• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    فضل من ستر عورة مسلم
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    خطبة: علامات الدجال (1)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    عبادة الإصلاح بين الناس
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    سر الأمان في زمن الفتن (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    ثناء الله تعالى ونعمه على رسولنا الكريم في سورة ...
    عبدالله بن عبده نعمان العواضي
  •  
    {خذ العفو} (خطبة)
    سالم بن محمد الغيلي
  •  
    تحريم الاستهزاء بالله وملائكته وكتبه ورسله أو شيء ...
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    باب في محبة الله عز وجل
    د. خالد النجار
  •  
    أهل السنة والجماعة
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    خطبة: العمل الصالح
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    فصول في ظلال السيرة النبوية (4): (الاصطفاء ...
    أ. د. علي حسن الروبي
  •  
    شموع (120)
    أ. د. عبدالحكيم الأنيس
  •  
    خطبة: حق الطريق وآدابه في الإسلام
    محمد حسين حسن
  •  
    كلام الرب سبحانه وتعالى (3) كلامه عز وجل مع الرسل ...
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    باب في الشوق إلى لقاء الله
    د. خالد النجار
  •  
    حديث: إذا أتى أحدَكم خادمه بطعام
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
شبكة الألوكة / المواقع الشخصية / مواقع المشايخ والعلماء / د. محمود بن أحمد الدوسري / خطب
علامة باركود

ابتلاء الإنسان سنة كونية (خطبة)

ابتلاء الإنسان سنة كونية (خطبة)
د. محمود بن أحمد الدوسري

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 4/8/2026 ميلادي - 21/2/1448 هجري

الزيارات: 7490

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

ابتلاء الإنسان سنة كونية

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ؛ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ الْإِنْسَانَ عَبَثًا، وَلَمْ يَتْرُكْهُ سُدًى، وَلَمْ يُوجِدْهُ هَمَلًا: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: 115]؛ ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾ [الْقِيَامَةِ: 36].

 

وَجَعَلَ الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا دَارًا لِلِابْتِلَاءِ وَالِاخْتِبَارِ،وَهَيَّأَهَا بِالْوَسَائِلِ الْمُعِينَةِ عَلَى تَحَقُّقِهِ وَاسْتِمْرَارِهِ؛ فَجَعَلَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَنَافِعِ، وَتَعَدُّدِ الْمَصَالِحِ، وَمَا فِيهَا مِنْ زَخَارِفَ وَبَهَارِجَ وَمَحَاسِنَ؛ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الِابْتِلَاءِ: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا ﴾ [الْكَهْفِ: 7، 8].

 

وَأَوْجَدَ الْإِنْسَانَ مِنَ الْعَدَمِ، وَأَخْرَجَهُ إِلَى الدُّنْيَا؛ مِنْ أَجْلِ الِابْتِلَاءِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنْهَا إِلَى دَارٍ أُخْرَى لِيَنَالَ عَاقِبَةَ الِابْتِلَاءِ، فَحَيَاتُهُ وَمَوْتُهُ مِنْ أَجْلِ الِابْتِلَاءِ: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [الْمُلْكِ: 2].

 

وَاسْتَخْلَفَ الْإِنْسَانَ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ، وَمَلَّكَهُ إِيَّاهَا، وَجَعَلَ لَهُ حَقَّ التَّصَرُّفِ فِيهَا، وَالْقِيَامِ بِعِمَارَتِهَا، وَأَبْقَى فِيهَا نَوْعَهُ، جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، وَقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، وَخَالَفَ بَيْنَ أَحْوَالِهِمْ فِي الْخَلْقِ وَالْعَقْلِ وَالرِّزْقِ وَالْقُوَّةِ وَالْبَسْطَةِ وَالْعِلْمِ وَالْفَضْلِ؛ كُلُّ ذَلِكَ لِتَتَحَقَّقَ سُنَّةُ الِابْتِلَاءِ، وَيَتَحَقَّقَ اسْتِمْرَارُهَا: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الْأَنْعَامِ: 165].

 

وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ طَوْرًا إِثْرَ طَوْرٍ، وَحَالًا بَعْدَ حَالٍ، حَتَّى اسْتَقَامَ عُودُهُ، وَكَمُلَ خَلْقُهُ - بَعْدَ أَنْ كَانَ شَيْئًا حَقِيرًا؛ بَلْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا. وَزَوَّدَهُ بِوَسَائِلِ الْإِدْرَاكِ؛ لِيُمَيِّزَ بِهَا غَايَةَ وُجُودِهِ، وَحِكْمَةَ خَلْقِهِ، وَيَتَمَكَّنَ بِوَاسِطَتِهَا مِنِ اجْتِيَازِ مُدَّةِ الِابْتِلَاءِ وَالِاخْتِبَارِ، وَيُحَقِّقَ الْهَدَفَ الْمَرْجُوَّ مِنْ وُجُودِهِ: ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [الْإِنْسَانِ: 1-3].

 

وَفِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ وَهَبَهُ وَسَائِلَ عِدَّةً، وَنِعَمًا عَظِيمَةً تُمَكِّنُهُ مِنِ اجْتِيَازِ سُنَّةِ الِابْتِلَاءِ، وَيَتَعَدَّى مَرْحَلَةَ الِاخْتِبَارِ، وَمِنْ أَهَمِّهَا:

1- نِعْمَةُ الْفِطْرَةِ.

2- نِعْمَةُ الْحَوَاسِّ.

3- نِعْمَةُ الْهِدَايَةِ.

 

أَوَّلًا: نِعْمَةُ الْفِطْرَةِ: فَطَرَ اللَّهُ جَمِيعَ الْخَلْقِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، الْمَرْكُوزِ فِي الْفِطَرِ، وَهُوَ الدِّينُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي لَا يُغَيَّرُ وَلَا يُبَدَّلُ[1]، قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الرُّومِ: 30]. فَلَا يُخْلَقُ الْخَلْقُ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَوَّى بَيْنَ جَمِيعِ خَلْقِهِ فِي الْفِطْرَةِ عَلَى الْجِبِلَّةِ الْمُسْتَقِيمَةِ، وَالتَّهَيُّؤِ لِقَبُولِ دِينِهِ، لَا يُولَدُ أَحَدٌ إِلَّا عَلَى ذَلِكَ[2]، ﴿ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ فَهَذَا هُوَ الدِّينُ الْكَامِلُ الَّذِي لَا عِوَجَ فِيهِ وَلَا نَقْصَ، وَهُوَ طَرِيقٌ مُسْتَقِيمٌ، سَالِمٌ مِنَ الِانْحِرَافَاتِ وَالضَّلَالَاتِ، مُوصِلٌ إِلَى اللَّهِ وَجَنَّتِهِ وَرِضْوَانِهِ[3].

 

وَلَكِنْ: قَدْيَطْرَأُ عَلَى الْفِطْرَةِ مَا يُغَيِّرُهَا وَيُبَدِّلُهَا، وَيُفْسِدُ سَلَامَتَهَا وَاسْتِقَامَتَهَا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ[4]، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ[5]؟» ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ[6] كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ[7] عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

 

فَاللَّهُ تَعَالَى فَطَرَ عِبَادَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ، وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَإِذَا تُرِكَتِ الْفِطْرَةُ بِلَا فَسَادٍ كَانَ الْقَلْبُ عَارِفًا بِاللَّهِ، مُحِبًّا لَهُ، عَابِدًا لَهُ وَحْدَهُ؛ فَإِنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ بُعِثُوا لِتَقْرِيرِ الْفِطْرَةِ وَتَكْمِيلِهَا، لَا لِتَغْيِيرِ الْفِطْرَةِ وَتَحْوِيلِهَا، وَإِذَا كَانَ الْقَلْبُ مُحِبًّا لِلَّهِ وَحْدَهُ، مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ؛ لَمْ يُبْتَلَ بِحُبِّ غَيْرِهِ أَصْلًا[8].

 

فَالْإِنْسَانُ الَّذِي لَمْ تَفْسُدْ فِطْرَتُهُ؛ يَكُونُ مَجْبُولًا عَلَى سُلُوكِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَجْتَازُ بِهِ مَرْحَلَةَ الِابْتِلَاءِ، وَيُحَقِّقُ بِذَلِكَ الْغَايَةَ الَّتِي خُلِقَ مِنْ أَجْلِهَا.

 

ثَانِيًا: نِعْمَةُ الْحَوَاسِّ: وَهِيَ: نِعْمَةُ الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ؛ فَالْعَقْلُ: نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ تُمَيِّزُ الْإِنْسَانَ عَنِ الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِ، وَالسَّمْعُ، وَالْبَصَرُ: نِعْمَتَانِ عَظِيمَتَانِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 179]؛ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ [الْمُلْكِ: 23].

 

وَهُنَاكَ عَلَاقَةٌ وَطِيدَةٌ بَيْنَ الِابْتِلَاءِ وَبَيْنَ هَذِهِ الْحَوَاسِّ وَالْمَدَارِكِ؛ فَهِيَ وَسَائِلُ تُعِينُ الْإِنْسَانَ عَلَى أَنْ يُحَقِّقَ غَايَتَهُ الَّتِي خُلِقَ مِنْ أَجْلِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ [الْإِنْسَانِ: 2]. فَيَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَسْتَخْدِمَ هَذِهِ الْحَوَاسَّ وَالنِّعَمَ اسْتِخْدَامًا صَحِيحًا؛ لِيَتَمَكَّنَ مِنِ اجْتِيَازِ عَقَبَةِ الِابْتِلَاءِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.

 

وَلِهَذَا عَاتَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَفِيفًا عَظِيمًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ؛ بِسَبَبِ تَعْطِيلِهِمْ هَذِهِ الْحَوَاسَّ وَالنِّعَمَ، وَلَمْ يَسْتَفِيدُوا مِنْ رَصِيدِ الْفِطْرَةِ؛ فَانْحَدَرُوا إِلَى حَضِيضِ الْبَهِيمِيَّةِ؛ بَلْ تَجَاوَزُوا ذَلِكَ بِمَرَاحِلَ: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 179]؛ ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الْفُرْقَانِ: 44].

 

وَمِنْ هُنَا: كَانَتِ الْخَسَارَةُ خَسَارَةً مُبِينَةً لِمَنْ عَطَّلَ هَذِهِ الْحَوَاسَّ، أَوِ اسْتَخْدَمَهَا اسْتِخْدَامًا سَيِّئًا، يَتَنَافَى مَعَ مَا خُلِقَتْ مِنْ أَجْلِهِ، وَهُيِّئَتْ لَهُ: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الْإِسْرَاءِ: 36]؛ وَهُنَاكَ يَنْدَمُونَ، وَيَلُومُونَ أَنْفُسَهُمْ، حَيْثُ لَا يَنْفَعُ النَّدَمُ! ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [الْمُلْكِ: 10، 11]. فَهَؤُلَاءِ فَشِلُوا فِي اجْتِيَازِ عَقَبَةِ الِابْتِلَاءِ؛ حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِعُقُولِهِمْ، وَأَسْمَاعِهِمْ، وَأَبْصَارِهِمْ!

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ... أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ..

 

ثَالِثًا: نِعْمَةُ الْهِدَايَةِ: لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى دَارِ الِابْتِلَاءِ وَالِاخْتِبَارِ أَعْطَاهُ عَهْدًا لَهُ وَلِبَنِيهِ مِنْ بَعْدِهِ - إِنْ تَمَسَّكُوا بِهِ - رَدَّهُمْ تَارَةً أُخْرَى إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾ [طه: 123][9].

 

وَعَهْدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ هِدَايَةُ الْبَيَانِ وَالدَّلَالَةِ الَّتِي أَقَامَ بِهَا حُجَّتَهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَمَيَّزَ لَهُمْ بِهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَهِيَ الَّتِي أَرْسَلَ بِهَا رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ بِهَا كُتُبَهُ: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: 4]؛ ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [فُصِّلَتْ: 17][10] ، وَهِدَايَةُ الْبَيَانِ وَالدَّلَالَةِ لَا تَخُصُّ الرُّسُلَ وَحْدَهُمْ؛ بَلْ لَهُمْ وَلِلْعُلَمَاءِ وَالدُّعَاةِ مِنْ بَعْدِهِمْ.

 

فَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا بَعْدَ إِيصَالِ هَذِهِ الْهِدَايَةِ إِلَيْهِ، فَيُبَيِّنُ لَهُ طَرِيقَ الْحَقِّ مِنْ طَرِيقِ الضَّلَالِ؛ لِتَقُومَ بِذَلِكَ حُجَّتُهُ عَلَى الْخَلْقِ، وَيَنْتَهِيَ عُذْرُهُمْ: ﴿ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ [الْإِسْرَاءِ: 15]؛ ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النِّسَاءِ: 165][11].

 

فَبِنِعْمَةِ الْهِدَايَةِ يُمَيِّزُ الْإِنْسَانُ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [الْإِنْسَانِ: 3]؛ ﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ [الْبَلَدِ: 10]. فَأُعْطِيَ الْإِنْسَانُ حُرِّيَّةَ الِاخْتِيَارِ – وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ اخْتِيَارِهِ: ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ [الْكَهْفِ: 29]، وَعَلَى ذَلِكَ يَتَحَدَّدُ ثَوَابُهُ أَوْ عِقَابُهُ فِي الْآخِرَةِ.

 

فَتَبَيَّنَ: أَنَّ النِّعَمَ الثَّلَاثَ– نِعْمَةَ الْفِطْرَةِ، وَنِعْمَةَ الْحَوَاسِّ، وَنِعْمَةَ الْهِدَايَةِ – بَيْنَهَا ارْتِبَاطٌ وَثِيقٌ؛ فَالرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ الَّذِينَ بُعِثُوا بِالْهِدَايَةِ، إِنَّمَا جَاءُوا مُذَكِّرِينَ بِمَا فِي الْفِطْرَةِ، مُقَرِّرِينَ لِذَلِكَ، مُكَمِّلِينَ لَهُ، وَالْهِدَايَةُ إِنَّمَا تَتَأَتَّى بِوَاسِطَةِ الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ[12].



[1] انظر: تفسير ابن كثير، (3/ 688).

انظر: تفسير القرطبي، (14/ 31)؛ درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية (8/ 424).

[3] انظر: تفسير الطبري، (18/ 496)؛ تفسير ابن عاشور، (21/ 93).

[4] كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ: قال النووي رحمه الله: (فَهُوَ بِضَمِّ التَّاءِ الْأُولَى وَفَتْحِ الثَّانِيَةِ، وَرَفْعِ الْبَهِيمَةِ، وَنَصْبِ بَهِيمَةٍ، وَمَعْنَاهُ: كَمَا تَلِدُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً. (جَمْعَاءَ): بِالْمَدِّ، أَيْ: مُجْتَمِعَةُ الْأَعْضَاءِ، سَلِيمَةٌ مِنْ نَقْصٍ، لَا تُوجَدُ فِيهَا جَدْعَاءُ؛ وَهِيَ مَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ، أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْأَعْضَاءِ. وَمَعْنَاهُ: أَنَّ الْبَهِيمَةَ تَلِدُ الْبَهِيمَةَ كَامِلَةَ الْأَعْضَاءِ، لَا نَقْصَ فِيهَا، وَإِنَّمَا يَحْدُثُ فِيهَا الْجَدْعُ وَالنَّقْصُ بَعْدَ وِلَادَتِهَا). شرح النووي على مسلم، (16/ 209).

[5] جَدْعَاءَ: أَيْ: مَقْطوعة الْأَطْرَافِ، أو مقطوعة الأنف. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، (1/ 247)؛ غريب الحديث، للهروي (1/ 101).

[6] خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ: أَيْ: طَاهِرِي الأعْضاءِ مِنَ الْمَعَاصِي. وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُ خلَقَهُمْ حُنَفَاءَ مُؤْمِنِينَ؛ لَمَّا أخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، (1/  451).

[7] فَاجْتَالَتْهُمْ: أَي: اسْتَخَفَّتْهُم فَذَهَبتْ بهم، وساقَتْهُمْ إِلَى مَا أرادوه مِنْهُم، وجَالُوا مَعَهم في الضَّلال. واجْتَالَ الشَّيءَ: إِذَا ذَهَب بِهِ وسَاقَه، والجَائِلُ: الزَّائلُ عَنْ مَكَانِهِ. انظر: مشارق الأنوار على صحاح الآثار، لعياض (1/  165)؛ النهاية في غريب الحديث والأثر، (1/ 317).

[8] انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية (10/ 135).

[9] انظر: مفتاح دار السعادة، (1/ 32).

[10] انظر: مدارج السالكين، (1/ 42).

[11] انظر: شفاء العليل، (ص80).

[12] انظر: التبيان في أقسام القرآن، لابن القيم (ص39)؛ مفتاح دار السعادة، (1/ 107).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الثبات عند الابتلاء بالمعصية (خطبة)
  • فوائد الابتلاء بالمرض (خطبة)
  • ابتلاء الأبرص والأقرع والأعمى (خطبة)
  • من ألطاف الله تعالى في الابتلاء (خطبة)
  • من نعم الابتلاء بالمرض (خطبة)
  • الابتلاء بالتكاليف الشرعية (خطبة)
  • الابتلاء بالمصائب والنعم (خطبة)
  • هلك المتنطعون (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • حين تتحول الأمومة إلى ابتلاء: تأصيل شرعي ووعي نفسي للتعامل مع "السلوك النرجسي" لدى بعض الأمهات(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • الدنيا ميزان ابتلاء لا دار جزاء (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • هل أنا مكتئب؟(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • الإنسان والكون بين مشهد جلال التوحيد وجمال التسخير(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الآيات الإنسانية المتعلقة بجلد الإنسان(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • مراقبة الله تجعل الإنسان يؤدي ما عليه من الحقوق(مقالة - آفاق الشريعة)
  • هل عدم الكرامة نقص في دين الإنسان(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مراقبة الله تجعل الإنسان لا يدخل جوفه إلا الحلال(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من التيه إلى العبودية: رحلة الإنسان بين عداوة الشيطان وامتحان الإيمان(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ذكر بعض الصور الموضحة لإرادة الإنسان بعمله الدنيا(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسجد الأنجام يضيف صرحا إسلاميا جديدا إلى زيلينودولسك
  • شباب المسلمين في ملبورن على موعد مع مؤتمر «تحديات، مسؤوليات، تأثير»
  • بعد 129 عاما مسجد رجب التاريخي يتجدد في تتارستان
  • آلاف الأطفال يتنافسون في القرآن والمعرفة الإسلامية في أقاليم بلغاريا
  • انطلاق الدورة الـ18 من المدرسة اليومية لتعليم أساسيات الإسلام بتتارستان
  • ندوة نسائية في كاكانج تناقش بناء الأسرة على هدي القرآن والسنة
  • معلمو التربية الإسلامية في بانيا لوكا يبحثون توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم
  • برنامجان للتعليم الإسلامي والقرآن الكريم بعاصمة موزمبيق

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 22/3/1448هـ - الساعة: 9:22
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب