• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    قصة النسخ
    د. أحمد عادل العازمي
  •  
    دعاة الفتنة
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    "فطل" مشروع بلا تكلفة
    نبيل بن عبدالمجيد النشمي
  •  
    خطبة (سبعون ألف)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    ساعة العسرة
    عامر الخميسي
  •  
    خطبة ﴿ أن الله يعلم ما في أنفسكم ﴾
    د. سعود بن غندور الميموني
  •  
    المراقبة سبب في حسن العبادة
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    خطبة: العناية بمحكمات الشريعة
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    الإنفاق على النفس بنية التعفف والتقوي
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    شرح أسماء الله الحسنى: المعنى العام لاسمي [الله - ...
    خليل الحربي
  •  
    خطبة: محبة الصغار والرحمة بهم
    الشيخ الدكتور صالح بن مقبل العصيمي ...
  •  
    عندك رحمة... فكن رحيما
    عبدالرؤوف عفيف
  •  
    غزوة أحد: نصر أم هزيمة؟
    د. أحمد أبو اليزيد
  •  
    تفسير قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر ...
    سعيد مصطفى دياب
  •  
    الهجرة وعاشوراء.. حين يصنع اليقين المعجزات (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    النشوز والفحول
    سيد مبارك
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / عقيدة وتوحيد / الكتب السماوية والرسل
علامة باركود

خطبة: العناية بمحكمات الشريعة

خطبة: العناية بمحكمات الشريعة
أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 25/6/2026 ميلادي - 9/1/1448 هجري

الزيارات: 262

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة: العناية بمحكمات الشريعة

 

أيها المؤمنون عباد الله، تشتد ضراوة الحرب اليوم على الإسلام في كل المجالات، وهي لا تستهدف الفرعيات ولا الجزئيات، وإنما تستهدف الأصول والثوابت والمحكمات، ويا ليت هذه الحرب يقوم بها أعداء الإسلام الواضحون من اليهود والنصارى والملحدين، لهان الأمر، ولكن يشاركهم فيها من ينتسب إلى هذه الأمة ويتكلم بلغتها ويعيش في أوطانها من المنافقين والعلمانيين وأصحاب الفرق والطوائف الضالة المنتسبة إلى الإسلام وأهله.

 

فاجتمع على حرب الإسلام وثوابته اليهود والنصارى والملحدون والمنافقون من المنتسبين إلى هذه الأمة زورًا، وشاركهم أصحاب الخرافة والضلال والمذاهب والفِرَق الباطلة التي تنتسب زورًا إلى الإسلام، وليس حربهم على جزئيات وفرعيات الدين، بل تجاوزوها إلى الكليات والثوابت والأصول؛ مما يعني أننا بحاجة ماسة إلى بيان محكمات الشريعة وأصولها وثوابتها حتى يلتفَّ الجميع حولها ويحرصوا على العناية بها، ويحرسوها من التبديل والتحريف؛ لأنها قوام الدين، وسبب من أسباب استمراره شامخًا مهيمنًا إلى أن يَرِثَ اللهُ الأرضَ ومَنْ عليها.

 

أيها المسلمون عباد الله، المحكمات الشرعية واضحة وبيِّنة، ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم وبيَّنها نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم في سنته الصحيحة؛ قال الله جل وعلا: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ [آل عمران: 7]، وقال سبحانه: ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ [هود: 1]. فالقرآن محكم، وآياته محكمة ومفصلة ومبيِّنة وموضحة، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الحلال بَيِّن وإن الحرام بَيِّن))؛ [رواه البخاري ومسلم].

 

وهذه المحكمات بمعناها الموجز هي أصول الدين، وقواعده العامة، وهي الأحكام الواضحة البيِّنة التي لا يختلف اثنان من المسلمين حولها.

 

ويجب أن يعتني بها المسلمون؛ لأنها تتعرض اليوم لحرب شرسة من أكثر من جهة، فللغرب مراكز دراسات يدرُسون فيها شريعة الإسلام، ويبحثون عن مكان الاتفاق والاختلاف، ثم يهتمون بإثارة الخلافات بين المسلمين، بل ويشجعون من انحرف عن دينه، ويجعلون منه بَطَلًا من أجل أن يقتدي به غيرُه.

 

كما أنهم يُضيِّقون على المسلمين في اقتصادهم، ومواردهم، حتى أصبحت بلدان المسلمين مليئة بالبطالة والفقر والعوز والحاجة، ثم يفتحون باب اللجوء والذهاب إلى الغرب لمن يطعن في الإسلام ويتكلم في الثوابت، فيتشجع الفقير والمحتاج والمحروم وينطلق من هذا المنطلق ليرتد عن دينه، وهناك قصص كثيرة كلها تجعل من الواقع الذي نعيشه حلبة صراع بين الحق وأهله، والباطل وأهله.

 

ومحكمات الشريعة واضحة وبيِّنة؛ تسأل العامي والمثقف، والكبير والصغير عنها فيعرفها، والسؤال: إذا كانت معروفة لديكم وأنتم متفقون عليها، فلماذا تختلفون؟ ولماذا تتناحرون؟ ولماذا تتقاتلون؟ وكم نسبة الخلاف في محكمات الشريعة وأصولها بين المسلمين؟ أليسوا متفقين على أركان الإيمان الستة؟ أليسوا متفقين على أركان الإسلام الخمسة؟ أليسوا متفقين على الفرائض والواجبات؟ أليسوا متفقين على تحريم المحرَّمات؟ كم نسبة المسائل الخلافية في الصلاة؟ أو في الصوم؟ أو في الزكاة؟ أو في الحج؟ العجيب أن الجميع يقر أننا متفقون وأن نسبة الخلاف في حدود عشرة بالمئة في مسائل أكثرها فرعية لا تؤثر، وقد اختلف فيها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن جاء بعدهم من أئمة الهدى، وظهرت المذاهب الفقهية؛ فهذا حنفي وهذا مالكي، وهذا شافعي، وهذا حنبلي، وغيرها من المذاهب الفقهية في مسائل فقهية فرعية لا تؤدي إلى الافتراق والاقتتال، ولا أن ينشغل المسلمون بعضهم ببعض؛ فيستغل عدوُّهم ذلك، فيأخذ ثرواتهم، ويحكم السيطرة على مقدراتهم، ويستعمر بلدانهم، ويحتل مقدساتهم؛ مما يدلنا على أننا في غفلة عظيمة، ويا ليت أن الغفلة كانت في العوام، فهم معذورون لقلة علمهم وانشغالهم بأحوالهم الشخصية، لكن العجيب أن تصل الغفلة إلى المثقفين والمتعلمين والساسة ومن لهم شأن في توجيه الرأي، حتى جعلتهم يفتحون المعارك هنا وهناك حول مسائل جزئية وخلافات فرعية تؤدي إلى مزيد من تمزيق الأمة واقتتالها، بل ربما حول قضايا قد تكون مكذوبة، أو لا أصل لها في الإسلام، أو لا وجود لها في الشريعة؛ مما يجعل الخطورة عظيمة.

 

أيها المؤمنون عباد الله، إن محكمات الشريعة هي معظم الكتاب، كما قال سبحانه: ﴿ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ [آل عمران: 7]؛ أي: إن المختلف فيه والفرعيات قليلة جدًّا، ومحكمات الشريعة هي أصل الكتاب وجامعه وأمه. ومحكمات الشريعة هي الفطرة؛ وقد خلق الله الناس مفطورين على محكمات الشريعة؛ يحبون معالي الأمور ويكرهون سيئها، يحبون التوحيد ويكرهون الشرك، يؤمنون بالعقيدة ويكرهون الخرافة والشعوذة والخزعبلات، يحبون الصدق ويكرهون الكذب، يحبون الأمانة ويكرهون الخيانة يحبون الأخلاق الحسنة، ويكرهون الأخلاق السيئة. فمحكمات الشريعة هي أصول الأخلاق وأصول العبادات وأصول الأعمال الصالحة التي فطر الله البشر عليها؛ كما قال الله: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ [الروم: 30].

 

أيها المؤمنون عباد الله، إن المجتمعات اليوم وخاصة الإسلامية تعاني من الجهل بمحكمات الشريعة، وهذا أثر- كما قلنا- من آثار مخططات أعداء الإسلام للمسلمين؛ فإنهم يسعون في تجهيل أمة الإسلام أمور دينها، وخاصة قواعده وأصوله وثوابته التي يقوم عليها الدين، وربما تنفق الأمة الملايين من الأموال في برامج وأنشطة لا علاقة لها بهذا الجانب، وإنما بجوانب لا أثر لها في الحياة ولا قيمة لها في الوجود.

 

والواجب العناية بمحكمات الشريعة كما يعتني بحفظ الفاتحة؛ قال الله: ﴿ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾، وسُميت الفاتحة أيضًا "أم الكتاب". لماذا سمَّى الله الفاتحة أُمَّ الكتاب؟ ولماذا سَمَّى الله محكمات الشريعة بأُمِّ الكتاب؟ محكمات الشريعة أم الكتاب؛ أي: أصله وجامعه، وأيضًا يجب أن يعتني بها الناس اعتناءً كليًّا كما يعتنون بالفاتحة، فالعلم بالمحكمات مما لا يسع المسلم جهله، ممكن تجهل فروع الشريعة وتسأل عنها أهل العلم؛ كما قال الله: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43]، لكن أن تجهل أصول دينك، فتجهل ما هو التوحيد، ما هو الشرك، ما هو الحرام، ما هو الحلال، هذا لا يليق بك كمسلم مهما كنت عاميًّا أو لا تقرأ أو لا تكتب، فلا يسع المسلم أن يجهل محكمات الشريعة، بل يجب عليه أن يتعلمها، وأن يحافظ عليها، وأن يعتني بها؛ لأنها جزء من حياته، جزء من فطرته، فيها أصل دينه، ورأس ماله.

 

ولما جاء العلماء من السلف- كالصحابة وغيرهم- ليفسروا المحكمات ضربوا لها أمثلة فقط؛ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: "هي العشر الوصايا في سورة الأنعام"، وقال غيره: "هي وصايا العبد الصالح لقمان لابنه"، وقال غيره: "هي الوصايا التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في سورة الإسراء: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ [الإسراء: 23] وما بعدها". وكل هذه أمثلة ضربوها ليوضحوا للسامع أن المحكمات هي ثوابت الشرع وقواعده وأصوله وأحكامه.

 

ونستطيع أن نقول: هي أركان الإسلام الخمسة، وأركان الإيمان الستة، وهي الكليات الخمس التي جاءت كل الشرائع السماوية لإقرارها؛ وهي حفظ الدين: ويشمل حفظ دين المسلم من الشرك والنفاق والشكوك والإلحاد، يشمل إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبودية والألوهية والربوبية، وإفراده بأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى، ويشمل أيضًا تحريم الشرك والشعوذة والدجل والخرافة.

 

ومن المحكمات معرفة أن النبوَّة خُتِمت بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن الوحي انقطع بموته، وأنه لا دين صالح غير دين الإسلام؛ ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ ﴾ [آل عمران: 85]، وأن الإسلام أتمَّه الله وأكمله، وأنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم الآية العظيمة التي نزلت في يوم عرفة في حجة الوداع: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]، فلا دين غير الدين الذي شرعه الله على لسان رسوله؛ ولذلك تحرم البدع والخرافات والخزعبلات التي تُضاف إلى دين الله وهي باطلة. وما فرَّق الناس ومزَّقهم وجعلهم يختلفون ويتفرَّقون إلى شِيَع وجماعات وطوائف وأحزاب إلا أن كل واحد حاول أن يضيف إلى دين الله ما تهواه نفسُه من الأديان والملَل الباطلة والخرافات المزيفة.

 

وحفظ العرض؛ ويدخل في حفظ العرض تحريم الزنا واللواط والسحاق، وتحريم التبرج والانحلال، وتحريم الخلوة، وغير ذلك مما يؤدي إلى فساد الأعراض، ويدخل في محكمات الشريعة في هذا الباب أيضًا مشروعية الزواج وإقامة الأسرة وحقوق الزوجين، ويدخل في هذا الباب أيضًا ما يتعلق بالحقوق المشتركة بين الوالدين والأبناء والأزواج والزوجات وسائر أبناء المجتمع.

 

وكذلك حفظ النفس؛ هذا كُلِّي من كليات الشريعة، لا يجوز قتل المسلم ولا قتل النفس المعصومة، ولا يجوز أيضًا الاعتداء على بعض أعضائها؛ فالنفس مطلوب عصمتها وإحياؤها، ولكن في القصاص حياة، ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ [المائدة: 32]؛ ولذلك حُرِّم القتل وسفك الدماء والاعتداء على الناس وغير ذلك مما يتعلق بهذا الباب، وحُرِّم أيضًا من أجل حفظ النفس الخبائث، وخاصة في باب حفظ العقل؛ حُرِّمت المسكرات والمخدِّرات وسائر ما يفسد العقل من الأفكار الهدَّامة والأسحار والشعوذة والدَّجَل والأفكار الباطلة والإلحاد وغير ذلك؛ كلها لحفظ عقل المسلم.

 

وكذلك حفظ المال؛ كل هذه من محكمات الشريعة التي جاء الإسلام بها، فلا يجوز أخذ مال أحد ولا نهبه ولا سرقته، ويحرم الغش والرشوة، وحُرِّمت السرقة وحُرِّم أخذ مال الناس بالباطل، وغير ذلك من الأحكام الشرعية التي تصبُّ كلها في حفظ محكمات الشريعة التي يقوم عليها دين الناس واعتقادهم وأخلاقهم وسلوكياتهم؛ ليعيشوا في خير وفي سعادة وفي استقامة في هذه الدنيا، وأيضًا ليعيشوا في فلاح وفوز وسعادة ونجاح في الآخرة فينقذون أنفسهم من النار.

 

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنه. أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي خير الزاد؛ كما قال سبحانه: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197].

 

عباد الله، كما قلنا: إن من العوامل التي كتبها الله لبقاء الإسلام ثابتًا إلى آخر الزمان أنه قام على أصول وثوابت محكمة لا يتطرق إليها الشك، وليست غامضة ولا نُسِخت، وإنما محكمة واضحة بيِّنة قام عليها هذا الدين، وأجمعت عليها الأمة، وسار عليها المسلمون منذ عهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحتى اليوم.

 

وإن أعداء الإسلام يحرصون كل الحرص على تشتيت المسلمين عن هذه المحكمات، وحرفهم عن التمسك بها، وإبعادهم عن الاجتماع عليها، وإحداث نزغات ونزاعات بينهم لتحويلهم إلى طوائف ومِلَل ونِحَل باطلة تُمزِّق الأمة وتشغلها عن الاجتماع على هذه المحكمات.

 

هذا هو الواقع، ويجب أن نعترف به، ويجب أن نعترف أيضًا أن أمة الإسلام أكلت الطُّعْم الذي وضعه لها أعداء الإسلام فتَمَزَّقت أوصالها، وتحوَّلت عقيدتهم الواحدة إلى عدة عقائد متناحرة، ودينهم الواحد المستقيم إلى عدة فِرَق وطوائف متضاربة مختلفة، وأخلاقهم القويمة إلى أخلاق مصلحية تتغير بين ليلة وضحاها لمصلحة شخصية أو جريًا وراء المادة.

 

وهذا هو الواقع الذي نعيشه ويجب أن نعترف به، ولكن لا يجوز لنا بحال من الأحوال أن نرضى به، ويجب أن نسعى في البحث عن العلاج له، وأن نعود إلى رشدنا، وألَّا نستمر على هذا الطريق الخطير الذي يمكن أن يؤدي بنا إلى مزيد من الشقاق والخلاف والقتال بين أبناء المجتمع المسلم، ولا يمكن أن نتجاوز المصائب والابتلاءات وسلبيات هذا الانفتاح العام الذي أصبح فيه العالم كقرية واحدة يتحكَّم في ما يُقرأ وما يُكتب وما يُنشر فيها أعداؤنا ونحن نستقبل، لا يمكن أن نتجاوز هذه المحنة إلا بالعودة إلى الثوابت الشرعية التي لا خلاف حولها.

 

أيها المسلمون عباد الله، اتركوا المختلفات جانبًا وانظروا فيها وستجدون أنها لا تتجاوز 10% من دينكم، لماذا ضحك عليكم أعداؤكم وضخَّموا لكم هذه القضايا الخلافية الصغيرة حتى تقاتلتم من أجلها وتمزَّقتم عليها وصرتم لقمةً سائغةً لأعدائكم؟ اتركها جانبًا، ومن حدَّثكم عن مسألة خلافية قولوا له: "اليوم ليس يوم الاختلافات في الفرعيات، اليوم أصول الإسلام تُنقض، وثوابته تُحارب، ودينه يتعرض من أعداء الإسلام لحملة شرسة، وأنت تحدثني عن مسألة كذا ومسألة كذا من الفرعيات! فالأمة اليوم محتاجة إلى لمِّ الشمل وجمع الصفِّ وتوحيد الكلمة.

 

ولو اجتمع عقلاء المسلمين وعلماؤهم وقادتهم وأصحاب الرأي والفكر فيهم، وحصروا المسائل المختلفة في دين الله فيما بينهم- سواء على مستوى المذاهب والطوائف أو الأحزاب والتجمُّعات- لوجدوا أنها لا تساوي عشرًا إلى خمس عشرة بالمئة، بالكثير إلى عشرين بالمئة من دينهم، وثمانون بالمئة أو تسعون بالمئة متفقٌ عليه؛ فلماذا يتركون المتفق عليه وينشغلون في المختلف فيه؟! والله إن الإنسان ليحتار من ذلك.

 

انظر إلى المسلمين وهم في يوم الجمعة مجتمعون في مسجد واحد يصلون صلاة واحدة.

 

وانظر إليهم في رمضان وهم صائمون على مستوى العالم الإسلامي شرقه وغربه، وإذا رأيتهم وهم في الحج يُكبِّرون ويلبُّون ويطوفون ويسعون، وانظر إليهم وهم يدعون الله ويرفعون أيديهم إلى الله ويعبدون ربًّا واحدًا، ويصلون على نبي واحد، ويقرأون كتابًا واحدًا، ثم تستغرب؛ لماذا يختلفون؟ ولماذا تتقاتلون؟ أين العقلاء الذين يريدون أن يجمعوا كلمة الأمة؟

 

أيها المؤمنون، لا حلَّ للأمة إلا أن تجتمع على الثوابت والمحكمات من نصوص القرآن الكريم والسُّنَّة الصحيحة، ففي ذلك علاج لافتراقهم واختلافهم وجمع لكلمتهم بإذن الله سبحانه وتعالى. فإن تربية الأمة على ثوابت الإسلام وقواعده وأصوله مهم جدًّا للوقوف أمام الهجمة الشرسة من أعداء الإسلام وأمام الأمواج الهادرة التي تحاول أن تفسد على الناس دينهم وعقيدتهم.

 

وإن الواجب على العقلاء والمفكرين وعلى أهل الرأي في الأمة أن ينتبهوا لهذه القضية ويناقشوها في مجالسهم وفي أماكن تجمعاتهم ويقولون لكل من حدَّثهم عن مسائل خلافية: "اسكت" كفى تمزُّقًا للأمة فإنها قد تعبت، وذهب كثير من رجالها، وكثير من أموالها، تحت هذه اللافتة المزعجة؛ لافتة التمزيق وإشعال الخلاف والانشغال بالجزئيات والاختلاف وما زلنا نعاني منها حتى الآن.

 

أيها المؤمنون عباد الله، لا شك أن المحكمات إذا اهتمَّ بها العقلاء والمسلمون عامة ستؤثر في وحدة المجتمع، وأنها هي صمام الأمان له بإذن الله سبحانه وتعالى.

 

أما الخوض في المتشابه والمختلف فيه، فهو وسيلة من وسائل أهل الزيغ؛ فقد قال الله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتْبَعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ ﴾ [آل عمران: 7]. ولو عقلنا هذه الآية وحفظناها لكانت هي الأسلوب الأمثل في الرد على من ينشر الفتنة؛ فيقال له: ما الذي تتكلم فيه؟ محكم أم متشابه؟ وستجد أن بعض القضايا أُثيرت ولم تكن موجودة قديمًا في عهد الأمة الواحدة؟ وعهد الخلافة الراشدة؟ الذي كان يقول خليفتها: "أيتها السحاب، أمطري حيث شئتِ، فَخَراجُكِ سيأتيني"؟

 

لم يكن عندهم هذه المسائل، بل كانوا مهتمين بالثوابت. أما حين تركت الأمة الثوابت وبحث كل واحد منهم عن فرع يحقق به مصلحته الشخصية، أو بدعة جعلها دينًا يدعو الناس إليها، فهذا وغيره هو من أسباب تمزيق الأُمَّة وتفريق صفِّها.

 

فالواجب أن نعلم أن المحكمات هي أهم علاج لوحدة الصفِّ، وأنها الصخرة الصلبة التي تتحطَّم عليها جهود أعداء الدين والمنافقين.

 

فإنهم لا يستطيعون أن يطعنوا في محكمات الشريعة صراحة؛ بل غالبًا يبدؤون بأمور خلافية فرعية ويدخل الشبهة على المسلمين منها، محكمات الشريعة صخرة صُلْبة تتحطَّم عليها جهود أعداء الدين وجهود المنافقين وجهود الذين يريدون أن يمزقوا الأمة؛ فاعتنوا بها، وانشروها بين الناس، ودافعوا عنها، واطلبوا من الجميع أن يفهمها في هذا الوقت العصيب من أوقات الأمة.

 

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجنبنا وإياكم ما يسخط ويأبى.

 

وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • خطبة: فضل العشر الأواخر وخصائص ليلة القدر
  • أساليب الأعداء في محاربة القرآن
  • وقفة مع قول الله تعالى: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون}
  • خطبة: مقاصد الحج
  • فساد التصورات وأثره في فساد السلوك (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • الحفاظ على البيئة من مقاصد الشريعة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تكريم الشريعة للمسلمة (خطبة)(مقالة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • عقوبة من أساء بين الشريعة والافتراء (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • دم المسلم بين شريعة الرحمن وشريعة الشيطان (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مظاهر عناية الإسلام بالطفولة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • عناية الإسلام بالمرأة وحفظه لحقوقها (خطبة)(مقالة - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • خطبة: فضل العناية باليتيم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: العناية بالوالدين وبرهما(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة (سبعون ألف)(مقالة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • خطبة ﴿ أن الله يعلم ما في أنفسكم ﴾(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسابقة قرآنية للفتيات المسلمات في قرية تيوبياك
  • وضع حجر الأساس لمسجد جديد في أوسينوفسكي
  • فتح باب المشاركة في الدورات الصيفية الإسلامية للشباب في بلغاريا
  • تركازي تتزين بمسجد جديد بعد سنوات
  • التحضير لبناء مسجد جديد في لونغ آيلاند
  • مسجد بضواحي شيكاغو يستقبل الزوار للتعرف على الإسلام
  • مسجد ينظم حوارات مفتوحة للتعريف بالإسلام في شوارع بيرو
  • تكريم 114 حافظا للقرآن في احتفالية بتوزلا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 9/1/1448هـ - الساعة: 9:8
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب