• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الأخلاق وعاء الرسالة الخاتمة
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
  •  
    هل تفسير الرؤى علم يدرس؟!
    ياسين نزال
  •  
    فضيلة الجمعة والترغيب فيها والتشديد في التهاون
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    أربع إن ملكتها فلا تأس على الدنيا: الخطبة ...
    د. محمد جمعة الحلبوسي
  •  
    تفسير قوله تعالى: ﴿تلك حدود الله ومن يطع الله ...
    سعيد مصطفى دياب
  •  
    قصة زينب وأبي العاص (خطبة)
    د. سعود بن غندور الميموني
  •  
    جزاء الشاكرين وثبات المؤمنين {ومن ينقلب على عقبيه ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    الملامح التربوية المستنبطة من آية {قل إن كنتم ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    مراتب المؤمنين
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    مع سورة الإنسان
    د. خالد النجار
  •  
    كلمة وكلمات (19)
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    تحفيز النفس على النوافل (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    نداء الحق والصلاة
    عمير الجنباز
  •  
    ارجموا شياطينكم (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    خطبة: الجنة التي أعدت للمتقين
    سليمان العقيلي
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / السيرة والتاريخ / السيرة
علامة باركود

قصة زينب وأبي العاص (خطبة)

قصة زينب وأبي العاص (خطبة)
د. سعود بن غندور الميموني

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 8/7/2026 ميلادي - 22/1/1448 هجري

الزيارات: 126

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

قصة زينب وأبي العاص


إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إلى يوم الدين، أمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ الوَصِيَّةَ المَبْذُولَةَ لِي وَلَكُمْ- عِبَادَ اللَّهِ- هِيَ تَقْوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ؛ إِذْ هِيَ الأُنْسُ عِنْدَ الوَحْشَةِ، وَالقُوَّةُ عِنْدَ الضَّعْفِ، وَالبَرَكَةُ عِنْدَ المَحْقِ، وَالعِلْمُ عِنْدَ الجَهْلِ: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 282].

 

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الفُضَلَاءُ، إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُتَدَبَّرُ فِي سِيرِ الصَّالِحِينَ، وَأَبْلَغِ مَا تُسْتَخْرَجُ مِنْهَا الدُّرُوسُ وَالعِبَرُ، قِصَّةَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَزَوْجِهَا أَبِي العَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، تِلْكَ القِصَّةُ الَّتِي اجْتَمَعَ فِيهَا الحُبُّ وَالوَفَاءُ، وَالإِيمَانُ وَالصَّبْرُ، وَالرُّجُولَةُ وَالمُرُوءَةُ.

 

أَيُّهَا المُحِبُّونَ لِنَبِيِّهِمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كُبْرَى بَنَاتِهِ مِنْ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، تِلْكَ المَرْأَةُ التِي نَشَأَتْ فِي بَيْتٍ طَاهِرٍ لَمْ تَعْرِفِ الإِنْسَانِيَّةُ مِثْلَهُ طُهْرًا وَلَا شَرَفًا، بَيْتٍ تَنَزَّلُ فِيهِ الوَحْيُ، وَتُرَبَّى فِيهِ النُّفُوسُ عَلَى مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ قَبْلَ نُزُولِ التَّشْرِيعِ.

 

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ، كَانَتْ زَيْنَبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مَوْضِعَ عِنَايَةِ أَبِيهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا بَلَغَتْ مَبْلَغَ النِّسَاءِ، وَتَقَدَّمَ لَهَا ابْنُ خَالَتِهَا أَبُو العَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، مَعْرُوفًا بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ، مُحِبًّا لَهَا حُبًّا صَادِقًا لَا تُشُوبُهُ مَصْلَحَةٌ وَلَا تُكَدِّرُهُ غَايَةٌ، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ الْبِعْثَةِ يَسْأَلُهُ يَدَهَا.

 

فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا بَأْسَ، وَلَكِنْ دَعْنِي أَسْتَشِيرهَا" فَدَخَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ابْنَتِهِ وَسَأَلَهَا، فسَكَتَتْ حَيَاءً، حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهَا، فَفَهِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُغَةَ القَلْبِ، وَأَمْضَى الزَّوَاجَ، وَأَهْدَتْ إِلَيْهَا أُمُّهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عِقْدًا كَانَتْ تَتَزَيَّنُ بِهِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاقْتَرَنَتْ زَيْنَبُ بِأَبِي العَاصِ عَلَى مِيثَاقِ المَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ.

 

وَمَضَتِ الأَيَّامُ، وَبَدَأَتْ حَيَاتُهُمَا تَسِيرُ فِي دُرُوبِ الأُلْفَةِ، وَكَانَ أَبُو العَاصِ تَاجِرًا ذَا شَأْنٍ، فَكَانَ مِمَّنْ يَتَّجِرُ إِلَى الشَّامِ وَاليَمَنِ، وَعِنْدَمَا ذَهَبَ لِلتِّجَارَةَ إِلَى الشَّامِ، بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَآمَنَ مَنْ حَوْلَهُ، وَمِمَّنْ آمَنَ زَيْنَبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا.

 

وعِنْدَمَا رَجَعَ أَبُو العَاصِ مِنَ الشَّامِ، اسْتَقْبَلَتْهُ زَوْجَتُهُ، وَقَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا العَاصِ، إِنَّ أَبِي مِنَ الرِّجَالِ، وإَنَّهُ الصَّادِقُ الأَمِينُ، وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْنَا رَسُولًا، وَقَدْ أَسْلَمْتُ، أَفَلَا تُسْلِمُ؟ فَغَضِبَ. وقَالَ: "أَوَلَمْ تَسْتَأْذِنِينِي؟ قَالَتْ: مَا أَسْتَأْذِنُ فِي أَمْرِ اللَّهِ. قَالَ: لَا رَغْبَةَ لِي فِي الإِسْلَامِ". وَلَمْ يُجْبِرْهَا وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، بَلْ رَعَاهَا خَيْرَ رِعَايَةِ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ؛ فَلَمْ يَظْلِمْهَا، وَلَمْ يَضْرِبْهَا، وَلَمْ يَمْنَعْهَا، وَلَمْ يَقْطَعْهَا عَنْ أَبِيهَا...وَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذَهَبَتْ زَيْنَبُ إِلَى أَبِيهَا، فَقَالَتْ: أَسْتَأْذِنُكَ أَنْ أُقِيمَ مَعَ زَوْجِي وَأَبْنَائِي فِي مَكَّةَ، فَأَذِنَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَتْ مَكَّةُ يَوْمَئِذٍ كُلُّهَا شِرْكًا...وَإِنَّمَا أَذِنَ لَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثِقَةً بِأَبِي العَاصِ، وَاعْتِمَادًا عَلَى رُجُولَتِهِ وَمُرُوءَتِهِ، أَنْ يَحْفَظَهَا وَيَدْفَعَ عَنْهَا أَذَى قُرَيْشٍ، فَبَقِيَ مُحَافِظًا عَلَى عَهْدِهِ، مُكْرِمًا لَهَا.

 

وقَبْلَ مَعْرَكَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى، كَانَتْ قُرَيْشٌ تُضَايِقُهُ وَتُصِرُّ عَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَ زَيْنَبَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مُتَقَلِّدًا سَيْفَهُ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُطَلِّقُهَا، وَلَا يَمَسُّهَا أَحَدٌ، إِنَّهَا زَوْجَتِي، وَظَلَّ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى جَاءَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ، فَخَرَجَ أَبُو العَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ مَعَ قَوْمِهِ حَمِيَّةً فِيهِمْ، وَخَرَجَ المُسْلِمُونَ، فَوَقَعَتْ تِلْكَ المَعْرَكَةُ المَعْرُوفَةُ.

 

وَكَانَ مِمَّنْ أُسِرَ يَوْمَئِذٍ أَبُو العَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ، وَكَانَ لِكُلِّ أَسِيرٍ فِدَاءٌ، إِلَّا أَنَّ أَبَا العَاصِ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَفْدِيهِ؛ إِذْ كَانَ مَوْقِفُهُ مِنْ دَعْوَةِ قُرَيْشٍ مَحَلَّ غَضَبٍ لَدَيْهِمْ بِسَبَبِ إِبْقَائِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ، فَقَامَتْ زَيْنَبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَنَزَعَتِ العِقْدَ الَّذِي أَهْدَتْهُ إِلَيْهَا أُمُّهَا، وَأَرْسَلَتْهُ فِدَاءً لِزَوْجِهَا مَعَ أَخِيهِ. فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عُرِضَ عَلَيْهِ الفِدَاءُ يَقُولُ: مَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ: فُلَانٌ، فَيَقُولُ: أَطْلِقُوهُ، حَتَّى مَرَّ بِعِقْدِ خَدِيجَةَ، فَعَرَفَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً، وَقَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: "إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا قِلَادَتَهَا فَافْعَلُوا" فَفَعَلُوا، فَأُطْلِقَ سَرَاحُهُ، وَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ فِي الإِسْلَامِ؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: إِذًا رُدَّ عَلَيَّ ابْنَتِي، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مُسْلِمَةٍ وَمُشْرِكٍ، فَرَجَعَ أَبُو العَاصِ، ووَقَعَ الفِرَاقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِأَمْرِ الشَّرْعِ، فَكَانَ ذَلِكَ الفِرَاقُ أَشَدَّ مِنْ كُلِّ فِرَاقٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَنْ كُرْهٍ، بَلْ عَنْ امْتِثَالٍ.

 

وَأَرْسَلَ أَبُو العَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ بِزَيْنَبَ فِي الهَوْدَجِ مَعَ أَخِيهِ، عَلَى أَنْ تُرْسَلَ إِلَى أَبِيهَا مُكَرَّمَةً مَصُونَةً كَمَا أُخِذَتْ، فَاعْتَرَضَهَا رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَالُوا: تُرْسَلُ إِلَى أَبِيهَا وَقَدْ قَتَلَ مِنَّا مَنْ قَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ! وَاللَّهِ لَا تَخْرُجُ. فَنَثَرَ عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ كِنَانَتَهُ، وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْمَى قُرَيْشًا، وَلَا يَقْتَرِبُ أَحَدٌ مِنَ الهَوْدَجِ إِلَّا رَمَيْتُهُ، فَخَرَجَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، فَقَالَتْ: وَيْلَكُمْ! أَشُجْعَانٌ عِنْدَ النِّسَاءِ جُبَنَاءُ عِنْدَ اللِّقَاءِ؟! فوَصَلَتْ زَيَنْبُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا إِلَى أَبِيهَا مُعَزَّزَةً مُكَرَّمَةً، وَمَرَّتِ السُّنُونَ، وَظَلَّ فِي قَلْبِ أَبِي العَاصِ شَيْءٌ لَا يَزُولُ، وَظَلَّتْ زَيْنَبُ عَلَى عَهْدِ الوَفَاءِ، تَنْتَظِرُ بِصَبْرٍ جَمِيلٍ، لَا تَلْوِي عَلَى شَيْءٍ، إِلَّا رَجَاءَ أَنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ إِلَى الإِسْلَامِ.

 

ثُمَّ خَرَجَ أَبُو العَاصِ فِي تِجَارَةٍ إِلَى الشَّامِ، فَاعْتَرَضَهُ المُسْلِمُونَ وَأَخَذُوا مَا مَعَهُ، فَأُسِرَتِ القَافِلَةُ وَفَرَّ بِنَفْسِهِ حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ لَيْلًا، فَذَهَبَ إِلَى بَيْتِ زَيْنَبَ، فَأَجَارَتْهُ فِي لَحْظَةٍ لَا تُقَاسُ بِالقَرَارَاتِ، بَلْ بِالمُرُوءَاتِ، وَدَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي المَسْجِدِ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَقَالَتْ: "إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ أَبَا العَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ". فَأَقَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِوَارَهَا، وَقَالَ أَصْحَابُهُ: "لَقَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَارَتْ"...فأَعَادَ المُسْلِمُونَ إِلَيْهِ أَمْوَالَهُ، وعَادَ بِقَافِلَتِهِ إِلَى مَكَّةَ، وَرَدَّ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، ثُمَّ وَقَفَ بَيْنَ قَوْمِهِ وَقَالَ: "هَلْ وَفَّيْتُكُمْ؟ هَلْ أَدَّيْتُ الأَمَانَةَ؟" قَالُوا: نَعَمْ. فَقَالَ: "فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ"، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَدِينَةِ مُسْلِمًا، لَا طَمَعًا وَلَا خَوْفًا، بَلِ اخْتِيَارًا بَعْدَ طُولِ اخْتِبَارٍ، فَقَبِلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَدَّ إِلَيْهِ زَيْنَبَ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.

 

فَاجْتَمَعَ الشَّمْلُ بَعْدَ فِرَاقٍ طَوِيلٍ، وَلَكِنْ لَمْ تَدُمِ السَّعَادَةُ طَوِيلًا، إِذْ مَا لَبِثَتْ زَيْنَبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنْ لَقِيَتْ رَبَّهَا، فَانْهَارَ قَلْبُ أَبِي العَاصِ حُزْنًا، وَكَأَنَّمَا انْتُزِعَ مِنْهُ جُزْءٌ مِنْ رُوحِهِ، وَلَمْ يَلْبَثْ بَعْدَهَا إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى لَحِقَ بِهَا، وَكَأَنَّ القَدَرَ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمَا لِقَاءً أَخِيرًا، فِي دَارٍ لَا فِرَاقَ فِيهَا وَلَا أَلَمَ.

 

الخطبة الثانية

الحَمْدُ لِلَّهِ حَقَّ حَمْدِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ، أَمَّا بَعْدُ:

عِبَادَ اللهِ، إِنَّ فِي هَذِهِ القِصَّةِ مَعَادِنُ تُكْشَفُ، وَأَرْوَاحًا تُقَاسُ، لَا بِالدِّينِ فَقَطْ، وَلكِنْ بِالأَخْلَاقِ وَالوَفَاءِ، مَعْدِنُ الزَّوْجِ الَّذِي وَفَى، وَصَدَقَ، وَحَفِظَ العِشْرَةَ، وَقَاتَلَ دُونَ زَوْجَتِهِ...وَمَعْدِنُ الزَّوْجَةِ المُؤْمِنَةِ، إِيمَانٌ لَمْ يُلْغِ العَاطِفَةَ، وَوَفَاءٌ لَمْ يُضِعِ الدِّينَ، وَصَبْرٌ لَا يَنْهَارُ أَمَامَ الفِرَاقِ.

 

فَلْيَسْمَعِ الأَزْوَاجُ، وَلْيَسْمَعِ الآبَاءُ، وَلْتَسْمَعِ النِّسَاءُ عَنْ هَذَا الصِّدْقِ وَالرُّجُولَةِ وَالوَفَاءِ..

 

فأَيْنَ أَنْتُمْ- مَعَاشِرَ الأَزْوَاجِ- عَنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ النَّبِيلَةِ وَالمَكَارِمِ العَلِيَّةِ؟ وَمَحَاكِمُنَا مَمْلُوءَةٌ بِالسَّبِّ وَالشَّتْمِ وَاللَّعْنِ بَيْنَ الأَزْوَاجِ وَعَدَمِ الاحْتِرَامِ.. أَيْنَ هَؤُلَاءِ عَنْ هَذِهِ الحَقَائِقِ؟

 

أَيْنَ أَنْتُمْ عَنِ التَّغَافُلِ عَنِ الزَّلَّاتِ، وَعَنْ حُسْنِ الظَّنِّ، وَعَنِ الصَّبْرِ الَّذِي بِهِ تَدُومُ العِشْرَةُ؟ كُونُوا سَكَنًا كَمَا أُمِرْتُمْ، وَكُونُوا رَحْمَةً كَمَا وُصِفْتُمْ، فَإِنَّمَا تُحْفَظُ البُيُوتُ بِأَخْلَاقِ الرِّجَالِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ.

 

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا صِدْقَ الوَفَاءِ، وَثَبَاتَ الإِيمَانِ، وَحُسْنَ الخُلُقِ، وَاجْمَعْنَا بِأَحِبَّتِنَا فِي دَارِ كَرَامَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

 

اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا...اللَّهُمَّ أَمِّنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وَلِيَّ أَمْرِنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ، وَزِدْهُم تَوْفِيقًا وَصَلاحًا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرَامِ... اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا... اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ، وَالمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الصافات: 180 - 182].





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • خطبة عن الصحابي أبي بن كعب رضي الله عنه
  • خطبة عن النساء في السيرة
  • الاستعداد لاستقبال رمضان (خطبة)
  • خطبة عن عرفة 1447هـ
  • خطبة ﴿ أن الله يعلم ما في أنفسكم ﴾
  • خطبة عن الرجولة
  • الشباب والرفق بهم (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • من قصص الأنبياء (3)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • قصة شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم للناس يوم القيامة والمسائل المستنبطة منها(مقالة - آفاق الشريعة)
  • قصة النسخ(مقالة - آفاق الشريعة)
  • قصة هاجر والسعي بين الصفا والمروة(مقالة - ملفات خاصة)
  • اليقين في النجاح (قصة)(مقالة - حضارة الكلمة)
  • ملخص بحث: بلاغة الحجاج في قصة نوح عليه السلام في القرآن الكريم(مقالة - حضارة الكلمة)
  • قصة خزيمة بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه(مقالة - آفاق الشريعة)
  • قصة أويس القرني رحمه الله والمسائل المستنبطة منها(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الحديث الثاني والثلاثون: قصة الخشبة العجيبة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • واسطة العقد (قصة قصيرة)(مقالة - حضارة الكلمة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • أزناكايفو تستضيف النسخة التاسعة من مسابقة «الإسلام» للقرآن الكريم
  • سراييفو تختتم برنامجا تدريبيا للأئمة والخطباء والمؤذنين
  • مئات الزوار يشاركون في يوم المسجد المفتوح الثالث عشر بمدينة توومبا الأسترالية
  • انطلاق دورتين صيفيتين لأطفال المسلمين بمقاطعة بنزا
  • أكثر من 600 شاب يشاركون في مؤتمر الشباب المسلم 2026 بأستراليا
  • مائدة مستديرة دولية في روسيا لتطوير تعليم العربية لغير الناطقين بها
  • برامج تدريبية جديدة لتعزيز كفاءات رجال الدين في بلغاريا
  • تتويج الفائزين في أول مسابقة لطلاب "مدرسة القرآن" بمنطقة توزلا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 22/1/1448هـ - الساعة: 10:14
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب