• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | أسرة   تربية   روافد   من ثمرات المواقع   قضايا المجتمع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الثقة بالله: فله جنود السماوات والأرض {ولله جنود ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    أبناؤنا والذكاء الاصطناعي: كيف نربيهم على ...
    أحمد النمر
  •  
    كيف تنجو من الخسران
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    أهمية المبادرة إلى علاج الانحراف السلوكي
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    أسئلة ابنتي التي أعادتني إلى نفسي
    د. ابتهال محمد علي البار
  •  
    كبارنا .... غرباء في مجالسنا!
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    فقه القلوب.. حين يصبح الأسلوب رسالة
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    تحريم عضل المرأة عن الزواج بالكفء لمصالح شخصية أو ...
    د. علي شومان محمد علي أبو دية
  •  
    آثار الانحراف السلوكي على الفرد ، الأسرة ،
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    الروغان الإبراهيمي.. فقه المبادرة في شخصية خليل ...
    سعيد بن محمد آل ثابت
  •  
    العلم اليقيني يصدر عن خبرة {ولا ينبئك مثل خبير}
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    لماذا يفقد الإنسان توازنه؟
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    حين نطالب الشاب أن يكون نفسه بنفسه ... ولم نمهد ...
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    أمام الشاشات والضجيج... أين يقف القلب
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    درجات الانحراف السلوكي
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    ظاهرة السيطرة على المساجد: قراءة متكاملة في ...
    محمد حسين حسن
شبكة الألوكة / مجتمع وإصلاح / تربية / مقالات ودراسات تربوية
علامة باركود

الثقة بالله: فله جنود السماوات والأرض {ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما}

الثقة بالله: فله جنود السماوات والأرض {ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما}
د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 13/10/2026 ميلادي - 3/5/1448 هجري

الزيارات: 59

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الثقة بالله: فله جنود السماوات والأرض

﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [الفتح: 7]

 

تمهيد:

إن الآيات الدالة على وحدانية الله تعالى وعظمته وقدرته في ملكوته، لا تُحصى ولا تُعد، بل إن كل ما في هذا الكون ينطق بتلك الحقيقة الكبرى، وصدق من قال:

‌وفي ‌كل ‌شيء ‌له ‌آيةٌ
تدل على أنه الواحدُ

فالسعيد الموفَّق مَن تأمل وأدرك هذه الآيات، واستقرت في قلبه ووجدانه، وكانت دافعًا له على تحقيق العبودية لله تعالى، والثبات على شرعه، وقد بثَّ الله عز وجل آيات توحيده ودلائل ربوبيته في الآفاق والأنفس؛ لتكون شاهدة للعقول السليمة والفِطَر المستقيمة بأن الله هو الحق، وأن الإيمان به ليس مجرد ترانيم منمَّقة تُقال، أو روايات تُتلى، بل حقيقة راسخة في كل ما يُرى ويُدرك؛ قال تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [فصلت: 53]، ومن أعظم هذه الآيات: جنود الله في السماوات والأرض التي لا يُحصي عددها، ولا يعلم كُنهَها، إلا هو سبحانه، وهو القائل جلَّ جلاله: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ﴾ [المدثر: 31]، فهي مظهر من مظاهر قدرته، ومما وعد سبحانه أن يُريَه لعباده في الآفاق؛ ليزدادوا يقينًا بأنه الحق.

 

أقوال العلماء في تفسير الآية محل الموضوع:

قال الطبري رحمه الله: "يقول جل ثناؤه: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ ﴾ أنصارًا على أعدائه، إن أمرهم بإهلاكهم أهلكوهم، وسارعوا إلى ذلك بالطاعة منهم له، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾، يقول تعالى ذكره: ولم يزَل الله ذا عزة، لا يغلبه غالبٌ، ولا يمتنع عليه مما أراده به مُمتنع، لعِظم سلطانه وقدرته، حكيم في تدبيره خلقَه"[1].

 

وقال السعدي رحمه الله: "الإخبار بأن له ملك السماوات والأرض، وما فيهما من الجنود، ليعلم العباد أنه تعالى هو المعز المذل، وأنه سينصر جنوده المنسوبة إليه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [الصافات: 173]، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾؛ أي: قويًّا غالبًا، قاهرًا لكل شيء، ومع عزته وقوته، فهو حكيم في خلقه وتدبيره، يجري على ما تقتضيه حكمته وإتقانه"[2].

 

وقال بعض المفسرين: "بيَّن سبحانه شمول ملكه وقدرته، فقال: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾؛ أي: ولله تعالى وحده جنود السماوات والأرض من ملائكة وجن وإنس؛ إذ الكل تحت قهره وسلطانه، فهو سبحانه الذي يدبِّر أمرهم كيف شاء، ويدفَع بعضهم ببعض كما تقتضي حكمته وإرادته، وهو تعالى العليم بكل شيء، الحكيم في جميع أفعاله"[3].

 

الملامح التربوية المستنبطة من الآية محل الموضوع:

موضوع الآية مهم جدًّا، وتحمل الآية في طيَّاتها دلالات تربوية وإيمانية عميقة، وسأبذل جهدي بقدر المستطاع في استعراض ما أراه مناسبًا، ويحقِّق بعون الله وقوته الفائدة المؤمَّلة من ذلك، وقد جاء هذا المقال موزعًا على قسمين:

القسم الأول: عرض عام لمعنى جنود الله تعالى.


القسم الثاني: ذكر أهم الملامح التربوية المستنبطة من الآية الكريمة.


القسم الأول: عرض عام لمعنى جنود الله تعالى:

أولًا: إن كلمة "جنود" هي جمع "جند"، وقد بيَّن ابن منظور أن "الجند" معروف، ويُطلق على الأعوان والأنصار، كما يُطلق على العسكر[4].

 

وفي التفسير الوسيط للقرآن الكريم جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ﴾ [المدثر: 31]: "الجنود: جمع "جند"، وقد اشتَهر استعماله في العسكر اعتبارًا بالغلظة، وذلك مأخوذ من أصل الكلمة المرتبطة بـ"الجند" بمعنى الأرض الغليظة التي تكثر فيها الحجارة، ويقال لكل جمع: "جند"؛ أَي: وما يعلم جموع خلقه التي من جملتها الملائكة إِلا هو عز وجل"[5].

 

ثانيًا: قد يرد في الذهن سؤال ابتداءً: وهو: هل الله عز وجل محتاج إلى جنود يدافعون عنه أو ينصرونه؟ وننتقل بالسؤال إلى ابن عثيمين رحمه الله؛ ليُتحفنا بالإجابة عليه بكل وضوح، فيقول: "الجواب: لا، ولا يمكن أن يكون محتاجًا، لكن سُمُّوا جُنودًا مع أنه لا حاجة به إليهم؛ لأنهم يقومون بأمره، ويدافعون عن أوليائه، ‌فهم ‌بمنزلة ‌الجنود، وإلا فالله عز وجل لا يحتاج إليهم، ولا إلى غيرهم، فإنه غني عن كل أحد"[6].

 

ثالثًا: تأتي في نفس سورة الفتح - وقبل الآية محل المقال في الترتيب - آيةٌ أخرى تَضُم الشطر نفسه الذي ورد في الآية موضوع المقال، وهي قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [الفتح: 4]، ويُلاحظ أن الآيتين تتطابقان في قول الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالأَرضِ ﴾، وخُتِمت كل واحدة منهما بأحد أسمائه الحسنى المتضمنة لمعاني الحكمة، بما يلائم سياق كل آية، ففي الآية السابقة التي تتحدث عن إنزال السكينة وزيادة الإيمان، خُتمت بقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾، وهي مناسبة للسياق الذي يتطلب علمًا دقيقًا بحال المؤمنين وقلوبهم، وحكمةً في إنزال السكينة عليهم وتربيتهم إيمانيًّا، أما الآية التي هي موضوع المقال، فقد خُتمت بقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾، وهو ختام يتناسب مع سياق النصر والتمكين؛ إذ يتجلى فيه وصف العزة، وهي القوة الغالبة التي لا تُقهر، المقترنة بالحكمة التي تُوَجِّه هذه القوة نحو ما تقتضيه المشيئة الإلهية الحكيمة، وتكرار ذكر "جنود الله" في الموضعين، تأكيد لشمول قدرته تعالى، وأن جنود السماوات والأرض جميعًا تحت تصرفه وتدبيره، يسخِّرهم كيف يشاء؛ نصرةً لعباده، وتحقيقًا لمراده، وذلك من بديع النَّسق القرآني الذي يراعي دقةَ المقام، وحكمة الانتقال بين الأسماء والصفات بما يناسب السياق.

 

رابعًا: تنوَّعت أقوال المفسرين في بيان معنى "جنود الله" تعالى، بين من قصره على الملائكة والإنس والجن، ومن وسَّع دلالته لتشمل جميع المخلوقات، فقد أشار ابن الجوزي رحمه الله إلى أن لفظ "الجنود" في القرآن الكريم جاء على خمسة أوجه، وهي:

أحدها: الملائكة، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ﴾ [المدثر: 31]، أراد الملائكة على الإطلاق، وقيل: زبانية النار خاصة.

 

الثاني: الرسل والمؤمنون، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [الصافات: 173].

الثالث: الذرية، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ﴾ [الشعراء: 95]، أراد ذريته، وهم الشياطين.

 

 

الرابع: الجموع، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا ﴾ [النمل: 37]، وقوله سبحانه: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ﴾ [القصص: 8]، وفي البروج: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ﴾ [البروج: 17].

 

الخامس: الناصرون، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا ﴾ [مريم: 75]، أراد ناصرًا، وقيل: أمرًا[7].

 

وفي ذات السياق قدَّم الرازي رحمه الله في تفسيره توسعًا في دلالة "جنود الله"، فذكر ثلاثة أوجه رئيسة:

أحدها: ملائكة السماوات والأرض.

 

ثانيها: مَن في السماوات مِن الملائكة، ومَن في الأرض من الحيوانات والجن.

 

وثالثها: الأسباب السماوية والأرضية، حتى يكون سقوط كسف من السماء والخسف ‌من ‌جنوده[8].

 

خامسًا: إن جنود الله تعالى لا يُحصي عددها ولا يحيط بتنوعها أحدٌ من خلقه، إذ لا يعلمها على وجه التمام إلا الله وحده؛ كما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ﴾ [المدثر: 31]، ومع أن الآية وردت في سياق الحديث عن الملائكة، فقد أشار عدد من المفسرين إلى عمومها، وأن المراد بها جميع جنود الله من مخلوقاته، فقال الشوكاني رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: "‌أي: ‌ما ‌يعلم ‌عدد ‌خلقه ‌ومقدار ‌جموعه من الملائكة وغيرهم، إلا هو وحده، لا يقدر على علم ذلك أحدٌ"[9].

 

ويؤيد هذا المعنى ما ذكره الجزائري رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الفتح: 4]؛ "أي: ملائكة السماء وملائكة الأرض، وكل ذي شوكة وقوة من الكائنات هو لله كغيره، ويسخره كما شاء ومتى شاء"[10].

 

سادسًا: يشهد لتعدُّد جنود الله تعالى وتنوُّعهم ما قصَّه القرآن الكريم عن تسخير الله سبحانه وتعالى لنبيه سليمان عليه السلام، من قوى عظيمة وأجناد متنوعة، فقد سخر الله له الريح؛ كما قال سبحانه: ﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ ﴾ [الأنبياء: 81]، وجمع له من الجنود ما لا يطيق البشر جمعه، من الجن والإنس والطير، يسيرون معه في مواكب مهيبة منظمة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾ [النمل: 17]، وقد علَّق السعدي رحمه الله على هذا المشهد بقوله: "وكل هذه الجنود مؤتمرة بأمره، لا تقدِر على عصيانه ولا تتمرد عنه؛ قال تعالى: ﴿ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [ص: 39]، أي: أعطِ بغير حساب"[11].

 

فإذا كان هذا ما سُخِّر لنبي من أنبياء الله، فكيف بجنود الله سبحانه وتعالى! وهو الذي له ملك السماوات والأرض، يدبر الأمر كيف يشاء، ويأمر مِن جنوده مَن يشاء بما يشاء، وهو على كل شيء قدير، جل جلاله وتقدَّست أسماؤه.

 

سابعًا: من دلائل عظمة جنود الله تعالى وتنوُّعهم، تسخيره سبحانه بعضَ مخلوقاته لإهلاك الجبابرة والطغاة، ممن تجاوزوا الحد في البغي والعدوان، ومن ذلك ما ورد في القرآن الكريم من شواهد عظيمة، منها:

الأول: حينما عزَم أبرهة وجيشه على هدم الكعبة المشرفة، أهلكهم الله بوسيلة خارجة عن التقدير البشري، فقال تعالى: ﴿ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ﴾ [الفيل: 3، 4]، وقد علَّق أحد المفسرين على هذه الآية بقوله: "لقد جعل الله تعالى كيد هؤلاء المعتدين في تضييع وتخسير، بأن أرسل إليهم جماعات عظيمة من الطير، أتتْهم من كل جانب في تتابُع، فكانت سببًا في إهلاكهم والقضاء عليهم"[12].

 

ثم ختم بقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ ﴾، في دلالة على أن جنود الله لا تُحد ولا تُحصى.

 

الثاني: عاقب الله تعالى قوم عاد الذين استكبروا وكذبوا، بإرسال ريح شديدة مهلكة، فقال سبحانه: ﴿ وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ﴾ [الذاريات: 41]، قال البغوي رحمه الله: "أي: وفي إهلاك عاد أيضًا آية ﴿ وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ ﴾، وهي التي لا خير فيها ولا بركة، ولا تُلقِّح شجرًا ولا تحمل مطرًا"[13].

 

الثالث: عندما طغى فرعون وتجبَّر، أرسل الله تعالى عليه وعلى قومه أنواعًا من العذاب، فقال سبحانه: ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ [الأعراف: 133]، فكل واحدة من هذه الآيات كانت جندًا من جنود الله، سلَّطها عليهم بحسب حكمته وعدله.

 

الرابع: من أعظم مشاهد تسخير جند الله، ما كان من هلاك فرعون وجنوده في البحر؛ قال تعالى: ﴿ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص: 40]، قال الشعراوي رحمه الله تعليقًا على هذه الآية: "أي: نهايتهم، وقد جاءت عجيبة من عجائب الزمن، وآية من آيات الله، فالبحر والماء ‌جُنْد ‌من ‌جنود ‌الله، تنصر الحق وتهزم الباطل، وقد ذكرنا كيف أنجى الله موسى عليه السلام، وأهلك فرعون بالشيء الواحد، حين أمر الله موسى أنْ يضرب بعصاه البحر، فصار كلُّ فِرْق كالطود العظيم"[14].

 

ثامنًا: جاء في السنة النبوية ما يدل بوضوح على كثرة جنود الله تعالى وتنوُّعهم، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "الْأَرْوَاحُ ‌جُنُودٌ ‌مُجَنَّدَةٌ"[15]، وقد بيَّن الشيخ ابن باز رحمه الله معنى الحديث بقوله: "أي: إنها جنودٌ مُؤلَّفةٌ، مُصنَّفةٌ، مُقسَّمةٌ على حسب عقائدها، وأخلاقها، وما تهواه، وما ترمي إليه، فما تعارَف منها على شيءٍ ائتلف؛ أهل الإيمان على إيمانهم وتقواهم، وأهل الشر على شرِّهم وفِسقهم"[16].

 

ووضح عبد المحسن العباد معنى "‌جُنُودٌ ‌مُجَنَّدَةٌ"؛ "أي: إنها ‌جند ‌من ‌جنود ‌الله الكثيرة التي خلقها الله تعالى وأوجدها"[17].

 

ومن الشواهد الأخرى في السنة على تسخير الله بعضَ مخلوقاته لنصرة أنبيائه، ما رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن نصر الله تعالى له، وتدبيره له في ميدان المعركة، فقال: "‌نُصِرْتُ ‌بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ"[18].

 

وفي هذا الحديث إشارة واضحة إلى أن الرياح من جنود الله، يسخِّرها كيف يشاء؛ فيجعل منها رحمةً ونصرةً لعباده المؤمنين، ويجعل منها عذابًا وهلاكًا لمن كفر وطغى، كلٌّ بحسب إرادته وحكمته.

 

القسم الثاني: ذكر أهم الملامح التربوية المستنبطة من الآية الكريمة:

أولًا: تُرَسِّخ الآية الكريمة موضوع المقال أصلًا عظيمًا من أصول الإيمان، وهو توحيد الربوبية، وذلك بإثبات أن الله تعالى وحده هو المالك الحقيقي لكل ما في السماوات والأرض، المتصرِّف فيهما بلا منازع، وأن له وحده القدرة المطلقة التي لا تحدها حدودٌ، ولا يُعجزها شيء، صغر أو كبُر، فكل ما في الكون من أعظم المخلوقات إلى أدقها، هو من ملك الله وسلطانه، خاضع لأمره، منفذ لمشيئته، لا يَخرُج عن تدبيره شيء؛ كما قال سبحانه: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [المائدة: 120]، قال القاسمي رحمه الله: "إنه المالك لا غيره، فلا شريك له، ﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ ﴾؛ أي: مبالغ في القدرة، فالجميع ملكه وتحت قهره، وقدرته، ومشيئته، فلا نظير له ولا وزير، لا إله غيره ولا ربَّ سواه"[19].

 

ثانيًا: تَبْعَثُ الآية الكريمة محلُّ المقال في النفس الطمأنينة والرضا بقضاء الله تعالى، خاصة في أوقات الشدة والابتلاء، وتَغرس من خلالها الثقة بنصر الله وتدبيره؛ إذ إن النصر والهزيمة لا يتوقفان على كثرة العدد أو قوة العدة، بل هما بمشيئة الله وحده، وتقديره الذي لا يُغالب، وقد بيَّن الله تعالى هذه الحقيقة في قوله: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾ [الأنفال: 17]، وعلق ابن كثير رحمه الله على الآية بقوله: "يُبين تعالى أنه خالق أفعال العباد، ‌وأنه ‌المحمود ‌على ‌جميع ‌ما ‌صدر ‌عنهم من خير؛ لأنه هو الذي وفَّقهم لذلك وأعانهم، ولهذا قال: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾؛ أي: ليس بحولكم وقوتكم قتلتُم أعداءكم مع كثرة عددهم وقلة عددكم، بل هو الذي أظفركم بهم، ونصركم عليهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [آل عمران: 123]، وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾ [التوبة: 25].

 

يُعلم تبارك وتعالى أن النصر ليس عن كثرة العدد، ولا بلُبْس اللأْمَة والعدد، وإنما النصر من عند الله تعالى؛ كما قال: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249]"[20].

 

ففي كل ذلك إشارة واضحة إلى أن الاعتماد الحقيقي يجب أن يكون على الله، لا على الأسباب الظاهرة فقط، مع أهمية اتِّخاذها دون أن تُعَدَّ غاية في ذاتها؛ إذ النصر من عند الله وحده، يسوقه لمن يشاء من عباده الصادقين الصابرين.

 

ثالثًا: خُتمت الآية الكريمة موضوع المقال بذكر اسمين كريمين من أسماء الله الحسنى، وهما: ﴿ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾، وهما وصفان جليلان لله تعالى، يجمعان بين كمال القدرة والغلبة، وكمال الحكمة والتدبير، فلا يكون شيء في هذا الكون إلا بقوته القاهرة وحكمته البالغة، فـ"العزيز"، وأصله من العِزْ؛ قال ابن الجوزي رحمه الله: "العِزُّ في كلام العرب على ثلاثة أوجه: أحدها: بمعنى الغلبة، والثاني: بمعنى الشدة والقوة، والثالث: أن يكون بمعنى نفاسة القدر، ويتأول معنى العزيز على أنه الذي لا يعادله شيء، ولا مثل له"[21].

 

أما "الحكيم"، فقال السعدي رحمه الله: "هو الذي له ‌الحكمة ‌العليا في خلقه وأمره، الذي أحسن كل شيء خلقه، ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50]، فلا يخلق شيئًا عبثًا، ولا يشرِّع شيئًا سُدًى، الذي له الحكم في الأولى والآخرة، وله الأحكام الثلاثة لا يشاركه فيها مشارك، فيحكم بين عباده في شرعه وفي قدره وجزائه"[22].

 

رابعًا: إن الجمع بين العزة والحكمة في ختام الآية له أثر تربوي عميق؛ إذ يُعلِّم المسلم أن ما يقع في الكون من نصر أو هزيمة، رخاء أو شدة، هداية أو ضلال، فهو واقع بقدرة العزيز وبحكمة الحكيم، مما يورث القلب طمأنينةً وثقةً بأن الله لا يُسلِّط الظالم، ولا يُؤخر النصر، ولا يُقدِّر الابتلاء إلا لحكمة، قد يُدركها العبد، وقد لا يُدركها، وعلى أية حال فإن الإيمان بهذين الاسمين العظيمين يُربي المسلم على التسليم لحكم الله، والرضا بتقديره، والثقة بِموعوده، كما يُعلِّمه ألا يغترَّ بقوة ظاهرة، ولا ييئَس من ضعفٍ ظاهر، فالنصر ليس حكرًا على الأسباب المادية، بل هو بيد الله العزيز الحكيم، يُعطيه من يشاء، ويمنَعه عمن يشاء، بحكمةٍ يعلمها سبحانه.



[1] تفسير الطبري (22/ 206).

[2] تفسير السعدي (ص: 792).

[3] التفسير الوسيط (13/ 262).

[4] لسان العرب، فصل الجيم، (3/132).

[5] التفسير الوسيط، إشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، (10/ 1667).

[6] تفسير العثيمين، سورة الأحزاب، ص 98.

[7] ابن الجوزي، نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر، ص 233.

[8] تفسير الرازي (28/ 68).

[9] فتح القدير للشوكاني (5/ 397).

[10] أيسر التفاسير للجزائري (5/ 95).

[11] تفسير السعدي (ص: 602).

[12] التفسير الوسيط (15/ 511).

[13] تفسير البغوي (7/ 378).

[14] تفسير الشعراوي (18/ 10930).

[15] صحيح البخاري، باب: الأرواح جنود مجندة، حديث رقم: 3158.

[16] شرح صحيح البخاري، موقع الإمام ابن باز رحمه الله.

[17] شرح سنن أبي داود، المكتبة الشاملة، 1432هـ.

[18] صحيح البخاري، باب: قول النبي صلى الله عليه وسلم نصرت بالصبا، حديث رقم: 1035.

[19] تفسير القاسمي (4/ 305).

[20] تفسير ابن كثير (4/ 26).

[21] زاد المسير (1/ 113).

[22] تفسير أسماء الله الحسنى للسعدي، الجامعة الإسلامية بالمدينة، العدد: 112، 1421هـ.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • ولا ظالم إلا سيبلى بأظلم
  • يوم القيامة: نفسي.. نفسي
  • عمى البصيرة يورد المهالك
  • عواقب الطغيان وخيمة
  • سنة الله في إحقاق الحق وإزهاق الباطل: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا}
  • اختلاف الطبائع ومسؤولية العمل {قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا}
  • العلم اليقيني يصدر عن خبرة {ولا ينبئك مثل خبير}

مختارات من الشبكة

  • الثقة بالله وثمارها المبهرة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فقدان الثقة بالله واستبطاء رحمته(استشارة - الاستشارات)
  • حسبك الله وليا ونصيرا {والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • {ولله جنود السماوات والأرض} ملامح تربوية - رؤية مستقبلية (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • بناء الثقة بين الإنسان ونفسه(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • عاشوراء.. يوم التوحيد وانكسار الطغيان(مقالة - ملفات خاصة)
  • كل شيء زائل والبقاء لله وحده {ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الأرواح جنود مجندة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تحريم الحلف بالله تعالى كذبا(مقالة - آفاق الشريعة)
  • { ولله جنود السماوات والأرض } (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مبادرة تعليمية إسلامية في فيينا لتعريف السكان بفرص التدريب والتأهيل المهني
  • "المدرسة الدينية 2026".. دورة إلكترونية لتعليم أساسيات الإسلام على مدار عام في القرم
  • طلاب تتارستان يتنافسون في حفظ وتلاوة أجزاء من القرآن الكريم بقازان
  • 150 مشاركا في افتتاح الدورة الـ18 من "مدرسة اليوم الواحد" بتتارستان
  • برعاية إسلامية .. "يوم المعرفة" في فيينا يطور مهارات المعلمين
  • برنامج أسبوعي لتعلم العربية والقرآن الكريم للأطفال في وارسو
  • ندوة إسلامية في فوشتري تستعرض سيرة النبي وتعاليمه
  • المركز الإسلامي في فيينا يستضيف ندوة لتعزيز الوعي حول الإسلام

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 2/5/1448هـ - الساعة: 0:13
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب