• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    إن إبراهيم كان أمة (خطبة)
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    دروس إيمانية من قصة موسى عليه السلام (3) (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها: تاج ...
    بكر عبدالحليم محمود هراس
  •  
    الوسطية في مسألة الاجتهاد في العبادات
    صلاح عامر قمصان
  •  
    النوازل المعاصرة: تعريفها - أنواعها - طرق تجاوز ...
    أحمد محمد القزعل
  •  
    من عجائب الاستغفار (خطبة)
    د. محمد بن مجدوع الشهري
  •  
    الحج امتداد بين نداء إبراهيم وبلاغ محمد صلى الله ...
    د. عبدالرزاق السيد
  •  
    واقع الأمة من مفهوم الجهاد
    د. محمد عطاء إبراهيم عبدالكريم
  •  
    خطورة الكذب
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    تعريف الخاص
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    فتنة القبر
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    أمانة الحرف القرآني: مخارج الحروف توقيفية لا ...
    فراس رياض السقال
  •  
    الوصية الجامعة النافعة لأهل القرآن
    يزن الغانم
  •  
    الفواكه لذة الدنيا ونعيم الآخرة (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    العفو من شيم الكرام (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    من يخافه بالغيب؟
    سعيد بن محمد آل ثابت
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / عقيدة وتوحيد / الكتب السماوية والرسل
علامة باركود

إن إبراهيم كان أمة (خطبة)

إن إبراهيم كان أمة (خطبة)
الشيخ عبدالله محمد الطوالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 5/5/2026 ميلادي - 18/11/1447 هجري

الزيارات: 56

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

إن إبراهيم كان أُمَّة

 

الحمدُ للهِ، الحمدُ للهِ الواحدِ الأحدِ، الفرد الصمد، حمدًا كثيرًا لا يُحدُ ولا يُعدُ، ولا يَبيدُ ولا ينفدُ، سبحانهُ وبحمدهِ، وجلَّ شأنُهُ، ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص:3]... وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ، منه المبتدأ، وإليه المنتهى، وعليه المعتمدُ، ومنهُ وحدهُ سبحانه أطلُبُ المددَ، ﴿ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ﴾ [الكهف:17]... وأشهدُ أن محمدًا عبدُ اللهِ ورسولهُ، وصفيهُ وخليلهُ، وأحسنُ خلْقِ اللهِ خُلُقًا وخِلْقة ً.. وأطهَرَهُمْ قلبًا وأطولَهُم يدا.. فواللهِ لا واللهِ ما جاءَ مثلَهُ.. على الدنيا أبـرَّ وأوفى وأرشـدا.. علـيـكَ ســلامُ اللهِ دومــًا ولـم يــزل.. بهِ يُختَمُ الذِّكرُ الجميلُ ويُبتدا.. اللهم صلِّ وسلَّمَ وباركَ عليه، وعلى آله وصحبهِ والتابعينَ، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدينِ، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا..

 

أمَّا بعدُ: فيا أيُّها المسلمون اتقوا اللهَ حقَّ تقاتهِ، فإنَّ في تقواهُ عزَّ وجلَّ العصمةُ من الضلالةِ، والسلامةُ من الغوايةِ، والأمنَ من المخاوفِ، والنجاةَ من المهالكِ.. ومن حقَّقَ التقوى آتاه اللهُ نورًا يفرِّقُ به بين الضلالةِ والهدى، والبصيرةِ والعمى، ﴿ يِـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ [الأنفال:29]..

 

معاشر المؤمنين الكرام: المتأمل في قصةَ إبراهيم عليه السّلام وسيرته في القرآن الكريم، يجد أنها من أطول القصص وأكثرها تفصيلًا وأحداثًا، وأعمقها عِظةً وعبرة.. وهذا يعني أنّ لها دورًا كبيرًا في تحقيق أهداف القرآن الكريم ومقاصده.. كما أنّ لها ارتباطًا بالأضحية ومناسك الحج، مما يجعلنا نشتاقُ لمعرفة تفاصيل هذه السيرة العطرة، وما فيها من الدروس والعبر.. فمن أين نبدأ الحكاية..

 

إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو الأبُ الثالث للبشرية.. فلئن كان آدم عليه السلام هو أبو البشرية الأول، ولئن كان نوحٌ عليه السلام هو الأب الثاني، فإنّ إبراهيم عليه السلام هو الأبُ الثالث.. جعل الله النبوة والكتاب في ذريته، فلم يأت نبيٌّ بعده إلا من ذريته؛ وجعله مَثَلًا أعلى للبشر، فقال تعالى: ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ [البقرة:124]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾ [النحل:120]..

 

اختاره الله لبناء بيته العتيق، وكعبتهِ المشرفة، أولُ بيتٍ وُضع للناس، وأمرَهُ أن يؤذن في الناس ويدعوهم للحج إليه، فكل من حجَّ أو اعتمرَ فإنما يلبي دعوة إبراهيم عليه السلام.. وفي قوله تعالى: ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ [البقرة:125]، أمرَ اللهُ الأمةَ جمعاء أن يتخذوا من مقام إبراهيمَ مصلَّى، تكريمًا لذكراه، وإحياءً لآثاره عليه السلام..

 

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾، وإبراهيم معناها: الأب الرحيم، شهدَ اللهُ له بسلامة القلب، فقال تعالى: ﴿ إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيم ﴾ [الصافات:84].. وأثنى عليه بقوله: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [النحل:120].. والأُمة هو: القدوة المعُلمُ للخير.. والقانت: هو الملازمُ لطاعة الله.. والحنيف: هو المقبل على الله تعالى المعرض عما سواه.. وقال عنه أيضًا: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ﴾ [هود:75]، فالحليم: هو الصبور المتأني.. والأوَّاه: هو المتضرّع في الدُّعاء.. والمنيب: هو الرَّجاع إلى ربه..

 

وجميعُ أهل المللِ متفقونَ على تعظيمه ومحبته، وتوقيره والثناء عليه.. وقد كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يُجلهُ ويعظمه أيما تعظيم.. ففي صحيح مسلم أنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ»..

 

وكان رسولنا صلى الله عليه وسلم أشبهَ الخلق به، ففي الحديث الصحيح أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ -يَعْنِي نَفْسَهُ صلى الله عليه وسلم».

 

ولم يؤمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يتبعَ ملةَ أحدٍ من الأنبياء غيره، فقال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل:123]، وأمرَ اللهُ الأمة بذلك فقال تعالى: ﴿ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ﴾ [الحج:78].

 

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾، فقد شهد الله له بأنه قد وفَّى وقام بكل ما أُمر به، فقال تعالى: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ [النجم:37]، قال ابن عباس: وفَّى بالقيام بجميعَ شرائع الإسلام، ووفَّى ما أُمر به من تبليغ الرسالة.. وقال تعالى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ [البقرة:124]، فلما أتمَّ ما أُمرَ به، جعلهُ الله إمامًا للناس يأتمون به.. واتخذهُ اللهُ خليلًا، والخلةُ هي كمالُ المحبة، ووهب له الأولاد بعد الكبر واليأس، ثم امتحنه سبحانه فأمرهُ بذبح ابنه إسماعيل، فلمَّا استسلما للأمر، وعزما على التنفيذ، فدا الله الابن بذبحٍ عظيم؛ وجعلهما من المحسنين، ثم صارت الذبائح والقرابين والضحايا سنة في الأمة إلى يوم الدين.

 

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾.. فهو الذي فتح للأمة باب مناظرة المشركين وأهل الباطل، وإلزامهم بالحجة الواضحة إلى أن يقروا أو يُبهتوا.. مع ما في مناظراته من الأدب، وحُسن الجدال.. وقد ذكر الله سبحانه مناظرته في القرآن مع الملك الطاغية الظالم، ومناظرته مع عباد الأوثان، ومع عباد الكواكب والنجوم، وأظهر الله حجته على الجميع وأفحمهم، قال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ﴾ [الأنعام:83].

 

بدأ نبي الله إبراهيم عليه السلام دعوته إلى توحيد الله بدعوة أبيه، ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام:74].. وتلطف في دعوته له تلطفًا عظيمًا، وناداه بنداءٍ يفيض رقةً وحنانًا.. يا أبت.. يا أبت.. يكررها أربع مرات.. ومع كل هذا اللطف والأدب، فقد كان ردُّ الأب قاسيًا.. وهدده بالرجم والهجران.. ﴿ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴾ [مريم:46]، فرد عليه بكل لطفٍ وحنان: (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ)، لن يأتيك مني ما يؤذيك، و(سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) [مريم:47].

 

ومضى إبراهيم عليه السلام في دعوته، يجادل قومه ويقيم عليهم الحجة بعد الحجة.. يسألهم مستنكرًا: ﴿ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ﴾ [الأنبياء:52]، قالوا: ﴿ وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء:53]، فيرد عليهم: ﴿ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنبياء:54]، ثم يناقشهم نقاشًا عقليًا مقنعًا، ويؤكد لهم أنّ هذه الأصنام لا تسمعُ من دعاها، ولا تضرُ من عادها، ولا تنفعُ من رجاها، ﴿ قال هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴾ [الشعراء:72]، وذكّرهم أنّ أصنامهم إنما هي حجارةٌ نحتوها بأيديهم فكيف يصحُّ أن تكون آلهة تعبد؟! ﴿ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الصافات:95].. وقال لهم: ﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [العنكبوت:17]، وبين لهم صفات المعبود الحق سبحانه، فقال لهم: ﴿ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [الأنبياء:56].. كما ذكر لهم أنّ المعبودَ الحق هو الذي يخلق ويرزق، وهو الذي يُطعم ويسقي، وهو الذي يشفي من الأمراض، وهو الذي يُحيي ويميت، وهو الذي يغفر الذنوب ويقبل التوبة. فقال: ﴿ إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِين * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾ [الشعراء: 77].. وأعلن البراءة من أصنامهم، وجاهرهم بعداوتها وعداوة من يعبدها: ﴿ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ ﴾ [الممتحنة:4].. ولم يزل يدعوهم إلى الله، ويجادلهم بالحجج القاطعة، والبراهين الساطعة.. لكنهم ضلوا مُعرضين عن الحق، مُصرين على الباطل.. فما كان منه إلا أن عمد إلى تلك الأصنام فحطمها؛ وجعلها (جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ) [الأنبياء:58].. لأنه إنما أرادَ أن يحطم قيمتها في قلوبهم، وأن يغير قناعاتهم نحوها.

 

حطَّم إبراهيمُ الاصنامَ كلها، وأبقى الكبير منها، وعلق الفأس على كتفه، ليُلقي التهمة عليه، فلما بلغهم الخبر وتساءلوا عن الفاعل لم يجدوا من يتهموه إلا إبراهيم، فأحضروه أمام الناس ليسمعوا اعترافه، وهذا ما كان يريده عليه السلام، وما خطط له؛ فإنه إنما أراد أن يقنعهم ويقيم الحجة عليهم أجمعين، فلما سألوه: ﴿ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ ﴾ [الأنبياء:62]، أحال الجواب على كبير الأصنام؛ ﴿ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ﴾ [الأنبياء:63].. اسألوهم إن كانوا آلهةً كما تظنون، ﴿ فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ ﴾ [الأنبياء:64]، تحركت عقولهم قليلًا، لكنهم سرعان ما عادوا إلى العناد والمكابرة.. قالوا: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ ﴾ [الأنبياء:65].. فحينئذ وبخهم على قلة عقولهم، ﴿ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنبياء:66]، أين عقولكم، كيف تعبدون ما لا ينفعكم شيئًا ولا يضركم، ولا يدفع عنكم ولا عن نفسه الأذى.. فلما غلبهم بالحجة وقوة المنطق, لجئوا إلى استعمال القوة والبطش، ﴿ قالوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء:68]، وفي الآية الأخرى: (قالوا ابنوا له بنيانًا فألقوه في الجحيم) [الصافات:97]..

 

فإذا بالحطب يُكدّسُ أكوامًا.. وإذا بالنار تؤجّجُ أهوالًا.. وإذا باللهب يرتفعُ عاليًا.. حتى لم يستطيعوا الاقتراب منها.. فربطوه، وقذفوه إليها من بعيد..

 

فقال وهو في تلك الحال: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال الله للنار: ﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِين ﴾ [الأنبياء:69].. وخرج إبراهيمُ من النار سالمًا منتصرًا، فلما سمع به مَلِكهم الطاغية استدعاهُ وقال له ألك ربٌّ غيري.. قال إبراهيم: ﴿ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ [البقرة:258]، قَالَ الطاغية، ﴿ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾، ﴿ قال إبراهيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة:258]..

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيم ﴾ [الأنبياء:83]..

 

أقول ما تسمعون..

 

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على عباده الذين اصطفى..

 

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله وكونوا مع الصادقين..

معاشر المؤمنين الكرام: بعد تلك المعاناة الشديد، خرج إبراهيم عليه السلام من العراق متوجهًا إلى فلسطين، ﴿ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم ﴾ [العنكبوت:26].. ولم تكن هجرتهُ عليه السلام نهاية محنته، بل كانت بداية الاصطفاء والابتلاء.. فبعد أن ثبتَ على التوحيد، وصبرَ على الأذى، ونجا من النار، ومن بطش النمرود، وهاجر في سبيل الله.. اختارهُ الله لشرفٍ لم ينلهُ بشرٌ غيره.. اختارهُ ليرفع قواعد بيته المحرم.. ويبني بيته العتيق.. قال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ ﴾ [البقرة:127].. ومع تنفيذه لأمر الله فهو يدعو ربه بخشوع: ﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيم * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيم ﴾ [البقرة:127].. كأنما يقول: يا رب.. إنما نبني البيت لإقامة توحيدك، وعبادتك وحدك..

 

ثم جاءه الأمر العجيب: ﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ﴾ [الحج:27].. وأين الناس يومئذ؟.. ومن الذي سيسمع النداء؟.. لكنه أَمرُ الله..

 

فأذّنَّ إبراهيم: ونادى ندائهُ الخالد: أيها الناس: إنّ اللهَ يأمركم أن تحجوا بيتهُ فحجوا.. فحمَلَ اللهُ صوته، وأسمعهُ من شاء من خلقه..

 

فكلُّ من لبّى وأتي.. فإنما يُجيب نداء الله.. ويلبي دعوة خليل الله..

 

وكلُّ من طافَ بالبيت العتيقِ وسعى بين الصفا والمروة فإنما يدور مع مراد الله، ويسعى لمرضاة الله..

 

وكلُّ من وقفَ بعرفة والمشعرِ الحرام فإنما يتجردُ لله، ويعلق قلبه بالله..

 

وكلُّ من حلقَ رأسهُ ورمي الجمار فإنما يُعلنُ الحربَ على عدوه وعدو الله..

 

وكلُّ من تقرب بأضحية فإنما يذبح هواه، ليرضي مولاه..

 

وكلُّ من حجَّ البيت أو اعتمر فإنما يجسد توحيد الله وإفراده بالعبادة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك..

 

تلك هي الْحَنِيفِيَّةُ التي اتَّصَفَ بها الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَمْضَى حَيَاتَهُ كُلَّهَا يَدْعُو إِلَيْهَا، وَحَطَّمَ الْأَصْنَامَ لِإِقَامَتِهَا، وَنَاظَرَ الْمُشْرِكِينَ لِإِثْبَاتِهَا، وَأُلْقِيَ فِي النَّارِ بِسَبَبِهَا، وَفَارَقَ قَوْمَهُ لِأَجْلِهَا، وَهَاجَرَ لِلَّهِ تَعَالَى يَدْعُو إِلَيْهَا، وَكانت هِيَ أَكْثَرُ شَيْءٍ أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيه بِهَا.. وَلَا عَجَبَ فِي ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْبَشَرَ مَا خُلِقُوا إِلَّا لِأَجْلِهَا: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات:56]، وَلَا خُلِقَتِ الْجَنَّةُ إِلَّا ثَوَابًا لِمَنْ قَامَ بِهَا، وَلَا خُلِقَتِ النَّارُ إِلَّا عِقَابًا لِمَنْ جحدها وأَعْرَضَ عَنْهَا..

 

إِنَّهَا الْحَنِيفِيَّةُ مِلَّةُ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّتِي اخْتَارَهَا اللَّهُ تَعَالَى دِينًا لِخَلْقِهِ، وهي الفِطرةُ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْبَشَرَ عَلَيْهَا، وَسَتَبْقَى بإذن الله ثابتةً إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ، غُصةً في حلوق المشركين وعباد الأوثان، ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم:30]..

 

وقد كان رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إذا أصبح وإذا أمسى يقول: «أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ، وَعَلَى كَلِمَةِ الإِخْلَاصِ، وَعَلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَعَلَى مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»، فَتَمَسَّكُوا يا عباد الله بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، ملة أَبيكم إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمن تَبِعَهُ من سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ والمرسلين، وَالتي جَدَّدَهَا نَبِيُّكم أَبُو الْقَاسِمِ صلى الله عليه وسلم، عضوا عليها بالنواجذ، وَرَبُّوا عَلَيْهَا أَوْلَادَكُمْ؛ فَإِنَّ الْفَوْزَ الْأَكْبَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعْقُودٌ بِهَا.. ﴿ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُون * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم ﴾ [الشعراء:88]..

 

فيا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، واحبب من شئت فإنك مفرقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان..





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • إن إبراهيم كان أمة
  • تفسير: (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين)
  • الخليل عليه السلام (3) (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله)

مختارات من الشبكة

  • تمايز الأمة المسلمة {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس}(مقالة - موقع أ. د. فؤاد محمد موسى)
  • فوائد وأحكام من قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أنقذته جارية فأنقذ الله بسببه أمة من الناس (PDF)(كتاب - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • واجب أمة الإسلام نحو نبيها محمد عليه الصلاة والسلام(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من رعاة غنم إلى قادة أمم.. (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أسباطا أمما(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ذكريات نحو الأم (حملته أمه وهنا على وهن)(محاضرة - موقع الشيخ د. خالد بن عبدالرحمن الشايع)
  • هل من حق الآباء إهانة أبنائهم؟(استشارة - الاستشارات)
  • سلسلة شرح الأربعين النووية: الحديث (4) إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • وضع حجر أساس مسجد جديد في غاليتشيتشي
  • تعديلات جديدة تمهد للموافقة على بناء مركز إسلامي في ستوفيل
  • ندوة شاملة لإعداد حجاج ألبانيا تجمع بين التنظيم والتأهيل
  • اختتام الدورة السابعة عشرة من "مدرسة اليوم الواحد" لتعليم أصول الإسلام في تتارستان
  • الذكاء الاصطناعي وتعليم اللغة العربية محور نقاش أكاديمي في قازان
  • استعدادا لموسم الحج... محاضرات تأهيلية للحجاج في موسكو
  • دورة تدريبية لتعزيز مهارات البحث بالمؤسسات الدينية في بلقاريا
  • برنامج الإرشاد والتوجيه الإيماني يختتم دورته الأولى بنجاح في بلغاريا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 17/11/1447هـ - الساعة: 10:40
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب