• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الأمن والنعم شكر وحذر
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    مراقبة الله سبب لمغفرة الذنوب
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    خطبة: رفع المعنويات وقت الشدائد
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    حنين الجذع (خطبة)
    د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
  •  
    عندما يضيق الخناق على المستضعفين (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم ...
    سعيد مصطفى دياب
  •  
    اسما الله الملك والمليك
    خليل الحربي
  •  
    التحذير من فتنة الزوجات والأولاد (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ...
    سائد بن جمال دياربكرلي
  •  
    أثر الظلم في هلاك الأمم (خطبة)
    د. أحمد بن حمد البوعلي
  •  
    ضرورة التعاون بين المسلمين (خطبة)
    سعد محسن الشمري
  •  
    باب في بقاع الأرض
    د. خالد النجار
  •  
    من التيه إلى العبودية: رحلة الإنسان بين عداوة ...
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    أمثلة حمل المجمل على المبين
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    حديث: في باب النفقات
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    حكم حضورِ صاحب المرض المعدي المسجد لصلاة الجماعة
    د. محمد حسانين إمام حسانين
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / خطب المناسبات
علامة باركود

التشاؤم بشهر صفر بين الماضي والحاضر (خطبة)

التشاؤم بشهر صفر بين الماضي والحاضر (خطبة)
د. عبد الرقيب الراشدي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 27/7/2026 ميلادي - 11/2/1448 هجري

الزيارات: 859

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

التشاؤم بشهر صفر بين الماضي والحاضر

 

الخطبة الأولى

الحمدُ للهِ، نَحمَدُهُ تعالى ونستعينُهُ ونستغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ مِن شُرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].

 

عباد الله، اعلموا أن أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ نبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ مُحدَثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وكلَّ ضلالةٍ في النارِ، أعاذنا اللهُ وإياكم منَ البدعِ والضلالاتِ ومنَ النارِ، أما بعد:

 

أيها المؤمنون، هناك مرضٌ قديمٌ، وداءٌ توارثَتْهُ الأممُ جيلًا بعد جيل، هذا المرض اسمه "التَّطَيُّر"، ومعناه: التشاؤم بالأشخاص، وبالأيام، وبالأحداث، وهذا المرض خطير جدًّا؛ لأنه يضرب أصل الإيمان والتوحيد في قلب المؤمن.

 

أيها المؤمنون، ومما كان يتَطَيَّرُ به الناس في الجاهلية التطيُّر بشهر صفر، فقد كان أهل الجاهلية يتطيَّرُون به، وكانوا يُسَمُّونه "شهر الدبر"؛ أي: شهر الهلاك والدمار. وكانوا إذا دخل عليهم هذا الشهر أغلقوا بيوتهم، وقالوا: "لا نكاح في صفر، ولا سفر في صفر، ولا تجارة في صفر". ومن شدة تطيُّرهم بشهر صفر فقد كانوا يؤخرون حرمة "شهر الله المحرم" إلى "صفر" ليقاتلوا فيه؛ لظَنِّهم أن شهر صفر لا يحصل فيه نصر ولا غنائم. وهذا هو "النسيء" الذي قال الله عنه: ﴿ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [التوبة: 37].

 

ولأننا في أول جمعة من شهر صفر، فسيكون حديثنا فيها عن التطَيُّر، وعن أنواعه، وخطره على عقيدة المرء وإيمانه.

 

أيها المؤمنون، من أخطر أنواع الطيرة والتشاؤم التطيُّر بدِين الله تعالى وبأنبيائه ورسله، وبالدعاة إلى الله تعالى من بعدهم، وهذا ما فعله كفار قريش مع نبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم. روى الإمام الطبري في تفسيره عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: كان المشركون يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم في مكَّةَ ويقولون له بكل وقاحة: "ما رأينا أشأمَ مِنْكَ". يعني: ما بعثك الله إلا شؤمًا علينا. لماذا؟ "لأنك سفَّهْتَ آلهتَنا، وفرَّقْتَ جماعتَنا". ومن أشنع صور هذا التطيُّر تطيُّرُ عُتْبة بن أبي لهب برسول الله وبالدين الذي جاء يدعو إليه، فكان تطيُّرُه سَببًا لأن يدعو عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن تكون نهايته بطريقةٍ شنيعةٍ تتناسَبُ مع تطيُّرِه وكُفْره. روى الإمام البيهقي في دلائل النبوَّة، والطبراني في مُعْجَمه الكبير بسَنَدٍ قالَ عنه ابنُ حَجَرُ الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، وذكرها ابنُ كثير في البداية والنهاية بإسناد قال عنه: حَسَن، وحكم عليها العلامة الألباني في "السلسلة الصحيحة" بقوله: "إسنادها صحيح". عن هبار بن الأسود رضي الله عنه قال: كان عتبة بن أبي لهب قد ملأ قلبه الحقد على نور النبوة، فلما نزلت سورة تتوعَّدُ أباه ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ [المسد: 1] ازداد غيظه، وأعماه الكِبْرُ فخرج يطلب وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا ليؤمن، بل ليؤذي. فوقف أمام النبي صلى الله عليه وسلم بلسان سليط وقلب قاسٍ، وقال مستهزئًا متطاولًا على كتاب الله: "يا محمد، أنا أكفر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدَلَّى، فكان قابَ قوسينِ أو أدنى". أراد أن يطعن في الوحي وفي المعراج، فما كان من الرحمة المهداة إلا أن رفع يديه إلى السماء وقال كلمة تهتز لها القلوب: "اللهم سِلِّط عليه كلبًا من كلابك".

 

وصل الخبر إلى أبي لهب، فإذا بالخوف يدبُّ في قلبه رغم كُفْرِه، فقال لابنه: يا بني، والله ما آمن عليك دعوة محمد. وعرف أن الدعوة إذا خرجت من فم الصادق المصدوق فهي قضاء نازل لا محالة. فخرجوا تُجَّارًا إلى الشام، فلما بلغوا أرض "الشراة" وهي أرض موحشة مأسدة؛ أي: يكثر فيها الأسود، جمع أبو لهب متاع القوم في دائرة، ورفع ابنه فوقه، وناموا حوله جميعًا يظنون أنهم قد أحاطوا به من كل جانب، وأن الحيطة ترد القدر. ولكن هيهات.. ففي ظلمة الليل، وعلى صمت الصحراء، جاء جنديٌّ من جنود الله؛ أسدٌ ضارٍ يتخطَّى الرؤوس واحدًا واحدًا، يشم الوجوه كأنه يبحث عن اسم بعينه، حتى إذا وصل إلى عُتْبة وثب عليه وثبة واحدة، فهشم رأسه ومضى. فصرخ أبو لهب من هول ما رأى وقال: ألم أقل لكم إن دعوة محمد لا تُفلت؟

 

الله أكبر! تطيَّر عتبة بن أبي لهب برسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم سببًا لهلاكه بهذه الطريقة الشنيعة، وتشاءم بدين الله تعالى فكان تشاؤمه سببًا لأن تكون بطن الكلب قبره ومستقره. وهذا هو قانون الله في كل زمان، فمن تطيَّر بالحق وحاربَه، أهلكه الحق ودمَّره، وصدق الله القائل: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال: 30].

 

أيها المؤمنون، وممن سار على طريق التشاؤم والتطيُّر بدين الله وأنبيائه فرعون وجنوده، فقد كانوا يعيشون في رَغَدٍ من العيش، وفي نِعْمةٍ ومُلْكٍ عظيم، فلما جاءهم موسى عليه السلام بدعوة التوحيد والإيمان، لم يقابلوها بالشكر، بل قابلوها بالتطيُّر والجحود. فإذا أصابتهم نعمة قالوا: "هذه من كسبنا وتدبيرنا"، وإذا أصابهم بلاء قالوا: "هذا بسببك يا موسى ودعوته".

 

أيها المؤمنون، فلما أعرضوا عن الحق، وأبَوْا إلا الكفر والعناد، أنزل الله عليهم عقوبات من عنده لعلهم يرجعون؛ عاقبهم الله بالجدب والقحط فضاقت معيشتهم، فقالوا: "هذا من شؤم موسى"، ثم عاقبهم الله بآفة الجراد فأكلت ما زرعوا، فقالوا: "هذا من شؤم موسى"، ثم عاقبَهم الله بالقُمَّل فانتشر في ثيابهم وأجسادهم، فقالوا: "هذا من شؤم موسى"، ثم عاقبهم الله بالدم، فصار كلُّ ماءٍ يشربونه دمًا، فقالوا: "هذا من شؤم موسى".

 

نعم، عاقبَهم الله بآيات بيِّنات، وعقوبات متواليات، ولكنهم بدل أن يقولوا: "هذا بسبب ذنوبنا وكفرنا" تطيَّروا وقالوا: "هذا بسبب موسى ومن معه". وهنا ينزل كلام الله فيفضحهم ويرد عليهم ردًّا يهزُّ القلوب: ﴿ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 131]. والمعنى: أن ما أصابكم ليس بسبب دعوة موسى، بل بسبب كفركم، وبسبب ظلمكم، وبسبب استكباركم، ولكن أكثرهم لا يعلمون أن الله هو المدبر، ولا يعلمون أن ما أصابهم من أنفسهم، ولا يعلمون أن الرسل ما جاءوا إلا رحمة، ولكنهم هم الذين جلبوا على أنفسهم النقمة. وصدق الله القائل: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ [الشورى: 30].

 

أيها المؤمنون، وممَّن سار على طريق التطيُّر بأنبياء الله ورسله أصحاب القرية الذين ذكر الله خبرهم في القرآن الكريم، فقد كانوا غارقين في الكفر والضلال، والشرك وعبادة الأصنام، فأراد الله بهم رحمةً، فأرسل إليهم رسولين يدعوانهم إلى الله، لكن ماذا كان الجواب؟ قابَلُوا دعوةَ الحقِّ بالتكذيب، وقابلوا النور بالتطيُّر، فلما كذبوا الرسولين، عزَّز اللهُ الرسولين برسول ثالث، قال تعالى: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ﴾ [يس: 14]. أرسل الله إليهم ثلاثة أنبياء مرة واحدة، كان الواجب أن يفرحوا ويشكروا، ولكن ماذا قالوا؟ قالوا بكل كِبْر وعناد: ﴿ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [يس: 18]، جاءهم الرسل لينقذوهم من النار، فاتهموهم بأنهم سبب الشؤم. جاءوهم بالهداية، فقالوا: "وجودكم جلب لنا المصائب". تطيَّروا بالرسل، كما تطيَّر فرعون بموسى، وكما تطيَّرت قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم.

 

فماذا كان ردُّ الرُّسُل عليهم؟ كان ردُّهم عليهم ردًّا مزلًّا حيث قالوا لهم: ﴿ طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴾ [يس: 19]؛ أي: يا أيها القوم، شؤمكم ليس فينا، شؤمكم في كفركم، شؤمكم في ذنوبكم، شؤمكم في إسرافكم على أنفسكم، إن أصابكم بلاء فبسبب معاصيكم، وإن ضاقت عليكم الدنيا فبسبب إعراضكم عن الله.

 

أيها المؤمنون، وهذا المشهد من مشاهد التطيُّر بالأنبياء والمرسلين مشهد يتكرَّر في كل زمان، وعاقبة المتطيِّرين واحدة ونهايتهم متقاربة؛ ففرعون تطيَّر بموسى فأغرقه الله، وقريش تطيَّرت بمحمد فأذلها الله ببَدْر، وأصحاب القرية تطيَّروا بالرسل فأهلكهم الله بصيحة واحدة ﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ﴾ [يس: 29]. هذه هي سُنَّة الله: من جعل الحق سببًا للشؤم، جعل الله هلاكه على يد ذلك الحق، فإياك يا أيها العبد أن تربط ضيقك أو همَّك بدين الله تعالى أو بالدعاة إليه، وإذا تأخَّر رزقك فراجع توحيدك وإيمانك، وإذا نزل بك بلاء فراجع تقصيرك، وإذا ضاقت بك الدنيا فالجأ إلى الله.

 

أيها المؤمنون، ولخطورة مرض الطيرة والتشاؤم فقد عالجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعلاجات نبوية نافعة، كيف عالج رسول الله مشكلة التطيُّر؟ هذا ما سنعرفه في الخطبة الثانية.

 

قلت ما قد سمعتم فاستغفروا الله يا لفوز المستغفرين!

 

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي بيده الخير كله، لا يضر ولا ينفع إلا هو، ولم يجعل في شهور السنة نحسًا ولا شؤمًا، ولم يعلق أرزاق العباد بزمانٍ دون زمان. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، الذي جاء ليُحرِّر العقول من الخرافات، ويملأ القلوب بالإيمان والتوحيد، أما بعد:

أيها المؤمنون، لما بعث الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى جزيرة العرب وجد كثيرًا من العقائد الفاسِدة منتشرة في حياة الناس، يعتقدون أن غير الله يضُرُّ وينفع، فجاء صلى الله عليه وسلم يُعالج هذه القضايا ويُصحِّح عقائد الناس وتصوُّراتهم، فقد جاء في المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر"، ومعنى قوله: "لا عدوى"؛ أي: لا تحدث العدوى من مريض إلى صحيح إلا أن يشاء الله، فليس شرطًا أن تصاب بمرض إذا خالطت مريضًا.

 

ومعنى قوله: "ولا طيرة"؛ أي: إن الطيرة لا تنفع ولا تضر، وذلك أن العرب في الجاهلية كانوا إذا أراد أحدهم السفر أو التجارة خرج في الصباح، فإذا رأى طيرًا زَجَره، فإذا طار عن يمينه قال: "خير"، وإذا طار عن شماله قال: "نحس"؛ فلا يذهب في حاجته، وقد علق حياته ومستقبله على طير، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا طيرة".

 

وبعض الناس حتى في عصرنا إذا مشى في طريق ورأى حمارًا قال: "يوم شؤم"، وإذا رأى كلبًا قال كذلك. وهذه كلها من الطيرة المنهي عنها، وهي من الشرك الذي نهى الله عنه وحذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم. جاء عند أبي داود والترمذي وصححه الألباني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الطيرة شرك".

 

وعند أحمد في مسنده بسند حسنه الألباني أن بعض الصحابة قالوا: يا رسول الله، كلنا يجد في نفسه شيئًا من ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: "ذلكم شيء يجده أحدكم في نفسه، فإذا وجدتم ذلك فقولوا: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك، وليمض أحدكم"؛ أي: ليعزم على سفره وعمله ولا يرجع ولا يتردد. بهذا يذبح طائر التشاؤم بسكين الإيمان واليقين والتوكل على الله.

 

أيها المؤمنون، قد يقول قائل: لماذا حارب النبي صلى الله عليه وسلم الطيرة والتشاؤم؟ والجواب لأنها تفسد نفسية الإنسان، فما يتصوَّره الإنسان ويتوقَّعه ويظل يفكر فيه يقع له. الإنسان عبارة عن مشاعر وأفكار، فإذا ملأ عقله بالإيمان بالله والثقة بالله عاش مطمئنًّا، وإذا دخل في عقله التشاؤم والوساوس وقع ما تشاءم به، ومما يدل على ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: دخل النبي صلى الله عليه وسلم على أعرابي يعوده، وكان محمومًا. فقال صلى الله عليه وسلم: "لا بأس، طهور إن شاء الله"، فقال الأعرابي: "بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، لتزيره القبور"، فقال صلى الله عليه وسلم: "فنعم إذًا"، فما خرج من عنده إلا وقد مات؛ لأنه توقَّع ذلك واعتقد ذلك.

 

فالله تعالى عند ظن عبده به، إن ظنَّ به خيرًا فله ذلك، وإن ظنَّ به شرًّا فعليه ذلك. روى أحمد في مسنده وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل قال: أنا عند ظنِّ عبدي بي، إن ظنَّ بي خيرًا فله، وإن ظنَّ شرًّا فله". وحديث "أنا عند ظن عبدي بي" يفسر "لا صفر"؛ يعني: لا تجعلوا للزمان حكمًا، بل اجعلوا الظن بالله هو الحكم، فأحْسِن الظنَّ بربِّك، وتوكَّل عليه، وامْضِ في حاجتك فإن الله عند حسن ظنِّك به.

 

أيها المؤمنون، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على جانب عظيم من حسن الظن بالله تعالى. روى ابن السني في "عمل اليوم والليلة"، وابن أبي شيبة في مصنفه، وأبو داود في "الأدب المفرد" والحديث حسنه الشيخ الألباني في "صحيح الترغيب" عن أم الدرداء قالت: "دخلتْ عليَّ امرأة وأنا في دار أبي الدرداء بحمص، فقالت: يا أم الدرداء، ألا ترين ما جاء به الناس من الحريق؟ فقالت: ما هو؟ قالت: قامت النار في السوق. فقالت: إن أبا الدرداء كان يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من قال حين يصبح وحين يمسي: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، عليك توكلت، وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم" لم تُصِبْه مصيبةٌ حتى يمسي، ومن قالها حين يمسي لم تُصِبْه مصيبةٌ حتى يصبح. وقد قلتها اليوم". قالت: فذهب الناس إلى السوق فوجدوا كل الدور قد احترقت إلا دار أبي الدرداء، فأبو الدرداء رضي الله عنه لم يتشاءم لما قيل له: "احترق بيتك". لم يقل: "اليوم يوم نحس" ولم يربط المصيبة بزمان، بل أحسن الظن بالله وتمسَّك بوعد رسوله، فدفع الله عنه البلاء. فسلاحك ضد التشاؤم ليس الهروب، بل حسن الظن بالله تعالى وذكره سبحانه وحسن التوكُّل عليه، ومن صدق مع الله صدقه الله. فلا تجعلوا للزمان حكمًا، بل اجعلوا الظن بالله هو الحكم.

 

أيها المؤمنون، ونحن في هذه الأزمنة المتقلبة ينبغي لنا ألا نعلق قلوبنا إلا بالله تبارك وتعالى، وعلينا أن نسعى في الأرض ونأخذ بالأسباب، ونعلم يقينًا أنه لا يحصل في ملك الله إلا ما أراده الله. وقد جاء في سنن الترمذي وقال: حسن صحيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن عباس: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن يضُرُّوك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك". بهذا يعيش المؤمن مطمئنًّا على حياته ورزقه ومستقبله. أما من علق حياته بالطيرة وبالنجوم وبالأبراج وبالناس، فإنه لن يزداد إلا شقاءً وهمًّا في الدنيا.

 

أيها المؤمنون، شهر صَفَر كسائر الشهور، وأيامه كسائر الأيام، فلا ينبغي للمسلم أن يتطيَّر ولا أن يتشاءم، فإن الطيرة إنما هي بالمعاصي، والبركة إنما هي بالطاعات. فامضوا في أعمالكم المعتادة في شهر صَفَر من تجارةٍ وأسفارٍ وزواج، وأبطلوا هذه الاعتقادات الفاسدة التي لا دليل عليها من كتاب ولا سُنَّة. وهذا هو هدي نبينا صلى الله عليه وسلم، فقد غزا في شهر صَفَر، من ذلك غزوة الأبواء "ودان" في السنة الثانية للهجرة، وهي أول غزوة غزاها بنفسه، وغزوة بواط في ربيع الأول لكنه خرج لها في صَفَر، وغيرها مما يدل على أن الزمان لا أثر له في النصر والتوفيق. كما أنه صلى الله عليه وسلم تزوَّج في شهر صَفَر؛ فقد تزوَّج أم المؤمنين سودة بنت زمعة رضي الله عنها في صَفَر بعد وفاة خديجة رضي الله عنها، وهذا ردٌّ عملي على كل من يتشاءم بهذا الشهر.

 

أيها المؤمنون، طهِّروا قلوبكم بالتوحيد، وعمِّروا أوقاتكم بالطاعة، فمن توكَّل على الله كفاه، ومن اعتصم به نجَّاه. اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه، اللهم ارزقنا توكلًا صادقًا، ويقينًا لا يتزعزع، وثباتًا على الحق حتى نلقاك.

 

عباد الله، تزوَّجوا في صفر، وسافروا في صفر، وافتتحوا في صفر. فالشؤم ليس في الزمان، الشؤم في المعصية. اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه، اللهم ارزقنا توكلًا صادقًا ويقينًا لا يتزعزع، اللهم إنا نسألك إيمانًا لا يرتد، ويقينًا لا ينضب، وتوكلًا لا ينقطع.

 

اللهم طهِّر قلوبنا من الشرك والخرافة والتشاؤم، اللهم أصلح أحوالنا، وقوِّ إيماننا، واصرف عنا السوء.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين.

 

هذا وصلُّوا وسلِّموا- رعاكم الله- على محمد بن عبدالله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].


وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".


اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد.

 

وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين: أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أيها الأكرم.

 

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحْمِ حوزةَ الدين.

 

اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحَّتِه وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل.

 

اللَّهُم آتِ نفوسَنا تَقْواها، زكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها. اللَّهُم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.

 

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر.

 

اللَّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.

 

ربَّنا إن ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • رمضان والأخسرون أعمالا (خطبة)
  • حسن الظن بالله تعالى (خطبة)
  • الداخلون الجنة بغير حساب (خطبة)
  • المغضوب عليهم (خطبة)
  • موت الفجأة (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • صفر وما فيه من التشاؤم (خطبة)(مقالة - موقع الشيخ أحمد بن حسن المعلِّم)
  • خطبة: الحذر من التشاؤم بصفر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة (التشاؤم بصفر)(مقالة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • خطبة التشاؤم بصفر(محاضرة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • النهي عن التشاؤم في صفر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • التشاؤم بصفر(مقالة - موقع الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل)
  • النهي عن التشاؤم والتطير (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • النهي عن التشاؤم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • بيع الحاضر للبادي(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تغير الأحوال بين الماضي والحاضر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • القرآن والتربية في صدارة البرامج الصيفية للمسلمين في بينزا وساراتوف وموردوفيا هذا العام
  • اختتام الدورة التاسعة لمسابقة حفظ وتلاوة القرآن الكريم في أزناكاييف
  • تيسليتش تختتم برنامجا تعليميا لتعزيز القيم وبناء الشخصية للشباب المسلمين
  • انطلاق فعاليات "أيام مساجد إستولتس 2026" ببرنامج ديني وثقافي يمتد حتى أغسطس
  • قازان تحتضن المخيم الدولي الرابع للطلاب المسلمين
  • مسجد دابرافين يفتح أبوابه للمصلين بعد سنوات من البناء والعطاء
  • 130 شابا يشاركون في منتدى الشباب المسلم الإقليمي بتتارستان
  • بينزا تستضيف برنامجا صيفيا لتعليم الأطفال القرآن والعلوم الإسلامية

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 12/2/1448هـ - الساعة: 19:40
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب