• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الأمن والنعم شكر وحذر
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    مراقبة الله سبب لمغفرة الذنوب
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    خطبة: رفع المعنويات وقت الشدائد
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    حنين الجذع (خطبة)
    د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
  •  
    عندما يضيق الخناق على المستضعفين (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم ...
    سعيد مصطفى دياب
  •  
    اسما الله الملك والمليك
    خليل الحربي
  •  
    التحذير من فتنة الزوجات والأولاد (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ...
    سائد بن جمال دياربكرلي
  •  
    أثر الظلم في هلاك الأمم (خطبة)
    د. أحمد بن حمد البوعلي
  •  
    ضرورة التعاون بين المسلمين (خطبة)
    سعد محسن الشمري
  •  
    باب في بقاع الأرض
    د. خالد النجار
  •  
    من التيه إلى العبودية: رحلة الإنسان بين عداوة ...
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    أمثلة حمل المجمل على المبين
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    حديث: في باب النفقات
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    حكم حضورِ صاحب المرض المعدي المسجد لصلاة الجماعة
    د. محمد حسانين إمام حسانين
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / عقيدة وتوحيد
علامة باركود

لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (الرسالة التدمرية)

لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (الرسالة التدمرية)
سائد بن جمال دياربكرلي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 29/7/2026 ميلادي - 13/2/1448 هجري

الزيارات: 183

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية

(الرسالة التدمرية)

تحقيق الإثبات للأسماء والصفات، وبيان حقيقة الجمع بين الشرع والقدر


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

قال الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام ابن تيمية الحرَّاني رضي الله عنه وأرضاه:

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:

فقد سألني من تعيَّنت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس من الكلام في التوحيد والصفات، وفي الشرع والقدر؛ لمسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين، وكثرة الاضطراب فيهما، فإنهما مع حاجة كل أحد إليهما، ومع أن أهل النظر والعلم والإرادة والعباد لا بد أن يخطر لهم في ذلك من الخواطر والأقوال ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال، لا سيَّما مع كثرة من خاض في ذلك بالحق تارةً وبالباطل تاراتٍ، وما يعتري القلوب في ذلك من الشُّبَه التي توقعها في أنواع الضلالات، فالكلام في باب التوحيد والصفات هو من باب الخبر، الدائر بين النفي والإثبات، والكلام في الشرع والقدر هو من باب الطلب والإرادة، الدائر بين الإرادة والمحبة، وبين الكراهة والبغض نفيًا وإثباتًا[1].


ما يجب على العبد في باب الصفات والقدر:

فلا بدَّ للعبد أن يثبت لله ما يجب إثباته له من صفات الكمال، وينفي عنه ما يجب نفيه عنه مما يضادُّ هذه الحال، ولا بد له في أحكامه من أن يثبت خلقه وأمره، فيؤمن بخلقه المتضمن كمال قدرته، وعموم مشيئته، ويثبت أمره المتضمن بيان ما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ويؤمن بشرعه وقدره إيمانًا خاليًا من الزلل، وهذا يتضمن التوحيد في عبادته وحده لا شريك له؛ وهو التوحيد في القصد والإرادة والعمل، والأول يتضمن التوحيد في العلم والقول، كما دل على ذلك سورة: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾، ودلَّ على الآخر سورة: ﴿ قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾، وهما سورتا الإخلاص والكافرون، وبهما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بعد الفاتحة في ركعتي الفجر وركعتي الطواف، وغير ذلك.


فأما الأول: (وهو التوحيد في الصفات)؛ فالأصل في هذا الباب أن يُوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رُسُله نَفْيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفي عنه ما نفاه عن نفسه[2].


التوحيد في الصفات ومذهب السلف فيها:

وقد عُلِم أن طريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات ما أثبته من الصفات من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل. وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات من غير إلحادٍ لا في أسمائه ولا في آياته، فإن الله تعالى ذمَّ الذين يُلحدون في أسمائه وآياته، كما قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 180]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾ [فصلت: 40] الآية؛ فطريقتهم تتضمن إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، ففي قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ردٌّ للتشبيه والتمثيل، وقوله: ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ ردٌّ للإلحاد والتعطيل[3].


طريقة الرسل في إثبات الصفات:

الإثبات المفصَّل، فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته، كقوله: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ [البقرة: 255] الآية بكمالها، وقوله: ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1]، ﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ [الإخلاص: 2] السورة، وقوله: ﴿ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم ﴾ [التحريم: 2]، ﴿ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ﴾ [الروم: 54]، ﴿ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [إبراهيم: 4]، ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [يونس: 107]، وقوله: ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴾ [الحشر: 22]، ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الحشر: 23]، ﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الحشر: 24]، إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أسماء الرب تعالى وصفاته، فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل، وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل، ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل، فهذه طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين[4].


طريقة المعَطِّلة في إثبات الصفات:

وأما من زاغ وحاد عن سبيلهم من الكفار والمشركين، والذين أوتوا الكتاب، ومن دخل في هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة والجهمية والقرامطة والباطنية ونحوهم؛ فإنهم على ضد ذلك، يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل، ولا يثبتون إلا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل؛ وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان، فقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل، فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات، ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلًا يستلزم نفي الذات.


فغلاتهم يسلبون عنه النقيضين، فيقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل؛ لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبَّهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبَّهوه بالمعدومات، فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول، وحرَّفوا ما أنزل الله من الكتاب، وما جاء به الرسول، فوقعوا في شر مما فرُّوا منه، فإنهم شبَّهوه بالممتنعات؛ إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات، وقد عُلم بالاضطرار أن الوجود لا بد له من موجد واجب بذاته غني عما سواه، قديم أزلي لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم، فوصفوه بما يمتنع وجوده فضلًا عن الوجوب أو الوجود أو القِدم.


وقاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم؛ فوصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات، وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد عُلِم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن لا فيما خرج عنه من الموجودات، وجعلوا الصفة هي الموصوف؛ فجعلوا العلم عين العالم مكابرة للقضايا البديهات، وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى؛ فلم يميزوا بين العلم والقدرة والمشيئة جحدًا للعلوم الضروريات.


وقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلام من المعتزلة ومن اتَّبعهم؛ فأثبتوا لله الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات؛ فمنهم من جعل العليم والقدير، والسميع والبصير كالأعلام المحضة المترادفات، ومنهم من قال: عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بصير بلا سمع ولا بصر، فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات[5].


الاتفاق في الأسماء والصفات بين الله وبعض خلقه لا يقتضي التماثل:

وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما هو محدث ممكن يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود، ولا يلزم من اتفاقهما في مُسَمَّى الوجود أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا؛ بل وجود هذا يخصُّه، ووجود هذا يخصُّه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الإضافة والتخصيص والتقييد، ولا في غيره، فلا يقول عاقل إذا قيل: "إن العرش شيء موجود، وإن البعوض شيء موجود"، إن هذا مثل هذا؛ لاتفاقهما في مسمى الشيء والوجود؛ لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه؛ بل الذهن يأخذ معنًى مشتركًا كليًّا؛ هو مسمى الاسم المطلق، وإذا قيل: هذا موجود وهذا موجود؛ فوجود كلٍّ منهما يخصه لا يشركه فيه غيره، مع أن الاسم حقيقة في كل منهما؛ ولهذا سمى الله نفسه بأسماء، وسمى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره، وسمى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، ولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مسماهما واتِّحادهما عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص فضلًا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص.


فقد سمى الله نفسه حيًّا فقال: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ [البقرة: 255]، وسمى بعض عباده حيًّا فقال: ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ﴾ [الروم: 19]، وليس هذا الحي مثل هذا الحي؛ لأن قوله: ﴿ الْحَيُّ ﴾؛ اسم لله مختص به، وقوله: ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ﴾؛ اسم للحي المخلوق مختص به؛ وإنما يتفقان إذا أطلقا وجردا عن التخصيص؛ ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج؛ ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركًا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق، ولا بد من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يُفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه وتعالى.


وكذلك سمى الله نفسه عليمًا حليمًا، وسمى بعض عباده عليمًا فقال: ﴿ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ﴾ [الذاريات: 28]؛ يعني: إسحاق، وسمى آخر حليمًا فقال: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴾ [الصافات: 101]؛ يعني: إسماعيل، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم، وسمى نفسه سميعًا بصيرًا فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [النساء: 58]، وسمى بعض عباده سميعًا بصيرًا فقال: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [الإنسان: 2]، وليس السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير[6].

في بيان الأصلين في الرد على نفي الصفات أو بعضها

الأصل الأول: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر

فإن كان المخاطب ممن يقول: بأن الله حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة، ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه، وغضبه وكراهته، فيجعل ذلك مجازًا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات، فيقال له: لا فرق بين ما نفيته وبين ما أثبته؛ بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين، فكذلك محبته ورضاه وغضبه وهذا هو التمثيل، وإن قلت: إن له إرادة تليق به كما أن للمخلوق إرادة تليق به قيل لك: وكذلك له محبة تليق به وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به وللمخلوق رضا وغضب يليق به، وإن قلت: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام فيقال له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، فإن قلت: هذه إرادة المخلوق قيل لك: وهذا غضب المخلوق.


وكذلك يلزم القول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته، إن نُفي عنه الغضب والمحبة والرضا ونحو ذلك مما هو من خصائص المخلوقين، فهذا مُنْتَفٍ عن السمع والبصر والكلام وجميع الصفات، وإن قال: إنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين فيجب نفيه عنه، قيل له: وهكذا السمع والبصر والكلام والعلم والقدرة، فهذا المفرق بين بعض الصفات وبعض يقال له فيما نفاه كما يقوله هو لمنازعه فيما أثبته، فإذا قال المعتزلي: ليس له إرادة ولا كلام قائم به؛ لأن هذه الصفات لا تقوم إلا بالمخلوقات، فإنه يبين للمعتزلي أن هذه الصفات يتصف بها القديم، ولا تكون كصفات المحدثات، فهكذا يقول له المثبتون لسائر الصفات من المحبة والرضا ونحو ذلك[7].


الأصل الثاني: القول في الصفات كالقول في الذات

فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. فإذا كان له ذاتٌ حقيقةٌ لا تماثل الذوات، فالذات متصفةٌ بصفاتٍ حقيقةٍ لا تماثل سائر الصفات، فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟ قيل له كما قال ربيعة ومالك وغيرهما رضي الله عنهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة؛ لأنه سؤال عما لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه، وكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: كيف هو؟ فإذا قال: لا أعلم كيفيته، قيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله؛ إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له، فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه، واستوائه ونزوله، وأنت لا تعلم كيفية ذاته؟! وإذا كنت تقرُّ بأن له حقيقة ثابتة في نفس الأمر مستوجبة لصفات الكمال لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره وكلامه ونزوله واستواؤه ثابت في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال التي لا يشابهه فيها سمع المخلوقين، وبصرهم وكلامهم ونزولهم واستواؤهم، وهذا الكلام لازم لهم في العقليات وفي تأويل السمعيات، فإن من أثبت شيئًا ونفى شيئًا بالعقل؛ إذًا أُلزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته، ولو طُولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا لم يجد بينهما فرقًا؛ ولهذا لا يوجد لنُفاة بعض الصفات دون بعض - الذين يوجبون فيما نفوه: إما التفويض، وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ - قانون مستقيم.


فإذا قيل لهم: لم تأوَّلتم هذا وأقررتم هذا والسؤال فيهما واحد؟ لم يكن لهم جواب صحيح، فهذا تناقضهم في النفي وكذا تناقضهم في الإثبات، فإن من تأوَّل النصوص على معنى من المعاني التي يثبتها فإنهم إذا صرفوا النص عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى معنى آخر، لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه، فإذا قال قائل: تأويل محبته ورضاه وغضبه وسخطه هو إرادته للثواب والعقاب، كان ما يلزمه في الإرادة نظير ما يلزمه في الحب والمقت والرضا والسخط، ولو فسر ذلك بمفعولاته وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب، فإنه يلزمه في ذلك نظير ما فرَّ منه، فإن الفعل لا بد أن يقوم أولًا بالفاعل، والثواب والعقاب المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه ويرضاه، ويسخطه ويبغضه المثيب المعاقب، فهم إن أثبتوا الفعل على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد مثَّلوا وإن أثبتوه على خلاف ذلك، فكذلك الصفات[8].


في المثلين المضروبين في الرد على من نفى الصفات أو بعضها هروبًا من التشبيه والتمثيل:

وأما المثلان المضروبان: فإن الله - سبحانه وتعالى - أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات من أصناف المطاعم والملابس والمناكح والمساكن، فأخبرنا أن فيها لبنًا وعسلًا وخمرًا وماءً ولحمًا وحريرًا وذهبًا وفضةً وفاكهةً وحورًا وقصورًا، وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء. وإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق - سبحانه وتعالى - أعظم مباينة للمخلوقات منه مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا؛ إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق، وهذا بَيِّنٌ واضح؛ ولهذا افترق الناس في هذا المقام ثلاث فرق:

فالسلف والأئمة وأتباعهم آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة، وأن مباينة الله لخلقه أعظم.

 

والفريق الثاني: الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة من الثواب والعقاب، ونفوا كثيرًا مما أخبر به من الصفات، مثل طوائفَ من أهل الكلام.

 

والفريق الثالث: نفوا هذا وهذا؛ كالقرامطة والباطنية والفلاسفة أتباع المشائين ونحوهم من الملاحدة، الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، ثم إن كثيرًا منهم يجعلون الأمر والنهي من هذا الباب، فيجعلون الشرائع المأمور بها والمحظورات المنهي عنها لها تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها، كما يتأوَّلون من الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان وحج البيت، فيقولون إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، وإن صيام رمضان كتمان أسرارهم، وإن حج البيت السفر إلى شيوخهم، ونحو ذلك من التأويلات التي يعلم بالاضطرار أنها كذب وافتراء على الرسل - صلوات الله عليهم - وتحريف لكلام الله ورسوله عن مواضعه وإلحاد في آيات الله، وقد يقولون الشرائع تلزم العامة دون الخاصة فإذا صار الرجل من عارفيهم ومحققيهم وموحديهم رفعوا عنه الواجبات وأباحوا له المحظورات، وقد يدخل في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب.

 

وهكذا القول في المثل الثاني، وهو أن الروح التي فينا فإنها قد وصفت بصفات ثبوتية وسلبية، وقد أخبرت النصوص أنها تعرج وتصعد من سماء إلى سماء، وأنها تقبض من البدن وتسل منه كما تسل الشعرة من العجينة، والناس مضطربون فيها، فمنهم طوائف من أهل الكلام يجعلونها جزءًا من البدن أو صفةً من صفاته؛ كقول بعضهم أنها النفس أو الريح التي تردد في البدن، وقول بعضهم: إنها الحياة أو المزاج أو نفس البدن، ومنهم طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم، وهي أمور لا يتَّصف بها إلا ممتنع الوجود، فيقولون لا هي داخلة في البدن ولا خارجة ولا مباينة له، ولا مداخلة له ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عرض، وقد يقولون: إنها لا تدرك الأمور المعينة والحقائق الموجودة في الخارج؛ وإنما تدرك الأمور الكلية المطلقة، وقد يقولون: إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة، وربما قالوا: ليست داخلة في أجسام العالم ولا خارجة عنها، مع تفسيرهم للجسم بما لا يقبل الإشارة الحسية، فيصفونها بأنها لا يمكن الإشارة إليها ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تلحقها بالمعدوم والممتنع.

 

وإذا قيل لهم: إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل، قالوا: بل هذا ممكن؛ بدليل أن الكليات ممكنة موجودة، وهي غير مشار إليها، وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في العيان، فيعتمدون فيما يقولونه في المبدأ والمعاد على مثل هذا الخيال الذي لا يخفى فساده على غالب الجهال[9].

 

فصل: في الخاتمة الجامعة وفيها قواعد:

القاعدة الأولى: أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي

إن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي، فالإثبات كإخباره بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وإنه سميع بصير ونحو ذلك، والنفي كقوله: ﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾ [البقرة: 255]. وينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال؛ لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء فهو كما قيل: ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا، ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال.

 

فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًّا لإثبات مدح؛ كقوله: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾ [البقرة: 255] إلى قوله: ﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾ [البقرة: 255]، فنفي السِّنَة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبين لكمال أنه الحي القيوم، وكذلك قوله: ﴿ ولا يئوده حفظهما ﴾؛ أي: لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها، بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته، وعيب في قوته[10].

 

القاعدة الثانية: أن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به، عرفنا معناه أو لم نعرف، وما تُنُوزِع فيه نفيًا وإثباتًا يُتَوقف فيه حتى يُعرف مراد من أثبت أو نفى

إن ما أخبر به الرسول عن ربه فإنه يجب الإيمان به - سواء عرفنا معناه أو لم نعرف - لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمنٍ الإيمان به وإن لم يفهم معناه، وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها، مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصًا في الكتاب والسنة، متفق عليه بين سلف الأمة، وما تنازع فيه المتأخرون نفيًا وإثباتًا فليس على أحد - بل ولا له - أن يوافق أحدًا على إثبات لفظه أو نفيه حتى يعرف مراده، فإن أراد حقًّا قَبِل وإن أراد باطلًا رد، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يُقبل مطلقًا ولم يرد جميع معناه، بل يوقف اللفظ ويفسر المعنى، كما تنازع الناس في الجهة والتحيُّز وغير ذلك، فلفظ الجهة قد يراد به شيء موجود غير الله، فيكون مخلوقًا كما إذا أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السموات، وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى كما إذا أريد بالجهة ما فوق العالم، ومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ الجهة ولا نفيه، كما فيه إثبات العلو والاستواء والفوقية والعروج إليه ونحو ذلك، وقد عُلم أن ما ثَمَّ موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق - سبحانه وتعالى - ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.

 

فيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق؟ فالله ليس داخلًا في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم مباين للمخلوقات. وكذلك يقال لمن قال الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم؟ أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل.

 

وكذلك لفظ التحيز: إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر، بل قد وسع كرسيُّه السموات والأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ [الزمر: 67]، وقد ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟"، وفي حديث آخر: "وإنه ليدحوها كما يدحو الصبيان بالكرة"، وفي حديث ابن عباس: "ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم"، وإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات - أي مباينٌ لها منفصلٌ عنها ليس حالًّا فيها - فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: فوق سمواته على عرشه بائنٌ من خلقه[11].

 

القاعدة الثالثة: في بيان قول القائل: ظاهر النصوص مراد أو ليس بمراد

إذا قال القائل: ظاهر النصوص مراد أو ظاهرها ليس بمراد فإنه يُقال: لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين أو ما هو من خصائصهم فلا ريب أن هذا غير مراد، ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمُّون هذا ظاهرها، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرًا وباطلًا، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال، والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين: تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ حتى يجعلوه محتاجًا إلى تأويل يخالف الظاهر ولا يكون كذلك، وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ لاعتقادهم أنه باطل، فالأول كما قالوا في قوله: "عبدي جعت فلم تطعمني"؛ الحديث، وفي الأثر الآخر: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه أو قَبَّله فكأنما صافح الله وقَبَّل يمينه" وقوله: "قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن"، فقالوا: قد عُلِم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق، فيقال لهم: لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لم تدل إلا على حق، أما الواحد فقوله: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافَحَ الله وقَبَّل يمينه" صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله، ولا هو نفس يمينه؛ لأنه قال: "يمين الله في الأرض" وقال: "فمن قَبَّله وصافحه فكأنما صافح الله وقَبَّل يمينه"، ومعلوم أن المشبه ليس هو المشبه به، ففي نفس الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحًا لله، وأنه ليس هو نفس يمينه، فكيف يجعل ظاهره كفرًا؛ لأنه محتاج إلى التأويل، مع أن هذا الحديث إنما يُعرَف عن ابن عباس.

 

وأما الحديث الآخر فهو في الصحيح مفسرًا: "يقول الله: عبدي جعت فلم تطعمني، فيقول: رب، كيف أطعمك وأنت ربُّ العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا جاعَ، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي، عبدي مَرِضْتُ فلم تَعُدْني فيقول: رب، كيف أعُودك وأنت ربُّ العالمين؟ فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا مَرِضَ، فلو عُدْتَه لوجدتني عنده"، وهذا صريح في أن الله سبحانه لم يمرض ولم يَجُع، ولكن مرض عبدُه وجاع عبدُه فجعل جوعَه جوعَه، ومَرَضَه مَرَضَه، مفسرًا ذلك بأنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عُدْتَه لوجدتني عنده، فلم يبقَ في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل.

 

وأما قوله: "قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن"، فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصابع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه، ولا في قول القائل: هذا بين يدي ما يقتضي مباشرته ليديه، وإذا قيل: السحاب المسخر بين السماء والأرض لم يقتضِ أن يكونَ مماسًّا للسماء والأرض، ونظائر هذا كثيرة[12].

 

القاعدة الرابعة: في بيان المحاذير التي يقع فيها من يتوهم في بعض الصفات أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين ثم يريد أن ينفي ما فهمه

وهو أن كثيرًا من الناس يتوهَّم في بعض الصفات أو كثير منها أو أكثرها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير:

أحدها: كونه مثَّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.

 

الثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطَّله بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص وظنه السيئ الذي ظنه بالله ورسوله؛ حيث ظن أن الذي يُفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل، قد عطَّل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله تعالى.

 

الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله - عز وجل - بغير علم، فيكون معطِّلًا لما يستحقه الرب.

 

الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات أو صفات المعدومات، فيكون قد عطَّل به صفات الكمال التي يستحقها الرب ومثَّله بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في كلام الله وفي الله بين التعطيل والتمثيل فيكون ملحدًا في أسماء الله وآياته[13].

 

القاعدة الخامسة: أنَّا نعلم لما أخبرنا به من وجه دون وجه

فإن الله قال: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82]، وقال: ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ ﴾ [المؤمنون: 68]، وقال: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 29]، وقال: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24]، فأمر بتدبُّر الكتاب كله، وقد قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 7]، وجمهور سلف الأمة وخلفها على أن الوقف على قوله: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ﴾، وهذا هو المأثور عن أُبَيِّ بن كعب وابن مسعود وابن عباس وغيرهم، ورُوي عن ابن عباس أنه قال: التفسير على أربعة أوجه: تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب. وقد رُوي عن مجاهد وطائفة: أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله، وقد قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أوقفه عند كل آية وأسأله عن تفسيرها، ولا منافاة بين القولين عند التحقيق[14].

 

لفظ "التأويل" يُستعمَل في ثلاثة معانٍ:

أحدها: وهو اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله: أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به. وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات وترك تأويلها، وهل ذلك محمود أو مذموم أو حق أو باطل.

 

الثاني: أن التأويل بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن، كما يقول ابن جرير وأمثاله - من المصنفين في التفسير - واختلف علماء التأويل ومجاهد إمام المفسرين، قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. وعلى تفسيره يعتمد الشافعي وأحمد والبخاري وغيرهما، فإذا ذكر أنه يعلم تأويل المتشابه فالمراد به معرفة تفسيره.

 

الثالث من معاني التأويل: هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، كما قال الله تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ﴾ [الأعراف: 53]، فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله به فيه مما يكون من القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار ونحو ذلك، كما قال الله تعالى في قصة يوسف لما سجد أبواه وإخوته، قال: ﴿ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ ﴾ [يوسف: 100]، فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا[15].

 

ما أنكره الإمام أحمد من التأويل:

كان الأئمة - كالإمام أحمد وغيره - ينكرون على الجهمية وأمثالهم - من الذين يحرفون الكلم عن مواضعه - تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير تأويله، كما قال أحمد في كتابه الذي صنفه في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأوَّلته على غير تأويله، وإنما ذمهم لكونهم تأوَّلوه على غير تأويله، وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم معناه - وإن كان لا يشتبه على غيرهم - وذمهم على أنهم تأوَّلوه على غير تأويله، ولم ينفِ مطلق لفظ التأويل كما تقدم من أن لفظ التأويل يراد به التفسير المبين لمراد الله به، فذلك لا يعاب بل يحمد، ويراد بالتأويل الحقيقة التي استأثر الله بعلمها، فذاك لا يعلمه إلا هو، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع، ومن لم يعرف هذا اضطربت أقواله مثل طائفة يقولون: إن التأويل باطل، وإنه يجب إجراء اللفظ على ظاهره، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 7]، ويحتجون بهذه الآية على إبطال التأويل، وهذا تناقض منهم؛ لأن هذه الآية تقتضي أن هناك تأويلًا لا يعلمه إلا الله، وهم ينفون التأويل مطلقًا، وجهة الغلط أن التأويل الذي استأثر الله بعلمه هو الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو[16].

 

التأويل المذموم والباطل:

وأما التأويل المذموم والباطل فهو تأويل أهل التحريف والبدع، الذين يتأوَّلونه على غير تأويله ويدَّعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله بغير دليل يوجب ذلك، ويدَّعون أن في ظاهره من المحذور ما هو نظير المحذور اللازم فيما أثبتوه بالعقل، ويصرفونه إلى معانٍ هي نظير المعاني التي نفوها عنه، فيكون ما نفوه من جنس ما أثبتوه، فإن كان الثابت حقًّا ممكنًا كان المنفي مثله، وإن كان المنفي باطلًا ممتنعًا كان الثابت مثله، وهؤلاء الذين ينفون التأويل مطلقًا ويحتجون بقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [آل عمران: 7] قد يظنون أنَّا خُوطبنا في القرآن بما لا يفهمه أحد، أو بما لا معنى له، أو بما لا يُفهم منه شيء، وهذا مع أنه باطل فهو متناقض لأنَّا إذا لم نفهم منه شيئًا لم يجز لنا أن نقول له: تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه، لا مكان أن يكون له معنى صحيح، وذلك المعنى الصحيح لا يخالف الظاهر المعلوم لنا، فإنه لا ظاهر له على قولهم، فلا تكون دلالته على ذلك المعنى دلالة على خلاف الظاهر، فلا يكون تأويلًا، ولا يجوز نفي دلالته على معانٍ لا نعرفها على هذا التقدير، فإن تلك المعاني التي دلَّ عليها قد لا نكون عارفين بها، ولأنَّا إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله فلأن لا نعرف المعاني التي لم يدل عليها اللفظ أولى؛ لأن إشعار اللفظ بما يراد به أقوى من إشعاره بما لا يراد به، فإذا كان اللفظ لا إشعار له بمعنى من المعاني، ولا يفهم منه معنى أصلًا لم يكن مشعرًا بما أُريد به، فلأن لا يكون مشعرًا بما لم يرد به أولى، فلا يجوز أن يقال: إن هذا اللفظ متأوَّل بمعنى أنه مصروف عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، فضلًا عن أن يقال: إن هذا التأويل لا يعلمه إلا الله، اللهم إلا أن يراد بالتأويل ما يخالف ظاهره المختص بالخلق، فلا ريب أن من أراد بالظاهر هذا لا بد وأن يكون له تأويل يخالف ظاهره[17].

 

القاعدة السادسة: أنه لا بد من ضابط يعرف به ما يجوز على الله مما لا يجوز في النفي والإثبات؛ إذ الاعتماد على مجرد نفي التشبيه أو مطلق الإثبات من غير تشبيه ليس بسديد

إنه لقائل أن يقول: لا بد في هذا الباب من ضابط يُعرف به ما يجوز على الله مما لا يجوز في النفي والإثبات؛ إذ الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه أو مطلق الإثبات من غير تشبيه ليس بسديد، وذلك أنه ما من شيئين إلا بينهما قدر مشترك وقدر مميز، فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه، قيل له: إن أردت أنه مماثل له من كل وجه فهذا باطل، وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه أو مشارك له في الاسم لزمك هذا في سائر ما تثبته، وأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل الذي فسرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له، ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير مما لا يقوله عاقل يتصور ما يقول، فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه، ولا يلزم من نفي هذا نفي التشابه من بعض الوجوه؛ كما في الأسماء والصفات المتواطئة، ولكن من الناس من يجعل التشبيه مفسرًا بمعنى من المعاني، ثم إن كل من أثبت ذلك المعنى قالوا: إنه مشبِّه، ومنازعهم يقول ذلك المعنى ليس من التشبيه.

 

بيان قول المعتزلة: كل من أثبت لله صفة قديمة فهو مشبِّه ممثل

فمن قال: إن لله علمًا قديمًا أو قدرة قديمة كان عندهم مشبِّهًا ممثلًا؛ لأن القديم عند جمهورهم هو أخص وصف الإله، فمن أثبت له صفة قديمة، فقد أثبت لله مثلًا قديمًا، ويسمونه ممثلًا بهذا الاعتبار، ومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا؛ بل يقولون: أخص وصفه ما لا يتصف به غيره، مثل: كونه رب العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه إله واحد، ونحو ذلك، والصفة لا توصف بشيء من ذلك، ثم من هؤلاء الصفاتية من لا يقول في الصفات إنها قديمة، بل يقول: الرب بصفاته قديم، ومنهم من يقول هو قديم وصفته قديمة، ولا يقول: هو وصفاته قديمان، ومنهم من يقول: هو وصفاته قديمان، ولكن يقول: ذلك لا يقتضي مشاركة الصفة له في شيء من خصائصه، فإن القدم ليس من خصائص الذات المجردة، بل من خصائص الذات الموصوفة بصفات، وإلَّا فالذات المجردة لا وجود لها عندهم فضلًا عن أن تختص بالقدم، وقد يقولون: الذات متصفة بالقدم، والصفات متصفة بالقدم، وليست الصفات إلهًا ولا ربًّا، كما أن النبي محدث وصفاته محدثة وليست صفاته نبيًّا[18].

 

فصل في بيان فساد ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها إذا أرادوا تنزيه الله عما يجب تنزيهه عنه:

مما هو من أعظم الكفر، مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحزن والبكاء ونحو ذلك، ويريدون الرد على اليهود الذين يقولون: إنه بكى على الطوفان حتى رمد وعادَتْهُ الملائكة، والذين يقولون بإلهية بعض البشر وأنه الله، فإن كثيرًا من الناس يحتجُّ على هؤلاء بنفي التجسيم والتحيُّز ونحو ذلك، ويقولون: لو اتصف بهذه النقائص والآفات لكان جسمًا أو متحيزًا وذلك ممتنع، وبسلوكهم مثل هذه الطريق استظهر عليهم هؤلاء الملاحدة نفاة الأسماء والصفات، فإن هذه الطريقة لا يحصل بها المقصود لوجوه:

أحدها: أن وصف الله تعالى بهذه النقائص والآفات أظهر فسادًا في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم؛ فإن هذا فيه من الاشتباه والنزاع والخفاء ما ليس في ذلك، وكُفْر صاحب ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام، والدليل معرف للمدلول ومبين له، فلا يجوز أن يستدل على الأظهر الأبين بالأخفى، كما لا يفعل مثل ذلك في الحدود.

 

الوجه الثاني: أن هؤلاء الذين يصفونه بهذه الصفات يمكنهم أن يقولوا: نحن لا نقول بالتجسيم والتحيز كما يقوله من يثبت الصفات وينفي التجسيم، فيصير نزاعهم مثل نزاع مثبتة الكلام وصفات الكمال، فيصير كلام من وصف الله بصفات الكمال وصفات النقص واحدًا، ويبقى رد النفاة على الطائفتين بطريق واحد، وهذا في غاية الفساد.

 

الثالث: أن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة، واتصافه بصفات الكمال واجب ثابت بالعقل والسمع، فيكون ذلك دليلًا على فساد هذه الطريقة.

 

الرابع: أن سالكي هذه الطريقة متناقضون، فكل من أثبت شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات، كما أن كل من نفى شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي، فمثبتة الصفات - كالحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر - إذا قالت لهم النفاة كالمعتزلة: هذا تجسيم؛ لأن هذه الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بالجسم، أو لأنَّا لا نعرف موصوفًا بالصفات إلا جسمًا، قالت لهم المثبتة: وأنتم قد قلتم: إنه حي عليم قدير، وقلتم: ليس بجسم، وأنتم لا تعلمون موجودًا حيًّا عالمًا قادرًا إلا جسمًا، فقد أثبتموه على خلاف ما علمتم، فكذلك نحن، وقالوا لهم: أنتم أثبتم حيًّا عالمًا قادرًا بلا حياة ولا علم ولا قدرة، وهذا تناقض يُعلم بضرورة العقل[19].

 

القاعدة السابعة: أن كثيرًا مما دل عليه السمع يُعلم بالعقل أيضًا

والقرآن يبين ما يستدل به العقل ويرشد إليه وينبِّه عليه كما ذكر الله ذلك في غير موضع، فإنه سبحانه وتعالى بيَّن من الآيات الدالة عليه وعلى وحدانيته وقدرته وعلمه وغير ذلك ما أرشد العباد إليه ودلهم عليه، كما بيَّن أيضًا ما دل على نبوَّة أنبيائه، وما دل على المعاد وإمكانه، فهذه المطالب هي شرعية من جهتين: من جهة أن الشارع أخبر بها. ومن جهة أنه بيَّن الأدلة العقلية التي يُستدَل بها عليها، والأمثال المضروبة في القرآن هي أقيسة عقلية، وقد بسط في غير هذا الموضع، وهي أيضًا عقلية من جهة أنها تُعلَم بالعقل أيضًا، وكثير من أهل الكلام يسمي هذه "الأصول العقلية" لاعتقاده أنها لا تُعْلم إلا بالعقل فقط، فإن السمع هو مجرد إخبار الصادق، وخبر الصادق الذي هو النبي لا يُعْلم صدقه إلا بعد العلم بهذه الأصول بالعقل[20].

 

فصل: في الأصل الثاني وهو توحيد العبادات

وأما الأصل الثاني - وهو التوحيد في العبادات - المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعًا، فنقول: لا بد من الإيمان بخلق الله وأمره، فيجب الإيمان بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وقد علم ما سيكون قبل أن يكون، وقدَّر المقادير وكتبها حيث شاء، كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحج: 70]، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء"، ويجب الإيمان بأن الله أمر بعبادته وحده لا شريك له، كما خلق الجن والإنس لعبادته، وبذلك أرسل رسله وأنزل كتبه، وعبادته تتضمن كمال الذل والحب له، وذلك يتضمن كمال طاعته: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء: 80]، وقد قال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [النساء: 64]، وقال تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ [آل عمران: 31]، وقال تعالى: ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ [الزخرف: 45]، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25]، وقال تعالى: ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ﴾ [الشورى: 13][21].

 

بيان ما وقع فيه عامة المتكلمين من الخطأ في مسمى التوحيد وأنواعه:

فإن عامة المتكلمين الذين يقررون التوحيد في كتب الكلام والنظر غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له. وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث وهو "توحيد الأفعال"؛ وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: "لا إله إلا الله"، حتى قد يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع.

 

ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بُعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم أولًا لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانوا يقرون بالقدر أيضًا، وهم مع هذا مشركون، فقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك، ولكن غاية ما يقال: إن من الناس من جعل بعض الموجودات خلقًا لغير الله؛ كالقدرية وغيرهم، لكن هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم، وإن قالوا: إنهم خلقوا أفعالهم، وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون أن بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور، هم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة مخلوقة، لا يقولون: إنها غنية عن الخالق مشاركة له في الخلق[22].

 

أهل الضلال في القدر ثلاث فرق، بيانها ومذهب كل فرقة:

وأهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرق: مجوسية ومشركية وإبليسية.

 

فالمجوسية: الذين كذَّبوا بقدر الله وإن آمنوا بأمره ونهيه؛ فغلاتهم أنكروا العلم والكتاب، ومقتصدوهم أنكروا عموم مشيئته وخلقه وقدرته، وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم.

 

والفرقة الثانية: المشركية الذين أقروا بالقضاء والقدر وأنكروا الأمر والنهي، قال تعالى: ﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام: 148]، فمن احتج على تعطيل الأمر والنهي بالقدر فهو من هؤلاء، وهذا قد كثر فيمن يدعي الحقيقة من المتصوفة.

 

والفرقة الثالثة: وهم الإبليسية الذين أقروا بالأمرين لكن جعلوا هذا متناقضًا من الرب - سبحانه وتعالى - وطعنوا في حكمته وعدله، كما يذكر ذلك عن إبليس مقدمهم كما نقله أهل المقالات ونُقل عن أهل الكتاب[23].

 

لفظ "الفناء" يراد به ثلاثة أمور:

أحدها: هو الفناء الديني الشرعي الذي جاءت به الرسل وأنزلت به الكتب، وهو أن يفنى عما لم يأمر الله به بفعل ما أمر الله به، فيفنى عن عبادة غيره بعبادته، وعن طاعة غيره بطاعته وطاعة رسوله، وعن التوكُّل على غيره بالتوكُّل عليه، وعن محبة ما سواه بمحبته ومحبة رسوله، وعن خوف غيره بخوفه، بحيث لا يتبع العبد هواه بغير هدى من الله، وبحيث يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ [التوبة: 24]، فهذا كله هو مما أمر الله به ورسوله.

 

وأما الفناء الثاني: وهو الذي يذكره بعض الصوفية، وهو أن يفنى عن شهود ما سوى الله تعالى، فيفنى بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، بحيث قد يغيب عن شهود نفسه لما سوى الله تعالى، فهذا حال ناقص قد يعرض لبعض السالكين، وليس هو من لوازم طريق الله، ولهذا لم يعرف مثل هذا للنبي صلى الله عليه وسلم وللسابقين الأولين، ومن جعل هذا نهاية السالكين فهو ضالٌّ ضلالًا مبينًا، وكذلك من جعله من لوازم طريق الله فهو مخطئ، بل هو من عوارض طريق الله التي تعرض لبعض الناس دون بعض، ليس هو من اللوازم التي تحصل لكل سالك.

 

وأما الثالث: فهو الفناء عن وجود السويِّ، بحيث يرى أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق، وأن الوجود واحد بالعين، فهو قول أهل الإلحاد والاتحاد الذين هم من أضلِّ العباد، وأما مخالفتهم لضرورة العقل والقياس، فإن الواحد من هؤلاء لا يمكنه أن يطرد قوله، فإنه إذا كان مشاهدًا للقدر من غير تمييز بين المأمور والمحظور فعُومِل بموجب ذلك، مثل أن يضرب ويجاع حتى يبتلى بعظيم الأوصاب والأوجاع، فإن لام من فعل ذلك به وعابه؛ فقد نقض قوله، وخرج عن أصل مذهبه، وقيل له: هذا الذي فعله مقضي مقدور، فخلق الله وقدره ومشيئته متناول لك وله وهو يعمُّكما، فإن كان القدر حجة لك فهو حجة لهذا، وإلا فليس بحجة لا لك ولا له، فقد تبين بضرورة العقل فساد قول من ينظر إلى القدر، ويعرض عن الأمر والنهي، والمؤمن مأمورٌ بأن يفعل المأمور، ويترك المحظور، ويصبر على المقدور، كما قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾ [آل عمران: 120]، وقال في قصة يوسف: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [يوسف: 90][24].

 

حاجة العباد إلى الاستغفار:

فالتقوى فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾ [غافر: 55]، فأمره مع الاستغفار بالصبر، فإن العباد لا بد لهم من الاستغفار أولهم وآخرهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "يا أيها الناس، توبوا إلى ربكم، فوالذي نفسي بيده، إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة"، وقال: "إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة"، وكان يقول: "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطئي وعمدي، وهزلي وجدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخَّرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر"، وقد ذكر عن آدم أبي البشر أنه استغفر ربه وتاب إليه، فاجتباه ربُّه فتاب عليه وهداه، وعن إبليس أبي الجن - لعنه الله - أنه أصرَّ متعلقًا بالقدر؛ فلعنه وأقصاه، فمن أذنب وتاب وندم فقد أشبه أباه، ومن أشبه أباه فما ظلم[25].

 

الجمع بين الأمر والقدر في القرآن:

وقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في مواضع كقوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، وقوله: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ [هود: 123]، وقوله: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [هود: 88]، وقوله: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ [الطلاق: 2]، ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطلاق: 3]، فالعبادة لله والاستعانة به، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند الأضحية: "اللهم منك ولك"، فما لم يكن بالله لا يكون، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وما لم يكن بالله فلا ينفع ولا يدوم[26].

 

لا بُدَّ في العبادة من أصلين:

أحدهما: إخلاص الدين له.


والثاني: موافقة أمره الذي بعث به رسله.


ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه: "اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا"، وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [هود: 7]، قال: "أخلصه وأصوبه" قالوا: "يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟" قال: "إذا كان العمل خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبَل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبَل حتى يكونَ خالصًا صوابًا"، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السُّنَّة؛ ولهذا ذمَّ الله المشركين في القرآن على اتِّباع ما شرع لهم شركاؤهم من الدين ما لم يأذن به الله من عبادة غيره، وفعل ما لم يشرعه من الدين، كما قال تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [الشورى: 21]، كما ذمَّهم على أنهم حرَّمُوا ما لم يحرمه الله، والدين الحق أنه لا حرام إلا ما حرَّمه الله، ولا دين إلا ما شرعه[27].

 

أقسام الناس في عبادة الله والاستعانة به:

ثم إن الناس في عبادته واستعانته على أربعة أقسام:

 

فالمؤمنون المتقون هم له وبه، يعبدونه ويستعينونه.

 

وطائفة تعبده من غير استعانة ولا صبر، فتجد عند أحدهم تحريًا للطاعة والورع ولزوم السُّنَّة، لكن ليس لهم توكل واستعانة وصبر، بل فيهم عجز وجزع.

 

وطائفة فيهم استعانة وتوكل وصبر، من غير استقامة على الأمر ولا متابعة للسُّنَّة، فقد يمكن أحدهم ويكون له نوع من الحال باطنًا وظاهرًا، ويُعطى من المكاشفات والتأثيرات ما لم يعطه الصنف الأول؛ ولكن لا عاقبة له، فإنه ليس من المتقين، والعاقبة للتقوى.

 

فالأولون لهم دين ضعيف ولكنه مستمر باقٍ، إن لم يفسده صاحبه بالجزع والعجز، وهؤلاء لأحدهم حال وقوة، ولكن لا يبقى له إلا ما وافق فيه الأمر واتَّبَع فيه السُّنَّة.

 

وشر الأقسام من لا يعبده ولا يستعينه، فهو لا يشهد أن علمه لله ولا أنه بالله، فالمعتزلة ونحوهم - من القدرية الذين أنكروا القدر - هم في تعظيم الأمر والنهي والوعد والوعيد خير من هؤلاء الجبرية القدرية الذين يعرضون عن الشرع والأمر والنهي، والصوفية هم في القدر ومشاهدة توحيد الربوبية خير من المعتزلة، ولكن فيهم من فيه نوع بدع مع إعراض عن بعض الأمر والنهي والوعد والوعيد، حتى يجعلوا الغاية هي مشاهدة توحيد الربوبية والفناء في ذلك، ويصيرون أيضًا معتزلين لجماعة المسلمين وسنتهم، فهم معتزلة من هذا الوجه، وقد يكون ما وقعوا فيه من البدعة شرًّا من بدعة أولئك المعتزلة، وكلتا الطائفتين نشأت من البصرة[28].

 

أفضلية القرون الأولى:

وإنما دين الله ما بعث به رسله وأنزل به كتبه، وهو الصراط المستقيم، وهو طريقة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، خير القرون وأفضل الأمة، وأكرم الخلق على الله تعالى بعد النبيِّين، قال تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ [التوبة: 100]، فرضي عن السابقين الأوَّلين رِضًا مطلقًا، ورضي عن التابعين لهم بإحسان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة: "خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، وكان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه يقول: "من كان منكم مستنًّا فليستنَّ بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبرُّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلُّفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيِّه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقَّهم، وتمسَّكُوا بهديهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم[29].



[1] انظر: مجموع الفتاوى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام ابن تيمية الحراني، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ج 3، ص 1- 2.

[2] انظر: مجموع الفتاوى، ج 3، ص 2- 3.

[3] انظر: مجموع الفتاوى، ج 3 ص 3- 4.

[4] انظر: مجموع الفتاوى، ج 3، ص 5- 7.

[5] انظر: مجموع الفتاوى، ج 3، ص 7- 8.

[6] انظر: مجموع الفتاوى، ج 3، ص 9- 11.

[7] انظر: مجموع الفتاوى، ج 3، ص 17- 18.

[8] انظر: مجموع الفتاوى، ج 3 ص 25- 27.

[9] انظر: مجموع الفتاوى، ج 3، ص 28- 32.

[10] انظر: مجموع الفتاوى، ج 3، ص 35- 36.

[11] انظر: مجموع الفتاوى، ج3، ص41-42.

[12] انظر: مجموع الفتاوى، ج3، ص43-45.

[13] انظر: مجموع الفتاوى، ج3، ص48-49.

[14] انظر: مجموع الفتاوى، ج3، ص54-55.

[15] انظر: مجموع الفتاوى، ج3، ص55-56.

[16] انظر: مجموع الفتاوى، ج3، ص66.

[17] انظر: مجموع الفتاوى، ج3، ص67-68.

[18] انظر: مجموع الفتاوى، ج3، ص70.

[19] انظر: مجموع الفتاوى، ج3، ص79-80.

[20] انظر: مجموع الفتاوى، ج3، ص1-2.

[21] انظر: مجموع الفتاوى، ج3، ص89-90.

[22] انظر: مجموع الفتاوى، ج3، ص98-99.

[23] انظر: مجموع الفتاوى، ج3، ص111.

[24] انظر: مجموع الفتاوى، ج3، ص118-120.

[25] انظر: مجموع الفتاوى، ج3، ص120.

[26] انظر: مجموع الفتاوى، ج3، ص123-124.

[27] انظر: مجموع الفتاوى، ج3، ص124.

[28] انظر: مجموع الفتاوى، ج3، ص125-126.

[29] انظر: مجموع الفتاوى، ج3، ص126.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • لطائف من زاد المعاد في هدي خير العباد (6)
  • الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحد
  • أصناف الظانين بالله ظن السوء
  • هدي النبي صلى الله عليه وسلم في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم

مختارات من الشبكة

  • أنيس الحفاظ في لطائف الألفاظ (205) سؤالا في لطائف ألفاظ الكتاب العزيز (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (توحيد الربوبية - 2)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (توحيد الربوبية - 1)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (توحيد الألوهية - 2)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (توحيد الألوهية - 1)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (تمهيد)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لطائف البيان في تفسير القرآن: تفسير جزئي يوسف والحجر (13 - 14) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • لطائف من القرآن (5)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لطائف البيان في تفسير القرآن: تفسير جزئي الأنبياء والمؤمنون (17 - 18) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • لطائف من القرآن (4)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • أكبر مشروع إسلامي في ريف أستراليا يفتتح أبوابه بعد سنوات من العمل والعطاء
  • القرآن والتربية في صدارة البرامج الصيفية للمسلمين في بينزا وساراتوف وموردوفيا هذا العام
  • اختتام الدورة التاسعة لمسابقة حفظ وتلاوة القرآن الكريم في أزناكاييف
  • تيسليتش تختتم برنامجا تعليميا لتعزيز القيم وبناء الشخصية للشباب المسلمين
  • انطلاق فعاليات "أيام مساجد إستولتس 2026" ببرنامج ديني وثقافي يمتد حتى أغسطس
  • قازان تحتضن المخيم الدولي الرابع للطلاب المسلمين
  • مسجد دابرافين يفتح أبوابه للمصلين بعد سنوات من البناء والعطاء
  • 130 شابا يشاركون في منتدى الشباب المسلم الإقليمي بتتارستان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 13/2/1448هـ - الساعة: 12:59
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب