• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    عندما يكون العمر عيدا
    ماهر مصطفى عليمات
  •  
    تعلم المناسك قبل السفر إلى مكة
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    خطبة: تعظيم الأشهر الحرم
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    ما لا يسع المسلم جهله عن فلسطين والمسجد الأقصى ...
    إبراهيم الراوي
  •  
    {وأما بنعمة ربك فحدث} خطبة
    د. محمد حرز
  •  
    من وسائل الثبات على دين الله عز وجل (10) الزهد في ...
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    من فضائل حسن الخلق (1)
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (توحيد ...
    سائد بن جمال دياربكرلي
  •  
    تحريم تحريف القرآن والزيادة فيه والنقص منه
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    أهلية القرآن ومقوماتها
    د. أحمد الدمرداش
  •  
    ومضات نبوية: "إن لصاحب الحق مقالا"
    علي بن حسين بن أحمد فقيهي
  •  
    الورع وترك الشبهات
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    الكساء الرباني (خطبة)
    د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
  •  
    جنة الخلد (10) جنتان من ذهب وجنتان من فضة
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    ‫القلب قبل السبب‬‬‬‬
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    الرد على شبهة حول آية {وما من دابة في الأرض ولا ...
    د. جاسر يزن سيف الدين
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب / في النصيحة والأمانة
علامة باركود

{وأما بنعمة ربك فحدث} خطبة

{وأما بنعمة ربك فحدث} خطبة
د. محمد حرز

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 7/5/2026 ميلادي - 20/11/1447 هجري

الزيارات: 60

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

وأما بنعمة ربك فحدث

 

الحمد لله سابغ النعم والخيرات، ومقيض الأرزاق والبركات؛ الحمد لله معزِّ من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، له من الحمد أسماه وأسناه، وله من الشكر أجزله وأوفاه، وله من الثناء الحسن أجمله وأبهاه، سبحانه وبحمده، لا تحصى نعمه، ولا تكافئ عطاياه، ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ [الإسراء: 67]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا رب لنا سواه، ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ [النحل: 53]، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ومصطفاه، وخليله ومجتباه، طوبى لمن والاه وتولاه، واتبع سنته واهتدى بهداه، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن والاه، وسلم تسليمًا كثيرًا لا حد لمنتهاه؛ أما بعد:

فأوصيكم -عباد الله- ونفسي بطاعة الله وتقواه؛ فإنه من اتقى الله وقاه، ومن توكل عليه كفاه؛ ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ [الطلاق: 2، 3].


عباد الله (وأما بنعمة ربك فحدث) عنوان خطبتنا.


عناصر اللقاء:

أولًا: الله الله في نعم الله.

ثانيًا: نسيان النعم وكفران النعم آفة خطيرة، عباد الله.

ثالثًا وأخيرًا: هل شكرت الله على نعمه وآلائه؟


أيها السادة: بدايةً، ما أحوجنا في هذه الدقائق المعدودة أن يكون حديثنا عن قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 11]، وخاصةً ونحن نعيش في زحام من النعم التي لا تعد ولا تحصى، وخاصةً أن الكثير منا لا يشكر الله على نعمه وآلائه، بل عصى الله عيانًا بيانًا، سرًّا وجهرًا بنعمه، سبحانه جل شأنه، وخاصةً أن نعم الله تبارك وتعالى علينا كثيرة، فهل نحن نتحدث بنعمه وفضله علينا؟


أولًا: الله الله في نعم الله:

أيها السادة: إن الله عز شأنه وتقدست أسماؤه؛ هو المتفرد بالخير والعطاء، والمتفضل بالكرم والنعماء، يرزق عباده بالليل والنهار، والإعلان والإسرار؛ فالخير كله منه، والفضل يعود إليه؛ وإن نعم الله على الإنسان كثيرة وعديدة، لا يحدها حد، ولا يحصيها عد، ولا يُستثنى من عمومها أحد، فهي نِعم عامة، سابغة تامة، ظاهرة وباطنة؛ قال جل وعلا: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النحل: 18]، ويقول جل شأنه: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ [لقمان: 20]، فنعم الله على عباده مدرارة عظيمة، وأفضاله عليهم كثيرة عميمة، ولا يزال العبد يتقلب في نعم الله وآلائه، ويتنعم بالخير والرزق من أرضه وسمائه؛وحين يتأمل المسلم نعم الله عليه وعظيم فضله، وما أكرمه الله به من الطاعات، فضلًا عن غيرها من سائر النعم، يجد أن كل شيء من الله تبارك وتعالى، ابتداءً وانتهاءً، فهو الذي أوجد وخلق، وهو الذي أعطى ورزق، وهو الذي ألهم ووفق، وهو الذي علم وهدى، وهو الذي أعان وقوى، وهو الذي يسر وسهل، وهو الذي تمم وأكمل ثم هو الذي يتكرم فيتقبل، ثم يثيب ويأجر، ويضاعف الثواب ويشكر، فما أعظم الله وما أعظم قدرته وما أوسع حلمه ورحمته وما أجل كرمه وما أعظم نعمته وما أبلغ علمه وحكمته! ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ [فاطر: 3].


وإن من حسن الإسلام وكمال توحيد رب الأنام: نسبة النعم إلى الله تعالى، والاعتراف له بها، وشكره عليها وحمده؛ قال تعالى: ﴿ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة: 152]، وقد وعد المولى عباده الشاكرين بالجزاء الحسن؛ فقال: ﴿ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 145]، وأكرمهم بالزيادة في العطاء؛ فقال: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7]، ولا شك أن ذكر النعم، وشكر المنعم أمر واجب على كل مؤمن؛ فالله جل وعلا يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ [المائدة: 11]، وقال تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 11]، فشكر المنعم والتحدث بنعمه هو منهج الأنبياء والمرسلين، فهذا سليمان عليه السلام يقول: ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ [النمل: 19]، وقال تعالى مثنيًا عليه وعلى أبيه داود: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 13]، وأثنى قبل ذلك على جدهم إبراهيم عليه السلام؛ فقال تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [النحل: 120، 121]، ومن بعدهم موسى عليه السلام يعاهد ربه فيقول: ﴿ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ [القصص: 17]، وعيسى عليه السلام يتحدث بنعمة الله عليه فيقول: ﴿ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴾ [مريم: 30 - 32]، وقال الله تعالى لخاتم أنبيائه وأفضل رسله: ﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ [الزمر: 66]، فقام صلى الله عليه وسلم حتى تفطرت قدماه، وحين تعجب الصحابة من طول قيامه، قال: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا؟))،والتحدث بالنعمة يكون بإظهار آثارها؛ ففي سنن الترمذي بسند حسن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده))، وفي مسند الإمام أحمد عن أبي الأحوص عن أبيه قال: ((أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليَّ شملة أو شملتان، فقال لي: هل لك من مال؟ قلت: نعم، قد آتاني الله عز وجل من كل ماله من خيله وإبله وغنمه ورقيقه، فقال: فإذا آتاك الله مالًا فليرَ عليك نعمته فرُحت إليه في حُلة))، وأخبرنا صلى الله عليه وسلم أن جائزة من أظهر أثر النعمة وقضى حوائج الناس بها هي: الأمن من عذاب الله؛ فقال في الحديث الحسن: ((إن لله عبادًا اختصهم بحوائج الناس، فيفزع الناس إليهم في حوائجهم، وأولئك هم الآمنون من عذاب الله))؛ [رواه الطبراني]، وعلى العكس، نجد أن الله تعالى ذم من يكتم النعمة وقرنه بالبخل؛ فقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [النساء: 37]، وحذر نبينا العدنان عليه الصلاة والسلام من لم يظهر آثار النعمة عليه، ولا يقضي حوائج الناس بها، رغم أن هذه النعمة فاضت عن حاجته، فقال في الحديث: ((كل عبدٍ أنعم الله عليه نعمةً فأسبغها عليه - أي فاضت عن حاجته - ثم جعل من حوائج الناس إليه فترم - أي أعرض - فقد عرض تلك النعمة للزوال))؛ [رواه الطبراني في المعجم]،أعلى النموذجأسفل النموذج فمن الخذلان للعبد نسيانه نعم الله تعالى بسبب جحدها، أو بسبب ألفها واعتيادها، ومن التوفيق له في العاجلة والآجلة تذكر نعم الله تعالى عليه في كل أحيانه وأحواله، وتذكير نفسه وغيره بها، في عسره ويسره، وفي فرحه وترحه، وفي فراغه وشغله، وفي شبابه وكهولته وهرمه؛ فإن نعم الله تعالى تحيط بالعبد في كل مراحل عمره، وإن تذكرها يقود إلى شكرها، فتزداد النعم بالشكر، فاذكر نعمة الله عليك، وأن الله تبارك وتعالى هو الذي أوجدك من العدم، وسوَّاك في أحسن تقويم، ونفخ فيك من روحه، وعلمك ما لم تكن تعلم، ورزقك من الطيبات، وهو الذي أطعمك وسقاك، وكساك وآواك، وهو الذي متعك بسمعك وبصرك، وعقلك وعافيتك، وسائر قواك، وهو الذي كرمك وحملك في البر والبحر، وفضلك على كثير ممن خلق تفضيلًا، ﴿ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: 113].


اذكر نعمة الله عليك: فهو الذي هداك لهذا الدين العظيم، وهو الذي وفقك لصراطه المستقيم، وهو الذي شرح صدرك، ونور قلبك، وهو الذي ثبتك على شرعه القويم، وهو الذي: ﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾ [الحجرات: 7]، ﴿ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [البقرة: 64]، ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: 83]، تأملوا قول الحق جل وعلا: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ [النحل: 18]، وكيف أن الإنسان مع كل خفقة قلب، ومع كل طرفة عين، ومع كل حركة عضو، ومع كل خاطرة عقل، هناك نعم لا تعد ولا تحصى، ومع كل كلمة ينطقها، أو عبارة يسمعها، أو معنًى يفهمه، هناك نعم لا تعد ولا تحصى، ومع كل لقمة يأكلها، أو شربة يشربها، أو نفس يتنفسه، هناك نعم لا تعد ولا تحصى، ومن بات آمنًا في سربه، معافًى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها.


تأمل أيها الإنسان في جسمك العجيب، مليارات الخلايا، ملايين الأنسجة، آلاف الكيلومترات من الشعيرات الدموية، والنهايات العصبية، وما لا يتصور من التفاعلات الكيميائية، والعمليات الحيوية، كلها تتم على مدار اللحظة والثانية، وكل واحدة منها فيها من النعم والآلاء مما لا يعد ولا يحصى، ثم إن هناك نعمًا أخرى هائلةً وغزيرةً، لها أشكال وأحوال وفروع جد كثيرة، لا يتصورها خيال، ولا تخطر على بال، فضلًا عن أن تعرف أو تستقصى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85]، وإذا كان الذي وصلنا من الخيرات والنعم لا يعد ولا يحصر، فإن ما صرفه الله عنا من الشرور والأخطار أكثر وأكثر، ومن تأمل حكمة الله في المنع والعطاء، عرف أن بعض العطاء منع، وبعض المنع عطاء، وإذا كان العطاء نعمةً، فإن المنع نعمة أيضًا؛ بل ربما كان المنع أفضل من العطاء: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216]، فهذه الأرض التي نسكن عليها، كم فيها من النعم؟ فلو تحركت قليلًا، بل لو تحرك هواؤها، أو فاض ماؤها، أو ماج بحرها، أو أخرجت بعض ما في جوفها: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 251]، وحين يتنقل الإنسان بأي وسيلة من وسائل المواصلات، فإن احتمال تعرضه للحوادث بعدد الثواني التي يستغرقها مشواره، بل هي أكثر؛ تأمل قوله تعالى: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ [الرعد: 11]، فقد جاء في تفسيرها: أنهم ملائكة يحفظون الإنسان من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء قدره خلوا عنه، وما أجمل قول الشاعر:

كم نطلب الله في ضر يحل بنا
فإن تولت مصيبتنا نسيناه
ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا
فلما رجعنا إلى الشاطئ عصيناه
ونركب الجو في أمن وفي دعة
فما سقطنا لأن الحافظ الله


ثانيًا: نسيان النعم وكفران النعم آفة خطيرة، عباد الله:

أيها السادة: جُبلت النفوس على حب من أحسن إليها، ولا أحد أعظم إحسانًا من الله جل في علاه؛ فالمخلوق يتقلب في نعمٍ من الله لا تعد ولا تحصى؛ ومع هذا فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 13].


ونسيان النعم وكفران النعم آفة خطيرة ومرض سرطاني مدمر، وخزي وعار وهلاك ودمار، ونسيان النعم داء عضال حذر منه سيد الأنام صلى الله عليه وسلم، فينسى العبد نعم الله تعالى عليه الماضية والحاضرة، ويضيق بصره وعقله فلا يرى إلا ما فاته من شيء قليل يطلبه، أو ما أصابه من ضراء تزعجه.


بل يصل النسيان بالعبد إلى حدِّ أنه قد يظن أن النعم الماضية والحاضرة هي مستحقة له، ليس لشيء إلا لأنها أُغدقت عليه، والحقيقة أن كل نعمة نالها العبد فهي من محض فضل الله تعالى عليه، ولا يستحقها العبد لولا رحمة الله تعالى به، وعفوه عن ظلمه وعصيانه؛ والآيات في هذا واضحة بينة: ﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ ﴾ [الكهف: 58]، ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾ [النحل: 61]، ولما أصيب الصحابة في أحد بجراحهم وقُتل أحبتهم، خاطبهم الله تعالى مذكرًا إياهم بنعمته عليهم بالانتصار في بدر، فكان ذلك مخففًا لمصيبتهم، مذكرًا لهم بشكر ربهم سبحانه: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [آل عمران: 165].


وكفار مكة لما ألفوا نِعم ربهم سبحانه لم ينظروا إليها فيشكروها، بل ظنوا أنها نعم مستحقة لهم، فأدى بهم ظنهم هذا إلى كفرها، وقد ذكرهم الله تعالى بإيلافهم للنعم: ﴿ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾ [قريش: 1 - 4]، فألِفت قريش رحلة الشتاء إلى اليمن لجلب البضاعة إلى مكة، كما ألفت رحلة الصيف إلى الشام للغرض ذاته، ونسوا أن هدايتهم لهاتين الرحلتين وتيسيرهم وحفظهم هو محض فضل الله تعالى عليهم، ولا سيما أن قوافلهم التجارية تنجو من السطو واختلاسها، ولكن إلفهم لها أنسهم نعمة الله تعالى عليهم بها، ولذلك لما ذكرهم سبحانه بهاتين الرحلتين، أمرهم بعبادته وحده لا شريك له، وذكرهم مرةً أخرى بعد أمرهم بعبادته: بأنه أمنهم من المجاعات، وأمنهم من المخاوف، لما وقر في نفوس العرب من حرمتهم، لأنهم سكان الحرم وعمار الكعبة، وبما ألهم الناس من جلب الميرة إليهم من الآفاق المجاورة كبلاد الحبشة، ورد القبائل فلا يغير على بلدهم أحد؛ قال تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ [العنكبوت: 67]، فأكسبهم ذلك مهابةً في نفوس الناس وعطفًا منهم.


فمن جحود النعمة أن يصاب صاحبها بالغرور، فيظن أن ما به من نعمة فبفضل قوته أو علمه أو حيلته ودهائه وتخطيطه، وينسى خالقه ورازقه الذي تفضل بذلك عليه، فلا يعترف بفضله، ولا يشكره على عطائه، ولا يقوم بحقه عليه: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾ [الانفطار: 6]، ما غرك بربك الكريم؟ ما غرك أيها الإنسان، أيها الماء المهين، ما غرك؟ أيها النطفة الحقيرة، ما غرك؟ أيها الطين، أيها الصلصال، أيها الحمأ المسنون:

نسي الطين يومًا أنه طين
حقير فصال تيهًا وعربد
وكسا الخز جسمه فتباهى
وحوى المال كيسه فتمرد


تمرد الطين واختال وعتا وعربد فقال: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ [القصص: 78]، وقال: ﴿ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾ [البقرة: 258]، وقال: ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ﴾ [الزخرف: 51]، وقال: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ [غافر: 29]، تمرد وعتا فقال: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعات: 24]، فما أحلم الله إذ أمهل كل طين هذا حاله، وكل نطفة ذلك شأنها!


فكفران النعمة وجحود النعم سبب من أسباب دخول النار، فكم من أُهلك بسبب جحده لنعمة ربه وعصيانه لوصاياه، وفساده في الأرض! فشكر النعم وإقرارها بالعمل الصالح وإطاعة الرب تعالى هو سبيل الخلود في النعيم، وكفرانها وتعاليها والظلم والفساد هو سبيل الهلاك ودخول النار، فكم من الناس قد جحدوا نعمة الله وبدلوها كفرًا وجورًا وظلمًا وفسادًا وطغيانًا؛ كما قال ربنا سبحانه: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ * وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴾ [إبراهيم: 28 - 30].


فكفران النعمة وجحود النعم سبب في زوالها وضياعها: فكم من جاحد منكر، لا يعترف بفضل الله ولا يقر بعطائه ولا يشكره على آلائه؛ عاقبه الله تعالى بزوال النعمة وفقدها، وجعله آيةً وعبرةً للناس من بعده؛ قال سبحانه: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112]، ويقول الله تبارك وتعالى في شأن قرية سبأ، التي أنعم الله على أهلها بنعم كثيرة من أنهار وزروع وثمار وخيرات كثيرة، فأعرضوا عن شكره وتخلوا عن عبادته: ﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾ [سبأ: 15 - 17]، وقال تعالى عن أصحاب الجنة – أي الحديقة – الذين تآمروا وأجمعوا على أن يمنعوا الفقراء من حقهم وعطائهم الذي كانوا يأخذونه من أبيهم قبل وفاته: ﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴾ [القلم: 17 - 20].


ومن أعجب القصص التي قصها النبي صلى الله عليه وسلم لأخذ العظة والعبرة خبر ثلاثة من بني إسرائيل ابتلاهم الله تعالى بالشدة والحاجة، ثم غير الله حالهم إلى رخاء وسعة؛ اختبارًا لهم وامتحانًا ليظهر منهم شاكر النعمة مما أوتوا، فيكونوا عبرةً لمن أنعم الله عليه بالخيرات الوافرة والنعم الكثيرة...


ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن ثلاثةً في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى، بدا لله عز وجل أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكًا، فأتى الأبرص، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه، فأُعطي لونًا حسنًا وجلدًا حسنًا، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل - أو قال: البقر - فأُعطي ناقةً عشراء، فقال: يبارك لك فيها، وأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني هذا، قد قذرني الناس، فمسحه فذهب، فأُعطي شعرًا حسنًا، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر، فأعطي بقرةً حاملًا، ويبارك لك فيها، وأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله إليَّ بصري، فأبصر به الناس، فمسحه فرد الله إليه بصره، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطي شاةً والدةً، فأنتج هذان وولد هذا، فكان لهذا وادٍ من إبل، ولهذا وادٍ من بقر، ولهذا وادٍ من غنم، ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، تقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيرًا أتبلغ عليه في سفري؟ فقال له: إن الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيرًا فأعطاك الله؟ فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر، فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت، وأتى الأقرع في صورته وهيئته، فقال له: مثل ما قال لهذا، فرد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذبًا فصيرك الله إلى ما كنت، وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل وتقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاةً أتبلغ بها في سفري؟ فقال: قد كنت أعمى فرد الله بصري، وفقيرًا فقد أغناني، فخذ ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك)).


فما أجمل عاقبة الشكر والاعتراف بالنعم، وما أسوأ عاقبة الجحود وكفران النعم! فالجزاء من جنس العمل، وقد قال ربنا سبحانه: ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾ [الإسراء: 7]، وقال عز وجل: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت: 46].


وأقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي شرع الدين ويسره، ووعد بالثواب وكثَّره، وخلق الإنسان فقدره، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا مزيدًا إلى يوم الدين؛ أما بعد:

ثالثًا وأخيرًا: هل شكرت الله على نعمه وآلائه؟

إن من سنن الله الجارية في عباده، أن النعمة لا تدوم لمن كفرها، ولا تستمر لمن أساء استعمالها، ومن تأمل سنن الله في التاريخ، وجد أن الجوع والخصب، والنقص والوفرة، ليسوا حوادث عابرةً، بل آيات يذكر الله بها عباده، لعلهم يرجعون؛ لذا لقد رضيَ الله عز وجل لعباده الشكر ورغبهم فيه، وكره وكرهم الكفر والفسوق والعصيان؛ فقال سبحانه: ﴿ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ [الزمر: 7]، وإنما رضي لهم سبحانه الشكر لأنه سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة؛ كما قال سبحانه: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7]، فالشكر معه المزيد أبدًا، فمتى لم ترَ حالك في مزيد فاستقبل الشكر، والشكر حقيقته: الاعتراف بالنعمة للمنعم واستعمالها في طاعته، والكفران: استعمالها في المعصية، وقليل من يفعل ذلك، لأن الخير أقل من الشر، والطاعة أقل من المعصية، لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم أو تنتفخ قدماه، فيقال له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيقول: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا؟))، وإن فضيلة الشكر من أعظم النعم، ولا يمكن أن يحافظ على هذه النعمة إلا معانٌ من قِبل الرحمن، ولذا كانت وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه بقوله: ((أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك))، وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ((رب أعني ولا تعن عليَّ، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر الهدى لي، وانصرني على من بغى علي، رب اجعلني لك شكارًا، لك ذكارًا، لك رهابًا، لك مطواعًا، لك مخبتًا، إليك أواهًا منيبًا...))؛ الحديث، فيا من تركت الصلاة، وأضعت الصلاة؛ أين أنت من شكر النعم؟ يا من منعت الزكاة، وبخلت بالمال على الفقراء؛ أين أنت من شكر النعم؟


يا من تتمتع بصحة البدن، وسلامة الجوارح من العلل؛ أين أنت من شكر النعم؟ يا من يسر الله لك في منصب ووظيفة؛ أين أنت من شكر النعم؟ يا من وفقك الله في تجارتك أو مصنعك أو فلاحتك؛ أين أنت من شكر النعم؟ يا من أنعم الله عليك بالذرية الصالحة والأسرة المباركة؛ أين أنت من شكر النعم؟


فاتقوا الله عباد الله، واشكروه على ما أولاكم من النعم، فإن الشكر حارس النعمة، وضامن بقائها، وسبب في زيادتها؛ قال الله تعالى: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إبراهيم: 7]، فاحمدوا الله - أيها المسلم - أنه لم يجعلكم زنديقًا ولا شيوعيًّا، ولا اشتراكيًّا ولا وطنيًّا ولا قوميًّا، ولكن جعلكم حنيفًا مسلمًا، ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ [يونس: 58]، فتلك هي النعمة التي يريد العبد أن يخرج من هذه الدنيا ظافرًا بها؛ ولذلك دعا العبد الصالح والنبي الكريم يوسف بن يعقوب عليهما السلام ربه قائلًا: ﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ [يوسف: 101]، وكان خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلوات الله وسلامه عليه يقول في دعائه في صلاة الجنازة: ((اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان)).

إذا كنت في نعمة فارعها
فإن المعاصي تزيل النعم
وحافظ عليها بتقوى الإله
فإن الإله سريع النقم


هذا وصلوا وسلموا رحمكم الله على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، كما أمركم بذلك العزيز الحكيم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • {وأما بنعمة ربك فحدث} (خطبة)
  • وأما بنعمة ربك فحدث (خطبة)
  • المعنى العميق لقوله تعالى: {فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السائل فلا تنهر * وأما بنعمة ربك فحدث}

مختارات من الشبكة

  • البيان في تفسير القرآن - تفسير قوله تعالى (وأما بنعمة ربك فحدث)(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • تفسير: (وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • هل النار ينشئ الله جل جلاله لها خلقا؟(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حكم الشك في بقاء الطهارة؟(مقالة - آفاق الشريعة)
  • هل تحدثت عن نعم ربك؟(مقالة - آفاق الشريعة)
  • علة حديث: من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه...(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تخريج حديث: من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبول قائمًا فلا تصدقوه(مقالة - آفاق الشريعة)
  • إذا بلغت الآجال منتهاها فإما إلى جنة وإما إلى نار(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات حول آية: إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير: (وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • اختتام الدورة الثالثة عشرة لمسابقة التربية الإسلامية في فيليكو تشاينو
  • مسجد "توجاي" يرى النور بعد اكتمال أعمال بنائه في يوتازين
  • وضع حجر أساس مسجد جديد في غاليتشيتشي
  • تعديلات جديدة تمهد للموافقة على بناء مركز إسلامي في ستوفيل
  • ندوة شاملة لإعداد حجاج ألبانيا تجمع بين التنظيم والتأهيل
  • اختتام الدورة السابعة عشرة من "مدرسة اليوم الواحد" لتعليم أصول الإسلام في تتارستان
  • الذكاء الاصطناعي وتعليم اللغة العربية محور نقاش أكاديمي في قازان
  • استعدادا لموسم الحج... محاضرات تأهيلية للحجاج في موسكو

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 20/11/1447هـ - الساعة: 11:1
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب