• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    {وأما بنعمة ربك فحدث} خطبة
    د. محمد حرز
  •  
    من وسائل الثبات على دين الله عز وجل (10) الزهد في ...
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    من فضائل حسن الخلق (1)
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (توحيد ...
    سائد بن جمال دياربكرلي
  •  
    تحريم تحريف القرآن والزيادة فيه والنقص منه
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    أهلية القرآن ومقوماتها
    د. أحمد الدمرداش
  •  
    ومضات نبوية: "إن لصاحب الحق مقالا"
    علي بن حسين بن أحمد فقيهي
  •  
    الورع وترك الشبهات
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    الكساء الرباني (خطبة)
    د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
  •  
    جنة الخلد (10) جنتان من ذهب وجنتان من فضة
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    ‫القلب قبل السبب‬‬‬‬
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    الرد على شبهة حول آية {وما من دابة في الأرض ولا ...
    د. جاسر يزن سيف الدين
  •  
    تفسير قوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ...
    سعيد مصطفى دياب
  •  
    العتاب واللوم (خطبة)
    د. محمد بن عبدالعزيز بن إبراهيم بلوش ...
  •  
    مواقيت الحج وأنواع النسك
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    الحديث الأربعون: فضيلة حسن الخلق
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / خطب المناسبات
علامة باركود

خطبة: تعظيم الأشهر الحرم

خطبة: تعظيم الأشهر الحرم
أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 7/5/2026 ميلادي - 20/11/1447 هجري

الزيارات: 64

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة: تعظيم الأشهر الحرم

 

عباد الله، إنكم اليوم تعيشون أيامًا ليست كسائر الأيام، بل هي أيامٌ معظَّمةٌ عند الله سبحانه وتعالى، إنها أيامُ الأشهر الحُرم، تلك الأشهر التي جعلها الله تعالى ميزانًا للتقوى، وميدانًا للتوبة، وموسمًا للرقابة على النفس. نعم لقد اختصَّ الله جل وعلا بعضَ الأزمنة وبعضَ الأمكِنة بشيءٍ من التفضيل، ورتَّبَ على ذلك الأجور العظيمة للعبادات والطاعات والقُربات فيها.

 

فمن ذلك أن الله اختصَّ من الأمكِنة مكة، والمسجد الحرام، والمسجد النبوي، وجعل الصلاة فيها أفضل من غيرها، واختصَّ من الأزمنة شهر رمضان، وليلة القدر، ويوم الجمعة، ومن الأشهر أيضًا اختصَّ الأشهر الحُرم بشيءٍ من الفضل والتكريم؛ وهي أربعة: ذو القعدة، وذو الحجَّة، والمُحرَّم، ورجب. ومن أصول الإيمان أن يعظِّم المسلم ما عظَّمه الله فإنها من الشعائر، وتعظيم الشعائر من تقوى الله، ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الفاتحة: 32].

 

هذه الأشهر التي نعيشُ هذه الأيام بعضَ أيامِها ذكرَها الله سبحانه وتعالى في كتابِه الكريم وفصَّلَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم في سنَّته الصحيحة، فقال الله تعالى: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [التوبة: 36]. وبيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم ما هي الأشهرُ الحُرم، فقال في الحديث الصحيح في حجَّة الوداع وهو يخطُبُ بالناس: ((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان))؛ [رواه البخاري ومسلم].

 

وسمِّيت هذه الأشهرُ بالأشهر الحُرم؛ لعِظَم حُرمتها عند الله تعالى، ولعِظَم وِزْرِ الذنبِ فيها، ولتحريم القتال فيها تأمينًا للحُجَّاج والمُعتمرين، فإن الثلاثة الأشهر المُتتالية حُرِّمَت ليأمنَ الحُجَّاج ذهابًا وعودةً وأداءً للمشاعر، فشهرُ ذو القعدة للسفر، وشهرُ ذو الحجَّة للمشاعر، وشهرُ المُحرَّم للعودة إلى الديار، أما شهرُ رجَب فإنه في وسط العام وحُرِّم من أجل أن يذهبَ الناس إلى العُمرة فيه دون تعدٍّ ولا ظُلمٍ ولا قتلٍ ولا قتالٍ فيه.

 

أيها المؤمنون، لقد خصَّ الله جل وعلا هذه الأشهر بشيءٍ من التعظيم، فجعلَها حُرُمًا، وعظَّمَ حُرُماتها، وجعلَ الذنبَ فيها أعظَم من غيرها وإن كانت الذنوب كلُّها مُحرَّمة في أيام السنة؛ ولذلك قال جل وعلا: ﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ﴾ [التوبة: 36]. فالظُّلمُ مُحرَّمٌ في كل أيام العام، لكنه في هذه الأيام أشدُّ حُرمةً وأعظمُ وِزْرًا.

 

أيها المؤمنون، الظُّلمُ أنواعٌ متعدِّدة، وهو مُحرَّم في كل وقتٍ وحين ولكنه أشدُّ تحريمًا وأعظمُ وزرًا في هذه الأيام الحرام، ومنه ظُلمُ النفس بالشرك والكفر والنفاق، وظُلمُ النفس بترك الفرائض والواجبات، وظُلمُ النفس بالغيبة والنميمة وقول الزُّور، وظُلمُ النفس بمنع الحقوق لأصحابها والتعدي على الآخرين.

 

ومنه ظُلمُ النفس بالخيانة وفعل المُحرَّمات والمعاصِي؛ كشرب الخمور والزنا واللُّواط وغيرها، ومنه ظُلمُ النفس بأذية الخلق، وأخذ حقوقهم، والطعن في أعراضهم، وانتهاك المُحرَّمات والمنكرات؛ كالنظر إلى الحرام والسماع إلى الحرام وأكل المال الحرام؛ كالرِّشوة والغش والخداع والربا ونحوها، ومنه أيضًا التفريط في الطاعات والقُرُبات من تركٍ للصلوات، وتضييع الطاعات، وقطيعة الأرحام، والطعن في الأعراض، وهجران القرآن، وغير ذلك من الذنوب والمعاصِي.

 

فكل ذنبٍ يرتكِبُه الإنسان في حقِّ نفسِه أو في حقوق الله أو في حقوق الخلق فهو نوعٌ من الظلم الذي حرَّمه الله سبحانه وتعالى.

 

أيها المؤمنون، إذن ليس الظلم فقط هو صرخةُ مظلوم من ظالمِه، بل الظلم أيضًا هو تعدٍّ على حقِّ الله وحقِّ الخلق وحقِّ النفس أيضًا.

 

أيها المؤمنون عباد الله، واليوم هناك أنواعٌ من الظلم يرتكبها الإنسان والناس لا يرونه حين يكون مُنهَمكًا في غُرفته أو مكان خلوته، فكم من الناس اليوم يجلسون في غُرفهم وهم يمسِكونَ الهواتف الذكيَّة فيُشاهِدون الحرام، وينظُرون إلى الحرام، ويطعنون في أعراض الناس، ويكتُبون عنهم ويغتابونهم، وكم من بُهتٍ وكذِبٍ من وراء هذه الأجهزة والنظر إليها، وقد يكون الإنسان في مكانٍ يظنُّه من يراه أنه يذكُر الله، فإذا به يعصي الله جل وعلا.

 

أيها المؤمنون عباد الله، كما قال الله جل وعلا: ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 15]، فبعض الذنوب يقعُ فيها الإنسان متغافلًا عن عِظَم وِزْرها في هذه الأشهر، وعن آثارها وخطورتها عليه في الدنيا والآخرة، فيستمرئها ويظنُّها هيِّنةً صغيرةً، فإذا بها تكونُ سببًا في سوءِ خاتمته والعياذ بالله سبحانه وتعالى.

 

لقد كان العرب قبل الإسلام وهم يعبدون الأصنام، ولكنهم كانوا يعظِّمون حُرمة هذه الأشهر، ربما يرى الإنسان قاتل أبيه فيها فلا يُهيِّجُه ولا يزعِجُه، فأي عقلٍ أن يكون المُشركون وهم في شركٍ وجاهلية أكثر تعظيمًا لهذه الأشهر من المسلمين اليوم؟ ما لهؤلاء القوم يستبيحون الدماء، وينتهِكون الأعراض، ويقعون في الإجرام في هذه الأيام المُحرَّمة وهم مسلمون يقرأون القرآن ويؤمنون بالله ورسوله؟

 

أيها المؤمنون عباد الله، إن أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم هي أولى الناس باتباع القرآن والسُّنَّة الصحيحة، أولى من العرب المُشركين، وأولى ممن يدَّعي اليوم أنهم حُماة حقوق الإنسان، أولى منهم جميعًا في حماية الأعراض والدماء وغيرها من المُحرَّمات.

 

لقد رسَّخ النبي صلى الله عليه وسلم هذه المعاني العظيمة وهو واقفٌ في مشعر منى يوم النحر الأكبر، والناس حوله مئات الآلاف عن يمينه وعن شماله، قام فيهم خطيبًا فقال: ((أيها الناس، أي شهرٍ هذا؟))، فسكت الناس وظنوا أنه سيُسمِّيه بغير اسمه، قال: ((أليس ذو الحجة؟))، قالوا: بلى، ثم قال: ((أيها الناس، أي بلدٍ هذا؟))، فسكتوا وظنوا أنه سيُسمِّيه بغير اسمه، فقال: ((أليس البلد الحرام مكة؟))، قالوا: بلى، ثم سأل: ((أي يومٍ هذا؟))، فسكت الناس، قال: ((أليس يوم النحر؟))، قالوا: بلى، ثم قال: ((إن دماءَكم وأعراضَكم وأموالَكم حرامٌ عليكم كحُرْمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلَّغت؟ اللهم فاشهد))؛ [رواه البخاري ومسلم].

 

أيها المؤمنون عباد الله: هكذا أعلنها النبي صلى الله عليه وسلم صرخةً مُدويةً يسمعها القريبُ والبعيدُ، أن حُرمة الزمان وحُرمة المكان وحُرمة الإنسان أمْرٌ لا يجوز أن يُعتدَى عليه، فلا تظلم أخاك ولو بكلمة، ولا تسرق ماله ولو كان قليلًا، ولا تعتدِ على عِرْضِه ولو بكلمة، فذلك محرم في كل الأيام والشهور، ولكنه في الأشهر الحُرُم أشدُّ جُرمًا وأعظمُ وُزرًا.

 

أيها الناس، إن حُرْمة مكة وحُرْمة الكعبة وحُرْمة يوم النحر أعظمُ منها كلها حُرْمة الإنسان في دمِه وعِرْضِه وماله، وفي الحديث: ((لأن تُهدَمَ الكعبة حَجَرًا حَجَرًا أهونُ عند الله من أن يُسْفَكَ دمُ مسلمٍ بغير حقٍّ))؛ [رواه البيهقي بلفظ مقارب]. فيا ليت الناس اليوم يعلمون حُرمة الدماء، دماء المسلمين المعصومة التي يستحلُّونها بأدنى شُبْهة، وما أكثر الدماء المسفوكة اليوم التي تُسْفَكُ هنا وهناك بغير حقٍّ بسببِ بُعْد الناس عن تعظيم حُرمات الله جل وعلا.

 

أيها المؤمنون عباد الله، إن أمن الإنسان في دينِه وعِرْضِه ومالِه أهمُّ وأعظمُ من أمن التجارات والممرَّات والطاقة وغيرها من وسائل المال والثراء التي تنتفِخُ من أجلها أوداج العربِ والعَجَمِ وكلِّ الناس.

 

الدماءُ حرَّمها الله، والأعراضُ حرَّمها الله، والأموال حرَّمها الله، فلا يحقُّ لمسلم أن يأخذَ من مال أخيه المسلم شيئًا إلا عن طيبِ نفس، قالوا: يا رسول الله، ولو كان شيئًا قليلًا؟ قال: ((ولو كان قضيبًا من أراك))؛ [رواه مسلم]. فالمسواك إِذا أَخَذْتَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ من أَخِيكَ الْمُسْلِمِ فَهُوَ ظُلْمٌ وَجُرْمٌ، فَمَا بَالُكَ فِي مَنْ يَأْخُذُ أَمْوَالَ النَّاسِ وينتهِكُ أَعراضَهُمْ ويسعى في خِداعِهم للحصول على أموالهم بغير حق؟ جاء في الحديث: ((من اقتَطَعَ من مال أخيه شِبْرًا طوَّقَه الله يوم القيامة بسبع أرضين))؛ [رواه البخاري ومسلم]. يُطوَّق بسبع أرضين وتُوضَع على رقبَته؛ لأنه ظلم أخاه المسلم في الدنيا.

 

أيها المؤمنون عباد الله، عظِّموا الأشهر الحُرم تعظيمًا حقيقيًّا بالبُعْد عن الحرام، عظِّموها بتعظيم الدماء، عظِّموها بتعظيم الأعراض والأموال وأداء الحقوق وصِلة الأقارب والأرحام، عظِّموها بفعل الطاعات والقُرُبات، فإن الله قد عظَّمها وعظَّم أجرَ الطاعات فيها.

 

أيها المؤمنون عباد الله، ينبغي للمسلم أن يستغِلَّ مواسِمَ الطاعات التي يُهيئها الله له في أوقاتٍ متنوِّعة من أيام السنة حتى تتمرَّن نفسُه وتتهيَّأ للعبادة في سائر أوقات السَّنَة، أسألُ الله جل وعلا أن يجعلَنا وإياكم ممن يستمِعُ القول فيتَّبِع أحسَنَه.

 

أقولُ ما سمِعتُم وأستغفِرُ الله لي ولكم فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبةُ للمتقين، ولا عُدْوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابِه أجمعين.

 

عباد الله، أُوصِيكم ونفسي بتقوى الله، فهي خيرُ الزَّاد وخيرُ اللباس، قال الله تعالى: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197].

 

أيها المؤمنون عباد الله: خُتِمَت آيةُ الأشهر الحُرم بقوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 194]. وذلك لما للتقوى من أثرٍ على أفعال العبد وتصرُّفاته. والتقوى أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بالإيمان والعمل الصالح والمُسارعة إلى الطاعات والمُبادَرة إلى الخيرات، وترك الذنوب والمُحرَّمات والفِرار من المعاصِي والسيئات، وترك الظلم قليله وكثيره، وردِّ المظالم إلى أهلها، ومُراقبة الله جل وعلا في السرِّ والعلنِ.

 

أيها المؤمنون، قد يتساءلُ المُتسائل ويقول: كيف أُعظِّم ما عظَّمه الله، وما هو واجبي في أيام السنة عامَّة وفي الأشهر الحُرم خاصة؟

 

الجواب: إن واجبك أيها المسلم أن تُعظِّم ما عظَّم الله، فإن الله جل وعلا عظَّم الإيمان والتوحيد، واحتقر الشرك والنفاق، وعظَّم الطاعة واحتقر المعصية، وعظَّم البر والإحسان واحتقر غيره من المعاصي والمنكرات وأفعال الشر.

 

إن واجبك أيها المسلم أن تسعى إلى القرب من الله بالأعمال الصالحة في أيام السنة كلها، وفي الأشهر الحُرم خاصة، ويمكن أن نُلخِّص واجبك أيها المسلم في ثلاثة جوانب رئيسية تستطيع من خلالها أن تضبِط سلوكك، وأن تُنظِّم جدولك اليومي، وأن يكون لك طاعة وقُرْبة مع الله جل وعلا في كل ساعة.

 

الجانب الأول: الكف والامتناع عن المعاصي والمنكرات امتثالًا لقول الله: ﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [التوبة: 36]. فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ ظُلْمٌ لِلنَّفْسِ وارتكاب الْمُنْكَر ظُلْمٌ لِلنَّفْسِ، وأول واجبٍ على المسلم أن يُجاهِدَ نفسه في ترك المعاصي والمنكرات، قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ [العنكبوت: 69]. ولا تظن نفسك التي تعودَت المعصية أو ترك الطاعة أو فعل المنكر أو أكل الحرام أن تستقيمَ لك بسهولة، بل تحتاجُ منك إلى تدريبِها وترويضِها حتى تعود لك كما كانت قبل الانحراف.

 

نعم يجبُ على المسلم أن يضبِطَ نفسه وأن يمنعَها من الحرام؛ لأن النفس تحبُّ الانفلات ولا تريد أن تتقيَّد بالأوامر والنواهي، بل تريد أن تفعلُ ما تشاء مما تشتهيه وما تريده من الأهواء والشهوات. والمسلمُ الحقُّ هو الذي يضبِطُ نفسَه، ويحبِسُها عن فعلِ المنكرات ويدرِّبُها على فعلِ الطاعات والقُرُبات.

 

وانتبِهوا من الذنوب الصغيرة؛ فإنها تتطوَّر شيئًا فشيئًا إلى أن تصيرَ كبيرةً؛ ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما: "لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار".

 

فالذين يصرُّون على السيئات ولو كانت صغائر فسوف تستمرئ نفوسُهم الكبيرة، وتقسُو قلوبُهم، وتكون التوبة عليهم صعبةً وشديدةً. فإن النفس إذا تدرَّبَت على الطاعة وتهيَّأت لها، سهُلَ عليها فعلُها؛ كما قال الله عن الصلاة والمحافظة عليها: ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ [البقرة: 45]؛ أي: عظيمة وشديدة، فإذا خشعَ الإنسان واقترَبَ من الله سهُلَ عليه أداء الصلاة في أوقاتها وفعلُ الطاعة وتركُ المعصية بسهولة.

 

الجانب الثاني: إحياءُ شعيرة تعظيم الحقوق، فنحيي في أنفسنا شعيرة تعظيم الحقوق سواء كانت حقوقَ الله أو حقوقَ النفس أو حقوقَ الغير، ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32]. فعَظِّم الحقوق، واجعل حقوق الله عظيمة في نفسك ولا تستهن بها ولا تقصر في أدائها، وانظر إلى بعض الناس كيف يعظِّمون بعض حقوقهم، وحقُّ الله أولى وأحرى أن يكون معظَّمًا قبل حقِّ النفس.

 

أيها الناس، عظِّموا حقوق الله، ومنها الصلاة فأدُّهوا في وقتها بدون كسل ولا رياء وفي بيوت الله، فإن من تعظيم الصلاة أن تُصلَّى جماعةً؛ لأن الله أمر بذلك فقال الله: ﴿ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [البقرة: 43]؛ أي: صلُّوا جماعةً مع المُصلِّين. وعظِّم الله في نفوسكم حتى يكون أعظم الناظرين إليها، وعظموه في الخلوة، فلا يختلي الواحد بنفسه ويعصي الله، وإذا سمع حركةً فزع قلبه خوفًا من الخلق، بل اجعل الله أعظم الناظرين إليك، خالقك ورازقك الذي لو شاء لجمَّد الدماء في عروقك وصرت مشلولًا منهكًا في مكانك. فتعظيمك لله من أعظم حقوق الله عليك، وهو الذي يجعلك صادقًا مع الله، مراقبًا لله في كل أحوالك، في سرِّك وفي علانيتك.

 

ومن تعظيم الحقوق تعظيم حقوق الآخرين، فأدِّ حقوق الناس ولا تماطِلهم ولا تظلمهم ولا تعتدِ عليهم، ولا تظن أن المظلوم الذي لا يستطيع أن يأخذ حقَّه منك أنه قد نساك ونسي مظلمته، فما يدريك أنه يسجد بين يدي الله في الليل ويبكي ويدعو الله أن ينتقم منك، فلا تظن الأمر هيِّنًا، فإن حقوق الآخرين ملف مفتوح لا يغلق إلى يوم القيامة، وإن خادعت صاحبه في الدنيا وأغلقته أو نسيته أو ضمنت أن الناس لن يصلوا إليك؛ لأنك محاط بالقوة والحرس وغيرها، فالظلم ظلمات يوم القيامة، وحقوق الآخرين ملف لا يغلق، ودعوة المظلوم يرفعها الله والناس لا يدرون بها، قال الله في الحديث القدسي: ((وعزتي وجلالي لأنصرنَّك ولو بعد حين))؛ [رواه الترمذي].

 

وها أنتم اليوم تشاهدون نماذج من الظَّلَمة والفَجَرة يسقطون غير مأسوف عليهم بسبب تجبرهم وظلمهم وبسبب دعوات المظلومين عليهم في جوف الليل البهيم.

 

أيها الناس، حقوق الخلق عظِّموها وإياكم أن تستهينوا بها حتى لا تستمرئ قلوبكم ونفوسكم لظلم الآخرين والاعتداء عليهم، ردوا المظالم، واجبروا الخواطر، وتسامحوا مع الناس اليوم قبل ألَّا يوجد درهم ولا دينار يوم القيامة؛ إنما هي حسنات وسيئات ثم جهنم والعياذ بالله جل وعلا.

 

أخي المسلم، ابحث في سجلَّاتك من يوم البلوغ إلى ساعتك الآن، كم مظلمة عندك للآخرين؟ كم جرم فعلته؟ كم من الحقوق ضيَّعتها؟ ابحث في هذا السجل وحاسب نفسك ولا تخادع نفسك ولا تغطِ سجل أعمالك فإنها لا تنسى عند الله ولو نسيتها أنت كما قال: ﴿ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ﴾ [المجادلة: 6].

 

أيها المؤمنون، فتِّشوا في سجلَّات أعمالكم السيئة، واتركوا الخير، فإن الله لا يضيعه، فلا تفتش كم صليت وكم صمت وكم تصدقت، اترك هذا عملًا مخبَّأً لك يظهر يوم القيامة؛ لأنك عند من لا يظلم مثقال ذرة، ولكن فتِّش عن سيئاتك وخاصة حقوق الخلق؛ لأن حقوق الخالق مبنية على المغفرة، فلو استغفرت الله تبت إليه توبة نصوحة محا الله عنك ذنوبك المتعلقة به جل وعلا، أما حقوق الخلق فمهما استغفرت فإنها لا تغفر ولا تمحى إلا بالتسامح والتنازل من صاحب الحق، وإلا فستبقى دينًا مكتوبًا عليك تُسدِّده يوم الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى.

 

الجانب الثالث: عمارة الوقت بالطاعات الخفية، فقد كان السلف الصالح رحمهم الله يحرصون كل الحرص في هذه الشهور على كثرة العبادات، ويخصونها بالعبادة الخفية التي لا يطَّلِع عليها الناس؛ لأنها الأكثر أجرًا والأخلص لله جل وعلا، وليس فيها رياء ولا سمعة. فاحرصوا على الذكر والصدقات والعبادات من قيام الليل وقراءة القرآن والاستغفار، ونحوها من الطاعات والأعمال الصالحة الخفية التي لا يراها الناس.

 

وأحسنوا إلى الخلق، فإن من أحسن إلى الخلق أحسن الخالق إليه، كما قال تعالى: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرحمن: 60]. فأنت حين تحسن إلى الخلق يحسن الله إليك، وحين تفرج كربة من كرب المظلومين المحتاجين يفرج الله كرباتك، فالجزاء من جنس العمل.

 

وخصص لك أيها المسلم في هذه الأشهر المباركة العظيمة وقتًا للقربات؛ خصص لك وِرْدًا من القرآن، ومن الأذكار ومن الاستغفار وتصَدَّق وارفع رصيد حسناتك بالدرجات في هذه الأيام المباركة، وإياك أن تُضيِّعها كما ضيعت ما قبلها من مواسم الخيرات، واحذر أن تتراكم عليك الذنوب، فإذا تراكمت عليك فربما تهلك بسببها. نسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياكم لكل خير.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • تعظيم الأشهر الحرم (خطبة)
  • فضل الأشهر الحرم وعمرة شهر ذي القعدة
  • الأشهر الحرم: خصائصها وأحكامها (خطبة)
  • خطبة: الأشهر الحرم
  • تعظيم الأشهر الحرم (خطبة)
  • غنيمة الأشهر الحرم وأسرار ذي القعدة (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • حرمة المال العام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • استقبال رمضان بين الشوق والحرمان (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ظاهرة كسب المال الحرام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • التعبد بترك الحرام واستبشاعه (خطبة) – باللغة البنغالية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فتنة المال وأسباب الكسب الحرام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الحلال بركة والحرام هلكة (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • خطبة المسجد الحرام 23 / 10 / 1434 هـ - حقوق الجار في الإسلام(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة المسجد الحرام 16/8/1433 هـ - الإحسان(مقالة - آفاق الشريعة)
  • شفاء الصدور بحرمة تعظيم القبور (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أعظم الحسرات فقد محبة الله تعالى (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • اختتام الدورة الثالثة عشرة لمسابقة التربية الإسلامية في فيليكو تشاينو
  • مسجد "توجاي" يرى النور بعد اكتمال أعمال بنائه في يوتازين
  • وضع حجر أساس مسجد جديد في غاليتشيتشي
  • تعديلات جديدة تمهد للموافقة على بناء مركز إسلامي في ستوفيل
  • ندوة شاملة لإعداد حجاج ألبانيا تجمع بين التنظيم والتأهيل
  • اختتام الدورة السابعة عشرة من "مدرسة اليوم الواحد" لتعليم أصول الإسلام في تتارستان
  • الذكاء الاصطناعي وتعليم اللغة العربية محور نقاش أكاديمي في قازان
  • استعدادا لموسم الحج... محاضرات تأهيلية للحجاج في موسكو

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 19/11/1447هـ - الساعة: 15:12
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب