• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    أحكام التسويق عبر منصات التواصل الاجتماعي (PDF)
    بندر بن سعود النمر
  •  
    علمتني السنة: من هدي النبي صلى الله عليه وسلم إلى ...
    جمعية مشكاة النبوة
  •  
    تمام البلاغ وشكر النعم (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    تفسير قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    دعاة الجهل والصد عن سبيل الله
    أ. د. فؤاد محمد موسى
  •  
    تحريم سب الرسول صلى الله عليه وسلم وحكم الشرع فيه
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    تفسير سورة آل عمران الآيات (1-2)
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
  •  
    صلاة الجنازة (خطبة)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    امتحان الدنيا وامتحان الآخرة (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    من فضل العدل في القضاء: الرفق بالرعية سبب رحمة ...
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    الزواج بين هدي الإسلام وعادات الناس (خطبة)
    د. عبدالرزاق السيد
  •  
    العقد شريعة المتعاقدين
    أ. د. السيد أحمد سحلول
  •  
    اختراق الأماني وصحوة الضمير (خطبة)
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    أهمية الذكر وفوائده
    د. حسام العيسوي سنيد
  •  
    تخريج حديث: عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قبل ...
    الشيخ محمد طه شعبان
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب / في النصيحة والأمانة
علامة باركود

فضول الطعام (خطبة)

فضول الطعام (خطبة)
الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 29/7/2026 ميلادي - 13/2/1448 هجري

الزيارات: 2654

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

فضول الطعام

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَرِيمِ الْوَهَّابِ، الْغَنِيِّ الْقَهَّارِ؛ خَلَقَ الْخَلْقَ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهُمْ، وَمَنَحَهُمْ مَا تَقُومُ بِهِ حَيَاتُهُمْ، وَسَخَّرَ لَهُمْ مَا عَلَى أَرْضِهِمْ، وَكَلَّفَهُمْ بِحَمْلِ دِينِهِمْ، وَأَدَاءِ أَمَانَتِهِمْ، وَالْوَفَاءِ بِمِيثَاقِهِمْ، وَوَعَدَهُمْ بِالْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ عَلَى مَا حُمِّلُوا، نَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا وَاجْتَبَانَا، وَنَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَعْطَانَا وَأَوْلَانَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الْأُمَّةَ، وَتَرَكَنَا عَلَى بَيْضَاءَ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ؛ فَإِنَّ فِي تَقْوَاهُ اسْتِجْلَابَ الْأَرْزَاقِ وَالْخَيْرَاتِ، وَالْخُرُوجَ مِنَ الْمَضَائِقِ وَالْكُرُبَاتِ؛ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * ‌وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطَّلَاقِ: 2-3].

 

أَيُّهَا النَّاسُ: رَزَقَ اللّهُ تَعَالَى بَنِي آدَمَ أَنْوَاعَ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ؛ لِتَسْتَمِرَّ بِهَا حَيَاتُهُمْ، وَتَقُومَ بِهَا أَبْدَانُهُمْ؛ فَإِنَّ الْجُوعَ وَالْعَطَشَ يَفْتِكَانِ بِالْإِنْسَانِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَوَّذَ مِنَ الْجُوعِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ، فَإِنَّهُ ‌بِئْسَ ‌الضَّجِيعُ...» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَكِنَّ الطَّعَامَ كَذَلِكَ يَفْتِكُ بِصِحَّةِ الْإِنْسَانِ إِذَا زَادَ عَنْ حَاجَتِهِ، وَالْأَدْهَى مِنْ ذَلِكَ وَالْأَشَدُّ أَنَّهُ يُؤَثِّرُ عَلَى قَلْبِهِ وَعِبَادَتِهِ؛ فَيَقْسُو قَلْبُهُ بِكَثْرَةِ أَكْلِهِ، وَيَكْسَلُ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَتَقْوَى شَهْوَتُهُ؛ وَلِذَا كَانَتْ كَثْرَةُ الْأَكْلِ مَذْمُومَةً، وَكَانَ الشِّبَعُ مَكْرُوهًا، وَكَانَ الْإِسْرَافُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مُحَرَّمًا؛ ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا ‌وَلَا ‌تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 31]، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ: «جَمَعَ اللَّهُ ‌الطِّبَّ ‌كُلَّهُ ‌فِي ‌نِصْفِ آيَةٍ» فَذَكَرَهَا، وَذَمَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَثْرَةَ الْأَكْلِ، وَمِلْءَ الْبَطْنِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، ‌وَثُلُثٌ ‌لِنَفَسِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

 

وَكَانَ سَلَفُ الْأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَجْتَنِبُونَ فُضُولَ الطَّعَامِ، وَيَقْتَصِدُونَ فِي مَآكِلِهِمْ وَمَشَارِبِهِمْ؛ لِتَصْلُحَ قُلُوبُهُمْ، وَتَصْفُوَ لِلتَّفَكُّرِ عُقُولُهُمْ، وَتَقْوَى عَلَى الْعِبَادَةِ أَبْدَانُهُمْ، وَلِئَلَّا تُقْعِدَهُمُ التُّخْمَةُ عَنْ مَصَالِحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ﴾ [الْفُرْقَانِ: 67] قَالَ: «أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ كَانُوا لَا يَأْكُلُونَ طَعَامًا يَلْتَمِسُونَ بِهِ تَنَعُّمًا، وَلَا يَلْبَسُونَ ثِيَابًا يَلْتَمِسُونَ جَمَالًا...».

 

وَكَانُوا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَتَوَاصَوْنَ عَلَى ذَلِكَ؛ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِصَاحِبَيْكَ فَأَقْصِرِ الْأَمَلَ، ‌وَكُلْ ‌دُونَ ‌الشِّبَعِ، وَارْقَعِ الْقَمِيصَ، وَانْكُسِ الْإِزَارَ، وَاخْصِفِ النَّعْلَ؛ تَلْحَقْ بِهِمَا»، وَدَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَإِذَا عِنْدَهُمْ لَحْمٌ فَقَالَ: «مَا هَذَا اللَّحْمُ؟ فَقَالَ: اشْتَهَيْتُهُ، قَالَ: أَوَكُلَّمَا ‌اشْتَهَيْتَ ‌شَيْئًا ‌أَكَلْتَهُ؟ كَفَى بِالْمَرْءِ سَرَفًا أَنْ يَأْكُلَ كُلَّمَا اشْتَهَاهُ» وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَكَادُ ‌يَشْبَعُ ‌مِنْ ‌طَعَامٍ»، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ ‌يَجُوعُونَ ‌كَثِيرًا، وَيَتَقَلَّلُونَ مِنْ أَكْلِ الشَّهَوَاتِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِعَدَمِ وُجُودِ الطَّعَامِ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ لَا يَخْتَارُ لِرَسُولِهِ إِلَّا أَكْمَلَ الْأَحْوَالِ وَأَفْضَلَهَا؛ وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَتَشَبَّهُ بِهِمْ فِي ذَلِكَ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الطَّعَامِ، وَكَذَلِكَ كَانَ أَبُوهُ مِنْ قَبْلِهِ». لَقَدْ كَانَتْ هِمَّتُهُمْ فِي عُقُولِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ، وَالْتِمَاسِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ تَكُنْ هِمَّتُهُمْ فِي بُطُونِهِمْ وَفُرُوجِهِمْ، وَلَا فِي التَّكَثُّرِ مِنَ الدُّنْيَا، وَسَارَ عَلَى نَهْجِهِمُ الصَّالِحُونَ مِنْ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «بُؤْسًا لِمَنْ كَانَ ‌بَطْنُهُ ‌أَكْبَرَ ‌هَمِّهِ» وَلَمَّا حَضَرَتِ الْوَفَاةُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَعْلَمَ مِنْ قَلْبِي أَنِّي لَا أُحِبُّ الْحَيَاةَ وَأَكْرَهُ الْمَوْتَ مِنْ أَجْلِ بَطْنِي وَلَا فَرْجِي».

 

وَلِتَقْلِيلِ الْأَكْلِ فَوَائِدُ عَظِيمَةٌ:

مِنْهَا: مُجَانَبَةُ طَرِيقِ الْكُفَّارِ؛ فَإِنَّهُمْ يَعِيشُونَ لِأَجْلِ الدُّنْيَا وَمَتَاعِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُتَوَعِّدًا إِيَّاهُمْ: ﴿ ‌ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الْحِجْرِ: 3]، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُؤْمِنُ ‌يَأْكُلُ ‌فِي ‌مِعىٍ وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

 

وَمِنْهَا: خِفَّةُ الْبَدَنِ، وَالْقُوَّةُ فِي الطَّاعَةِ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَيُّهَا النَّاسُ، ‌إِيَّاكُمْ ‌وَالْبِطْنَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَإِنَّهَا مَكْسَلَةٌ عَنِ الصَّلَاةِ، مَفْسَدَةٌ لِلِجَسَدِ، مُورِثَةٌ لِلسَّقَمِ... وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي قُوتِكُمْ، فَإِنَّهُ أَدْنَى مِنَ الْإِصْلَاحِ، وَأَبْعَدُ مِنَ السَّرَفِ، وَأَقْوَى عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَإِنَّهُ لَنْ يَهْلِكَ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْثِرَ شَهْوَتَهُ عَلَى دِينِهِ».

 

وَمِنْهَا: ضَعْفُ الدَّاعِي لِلْمَعْصِيَةِ؛ فَإِنَّ الْبُطُونَ إِذَا أُتْخِمَتْ تَحَرَّكَتِ الْفُرُوجُ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «مَنْ ‌ضَبَطَ ‌بَطْنَهُ ‌ضَبَطَ دِينَهُ، وَمَنْ مَلَكَ جُوعَهُ مَلَكَ الْأَخْلَاقَ الصَّالِحَةَ، وَإِنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ تَعَالَى بَعِيدَةٌ مِنَ الْجَائِعِ، قَرِيبَةٌ مِنَ الشَّبْعَانِ، وَالشِّبَعُ يُمِيتُ الْقَلْبَ، وَمِنْهُ يَكُونُ الْفَرَحُ وَالْمَرَحُ وَالضَّحِكُ»، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَأَمَّا فُضُولُ الطَّعَامِ فَهُوَ دَاعٍ إِلَى أَنْوَاعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الشَّرِّ؛ فَإِنَّهُ ‌يُحَرِّكُ ‌الْجَوَارِحَ إِلَى الْمَعَاصِي، وَيُثْقِلُهَا عَنِ الطَّاعَاتِ، وَحَسْبُكَ بِهَذَيْنِ شَرًّا؛ فَكَمْ مِنْ مَعْصِيَةٍ جَلَبَهَا الشِّبَعُ وَفُضُولُ الطَّعَامِ! وَكَمْ مِنْ طَاعَةٍ حَالَ دُونَهَا! فَمَنْ وُقِيَ شَرَّ بَطْنِهِ فَقَدْ وُقِيَ شَرًّا عَظِيمًا، وَالشَّيْطَانُ أَعْظَمُ مَا يَتَحَكَّمُ مِنَ الْإِنْسَانِ إِذَا مَلَأَ بَطْنَهُ مِنَ الطَّعَامِ».

 

وَمِنْهَا: خُشُوعُ الْقَلْبِ، وَقِلَّةُ الْغَفْلَةِ وَالنَّوْمِ؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْأَكْلِ مَدْعَاةٌ لِلْغَفْلَةِ وَالنَّوْمِ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «مَنْ قَلَّ طُعْمُهُ ‌فَهِمَ ‌وَأَفْهَمَ، وَصَفَا وَرَقَّ، وَإِنَّ كَثْرَةَ الطَّعَامِ لَيُثْقِلُ صَاحِبَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يُرِيدُ»، وَسَأَلَ الْمَرُّوذِيُّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَقَالَ: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: لَا يَجِدِ الرَّجُلُ مِنْ قَلْبِهِ ‌رِقَّةً ‌وَهُوَ ‌يَشْبَعُ، قَالَ: مَا أَرَى»، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «إِيَّاكُمْ وَالْبِطْنَةَ، ‌فَإِنَّهَا ‌تُقَسِّي ‌الْقَلْبَ»، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «فَأَمَّا ‌التَّوَسُّعُ ‌فِي ‌الْمَطَاعِمِ فَإِنَّهُ سَبَبُ النَّوْمِ، وَالشِّبَعُ يُعْمِي الْقَلْبَ، وَيُرَهِّلُ الْبَدَنَ وَيُضْعِفُهُ».

 

نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعَلِّمَنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْعَمَلَ بِمَا عَلَّمَنَا.

 

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 281].

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: أَكْثَرَ النَّاسُ فِي زَمَنِنَا هَذَا مِنْ فُضُولِ الطَّعَامِ، وَأَسْرَفُوا فِيهِ أَيَّمَا إِسْرَافٍ؛ حَتَّى أُصِيبُوا بِالتُّخْمَةِ وَأَمْرَاضِ السِّمْنَةِ، وَاشْتَغَلَ تُجَّارُ الْمَطَاعِمِ فِي جَذْبِ النَّاسِ إِلَيْهِمْ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الدَّعَايَةِ الْمُرَغِّبَةِ فِي الْأَكْلِ؛ حَتَّى صَارَتْ دِعَايَاتُ الطَّعَامِ تُرَافِقُ النَّاسَ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَشَوَارِعِهِمْ، بَلْ وَفِي بُيُوتِهِمْ وَجَوَّالَاتِهِمْ، وَصَارَتْ تَطْبِيقَاتُ جَلْبِ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ تِجَارَةً رَابِحَةً، وَالْوَلَائِمُ صَغُرَتْ أَمْ كَبُرَتْ تُصَوَّرُ وَتُبَثُّ عَلَى الْمَلَأِ، وَفِي مَوَائِدِهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْأَطْعِمَةِ الشَّهِيَّةِ، وَالْحَلَوِيَّاتِ الْمُغْرِيَةِ؛ لِتَكْسِرَ بِبَثِّهَا عَلَى الْمَلَأِ قُلُوبَ الْفُقَرَاءِ وَالْمُعْدَمِينَ، فِي شَتَّى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ حَظِّهَا سِوَى الْفُرْجَةِ وَالْحَسْرَةِ، وَكَمْ جَرَّ هَذَا التَّصَرُّفُ السَّيِّءُ مِنْ وَيْلَاتٍ عَلَى أَصْحَابِ الْوَلَائِمِ؛ إِذْ تَوَجَّهَتْ إِلَيْهِمْ عُيُونُ الْحَسَدَةِ فَأُصِيبُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أَوْ أَوْلَادِهِمْ أَوْ أَمْوَالِهِمْ، وَهَذِهِ ضَرِيبَةُ التَّفَاخُرِ بِفُضُولِ الطَّعَامِ، وَمَعَ انْتِشَارِ ثَقَافَةِ كَثْرَةِ الْأَكْلِ وَتَنَوُّعِهِ فِي النَّاسِ؛ صَارَ النَّاسُ يَبْحَثُونَ عَنْ حُلُولٍ لِأَمْرَاضِ الْإِفْرَاطِ فِي الْأَكْلِ، وَيَلْتَمِسُونَ الْحِمْيَةَ وَالْعِلَاجَ مِنَ الْأَطِبَّاءِ، وَتَحَوَّلَتِ النِّيَّةُ فِي الْأَكْلِ مِنَ التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ إِلَى الْمُفَاخَرَةِ فِي الْوَلَائِمِ، وَالتَّشَهِّي فِي الْمَآكِلِ، فَلَا يَكُونُ الْآكِلُ مَأْجُورًا عَلَى أَكْلِهِ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «وَيَنْوِي بِأَكْلِهِ أَنْ يَتَقَوَّى عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِيَكُونَ مُطِيعًا بِالْأَكْلِ، وَلَا يَقْصِدُ ‌بِهِ ‌التَّنَعُّمَ ‌فَقَطْ، وَعَلَامَةُ صِحَّةِ هَذِهِ النِّيَّةِ أَخْذُ الْبُلْغَةِ دُونَ الشِّبَعِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ هَذِهِ النِّيَّةِ أَلَّا يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى الطَّعَامِ إِلَّا وَهُوَ جَائِعٌ، وَأَنْ يَرْفَعَ يَدَهُ قَبْلَ الشِّبَعِ، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكَدْ يَحْتَاجُ إِلَى طَبِيبٍ... وَطَرِيقُ الرِّيَاضَةِ فِي ‌كَسْرِ ‌شَهْوَةِ ‌الْبَطْنِ أَنَّ مَنْ تَعَوَّدَ اسْتِدَامَةَ الشِّبَعِ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُقَلِّلَ مِنْ مَطْعَمِهِ يَسِيرًا مَعَ الزَّمَانِ، إِلَى أَنْ يَقِفَ عَلَى حَدِّ التَّوَسُّطِ... فَالْأَوْلَى تَنَاوُلُ مَا لَا يَمْنَعُ مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَيَكُونُ سَبَبًا لِبَقَاءِ الْقُوَّةِ، فَلَا يُحِسُّ الْمُتَنَاوِلُ بِجُوعٍ وَلَا شِبَعٍ، فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ الْبَدَنُ، وَتَجْتَمِعُ الْهِمَّةُ، وَيَصْفُو الْفِكْرُ، وَمَتَى زَادَ فِي الْأَكْلِ أَوْرَثَهُ كَثْرَةَ النَّوْمِ، وَبَلَادَةَ الذِّهْنِ»، قِيلَ لِسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إِنَّ ابْنَكَ لَمْ يَنَمِ اللَّيْلَةَ، قَالَ: ‌أَبَشَمًا؟ -أَيْ: تُخْمَةً- قِيلَ: بَشَمًا، قَالَ: لَوْ مَاتَ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ».

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • ترك فضول الطعام

مختارات من الشبكة

  • الدعوة إلى الله وفضلها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • المفاخر بفضل المحرم والعاشر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الصاحب الملازم الذي لا يفارقك أبدا، وفضله في العشر (خطبة)(مقالة - ملفات خاصة)
  • {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} (خطبة)(مقالة - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • خطبة: نعمة الأمن وفضل العشر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة عن الصبر وفضله(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: شهر رجب، فضله، ومحدثاته(مقالة - آفاق الشريعة)
  • نعمة الاصطفاء: تاج الفضل ووسام الكرامة (خطبة)(مقالة - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • خطبة عيد الأضحى المبارك 1447(مقالة - آفاق الشريعة)
  • طعام وشراب النبي صلى الله عليه وسلم (خطبة)(مقالة - موقع الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • افتتاح تاريخي لأول مسجد في بلييفليا بالجبل الأسود منذ أكثر من قرن
  • منطقة ريبوفسي تحتفل بميلاد مسجد جديد في أجواء إيمانية مميزة
  • أكبر مشروع إسلامي في ريف أستراليا يفتتح أبوابه بعد سنوات من العمل والعطاء
  • القرآن والتربية في صدارة البرامج الصيفية للمسلمين في بينزا وساراتوف وموردوفيا هذا العام
  • اختتام الدورة التاسعة لمسابقة حفظ وتلاوة القرآن الكريم في أزناكاييف
  • تيسليتش تختتم برنامجا تعليميا لتعزيز القيم وبناء الشخصية للشباب المسلمين
  • انطلاق فعاليات "أيام مساجد إستولتس 2026" ببرنامج ديني وثقافي يمتد حتى أغسطس
  • قازان تحتضن المخيم الدولي الرابع للطلاب المسلمين

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 18/2/1448هـ - الساعة: 23:7
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب