباسمه التوَّاب في تسع مرات، وباسمه الرؤوف في ثماني مرات، وباسمه تعالى الرحمن في ست مرات، ولا شك أن مواضع الاقتران هذه تحتاج منا إلى تدبُّر وتأمُّل وقراءة السياق الذي وردت فيه، الذي يدل في الغالب على عظيم عفوه وغفرانه ورحمته الواسعة التي لا حدَّ لها.

 

قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 43]. ومعنى: يصلّي عليكم، أي: يرحمكم ويغفر لكم، وصلاة الملائكة الكرام تعني الاستغفار والدعاء، ولولا هذه الرَّحمة لبقي الإنسان في ظلمات الكفر والشك، فبفضلها نَوَّرَ الله القلوب بالمعرفة، وثبَّتها على الإيمان، وجعل بينها وبين الكفر حاجزًا، وأخرجهم من ظلمات المعاصي إلى نور التَّوْبة، وتمتد هذه الرحمة لترافقهم حين يخرجون من ظلمات القبر إلى نور المحْشَر، ومن ظلمات الصِّراط إلى نور الجنَّة، وبذلك تكون رحمته ملازمة للعبد حال حياته، وبعد موته، ويوم الحشر، ويلاحظ أن الآية قد بدأت بذكر الرَّحْمة، وخُتِمَتْ بالتَّأكيد على ثبات هذه الصفة في حقِّه سبحانه وتعالى؛ (انظر: بحر العلوم للسمرقندي، ج 3، ص 65).


إن رحمة الله بعباده المؤمنين رحمة لا مثيل لها؛ فهو الذي هداهم إلى الحقِّ، وأرشدهم إلى طريقه المستقيم، وعَمَّهم بإحسانه وفضله، ورزقهم من الطيبات، وشرح صدورهم للإيمان، وهذه الرعاية الخاصة بهم لم تأتِ من فراغ، إنما استحقُّوها بتوفيق الله لهم إلى طاعته، وبالتزامهم بمنهجه وسُنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم، أما الكفَّار والمشركون فقد حَرَمُوا أنفسَهم هذا الفضل العظيم، وهذه الرحمة الواسعة، بسبب جحودهم ونكرانهم، وإصرارهم على معصيته ومخالفة أمره، فقد أشهدهم الله عظيم رحمانيته؛ فلم يحرمهم فضله ولا بِرَّه في الدنيا كما بَيَّنَّا، بل أرسل لهم الرُّسُلَ ليُبيِّنوا لهم ما أشكل عليهم، وأمْهَلهم ولم يعاجلهم بالانتقام أو العقوبة، فهو الرحمن الذي شمل بفضله جميع خلقه في الدنيا، أمَّا الآخرة فلها شأن آخر تمامًا؛ حيث يبسط الله رحمته ويسبغ فضله على عباده المؤمنين المُوَحِّدِين، وهذا سِرُّ هذا الاسم الكريم الذي يحيط الله به أولياءه، فيحفظ عليهم قلوبهم في الدنيا، ويُنجيهم من عذاب النار في الآخرة.

 

ومِن عظيم رحمة الله تعالى بعبادِه المؤمنين، أنَّه عز وجل أرسل لهم محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم نبيَّ الرَّحمة، فكان مثالًا صادقًا للرَّحمة والتَّسامح والعطف على أُمَّته، فهو لا يسأل يوم القيامة لنفسه شيئًا، وإنَّما يسأل لأُمَّته الرَّحمة والغفران، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]. يقول الإمام القشيري: جاءكم رسولٌ يشاكلكم في البشرية، فلمَّا أفردناه به من الخصوصية ألبسناه لباس الرحمة عليكم، وأقَمْناه بشواهدِ العطف والشَّفَقة على جُملتكم، قد وكل همَمَه بشأنكم، وأكبرُ همِّه إيمانُكم؛ (انظر: لطائف الإشارات للقشيري، ج 2، ص 76).


قال تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159]، وهذه الآية الكريمة نزلتْ عقب هزيمة المسلمين في غزوة أُحُد، بسبب تخلِّي الرُّماة عن دورهم المنوط بهم، ومخالفتهم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم الجبل، وهو ما كان يستوجب غضب النبي صلى الله عليه وسلم وعتابه لهم، فلو أغلظ النبي لهم في القول لما لامه أحد، ولكان محقًّا فيما فعل، لكنه لما كان رحمة الله المهداة، ولما كان الله تعالى هو مولاه، الذي أودع في قلبه هذه الرحمة الكبيرة، التي لا عهد للناس بها، اتَّبَع معهم الرفق واللين، وعذرهم ولم يغلظ لهم في القول، ولولا هذا الخلق العظيم الذي حَباه الله به، لانصرف عنه الناس وتفرَّقوا.

 

والَّذي يُطالع سيرة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، يُدرك إلى أيِّ مدًى كان صلوات ربي وسلامُه عليه مُحبًّا لأُمَّته، رحيمًا بهم، كما كان رحيمًا بالناس جميعًا؛ ولذلك قال تعالى عنه: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]، فهو صلوات ربي وسلامه عليه رحمة لأهل السماوات وأهل الأرض من الجن والإنس وغيرهم، طائعهم وعاصيهم؛ طائعهم بالثواب، وعاصيهم بتأخير العقاب، الذي كان الله يستأصل به الأمم، فلما بُعِث محمد صلى الله عليه وسلم أمهلهم وترفَّق بهم، إظهارًا لشرفه وإعلاء لقدره.

 

وقد تجلَّت رحمته صلَّى الله عليه وسلَّم كأوضح ما يكون في فتح مكَّة؛ حيث مَكَّنَه الله من خصومه، وكان قادرًا على الانْتِقام منهم لما فعلوه به هو وأصحابه، لكنَّه صلى الله عليه وسلم لم يُرَوِّعْهم، ولم يقاتلهم، بل أَمَّنَهم على أموالهم وأنفسهم، وقال قولته الشهيرة التي حفظها التاريخ بحروف من نور: لا تثريبَ عليكم اليومَ، اذْهبوا فأنتم الطُّلقاء، وحين سمع النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم سعدَ بن عبادة يقولُ في هذا اليوم: اليومُ يومُ الملحمة، اليومُ تُستحلُّ فيه الكعبة، قال: "بل اليومُ يومُ المرحمة، اليوم تُعَظَّم فيه الكعبة"، ثم نزع منه الراية وأعطاها لعلي بن أبي طالب، ويقال إنه أعطاها لابنه قيس حتى لا تتغير نفسُه أو يشعر بالانكسار، وما أكثر المواقف التي تبرز رحمة النبي صلى الله عليه وسلم، ويمكن الرجوع في ذلك إلى ما كتبه القاضي عياض والحكيم الترمذي وكتب السيرة لاستجلاء هذا الجانب.

 

ومن شفقته على أُمَّته صلى الله عليه وسلم تخفيفه وتسهيله عليهم، وكراهته أشياء مخافة أن تُفْرَض عليهم؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: "لولا أنْ أشقَّ على أُمَّتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، وأنه كان يسمع بكاء الصبي فيتجوَّز في صلاته، ولما كذبه قومه أتاه جبريل عليه السلام فقال له: إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد أمر ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداه ملك الجبال وسلم عليه، وقال: مرني بما شئتَ، إن شئتَ أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يُخْرِجَ اللهُ من أصلابهم من يعبدُ اللهَ وحده ولا يشركُ به شيئًا"؛ (انظر: كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، دار الفيحاء، عمان، الطبعة الثانية، ص 253).


وإذا كانت رحمةُ الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم على هذا النَّحْو، فكيف تكون رحمة مَن أودع في قلبِه هذه الرَّحمة؟! لا شكَّ أنَّها رحمةٌ واسعةٌ عظيمةٌ لا حدودَ لها، ولا يمكن وصفها أو استقصاؤها بالكلام وحدَه، نسألُ الله الرّحمنَ الرحيم أنْ يشملنا برحمتِه وعفْوه، وأن يُسبِغَ علينا مِن جميل ستْره، وأنْ يرحمنا فوقَ الأرض وتحتَ الأرض ويومَ العرض عليه.

 

وقد وصف الله عز وجل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة، فهم رحماء رفقاء يُشفق بعضُهم على بعض، قال تعالى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ﴾ [الفتح: 29]. فالمسلمون أشدَّاءُ وأقوياء في مواجهةِ الباطل وأهلِه، أمَّا مع إخوانهم فهُم رُفقاء رحماءُ متواضعون، وهذه الرحمة التي يتحلَّى بها المؤمنون، إنَّما اتَّصَفوا بها بفضل إيمانهم بربِّهم، وركوعِهم وسجودهم لله، وإلَّا فهُم قد كانوا قبلَ الإسلام أعداء يقتل بعضُهم بعضًا، فسبحانَ مَن ألَّف بين قلوبهم، ووضَعَ الرَّحْمة فيها.

 

وهل عرفَ التَّاريخُ الإنسانيُّ كلُّه أُناسًا أرحم ببعضِهم بعضًا من صَحابة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؟ لقد كانوا أعظمَ نموذجٍ عرفته البشريةُ في الرَّحمة والتَّعاطُف والبرِّ والتضحية وإنْكار الذَّات، فهُم كالجسدِ الواحد الَّذي إذا اشْتكى منه عضوٌ، تداعى له سائرُ الجسد بالسَّهر والحُمَّى، إنَّهم مُتراحمون فيما بينهم؛ لأنَّ الله تعالى أودعَ في قلوبهم هذه الرَّحمة، ولأنَّ نبيَّهم صلواتُ ربِّي وسلامُه عليه كان مثالًا للرَّحمة، وقد أمرهم بالتَّراحم فيما بينهم؛ فقال: "مَن لا يرحَم الناس لا يرحمُه الله"؛ (متفق عليه).


فبسرِّ هذه الرَّحمة الَّتي أوْدَعها اللهُ قلوبَ المخلصين من عباده، يتراحم الخلق فيما بينهم، فتَحْنو الأُمَّهاتُ على صِغارها، حتَّى أُمَّات الوحوش مع شراستها الغريزية تكون رحيمةً وحانيةً بصغارها، وببركةِ هذه الرَّحمة، يؤلِّف اللهُ بين قلوب مَن يشاء مِن عباده، وينزع ما في صدور المؤمنين مِن غلٍّ وبَغْضاء، فيصيروا إخوانًا مُتحابِّين يألف بعضُهم بعضًا، ويرحم بعضُهم بعضًا. فاللَّهم كما ألَّفت بين قلوبهم ألِّف بين قلوبنا، واجمعْ صفَّنا، وارحمْ ضعفنا، وتولَّ أمْرنا، واجبرْ كسرَنا، برحمتِك يا أرحمَ الراحمين.

 

يروى أن عاملًا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، دخل عليه فوجده مُستلقيًا وأولاده الصغار يلعبون على بطنه، فأنكر العامل ذلك على عمر، فسأل عمر العامل: كيف أنت مع أهلك؟ قال: إذا دخلتُ سكتَ الناطق، فأمر عمر بعزله وقال: إنه لا يرفق بأهله وولده، فكيف يرفق بأُمَّة محمد؟

 

وقد جعل الله نصيبًا من هذه الرَّحمة للحيوان؛ فالمسلمُ رحيمٌ بالحيوان لا يؤذيه، ولا يروِّعه دونَ سبب، ولا يحمل عليه فوق مقدرته، وقد أخبر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن امرأة دخلت النار في هرَّةٍ حبستها، فلا هيَ أطعمَتْها، ولا هي تركتها تأكلُ من خشاشِ الأرض، وعلى النَّقيض من ذلك، دخل رجلٌ الجنَّةَ بسبب رحمته وشفقتِه على كلبٍ ضالٍّ أعياه الظمأ، فنزل إلى بئر وملأ خُفَّه وسقاه.

 

وعلى الرغم من عظيم رحمته وسابغ كرمه وفضله، فإن المسلم الصادق لا يغترُّ برحمة الله ويركن إليها بدون عمل، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم "أنه لن يدخل أحدنا الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته"، ورغم أن الله تعالى قد غفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر، فقد كان النبي الكريم يصوم في الحرِّ القائظ، ويجاهد في سبيل الله، ويُصلي من الليل حتى تتورَّم قدماه، وكان الصحابة الكرام كما وصفهم من رآهم: رهبانًا بالليل وفرسانًا بالنهار؛ لذلك من أراد أن يتعرَّض لرحمة الله تعالى، عليه أن يقتدي بالنبي الكريم والسلف الصالح في هذا الصدد، ويفعل ما يستوجب به رحمة الله عز وجل؛ ومن ذلك تنفيس الكربات عن المكروبين، والتيسير على المعسرين، وأن يكون في عون أخيه، وأن يشهد مجالس العلم التي تحفُّها الملائكة وتغشاها الرحمة.

 

يقول ابن القيم: إن حُسْن الظن بالله هو حُسْن العمل نفسه، فلو كان مُعَوَّل حسن الظن على مجرد صفاته وأسمائه لاشترك في ذلك البَرُّ والفاجر، والمؤمن والكافر، ووليُّه وعدوُّه، فما ينفع المجرمَ أسماؤه وصفاته، وقد باء بسخطه وغضبه، وتعرَّض لِلَعْنَته، وأوضع في محارمه، وانتهك حرماته؟ بل حسن الظن ينفع من تاب، وندم، وأقلع، وبدَّل السيئة بالحسنة، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة، ثم حسن الظن. فهذا حسن الظن، والأول غرور؛ (انظر: الداء والدواء لابن قيم الجوزية، دار عالم الفوائد بجُدَّة، الطبعة الأولى، ص 49).


اللهم يا رحمن السماوات والأرض ورحيمهما، يا من وسعت رحمتك كل شيء اشملنا برحمتك وعفوك، اللهم إنا نسألك رحمة من عندك تهدي بها قلوبنا، وتجمع بها شملنا، وتلمُّ بها شعثنا، اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللَّهم ارْحم موتانا وموتى المسلمين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، واختم لنا بخاتمة السعادة وأمِتْنا على كلمتي الشهادة، اللَّهم إنِّي ضعيف فقوِّ في رضاكَ ضعفي، وخذْ إلى الخير بناصيتي، واجعلِ الإسلامَ منتهى رضاي، برحمتك يا أرحم الراحمين.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • تأملات في اسمه تعالى المجيب
  • تأملات حول اسمه تعالى المؤمن
  • تأملات في اسمه تعالى الواسع
  • تأملات في اسم الله تعالى الخالق
  • تأملات في اسمه تعالى المصور
  • تأملات في اسمه تعالى الضار النافع
  • تأملات في اسمه تعالى الرحمن
  • تأملات في اسمه تعالى الوكيل

مختارات من الشبكة

  • اسما الله الحيي الستير: تأملات عقدية في الأسماء والصفات وأثرهما في العبودية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أسماء ليست من أسماء الله الحسنى(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أنواع الإلحاد الواقع في أسماء الله تعالى وصفاته(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مائة من أسماء الصحابيات لمن أراد تسمية البنات(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • القصيدة المتيمية في رثاء شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (ت: 728 هـ) لأحد أصحاب شيخ الإسلام اسمه محمد (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • مع سورة النبأ(مقالة - آفاق الشريعة)
  • دعاء يحفظك الله به من الضرر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الجلوس بعد صلاة الفجر في المسجد(مقالة - آفاق الشريعة)
  • "أحمد"... حمدٌ منه صلى الله عليه وسلم في دلالة الاسم وشهادة السيرة(مقالة - حضارة الكلمة)
  • أسماء الله بلفظ الاسم والاسم المضاف والفعل(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • المالديف تستهدف الوصول إلى 500 حافظ وحافظة للقرآن الكريم خلال العام
  • فتح التسجيل لدورات القرآن الكريم للأطفال في غرناطة
  • رغم صعوبات النقل مساعدات إسلامية مستمرة لمتضرري فيضانات نيبال
  • دورتان للفتيات والفتيان حول الزواج والحياة الأسرية في قازان
  • تتويج متميزين في المسابقة الوطنية للمعارف الأساسية للإسلام ببلغاريا
  • بعد 13 عاما حلم أسرة يتحول إلى أول مسجد في سوتوفو
  • مسجد الأنجام يضيف صرحا إسلاميا جديدا إلى زيلينودولسك
  • شباب المسلمين في ملبورن على موعد مع مؤتمر «تحديات، مسؤوليات، تأثير»

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 3/4/1448هـ - الساعة: 9:22
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب