• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    التوحيد ونعمة الأمن ووحدة الصف في مواجهة الأخطار ...
    د. صغير بن محمد الصغير
  •  
    رسالتي إلى الخطباء الفضلاء
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    التأصيل الفقهي لتصحيح العقود: مشروعية تصحيح
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    الإحسان إلى المسكين وابن السبيل
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    استحباب ترك طلب الرقية من الآخرين
    د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر
  •  
    الرجوع إلى الله
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    الولاء والبراء في الإسلام: أوثق عرى الإيمان ...
    د. علي شومان محمد علي أبو دية
  •  
    تفسير سورة آل عمران الآيات (30- 29)
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
  •  
    حفظ اللسان: مفتاح النجاة من النار وسبيل الجنة
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    من قواعد التخريج ودراسة الأسانيد: أصول منهجية ...
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    من مائدة الحديث: وجوب التوبة إلى الله
    عبدالرحمن عبدالله الشريف
  •  
    مهمة النبي صلى الله عليه وسلم البلاغ والبيان عن ...
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    يسر الشريعة وشمولية الأجر (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    الحقد الرافضي ونصر الله لأوليائه (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    إشاعة الفاحشة
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    سعد بن معاذ رضى الله عنه وأرضاه (خطبة)
    د. محمد حرز
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / فقه وأصوله
علامة باركود

التأصيل الفقهي لتصحيح العقود: مشروعية تصحيح العقود

التأصيل الفقهي لتصحيح العقود: مشروعية تصحيح العقود
د. نايف بن محمد اليحيى

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 29/9/2026 ميلادي - 18/4/1448 هجري

الزيارات: 87

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

التأصيل الفقهي لتصحيح العقود

مشروعية تصحيح العقود

 

من المسائل الشائكة المتشعِّبة مسألة تصحيح العقد إذا اشتمل على الفساد، فقد اختلفت فيها أنظار أهل العلم تأصيلًا وتفريعًا، ولَمَّا عرَض لها ابنُ عبد البر ذكَر أنها «مسألة اختلفت فيها الآثارُ وعلماءُ الأمصار»[1]، ثم أردَف بعد ذلك مؤكِّدًا أن «هذه أصول يحتمل أن يُفرد لها كتاب»[2].

 

وذكر ابن رجب أن «هذا الموضع قد اضطرب الناسُ فيه اضطرابًا كثيرًا»[3].

 

وسبَق في التمهيد أن التصحيح لا يلزم منه التصحيحُ المطلقُ الذي تترتب عليه جميعُ آثارِه، وإنما هو شامل للتصحيح الجزئي والتصحيح الكامل، وعلى هذا جرى عمل الفقهاء في بعض المسائل.

 

قال الزركشي: «الفاسد قد يترتب عليه بعض أحكام الصحيح؛ كالصور السابقة في الحج والكتابة والعارية والخُلْع، وما أُلحق بها، والكتابة الفاسدة يحصل العتق فيها بالأداء، وكذا الوكالة الفاسدة ينفُذ التصرفُ من الوكيل فيها، وكذا التسمية الفاسدة في عقد النكاح تُوجب مهرَ المثل كالخُلْع»[4].

 

سبب الخلاف:

أشار ابن رشد إلى سبب اختلاف الفقهاء، وأرجَعَه إلى أنه: هل إذا لَحِقَ الفسادُ بالبيع مِنْ قِبَل الشرط يرتفع الفسادُ إذا ارتفع الشرطُ أم لا يرتفع؟

 

وذكر أنه ينبني على أصل آخَر، وهو:

«هل هذا الفساد حكمي، أو معقول؟ فإن قلنا: حكمي، لم يرتفع بارتفاع الشرط، وإن قلنا: معقول ارتفع بارتفاع الشرط»، ثم ذكَر أن الإمام مالكًا رآه معقولًا، والجمهور رأوه غير معقول[5]، وأشار لمثل ذلك الشاطبي[6].

 

وذكر ابن رجب أن سبب الخلاف في فساد العقود يرجع إلى أنه ورد في بعض الصور أنه مردودٌ لا يفيد المِلْكَ، وفي بعضها أنه يفيده، فحصل الاضطراب فيه بسبب ذلك[7].

 

ومن أسبابه: أن العقد الفاسد هل هو منعقِد فيمكن تصحيحُه بإزالة المفسد؟ أم لم ينعقد أصلًا؟

 

تحرير محل النزاع:

اتفق أهل العلم على أن العقد الفاسد إذا لم يُصحح ويُرفع فسادُه، فإنه يجب فسخُه، ولا يجوز المضيُّ فيه ما لم يفُت.

 

قال ابن رشد: «اتفق العلماء على أن البيوع الفاسدة إذا وقعت، ولم تفت بإحداث عقد فيها، أو نماء، أو نقصان، أو حوالة سوق، أن حكمها الرد»[8].

 

وقال ابن الملقن: «وقام الإجماع على أن البيع إذا وقع محرمًا فهو مفسوخ مردود»[9].

 

واتفق الأئمة الأربعة على أن بعض الشروط الفاسدة تبطُل ويصحُّ العقدُ، على خلاف في تعيين هذه الشروط[10].

 

واختلفوا فيما إذا أسقَط أحدُ العاقدينِ شرطًا فاسدًا شرطَه مما يُفسد العقدَ، أو رفعا المفسدَ الذي اشتمل عليه العقدُ؛ كتعيين المبيع أو الأجل المجهول، هل يمكن تصحيح العقد فيه أم لا؟

 

يمكن حصر أصل الأقوال فيه -في الجملة- في قولين:

القول الأول:

أن العقد الفاسد لا ينقلب صحيحًا ولو زال المفسدُ له، بل يجب ردُّه، أو استئناف العقد من جديد، مع تلافي سبب الفساد، وبه قال الشافعية[11] والحنابلة[12] وزفر من الحنفية[13]، وهذا من حيث الجملة[14].

 

القول الثاني:

أن الفاسد يمكن تصحيحه، وبه قال الحنفية[15] وربيعة الرأي[16]، والمالكية في المشهور من المذهب[17]، وهو وجه محكيّ عند الشافعية[18]، وذكره مرعي الحنبلي اتجاهًا[19]، على خلاف بينَهم في بعض المسائل.

 

وفي ترتُّب كامل آثار التصحيح على بعضها؛ كإزالة المفسِد[20]، أو فوات المبيع ونحوه مما سيأتي[21].

 

أدلة القول الأول:

استدلوا بعدة أدلة منها:

الدليل الأول:

حديث عائشة رضي الله عنها، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ))[22].

 

والرد هنا باتفاق أئمة اللغة والحديث بمعنى: المردود، كالخلق بمعنى المخلوق[23]، وفي هذا الحديث بيان أن كل شيء نهى عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من عقد نكاح، وبيع، وغيرهما من العقود، فإنه منقوض مردود؛ «لأن قوله: ((فَهُوَ رَدٌّ)) يُوجب ظاهِرُه إفسادَه وإبطالَه، إلا أن يقوم الدليل على أن المراد به غير الظاهر، فينزل الكلام عليه لقيام الدليل فيه»[24].

 

ونوقش من وجهين:

الوجه الأول:

أن الضمير عائد إلى الفاعل، ومعنى الكلام: ((مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا)) فالفاعل رد، أي: مردود، ومعنى كونه مردودًا أنه غير مثاب.

 

وعلى فرض أنه عائد إلى المفعول فهو محمول على ما لا يكون مقبولًا، أي: لا يترتب عليه ثواب، ولا يلزم من نفي القبول نفي الصحة، ويترجَّح الحَمْل على هذا المعنى لِمَا فيه من التعميم؛ لشمول جميع الصور المنهي عنها، بخلاف ما إذا حُمِلَ على نفي الصحة، فإنه يخرج عنه كلُّ فعل منهيّ عنه حُكِمَ بصحته، كالطلاق في الحيض، والذبح بسكين مغصوب، والبيع وقت النداء[25].

 

وأجيب عنه:

أن نفي القبول يلزم منه نفي الصحة؛ لأن القبول ترتُّب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء، يقال: قَبِلَ فلانٌ عذرَ فلان، إذا ترتَّب على عذره الغرضُ المطلوبُ من محو جنايته؛ ولهذا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بنفي القبول؛ حيث المراد نفي الصحة، ولأنه أكثر فائدةً؛ لأن الحمل على نفي الصحة يلزم منه نفي القبول، دون العكس، والحمل على الأكثرِ فائدةً أَوْلَى، أو هو المتعيِّن[26].

 

الوجه الثاني:

أن هذا الرد في حق العاقد الباقي على فساده، أما إذا صحح ورفع المفسدَ فليس على خلاف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يُوجِبُ الفسخَ، وقد زال مقتضى ردِّه.

 

وأُجِيبَ عنه:

بأنه لم يملك ولم ينعقد أصلًا فلم يمكن تصحيحه[27].

 

الدليل الثاني:

أمَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بردِّ البيع كما في أحاديث الربا، كقوله: ((هذَا الرِّبَا فَرُدُّوهُ، ثُمَّ بِيعُوا تَمْرَنَا وَاشْتَرُوا لَنَا مِنْ هَذَا))، وقوله: ((رُدَّهُ، وَرُدَّ عَلَيْنَا تَمْرَنَا))، وقوله: ((رُدُّوهُ عَلَى صَاحِبِهِ))[28]، ولم يصحح النبيُّ صلى الله عليه وسلم البيعَ ويسقط الفاضل[29].

 

ويمكن أن يناقَش:

بعدم إمكانية التصحيح فيه؛ لأن البائع لا يقبل صاعًا من التمر الرديء مقابل تمره الجنيب؛ ولذلك أمَر النبيُّ صلى الله عليه وسلم برد البيع.

 

وفي مقابل ذلك أرشَدَه إلى ما يُصَحِّح به البيعَ، ويحصل المقصودُ، مع السلامة من الفساد فقال: ((بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا))[30]، فأجاز بيعَ الطعامِ نقدًا، ثم يبتاع منه طعامًا قبل الافتراق أو بعدَه؛ لأنه لم يخصَّ فيه بائع الطعام ولا مبتاعه من غيره[31].

 

الدليل الثالث:

أنه مقبوض بعقد فاسد، فلم يملكه، كما لو كان الثمن ميتةً، أو دمًا، والبيع الفاسد لا ينعقد، ولا يفيد الملك أصلًا[32]، وقد نقل الإمامُ الشافعيُّ الإجماعَ أن مَنْ باع بيعًا فاسدًا فالبائع على أصل ملكه، لا يخرج من ملكه إلا والبيع فيه صحيح[33].

 

وإذا لم ينعقد فإنه لا يمكن تصحيحه.

 

ونوقش من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول:

«أن ركن البيع صدَر من أهله، مضافًا إلى محله؛ فوجب القول بانعقاده، ولا خفاء في الأهلية والمحلية»[34].

 

وموجب البيع ثبوت الْمِلْك، ومُوجِب النهي حرمة التصرف، وقد أمكن الجمعُ بينهما، بأن يثبت الْمِلْك ويحرم التصرفُ، أليس أنه لو تخمَّر العصيرُ في ملك المسلم يبقى ملكه فيها ويحرم التصرف؟[35].

 

وإذا ثبَت الانعقاد أمكن التصحيح بإزالة المفسد.

 

ويجاب عنه:

بأنه لا بد لصحة البيع من تحقُّق شروطه، وإذا اختل شيءٌ منها لم ينعقد؛ ووجود الركن مضافًا إلى المحل لا يكفي مع وجود مانع أو تخلف شرط.

 

«وفيه تجاهُل لمقصود الشارع ومخالَفة لأمره ونهيه؛ إذ لا مِلْك إلا بإذن الشارع، ولم يأذن بذلك، بل نهى عنه وحرَّمَه»[36].

 

الوجه الثاني:

أن المانع من صحة البيع زال قبل تقرُّره فيصح البيعُ[37].

 

وأجيب عنه:

أن المجلس فرع انعقاد البيع، فإذا لم ينعقد البيع، فلا مجلس له[38].

 

الوجه الثالث:

ليس من ضرورة الفساد انعدام العقد شرعًا؛ كالإحرام يفسُد بالجماع ويبقى أصلُه، والطلاق في حالة الحيض حرام شرعًا، ويكون مفيدًا بحكمه، والظهار حرام شرعًا، ثم ينعقد موجبًا حكمه، والدليل عليه: أن المقبوض يصير مضمونًا، والضمان إنما يجب بطريق الجبران أو بالعقد، وهنا وجوب الضمان ليس بطريق الجَبْر؛ لأنه يقبضه بإذن المالك، فعرفنا أن وجوب الضمان بالعقد[39].

 

والقبض هنا حصل بإذن البائع، واقتضاه عقد، وإن كان فيه فساد فلا يكون كالمعدوم[40].

 

ووجود العقد الذي اختل شرط فيه ونحوه من أسباب الفساد ليس كالتعاقد الذي ليس فيه مقومات العقد حتى عند المانعين؛ ولذلك لما ذكر الزركشي بعض المستثنيات مما لا يكون الضمان في الفاسد فيه كالصحيح عند الشافعية قال معقبًا: «وهذا من صور الباطلة لا الفاسدة، إذ ليس هناك عقد حتى يقال: فاسد»[41].

 

الدليل الرابع:

«أن فعل المنهيّ عنه معصية، وحصول الْمِلْك في العقود، وصحة التصرف كلها نِعَمٌ، والمعصية تناسب المنع من النعمة»[42].

 

ويناقش:

بأنه معصية لو بقي على حاله، فإذا زال ما لأجله مُنِعَ فليس بمعصية، وقد صار على صفة صحيحة سالمة من المفسِد فلا مُوجِب لإفساده.

 

الدليل الخامس:

إجماع العلماء على بُطْلان عدد من العقود، وأنها يجب أن تُفسخ؛ كإجماعهم على بُطْلان عقد الغَرَر الفاحش، والقمار، وغيرها مما سبَق نقلُه في المخالَفات الشرعية المتعلقة بالعقود، وقد نقل مَنْ يرى التصحيحَ بعضَ هذه الإجماعات[43]، فهي حجة عليهم.

 

ويناقش:

بأن هذه الإجماعات صحيحة ولا إشكال فيها، وهي منزَّلة على حال بقاء المفسِد للعقد، فأما عند زواله فلا إجماع، وقد زال المعنى الذي لأجله فَسَدَ، أو على عقد لا يمكن تصحيحه.

 

وأجيب عنه:

بأنه فسد لمعنًى، فزوال ذلك المعنى لا يُوجب انقلابَه صحيحًا؛ كما لو باع آبقًا فعاد، أو خمرًا فتخللت، أو باع بمائة وزِقّ خمر، فحذف زِقّ الخمر[44].

 

أدلة القول الثاني:

الدليل الأول:

في قول الله تعالى: ﴿ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ ﴾[45]، «جواز أكل الرفقاء، وخلطهم طعامَهم معًا، وإن كان بعضُهم أكثرَ أكلًا من الآخَر، ومثله قوله تعالى: ﴿ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾[46]»[47]، فالعقد فيه غرر، والأصل أنه فاسد، وأبيح لدعاء الحاجة لذلك، «وشرعُ مَنْ قَبْلَنا شرعٌ لنا؛ حيث لا ناسخ»[48].

 

قال أبو عبيد: «في قوله تعالى: ﴿ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾، وهذا عندي أصل للشاهد الذي تفعله الرفاق في الأسفار، ألا ترى أنهم يتخارجون النفقات بالسوية، وقد يتباينون في قلة المطعم وكثرته، وليس كل من قلَّ طعامه يطيب نفسه بالتفضل على رفيقه، فلما جاء هذا في أموال اليتامى واسعًا، كان في غيرهم بحمد الله ونعمته أوسع، لولا ذلك لخفت أن يضيق فيه الأمر على الناس»[49].

 

ويناقَش:

بأن الغرر منه ما هو معفوّ عنه للحاجة، كما سبق في مبحث الغرر، ولم يدخله الفساد حتى يصحح.

 

الدليل الثاني:

عن سليمان بن أبي مسلم قال: «سَأَلْتُ أَبَا المِنْهَالِ عَنِ الصَّرْفِ يَدًا بِيَدٍ فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ أَنَا وَشَرِيكٌ لِي شَيْئًا يَدًا بِيَدٍ وَنَسِيئَةً، فَجَاءَنَا البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: فَعَلْتُ أَنَا وَشَرِيكِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَسَأَلْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ((مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَخُذُوهُ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ))[50]، وفي رواية: ((فَرُدُّوهُ))»[51].

 

فالعقد جمع ما يحرم وما يحل في صفقة واحدة، بثمن واحد، ولم يُبطل النبيُّ صلى الله عليه وسلم جميعَ العقدِ، بل صحَّح ما أمكن تصحيحُه وهو ما قُبِضَ، وَأَبْطَلَ ما لم يُقْبَضْ[52]، فمتى أمكن تصحيحُ شيء من العقد فإنه أَوْلَى من إبطاله[53].

 

ونوقش من وجهين:

الوجه الأول:

احتمال أن يكون أشار إلى عقدين مختلفين، ويؤيد هذا الاحتمالَ الروايةُ الأخرى، عن الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ: «قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ نَتَبَايَعُ هَذَا الْبَيْعَ، فَقَالَ: ((مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَلَا يَصْلُحُ))»[54].

 

فعلى هذا فمعنى قوله: ((مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَخُذُوهُ))، أي: ما وقَع لكم فيه التقابضُ في المجلس فهو صحيح فأَمْضُوه، وما لم يقع لكم فيه التقابضُ فليس بصحيح فاتركوه، ولا يلزم من ذلك أن يكونا جميعًا في عقد واحد»[55].

 

ويمكن أن يُجاب عليه:

وجود احتمال تعدُّد القصة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم نَبَّهَ على ذلك لَمَّا قَدِمَ المدينةَ، ولم يعلم البراء رضي الله عنه فعَقَدَ العقدَ، فأرشده النبي صلى الله عليه وسلم بخصوصه، فنَقَلَ بعد ذلك كِلَا الخبرينِ.

 

أو أنهم كانوا يتعاقَدون بالنسيئة، فلمَّا قَدِمَ عليهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم علم بهذا العقد، فقال بصحة ما قُبِضَ، ونقل البراء رضي الله عنه اللفظَ على صفتين: عامّ بعقودهم التي كانوا يتعاقدون بها قبل الهجرة، وخاص بعقدهم الذي عقدوه.

 

الوجه الثاني:

أن الصفقة جَمَعَتْ حرامًا وحلالًا فغلب التحريم؛ ولأنه عقد لم يصحَّ في بعضه فلم يصح في كله، أَشْبَهَ ما لو تزوَّج بأختين، أو باع درهمًا بدرهمين[56]، ولأن الصفقة إذا لم يكن تصحيحها في جميع المعقود عليه بَطَلَتْ في الكل[57].

 

وأُجِيبَ عنه:

أن ما يجوز له بيعُه قد صدَر فيه البيعُ من أهله، في محله بشرطه، فصحَّ كما لو انفرد؛ ولأن البيع سبب اقتضى الحكمَ في محلين، وامتنع حكمُه في أحد المحلين لعدم قبوله، فيصح في الآخر، كما لو أوصى بشيء لآدمي وبهيمة، وأما الدرهمان والأختان، فليس واحد منهما أَوْلَى بالفساد من الآخَر؛ فلذلك فسَد فيهما، وهاهنا بخلافه[58].

 

ولأنه لَمَّا لم يجز أن يقال: «يصح البيع فيما لا يجوز بيعه؛ لصحته فيما يجوز بيعه، لم يجز أن يقال: يبطل البيع فيما يجوز بيعه؛ لبُطْلانه فيما لا يجوز بيعه، فأجري حكم كل واحد منهما على ما كان يجري عليه لو أفرده بالبيع»[59].

 

ولأن كل واحد منهما له حكم لو انفرد، فإذا جمع بينهما وجَب ثبوتُ ما كان له منفردًا، كما لو باع شقصًا وسيفًا، فإن الشفعة تجب في الشقص دون السيف[60].

 

الدليل الثالث:

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: «جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي، فَقُلْتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ، وَيَكُونَ وَلاَؤُكِ لِي فَعَلْتُ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الوَلاَءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: ((خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاَءَ، فَإِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ))، فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ))[61].

 

قال الإمام الشافعي: «أَبْطَلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شرطَ مالك بريرة، الذي باعها أن له الولاء دون معتِقِها، وثبَت الولاءُ»[62].

 

«ظاهر هذا الحديث: دليلٌ على أن الشرط الفاسد لا يقدح في البيع، ولا يُفسده، ولا يُبطله، وأن البيع يصح معه ويبطل الشرط»[63].

 

وكما أبطل النبي صلى الله عليه وسلم الشرطَ وصحَّح العقدَ ولم يُفسده، فكذلك الحال لو أن العاقد أسقط شرطَه الفاسدَ، فيصح العقد قياسًا عليه، قال ابن المنذر: «خبر بريرة ثابتٌ، ولا نعلم خبرًا يعارضه، فالقول به يجب»[64].

 

ونوقش من خمسة أوجه:

الوجه الأول:

قال الرافعي: «قالوا: إن هشام بن عروة، تفرَّد بقوله: «اشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاَءَ»، ولم يتابعه سائر الرواة»[65].

 

وأُجِيبَ عنه:

بأن عبد الرحمن بن نمر تابَع هشامًا على هذا، فرواه عن الزهري عن عروة عنها[66]، وعلى فرض تفرُّد هشام فهو ثقة حافظ[67].

 

قال ابن المنذر: «خبر بريرة ثابت»[68].

 

وقال النووي: «وقال جماهير العلماء: هذه اللفظة صحيحة»[69].

 

وقال ابن تيمية: «الحديث في الصحيحين لا علة فيه»[70].

 

ويشهد له حديثُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: «أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً فَتُعْتِقَهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: ((لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ))»[71].

 

قال ابن عبد البر: «وأصحها من جهة النقل حديث ابن عمر هذا في قصة بريرة»[72].

 

الوجه الثاني:

أن: «لهم» بمعنى: عليهم، أي: اشترطي عليهم الولاءَ، كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ﴾[73]، بمعنى «عليها»، وفي قوله تعالى: ﴿ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ ﴾[74]، بمعنى: «عليهم»[75].

 

وأُجِيبَ عنه:

قال ابن دقيق: «وفي هذا ضَعْف.

أمَّا أولًا: فلأن سياق الحديث، وكثيرًا من ألفاظه: ينفيه.

 

وأما ثانيًا: فلأن اللام لا تدل بوضعها على الاختصاص النافع، بل تدل على مطلق الاختصاص، فقد يكون في اللفظ ما يدل على الاختصاص النافع، وقد لا يكون»[76].

 

وقال ابن تيمية: «قوله: ((اشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلاَءَ)) صريح في معناه، واللام للاختصاص.. ونفس الحديث صريح في أن مثل هذا الشرط الفاسد لا يُفسد العقدَ»[77].

 

الوجه الثالث:

ليس في الحديث أن اشتراط الولاء كان مقارِنًا للعقد؛ فالأظهر أن يكون سابقًا للعقد وَعْدًا بذلك[78].

 

ويُجاب عليه:

بأن السياق ظاهر في أن الشرط كان عند العقد، فهم أَبَوْا أن يبيعوها إلا بشرطهم، ولو كان وَعْدًا ما احتاج أن يخطب رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ويحذِّر من الشروط المخالِفة لكتاب الله؛ لأن الوعد ليس بعقد.

 

الوجه الرابع:

كيف يأذن لها في اشتراط ما لا يصح ولا يحل للمشترطين، وفي ذلك خداع لهم يصان عنه الشرعُ[79].

 

وأُجِيبَ عنه:

أن الحكمة في إذنه فيه ثم إبطاله أن يكون أبلغ في قطع عادتهم في ذلك، وزجرهم عن مثله، كما أَذِنَ لهم صلى الله عليه وسلم في الإحرام بالحج، ثم أمرهم بفسخه وجعله عمرة؛ ليكون أبلغ في زجرهم، وقطعهم عما اعتادوه من منع العمرة في أشهر الحج، وقد تحتمل المفسدة اليسيرة، لتحصيل مصلحة عظمية[80].

 

وهو عقوبة لمشترطه؛ إذ أبى أن يبيع جارية للمعتِق إلا باشتراط ما يخالف حكمَ اللهِ تعالى وشرعه، فأمَرَها أن تدخل تحت شرطهم الباطل ليظهر به حكم الله ورسوله؛ لأن الشروط الباطلة لا تغيِّر شرعَه، وأن مَنْ شَرَطَ ما يخالف دينَه لم يَجُزْ أن يوفَّى له بشرطه، ولا يبطل البيع به، وأن مَنْ عرَف فساد الشرط وشرطه، ألغي اشتراطه ولم يُعتبر[81].

 

أو يحمل أمره بذلك بأنه ليس أمرًا على الحقيقة، وإنما هو صيغة الأمر بمعنى التسوية بين الاشتراط وتركه؛ كقوله تعالى: ﴿ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾[82]، وقوله: ﴿ فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا ﴾[83]، والتقدير: واشترطي لهم الولاء، أو لا تشترطي، ولهذا قال عقيبه: ((فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ))[84].

 

الوجه الخامس:

أن إبطال الشرط وتصحيح العقد فيه ضرر على صاحب الشرط إذا لم يكن يعلم بفساده.

 

وأُجِيبَ عنه:

«إن كان المشتَرِط لمثل هذا الشرط الباطل جاهلًا بالتحريم، ظانًّا أنه شرط لازم، فهذا لا يكون البيع في حقِّه لازمًا، ولا يكون أيضًا باطلًا، بل له الفسخ إذا لم يعلم أن هذا الشرط لا يجب الوفاء به؛ فإنه إنما رضي بزوال ملكه بهذا الشرط، كما لو ظهر بالمبيع عيب، وكالشروط الصحيحة إذا لم يوفَّ له بها، إذا باع بشرط رهن أو ضمين فلم يأتِ به، فله الفسخُ وله الإمضاءُ»[85].

 

الدليل الرابع:

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «كُنْتُ أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رُوَيْدَكَ أَسْأَلْكَ، إِنِّي أَبِيعُ الْإِبِلَ بِالْبَقِيعِ، فَأَبِيعُ بِالدَّنَانِيرِ وَآخُذُ الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ، فَقَالَ: ((لَا بَأْسَ إِذَا أَخَذْتَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ))»[86].

 

فالأصل أن ما في الذمة لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه، وأن الصرف يجب أن يكون يدًا بيد، وهنا صححه النبي صلى الله عليه وسلم تنزيلًا لإسقاط ما في الذمة في الصرف بمنزلة ما في اليد، إذا أقبَضَه بسعر يومه.

 

قال ابن تيمية: «وجوَّز النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يعتاضوا عن الدَّيْن الذي هو الثمن بغيره، مع أن الثمن مضمون على المشتري لم ينتقل إلى ضمان البائع»[87].

 

ويمكن أن يُناقَش:

بأن العقد لم يفسد حتى يتم تصحيحه، بل أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بالجواز بشرط أن تكون المصارَفة بسعر اليوم.

 

ويُجاب عليه:

بأن الأحاديث الأخرى أكدت على التقابُض يدًا بيد، وما في الذمة ليس كما في اليد، فالأصل عدم صحته، وهنا صحَّحَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم تنزيلًا له بمنزلة المقبوض.

 

الدليل الخامس:

عَنْ عُرْوَةَ البارقي رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَعْطَاهُ دِينَارًا، يَشْتَرِي لَهُ بِهِ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ[88].

 

وعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَه يَشْتَرِي لَهُ أُضْحِيَةً بِدِينَارٍ، فَاشْتَرَى أُضْحِيَةً فَأُرْبِحَ فِيهَا دِينَارًا، فَاشْتَرَى أُخْرَى مَكَانَهَا، فَجَاءَ بِالْأُضْحِيَةِ وَالدِّينَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: ((ضَحِّ بِالشَّاةِ، وَتَصَدَّقْ بِالدِّينَارِ))[89].

 

منْ شَرط صحة البيع أن يكون مملوكًا للبائع، أو مأذونًا له فيه، وهنا وكَّلَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالشراء فقط، وأن يشتري شاة فاشترى عروةُ شاتينِ، ثم باع إحداهما من دون توكيل، وكذلك حكيم رضي الله عنهما، ومع ذلك أجاز النبي صلى الله عليه وسلم البيع و«أمضى له ذلك وارتضاه»[90].

 

ونوقش من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول:

«أنهما خبرانِ منقطعانِ لا يصحانِ»[91].

 

ففي حديث عروة مُبهَمٌ؛ وهم أهل الحي، وحديث حكيم قال عنه الترمذي: «حديث حكيم بن حزام لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحبيب بن أبي ثابت لم يَسمع عندي من حكيم بن حزام»[92].

 

وأُجِيبَ عنه:

بأن أهل الحي في حديث عروة هم قبيلته[93]، وظاهِرُه أن الخبر منتَشِر بينهم، وكثرة عددهم تفيد في صحته؛ لأنه لا يتواطأ العددُ الكبيرُ على الكذب أو الخطأ، وعلى فرض عدم قبول ذلك فقد جاء الحديث من طريق موصول، قال ابن الملقن: «رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، بإسناد صحيح، ورواه البخاري في صحيحه مرسَلًا، وَوَهِمَ ابنُ حزم في إعلاله»[94]. وقال أيضًا: «أسانيدهم جيدة، وإسناد الترمذي على شرط الشيخين إلى أبي لبيد، لمازة بن زبار، الراوي عن عقبة، وهو ثقة، وقال الحافظ زكي الدين المنذري: إسناد الترمذي حَسَن»[95].

 

وقال العلائي في رسالته عن بيع الفضولي عن حديث عروة: «الحديث صحيح، وهو أقوى ما احتُجَّ به لمذهب مالك ومن وافقه»[96].

 

وقال ابن عبدالهادي عن حديث عروة: «وهو حديث صحيح، ولا عبرة بقول مَنْ تَكَلَّمَ فيه»[97].

 

وصحَّح كِلَا الحديثينِ النوويُّ[98]، ويُقَوِّي أحدهما الآخر.

 

الوجه الثاني:

محمول على أن وكالته كانت مطلقة؛ بدليل أنه سَلَّمَ وتَسَلَّمَ، وليس ذلك لغير المالك[99].

وهي واقعة عين، فيُحتمل أن يكون عروة كان وكيلًا في البيع والشراء معًا[100].

 

وأُجِيبَ عنه:

بأن هذا احتمال، وليس في روايات الحديث إخبار بذلك، والأصل حمله على ظاهره، خصوصًا وأنه قد ورَد ما يعضدُه من حديث حكيم.

 

الوجه الثالث:

أن مِلْك الغير له حرمة، ولا يحل التصرف فيه بغير إذنه، وقد ورَد النهيُ عن بيع ما لا يملكه الشخصُ، والفضوليُّ ليس بمالكٍ ولا وكيلٍ ولا وليٍّ[101].

 

وأُجِيبَ عنه:

بأنه لا ضررَ فيه مع تخيُّره، بل فيه نفعه، حيث يكفى مؤنة طلب المشتري، وحقوق العقد، فإنها لا ترجع إلى المالك، وفيه نفع العاقد بصون كلامه عن الإلغاء، وفيه نفع المشتري؛ لأنه أقدَم عليه طائعًا، ولولا النفع لَمَا أَقْدَمَ، فتثبت القدرةُ الشرعيةُ تحصيلًا لهذه الوجوه، كيف وأن الإذنَ ثابتٌ دلالةً؛ لأن العاقل يأذن في التصرف النافع[102].

 

والتصرف للغير بما فيه مصلحته محمود، ويؤيده حديثُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: لاَ تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، أَوْ أُرْسِلَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَنْ يَسْأَلُهُ، وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَاكَ، أَوْ أَرْسَلَ، فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا»[103]. فلم يُضَمِّنها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ولم يحرم ذبحها لملك غيرها؛ لِمَا فيه من المصلحة الظاهرة.

 

وأختمُ هذه المناقشةَ بقول ابن حجر الهيتمي، لَمَّا شرَح عبارةَ المنهاج، بأن بيع الفضولي باطل، ذَكَرَ القول القائل بصحته، ثم قال: «وهو قويٌّ من جهة الدليل؛ لأن حديث عروة ظاهر فيه، وإن أجابوا عنه»[104].

 

الدليل السادس:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ[105]، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟))، قَالَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلاَثَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((لاَ تَفْعَلْ، بِعْ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا))[106].

 

فأرشده النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى ما يصح به البيع، ويحصل المقصود، ويسلم من فساد العقد، بأن يبيع الطعام نقدًا، ثم يبتاع منه طعامًا من غير مُواطَأة سابقة، «والقصد ببيع الجمع بالدراهم: التوسلُ إلى حصول الجنيب بالجمع، لكن على وجه مباح، ولا فرقَ في القصد بين حصول ذلك مع عاقد واحد وعاقدين»[107].

 

والنتيجة من البيع الأول والثاني واحدة؛ وهي الحصول على التمر الجيد، بدلَ الرديء، ولكنه في الأولى: باع الشيء بجنسه متفاضِلًا، وهذا منهيٌّ عنه، وفي الثانية: بيع للشيء بقيمته نقدًا، ثم يشتري به[108].

 

وقد أورده بعضُ الفقهاء في الحِيَلِ الجائزةِ[109]، وأورده ابن القَيِّم في البدائل الشرعية التي ينبغي للمفتي أن يُرشد المستفتيَ لها[110].

 

ونوقش:

أن الحديث مطلق لا يشمل ما ذُكِرَ، فإذا عمل به في صورة، سقط الاحتجاج به فيما عداها بإجماع الأصوليين، وبأنه صلى الله عليه وسلم لم يقل: «وابتَعْ ممن اشترى الجمع»، بل خرج الكلام غير متعرض لعين البائع من هو، فلا يدل على المدعى[111].

 

وبيع الجمع بالدراهم، وشراء الجنيب بها من رجل واحد، يدخله ما يدخل الصرف في بيع الذهب بدراهم، والشراء بتلك الدراهم ذهبًا، من رجل واحد، في وقت واحد، والمراعاة في ذلك كله واحدة[112].

 

وأُجِيبَ عنه:

أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفصل بين أن يكون الشرى من ذلك المشتري أو غيره، ولا بين أن يقع العقد بذلك الثمن الذي في ذمته أو بغيره، وترك الاستفصال في مثل ذلك يقتضي العمومَ، وإلا يلزم منه تأخيرُ البيان عن وقت الحاجة[113].

 

الدليل السابع:

عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بِهِمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَجَزَّأَهُمْ أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا»[114].

 

لَمَّا فَعَلَ ما لا يجوز له، لم يُبطِلِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم جميعَ فعله، بل صحَّحَه في الثلث، فالعقد الفاسد يصحَّح فيه ما أمكن تصحيحه من العقد أو آثاره.

 

ونوقش:

بأن هذا من باب الوصية لا عقد بيع، «والوصايا خولفت فيها القواعد تحصيلًا لمصالحها، نظرًا إلى الأموات إذا انقطعت حسناتهم؛ فجاز فيها تراخي القبول عن الإيجاب، وإنما جاز ذلك في الوصية تحصيلًا لمقاصدها، وكذلك جاز فيها أيضًا أن يتراخى القبول عن بلوغ الخبر، وكذلك جاز فيها أن يوصي بما لا يملك حال الوصية، وجاز فيها أيضًا الوقف فيما زاد على الثلث على الأصح، مع أن الشافعي لا يرى وقفَ العقود»[115].

 

الدليل الثامن:

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا))[116].

 

«فحَكَمَ أوَّلًا ببطلان العقد، وأكَّده بالتكرار ثلاثًا، وسمَّاه زِنًا، وأقل مقتضياته: عدم اعتبار هذا العقد جملةً، لكنه صلى الله عليه وسلم عقَّبَه بما اقتضى اعتبارَه بعد الوقوع بقوله: ((ولها مهرها بما أصاب منها))»[117].

 

«وقد اتفق الجميع على أن النكاح الفاسد لا يحكم له بانفراده، ثم إذا اتصل به الدخول صار في حكم التصحيح فيما يتعلق به الحكم، فكان بمنزلة ملك البضع بعقد صحيح.. فكذلك البيع الفاسد إذا اتصل به القبض، والمعنى الجامع بينهما: حصول ضمان البدل عن عقد فيه تسليط»[118].

 

«وهذا تصحيح للمنهي عنه من وجه؛ ولذلك يقع فيه الميراثُ، ويثبت النسبُ للولد، وإجراؤهم النكاح الفاسد مجرى الصحيح في هذه الأحكام، وفي حرمة المصاهرة، وغير ذلك، دليل على الحكم بصحته على الجملة، وإلا كان في حكم الزنى، وليس في حكمه باتفاق، فالنكاح المختَلَف فيه قد يُراعى فيه الخلافُ، فلا تقع فيه الفرقة إذا عثر عليه بعد الدخول، مراعاةً لِمَا يقترن بالدخول من الأمور التي ترجح، ومن واقع منهيًا عنه، فقد يكون فيما يترتب عليه من الأحكام زائد على ما ينبغي، بحكم التبعية لا بحكم الأصالة، أو مؤدٍّ إلى أمر أشد عليه من مقتضى النهي، فيترك وما فعل من ذلك، أو نجيز ما وقع من الفساد على وجه يليق بالعدل»[119].

 

الدليل التاسع:

عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا، فَقَالَ: ((أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟))قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَارْجِعْهُ))[120].

 

أنه لما خَصَّ بعضَ أولاده بالعطية دون بعض، فقد أمرَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يرده، ولم يدلَّ ذلك على أنه لم ينتقل الملك بذلك إلى الولد، فإن هذه العطية تصح وتقع مراعاةً، فإن سوَّى بين الأولاد في العطية، أو استردَّ ما أعطى الولد جاز، وإن مات ولم يفعل شيئًا من ذلك فهي ميراث[121].

 

وكذلك الحال في العقد الفاسد يقع موقوفًا مُراعًى، فإن أزيل فسادُه صَحَّ[122].

 

ونوقش من وجهين:

الوجه الأول:

أن التسوية بين الأولاد في العطية مستحبة، وليست بواجبة، وألفاظ الحديث تدل على كراهة رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، من أجل ما خاف عليه من دخول العقوق عليه من بنيه، وليس في هذه الألفاظ أنه أَمَرَهُ بردِّ العطيةِ[123]، كما في قوله: ((أَكُلَّ بَنِيكَ قَدْ نَحَلْتَ مِثْلَ مَا نَحَلْتَ النُّعْمَانَ؟)) قَالَ: لَا، قَالَ: ((فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي))، ثُمَّ قَالَ: ((أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟)) قَالَ: بَلَى، قَالَ: ((فَلَا إِذًا))[124].

 

وكذلك جاء عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهَا قَالَتْ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: «وَاللهِ يَا بُنَيَّةُ، مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ، وَلَا أَعَزّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا، فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ»[125]. فلو كانت التسوية واجبة ما خالَف الصِّدِّيقُ رضي الله عنه.

 

وأُجِيبَ عنه:

أن ألفاظ الحديث في الصحيحين صريحة في الرد، ((فَارْدُدْهُ)) (((فَارْجِعْهُ))، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم «جَوْرًا»، «وهو دليل على التحريم؛ لأنه سمَّاه جورًا، وأمر برده، وامتنع من الشهادة عليه، والجور حرام، والأمر يقتضي الوجوبَ؛ ولأن تفضيل بعضهم يُورِثُ بينَهم العداوةَ والبغضاءَ وقطيعةَ الرحمِ، فمنع منه؛ كتزويج المرأة على عمتها أو خالتها»[126].

 

وأما أثر عائشة رضي الله عنها فقد أجاب عروة عنه وهو راويه عنها، بأن إخوتها كانوا راضينَ بذلك[127].

 

ويحتمل أن أبا بكر رضي الله عنه خصَّها بعطيته؛ لحاجتها وعجزها عن الكسب والتسبُّب فيه، مع اختصاصها بفضلها، وكونها أم المؤمنين زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من فضائلها.

 

ويتعين حملُ حديثه على أحد هذه الوجوه؛ لأن حملَه على مثل محل النزاع منهي عنه، وأقل أحواله الكراهة، والظاهر من حال أبي بكر اجتناب المكروهات[128].

 

الوجه الثاني:

قال ابن عبد البر: «العلماء مُجمِعون على استحباب التسوية في العطية بين الأبناء، إلا ما ذكرنا عن أهل الظاهر من إيجاب ذلك»[129].

 

وذكر أن الإجماع انعقد على جواز عطية الرجل مالَه لغير ولده، فإذا جاز له أن يُخرج جميعَ ولده من ماله، جاز له أن يُخرج عن ذلك بعضهم[130].

 

وأُجِيبَ عنه:

أما الإجماع على الاستحباب فغير مسلَّم، بل الحنابلة والظاهرية على عدم الجواز، وبه قال طاووس، وابن المبارك، ومجاهد، وعروة[131].

 

وأما القياس على عطية الأجنبي «فلا يخفى ضَعْفُه؛ لأنه قياس مع وجود النص»[132]؛ ولأن عطية أحد الأبناء توغر صدر إخوته عليه، وتشعرهم بعدم عدل والدهم معهم، بخلاف العطية لأجنبي فليس فيها هذا المعنى.

 

الدليل العاشر:

عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ عُثْمَانَ ابْتَاعَ مِنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ أَرْضًا بِالْمَدِينَةِ، نَاقَلَهُ بِأَرْضٍ لَهُ بِالْكُوفَةِ، فَلَمَّا تَبَايَنَا نَدِمَ عُثْمَانُ ثُمَّ قَالَ: «بَايَعْتُكَ مَا لَمْ أَرَهُ»، فَقَالَ طَلْحَةُ: «إِنَّمَا النَّظَرُ لِي، إِنَّمَا ابْتَعْتُ مغيبًا، وَأَمَّا أَنْتَ فَقَدْ رَأَيْتَ مَا ابْتَعْتَ»، فَجَعَلَا بَيْنَهُمَا حَكَمًا، فَحَكَّمَا جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ، فَقَضَى عَلَى عُثْمَانَ أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ، وَأنَّ النَّظَرَ لِطَلْحَةَ أَنَّهُ ابْتَاعَ مَغيبًا[133].

 

بيع المجهول فاسد، وهنا صححه الصحابة رضي الله عنهم مع وضع الخيار للمشتري؛ لأنه إذا لم يكن العقد لازمًا في حقه زالت علة الفساد، بإثبات الخيار له عند رؤية المبيع.

 

ونوقش من وجهين:

الوجه الأول:

أنه باع ما لم يره ولم يوصَف له، فلم يصحَّ؛ كبيع النوى في التمر، ولأنه نوع بيع فلم يصح مع الجهل بصفة المبيع، كالسَّلَم[134].

 

ونهى النبي صلى الله عليه وسلم: «عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ»[135]، وهذا عين الغرر؛ لأنه لا يدري ما اشترى أو باع، وقول الله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ﴾[136]، ولا يمكن أصلًا وقوعُ التراضي، على ما لا يُدرى قدرُه ولا صفاتُه[137].

 

وأُجِيبَ عنه:

بأن المانع من بيع المجهول أنه يُفضي إلى المنازَعة، ولا منازَعة هنا؛ لأن المشتري بالخيار، فإن وافَقَه أخذه وإلا ردَّه[138].

 

الوجه الثاني:

حديث عثمان وطلحة، يحتمل أنهما تبايَعا بالصفة، على أنه قول صحابي، وفي كونه حجةً خلافٌ، ولا يعارَض به حديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم[139].

 

وأُجِيبَ عنه:

«الظاهر أن مثل هذا يكون بمحضر من الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن قضية يجري فيها التخالفُ بين رجلين كبيرين، ثم إنهما حكَّما فيها غيرَهما، فالغالب على الظن شهرتُها وانتشارُ خبرها، فحين حكَم جُبَيْرٌ بذلك، ولم يُروَ عن أحد خلافُه، كان إجماعًا سكوتيًّا ظاهرًا»[140].

 

والنبي صلى الله عليه وسلم جعَل في حديث أبي هريرة للمتلقِّي البائعِ الخيارَ، فيما باع إذا دخل الأسواق، وعلم بالأسعار، وجاء إثبات الخيار في عدة أحاديث في بيوعٍ منهيٍّ عنها[141].

 

وأما أنهما تبايَعَا بالصفة فسياقُ الخبرِ لا يدل عليه؛ لأن عثمان رضي الله عنه لم يره، ولم يعلم عن صفته؛ ولذلك نَدِمَ وطلَب الخيارَ، وعلى فرض أنه وصَفَه فهي صفة لا تكفي في البيع عندكم لنُقصانها؛ لأن البائع لم يرها فكيف يصفها صفةً وافيةً؟

 

الدليل الحادي عشر:

روى مالك في الموطأ، أنه: «خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ، ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي جَيْشٍ إِلَى الْعِرَاقِ، فَلَمَّا قَفَلَا مَرَّا عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ، فَرَحَّبَ بِهِمَا وَسَهَّلَ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ أَقْدِرُ لَكُمَا عَلَى أَمْرٍ أَنْفَعُكُمَا بِهِ لَفَعَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: بَلَى هَاهُنَا مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ، أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأُسْلِفُكُمَاهُ فَتَبْتَاعَانِ بِهِ مَتَاعًا مِنْ مَتَاعِ الْعِرَاقِ، ثُمَّ تَبِيعَانِهِ بِالْمَدِينَةِ، فَتُؤَدِّيَانِ رَأْسَ الْمَالِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَكُونُ الرِّبْحُ لَكُمَا، فَقَالَا: وَدِدْنَا ذَلِكَ، فَفَعَلَ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا الْمَالَ، فَلَمَّا قَدِمَا بَاعَا فَأُرْبِحَا، فَلَمَّا دَفَعَا ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ قَالَ: أَكُلُّ الْجَيْشِ أَسْلَفَهُ مِثْلَ مَا أَسْلَفَكُمَا؟ قَالَا: لَا، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ابْنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَسْلَفَكُمَا، أَدِّيَا الْمَالَ وَرِبْحَهُ، فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَسَكَتَ، وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ فَقَالَ: مَا يَنْبَغِي لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هَذَا لَوْ نَقَصَ هَذَا الْمَالُ أَوْ هَلَكَ لَضَمِنَّاهُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: أَدِّيَاهُ، فَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ، وَرَاجَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ جَعَلْتَهُ قِرَاضًا؟ فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ جَعَلْتُهُ قِرَاضًا، فَأَخَذَ عُمَرُ رَأْسَ الْمَالِ وَنِصْفَ رِبْحِهِ، وَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نِصْفَ رِبْحِ الْمَالِ»[142].

 

فالعقد «كان قرضًا صحيحًا، وكان الربح ورأس المال لهما، لكن عمر رضي الله عنه استنزَلَهما عن بعض الربح، خيفةَ أن يكون قصد أبي موسى إرفاقهما، لا رعاية مصلحة بيت المال؛ ولذلك قال في بعض الروايات: «أَوَ أَسْلَفَ كلَّ الجيش كما أسلفكما؟»[143].

 

فحوَّلَه عمرُ رضي الله عنه من صورة يُخشى فسادُ العقد في ظاهرها؛ لِمَا قد يكون فيها من المحاباة في القرض، إلى عقد آخَر لم يقصداه، ولم يقصده أبو موسى M، وهو عقد القِراض، وأخذ نصف ربح المال، وأقرَّه مَنْ عندَه من الصحابة رضي الله عنهما.

 

ويناقَش:

بأن العقد لم يفسد ثم صحح، وإنما خشي عمر رضي الله عنه من جانب المحاباة فحوَّلَه إلى قِراض.

 

ويُجاب عليه:

بأن الأصل في العقود إمضاؤها على اتفاق المتعاقدين، ولا يُلزَمون ما لم يلتزموه أو يتعاقدوا عليه، وهنا حوَّلَه عمرُ رضي الله عنه إلى عقد آخر، وأخذ نصفَ ربحهم، مع اعتراض عبيد الله، فدلَّ على أنه يرى عدمَ صحة عقد القَرْض السابق.

 

الدليل الثاني عشر:

عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: «بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ عُمَّالَهُ يَأْخُذُونَ الْخَمْرَ فِي الْجِزْيَةِ، فَنَشَدَهُمْ ثَلَاثًا، فَقِيلَ: إِنَّهُمْ لَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، فَإِنَّ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا»[144].

 

فلم يُبطل عمرُ رضي الله عنه عقودَهم السابقةَ في بيعهم الخمر لأهل الذمة، مع إنكاره للفعل؛ فدلَّ على أن العقد الفاسد إذا مضى، فإنه يُصَحَّح لفواته، وفي مقابل ذلك أرشَدَهم طريقَ تصحيحِ المعامَلة في توليتهم أهل الذمة بيعها[145].

 

ويُناقَش من وجهينِ:

الوجه الأول:

أنه قد جاء عن عمر رضي الله عنه أنه ذَكَرَ أن الثمن حرام، كما في المصنَّف عن رجل عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ يُقَلِّبُ كَفَّهُ وَيَقُولُ: «قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةَ، عُوَيْمَلٌ لَنَا بِالْعِرَاقِ، خَلَّطَ فِي فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ ثَمَنَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، فَهِيَ حَرَامٌ وَثَمَنُهَا حَرَامٌ»[146].

 

ويُجاب عليه:

بأن هذا الأثر ضعيف؛ للرجل المبهَم في إسناده، وقد جاء أثر ابن عباس رضي الله عنه في الصحيحين من دون ذِكْر أن الثمن حرام، ونصُّه: «بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ فُلَانًا بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللهُ فُلَانًا، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا))[147]، «وما قبَضَه سمرةُ، لم يذكر أن عمر أمَر برده، وكيف يرده وقد أخذوا الخمرَ؟ ولا نهاه عن الانتفاع به»[148]، وعلى فرضِ صحةِ لفظِ الثمنِ فليس فيها إبطالٌ للعقود السابقة، وإنما هو إخبار عن عدم جواز بيعها.

 

الوجه الثاني:

أن عمر لم يَرُدَّ البيوعَ لأنه رآه من باب التأويل، وما «قبض بتأويل، فإنه يسوغ للمسلم أن يشتريه ممن قبضه، وإن كان المشتري يعتقد أن ذلك العقد محرَّم؛ كالذمي إذا باع خمرًا وأخَذ ثمنَه، جاز للمسلم أن يعامله في ذلك الثمن، وإن كان المسلم لا يجوز له بيع الخمر، وهو مذهب الأئمة، وهكذا مَنْ عامَلَ معاملةً يعتقد جوازَها في مذهبه وقبض المال جاز لغيره أن يشتري ذلك المال منه، وإن كان لا يرى جواز تلك المعامَلة»[149].

 

ويُجاب عليه:

بأنه -وإن كان بتأويل- إلا أن عمر رضي الله عنه لم يقره ولم يسغه، بل غضب وقال كما في رواية البخاري: «قاتل الله فلانًا»، وفي رواية مسلم: «قاتل الله سَمُرَةَ»، وشبَّه ذلك بفعل اليهود لما أذابوا الشحم وباعوه، وظاهره أنه لم يجعله من التأويل السائغ المقبول.

 

الدليل الثالث عشر:

أن الفساد معقول المعنى، وما كان محرمًا لسبب زال التحريمُ عند زواله، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا؛ ولذا فإنه يصح العقدُ عند إزالة المفسد[150].

 

ونوقش:

زوال ذلك المعنى لا يُوجب انقلابَه صحيحًا؛ كما لو باع آبقًا فعاد، أو خمرًا فتخللت، أو باع بمائة وزِقّ خمر، فحُذف زِقّ الخمر[151].

 

وأُجِيبَ عنه:

بأن «المفسد شرط خارج عن صلب العقد، وهو يسير، ولهذا اختلف الصحابةُ فيه، فينقلب صحيحًا عند إزالته، أو نقول: انعقد موقوفًا، فبالإسقاط تبيَّن أنه كان جائزًا؛ لأن فسادَه باعتبار أنه يُفضي إلى المنازَعة، وقبل مجيئه لا منازعة»[152].

 

والمانع من صحة البيع زال قبل تقرُّرِه، فيصح البيعُ، كما لو باع فصًّا في خاتم، أو جذعًا في سقف، ثم نزعه وسلَّمَه إلى المشتري، كان صحيحًا، وتحقيق هذا الكلام: أن نفس الأجل غير مفسد للبيع، وإنما المفسد جهالة وقت الحصاد؛ وذلك غير موجود في الحال، فالشتاء ليس زمان الحصاد بيقين، ولكنه وصَل ذلك الزمان بما قبله في الذِّكْر، ولأجله فسد العقد، وهذا اتصال يعرض للفصل، فإذا أسقطه مجيء أوان الحصاد فقد تحقَّق الانفصالُ، فبقي العقدُ صحيحًا كما في الجذع[153].

 

الترجيح:

بعد هذا العرض لأدلة القولين، يتبيَّن قوةُ الخلاف في المسألة، وأنها من المسائل العويصة، والترجيح فيها فيه جانب من الصعوبة، لتكافؤ الأدلة وتقابلها.

 

ويظهر لي أن القول الأقرب، هو القول الثاني؛ القائل بإمكانية تصحيح العقد الفاسد، فيمكن في الجملة تصحيح بعض العقود الفاسدة، إذا أُزيل سبب الفساد منها، وذلك لعدد من المرجِّحات:

المرجح الأول:

أن العقد إذا وُجِدَ فيه الإيجابُ والقبولُ ممن يمكن قبولُه منه، مع توفُّر مقوِّمات العقد، فوجود شرط فاسد، أو اختلال شرط صحيح يمكن تداركه، يجعل العقدَ قابلًا للتصحيح؛ لأن الفساد معقول المعنى، فلا يساوى في مثل هذه الحال بالعقود المعدومة اللاغية التي لا يمكن أن تُصَحَّح، كما لو صَدَرَتْ من معدوم الرضا؛ كالمجنون والصبي غير المميز.

 

المرجح الثاني:

أن الشريعة لها تشوُّف في تيسير معاملات الناس، ورفع الحرج عنهم، وقد أرشد النبيُّ صلى الله عليه وسلم عند منعه لمعاملة إلى ما يصح به العقدُ، في عدة أحاديث سبقت، تأكيدًا منه صلى الله عليه وسلم إلى إيجاد البديل والمخرَج للناس في معاملاتهم متى أمكن ذلك، ويكون ذلك وفقَ المنهج العلمي لا بالهوى.

 

المرجح الثالث:

المانعون من أهل العلم لهم تطبيقات متعددة في تصحيح الفاسد، وسيأتي جانب منها في طُرُق التصحيح، وهذا قبول منهم في العموم لهذا المبدأ في الجانب العملي، وإن اختلفوا فيه تأصيلًا وتوسُّعًا، ومن ذلك أنه «يكاد الفقهاء يتفقون، على أنه متى أمكَن تحويلُ العقد الباطل إلى عقد آخَر صحيح، لتوفُّر أسباب الصحة فيه صح ذلك، سواء أكانت الصحة عن طريق المعنى عند بعض الفقهاء، أم عن طريق اللفظ عند البعض الآخَر؛ نظرًا لاختلافهم في قاعدة: هل العبرة بصيغ العقود أو معانيها؟»[154].

 

المرجح الرابع:

في تعليلات الفقهاء من كل المذاهب في بعض المسائل، تأكيد على أهمية تصحيح العقد ما أمكن، وهذه جملة من إشاراتهم في هذا الجانب.

 

ففي مذهب الحنفية:

قال في المبسوط: «متى أمكن تصحيح العقد لا يجوز إفساده»[155]، وقال في موضع آخر: «وكلام العاقل محمول على الصحة، مهما أمكن تصحيحه لا يجوز إلغاؤه»[156]، وقال أيضًا: «تصحيح العقود بحسب الإمكان واجب»[157].

 

وفي النهر: «الإجماع على أنه متى أمكن تصحيح تصرف العاقد ارتكب»[158].

 

وفي الفروق: «متى أمكننا أن نحمل العقد على جهة صحة حملنا عليه ليصح العقد، ويحصل مقصود المتعاقدين وغرضهما»[159].

 

وفي فتح القدير: «والأصحاب اقتحموه بناء على أصل إجماعي، وهو أنه مهما أمكن تصحيح تصرف المسلم العاقل يرتكب، وله نظائر كثيرة، ولهذا يحمل كلامه على المجاز وتترك حقيقته، إذا كان لا يصح على تقديره»[160].

 

وفي مذهب المالكية:

في المنتقى شرح الموطأ: «متى كان للعقد وجه من الصحة حمل عليه»[161].

 

وقال القرافي: «وكاختلاف المتعاقدين في الصحة والفساد، فالقول لمدعي الصحة على الأظهر؛ لأن الظاهر من العقود الجارية بين المسلمين الصحة، وإن كان الأصل عدمها»[162].

 

«وقد يقع الإغضاء عن خلل يسير، ترجيحاً لمصلحة تقريرِ العقود؛ كالبيوع الفاسدة إذا طرأ عليها بعض المفوِّتات المقررة في الفقه»[163].

 

وفي مذهب الشافعية:

قال ابن حجر الهيتمي في فتوى له عن عقد حصل خلاف في تصحيحه:

«وتصحيحه أولى من إبطاله لوجهين:

ـ أحدهما: أن احتمال الصحة مقدم على احتمال البطلان، كما يصرح به قاعدة: أن القول قول مدعي الصحة غالباً، عملاً بأن الظاهر في العقود الجارية بين المسلمين الصحة، وإن كانت خلاف الأصل.

 

ـ الثاني: أن المجاز أولى من الإضمار، على قول قال به كثيرون، وعلى الأصح من أنهما سيان لاحتياج كل منهما إلى قرينة، فالمجاز هنا أولى؛ عملاً بقاعدة: أن تصحيح اللفظ حيث أمكن، أولى من إبطاله»[164].

 

وفي نهاية المطلب: «فإذا أطلق الوصية، فهي مترددة من جهة اللفظ واللسان بين الفساد والصحة، فهي محمولة على الصحة»[165]. وقال في موضع آخر: «ما يقبل الترديد في وضعه، إذا تردد بين الصحة والفساد حمل على الصحة، فإن من يطلق عقدًا يبغي تصحيحه، فلا يحمل لفظ ذي جد مطلق عقدًا شرعيًا على غير الصحة، إذا أمكنت الصحة»[166].

 

وقال الزركشي: «العقود الجارية بين المسلمين محمولة على الصحة ظاهرًا إلى أن يتبين خلافه، ولهذا إذا اختلفا في الصحة والفساد صدق مدعي الصحة»[167].

 

وفي الأشباه والنظائر لابن الملقن: «إعمال الكلام أولى من إهماله، فيما إذا تردد اللفظ على وجه يحتمل الاستحالة ويحتمل الإمكان، أن من الأصحاب من لا يبعد الحمل على الاستحالة.. وإذا تعذر إعمال لفظ دار الأمر فيه بين إلغائه وحمله على معنى صحيح، فحمله على الثاني أولى»[168].

 

وقال الرافعي: «لو استعملا لفظة المفاوضة، وأرادا شركة العنان جاز، نص عليه، وهذا يقوي تصحيح العقود بالكنايات»[169].

 

وفي المجموع: «حكم بالاندراج حرصًا على تصحيح العقد، كما أدرج الحمل في البيع وإن لم ينتظم اسم الشاة والجارية، طلبًا للتصحيح وحذرًا من الإبطال»[170].

 

وفي مذهب الحنابلة:

قال ابن قدامة: «العقد متى أمكن حمله على الصحة، كان أولى من إفساده»[171]، وقال في موضع آخر: «ومتى أمكن حمل الكلام على وجه صحيح لم يجز إلغاؤه، وقد أمكن بهذا الطريق، فوجب تصحيحه»[172]، وقال أيضًا: «وقد أمكن تصحيح شرطهما، وتنفيذ تصرفهما على الوجه الذي ذكرناه، فلا يجوز إلغاؤه مع إمكان تصحيحه»[173]، وقال عن مسألة صحح العقد فيها: «لأنه أمكن تصحيحه على هذا الوجه فتعين»[174].

 

وقال ابن تيمية: «والأصل حمل العقود على الصحة، والحاجة داعية إلى ذلك»[175].

 

وفي شرح مختصر الروضة: «الأصل صحة تصرفات المكلفين، خصوصًا في معاملاتهم التي راعى الشرع مصالحهم فيها، فلا يترك هذا الأصل إلا لدليل قوي سالم عن معارض»[176].

 

وصحح في شرح الخرقي مسألة ثم علل بأن ذلك «محافظة على تصحيح كلام المكلف ما أمكن»[177].

 

وفي الشرح الممتع: «متى أمكن تصحيح العقود فإنه يجب»[178].



[1] الاستذكار (7/ 354).

[2] المرجع السابق (7/ 356).

[3] جامع العلوم والحكم (1/ 181).

[4] المنثور في القواعد الفقهية (3/ 15).

[5] بداية المجتهد ونهاية المقتصد (3/ 180).

[6] يُنْظَر: الموافقات (1/ 455).

[7] يُنْظَر: جامع العلوم والحكم (1/ 181).

[8] بداية المجتهد ونهاية المقتصد (3/ 208).

[9] التوضيح لشرح الجامع الصحيح (14/ 499).

[10] يُنْظَر: تبيين الحقائق وحاشية الشلبي (4/ 60)، الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي (3/ 175)، المجموع شرح المهذب (9/ 364)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (11/ 233)، الشروط التعويضية في المعاملات المالية، د. عياد العنزي (1/ 114-118)، نظرية الشرط في الفقه الإسلامي، د. حسن الشاذلي (ص: 237).

[11] يُنْظَر: روضة الطالبين وعمدة المفتين (3/ 412)، أسنى المطالب في شرح روض الطالب (2/ 37)، قال النووي: «وحيث فسد العقد لشرط فاسد، ثم أسقطا الشرط، لم ينقلب العقد صحيحًا، سواء كان الإسقاط في المجلس أو بعدَه».

[12] يُنْظَر: المغني، لابن قدامة (3/ 502)، دقائق أولي النهى لشرح المنتهى (2/ 127)، قال البهوتي: «لأن الفاسد لا ينقلب صحيحًا».

[13] يُنْظَر: تحفة الفقهاء (2/ 47)، الاختيار لتعليل المختار (2/ 26)، قال السمرقندي: «فإن علم رأس ماله، أو رقمه في المجلس، فإنه يعود البيع جائزًا استحسانًا، خلافًا لزفر».

[14] هناك مسائل أعملوا فيها تصحيحَ الفاسد كما سيأتي في طُرُق التصحيح، وإن كانوا في غالبها لا يرونه تصحيحًا؛ إما لأنهم يرون طرقَ التصحيح في غالبها دفعًا للفساد قبل تحقُّقِه، وهذا داخل في مقصود البحث من التصحيح كما ذكرتُ في التمهيد، أو لأن التصحيح فيما يُفهم من كلامهم أن تترتب جميع آثار العقد عليه، لكن يرد على قولهم أنهم يرون الفاسد والباطل سواء، وأنه لا ثمرة للعقد الفاسد؛ لأنه معدوم، فترتيب بعض الآثار عليه يخالف ذلك، ويثبت وجوده وثمرته، وإن لم تكن الثمرة كاملة. والزركشي من الشافعية، ومع ذلك أشار إلى أن ترتب بعض آثار العقد نوع تصحيح، ونص كلامه: «الفاسد من العقود المتضمِّنة للإذن إذا صدرت من المأذون صحت؛ كما في الوكالة المعلَّقة إذا أفسدناها، فتصرف الوكيل صح لوجود الإذن، وطرده الإمام في سائر صور الفساد، فقال في كتاب الحج: لو استأجَرَه ليحج عنه بأجرة فاسدة، أو صدرت الإجارة بشرط، فقَطَع الأصحابُ بأنه إذا صح انصرف إلى المستأجِر، وهو حَسَن صحيح؛ لصحة الإذن، وهو بمثابة الوكيل بالبيع، مع شرط عِوَض للوكيل فاسد، فالإذن صحيح والعوض فاسد». المنثور في القواعد الفقهية (3/ 15)، وقال ابن حجر الهيتمي في شرحه للشمائل: «ينبغي أن يستثنى من تحريم تعاطي العقود الفاسدة، الفاسدُ الذي يترتب عليه ما يترتب على الصحيح؛ كالكتابة الفاسدة؛ فإنها كالصحيحة في العتق وتوابعه». الغرر البهية في شرح البهجة الوردية (2/ 391).

[15] يُنْظَر: الاختيار لتعليل المختار (2/ 26)، فتح القدير، للكمال ابن الهمام (6/ 422)، قال ابن الهمام: «فإنك علمتَ أن ارتفاع المفسِد في الفاسد يرده صحيحًا». وقال الموصلي: «(وإن أسقطا الأجل قبلَه جاز) البيعُ خلافًا لزفر، وقد مر في خيار الشرط، وروى الكرخي عن أصحابنا: أن سائر البياعات الفاسدة تنقلب جائزة بحذف المفسِد».

[16] يُنْظَر: المدونة (3/ 188)، مختصر ابن عرفة (6/ 40)، وقول ربيعة: «عند فوات المبيع»، والفوات جانب من التصحيح كما سيأتي. قال في المدونة: «قال ابن وهب: قال يونس: وقال ربيعة: لا تجمع صفقةٌ واحدةٌ شيئينِ، يكون أحدهما حلالًا والآخر حرامًا، ومن ذلك ما يُدرك فينقض، ومن ذلك ما يتفاوت فلا يدرك نقضه إلا بظلم فيترك، قال الله: {وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُون (279)} [البقرة: 279]، فكل بيع لم يدرك حتى تفاوت، ولا يستطاع رده إلا بمظلمة فقد تفاوت رده، وما كان من أمر ينقضه بين أهله بغير ظلم فلم يفت ذلك فانقضه».

[17] يُنْظَر: المنتَقَى شرح الموطأ (6/ 191)، الشرح الكبير للدردير وحاشية الدسوقي (3/ 67)، قال ابن رشد: «وأما المكروهة: فإنها إذا فاتت صحَّت عندَه، وربما صح عندَه بعضُ البيوع الفاسدة بالقبض؛ لخفة الكراهة عنده في ذلك». بداية المجتهد ونهاية المقتصد (3/ 208)، وقال الدردير: «وصح إن حذف؛ أي: الشرط المؤثِّر في العقد خللًا». الشرح الكبير (3/ 67).

[18] يُنْظَر: العزيز شرح الوجيز (4/ 321)، المجموع شرح المهذَّب (9/ 375)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (3/ 412)، نقله الرافعيُّ عن صاحب التقريب في موضعين ولم يتعقبه، ولم يُشِرْ لضَعْفه، لكن تعقَّبَه النوويُّ بأنه شاذٌّ ضعيفٌ. قال الرافعي: «وعن صاحب التقريب وجهٌ: أنهما لو حذفا الأجل المجهول في المجلس انحذف، وصار العقد صحيحًا، واختلفوا في جريان هذا الوجه في سائر المفسِدات؛ كالخيار والرهن الفاسدين وغيرهما، فمنهم من أجراه». العزيز شرح الوجيز (4/ 397)، وقال في موضع آخر: «فلو أُزيلت الجهالةُ في المجلس لم ينقلب العقدُ صحيحًا، وفيه وجه أنه ينقلب صحيحًا، وبه قال أبو حنيفة، وعلى هذا ففي اشتراط إزالة الجهالة في المجلس وجهان». العزيز شرح الوجيز (4/ 321)، وقال النووي: «وحيث فسَد العقدُ لشرط فاسد ثم أسقطا الشرطَ، لم ينقلب العقدُ صحيحًا، سواء كان الإسقاط في المجلس أو بعدَه، وحكى الرافعيُّ وجهًا أنه ينقلب صحيحًا بالإسقاط في المجلس، وهو شاذٌّ ضعيفٌ». المجموع شرح المهذَّب (9/ 375).

[19] مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (3/ 7)، وقد استحسنه الرحيباني بعدما نقله، وأثنى على فقهه في المسألة فقال: «(و) يتجه (أن ما بطل) به العقد (مما مر) من الصور؛ (يصح)؛ أي: ينقلب صحيحًا (إذا قبض) الثمن؛ (لوجود المعاطاة إذن)؛ أي: وقت القبض؛ لأن غالب الناس يشتري من البقَّال والبزَّاز والقصَّاب شيئا فشيئا، بنفسه تارةً، وبوكيله تارةً أخرى، من غير مساوَمة، ولا قطع ثمن، ثم بعد مضيِّ مدة يحاسبه على ذلك، ويدفع له الثمن. فلو اعتبر القبض في المعاطاة كلَّ مرة على حدتها؛ لضاق الأمرُ، ولزم إبطال غالب العقود، واشتغال الذمم بفساد المعاملة. وهذا الاتجاه لا يسع الناسَ العملُ بغيره، فلله در مستنبِطِه على نظره الدقيق، واستخراجه الأنيق».

ولابن تيمية كلام قد يُفهم منه تصحيح العقد بإسقاط أحد العاقدين للشرط الفاسد، وذكر أنه أحد القولين عن الإمام أحمد، قال وهو يقيس شرط النكاح الفاسد على البيع: «ولو نكحها بنية التحليل، أو شرطه ثم قصد الرغبة هي وهو، وأسقَطا شرطَ التحليلِ: فهل يحتاج إلى استئناف عقد أم يكفي استصحاب العقد الأول؟ فيه نزاع. وهو يشبه إسقاط الشرط الفاسد في البيع: هل يصح معه أم لا وهو قصد. ومثله إذا عقد العقد بدون إذن من اشترط إذنه: هل يقع باطلًا أو موقوفًا على الإجازة؟ فيه قولان مشهوران، وهما قولان في مذهب أحمد، أحدهما: أنه يقع باطلًا ولا يوقف، كقول الشافعي. الثاني: أنه يقف على الإجازة كقول أبي حنيفة ومالك، فإذا عقد العقد بنية فاسدة، أو شرط فاسد فقد يقول: إنه على القولين في الوقف؛ فمن قال بالوقف وقفه على إزالة المفسد، ومن لا فلا، فزوال المانع كوجود المقتضي، وإذا كان موقوفًا على حصول بعض شروطه فهو كالوقف على زوال بعض موانعه». مجموع الفتاوى (32/ 163)، لكني لم أجد مَنْ صرَّح به من الحنابلة، إلا أن يُحمل تخريج أبي الخطاب في صحة التصرف في العقد الفاسد على التصحيح، فقد قال ابن رجب: «وخرَّج أبو الخطاب في انتصاره صحةَ التصرف في البيع الفاسد من النكاح، واعترضه أحمد الحربي في تعليقه وقال: النكاح الفاسد منعقد؛ فلهذا صح التصرف فيه بخلاف البيع، ولكن أبو الخطاب قد لا يسلِّم انعقاد النكاح الفاسد ولا غيره؛ لأنه يرى أن المجامع يحل من إحرامه، وأن الطلاق في النكاح الفاسد إنما يقع ممن يعتقد صحته؛ فمن ها هنا حسن عنده هذا التخريج؛ إذ البيع والنكاح في هذا على حد واحد». قواعد ابن رجب (1/ 331)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (11/ 518).

[20] عند الحنفية يمكن تصحيح الفاسد، أما الباطل فلا يقبل التصحيح، وعند المالكية لم أجدهم ذكروا فرقًا بين تصحيح الفاسد والباطل، ويظهر أنهم يرون أن التصحيح يشملهما دون فَرْق؛ لأنهم لا يُفَرِّقون بين الفاسد والباطل في البيوع، بل يرونهما من قبيل المترادف كما سبَق في التمهيد في الفرق بين الفاسد والباطل، وسيأتي بإذن الله في المباحث التالية تفصيل مذهبهم.

[21] نصَّ بعضُ علماء المالكية على أن الفوات تصحيح؛ لأنه تترتب عليه بعضُ آثار الصحيح؛ من انتقال الْمِلْك والضمان، وعدم الرد، وأنه يكون حلالًا بيده له التصرف فيه، وسأنقلها لأهميتها من جهتين: 1- فيها بيان أن التصحيح لا يلزم منه ترتُّب جميع الآثار. 2- فيها توضيح قول المالكية، وأن قولهم تصحيح للعقد عند حصول الفوات.

قال ابن رشد الجد: «ورد قيمته في الفوات هو المراد بعينه، وهو التصحيح بالقيمة، وإن اختلفت العبارة في ذلك». مسائل ابن رشد (1/ 203)، وقال أيضًا: «لأن العقد كان فاسدًا، فيصحح بالقيمة إذا فات بصرفها إلى وجه مباح». المقدمات الممهدات (2/ 217)، وقال في موضع ثالث: «أنواع البيع الفاسد: فمنها ما ينفسخ البيع فيه ما كان المبيع قائمًا، ويصحح بالقيمة إذا فات، بإجماع من مالك وأصحابه». مسائل ابن رشد (1/ 201)، وفي الصفحة التي تليها حكى إجماعَ المالكية على ذلك فقال: «ويصحح بالقيمة إذا فات، بإجماع من مالك وأصحابه». مسائل ابن رشد (1/ 202)، وفي الجامع لمسائل المدونة (7/ 516): «لو قال: هو حُرٌّ من مالي بقيمته، فرضي بذلك صاحبُه، لزمه عتقه، ويصح بالقيمة، كبيع فاسد فات بالعتق، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ». وقال في مسألة أخرى: «إن ذلك حرام مفسوخ ويرد، فإن فات صح بالقيمة على قابضه، أو يرد المثل كالبيع». الجامع لمسائل المدونة (14/ 253).

وقال الباجي: «وفواته يكون بالزيادة في عينه، أو النقصان منها، أو بتغيُّر سُوقِهِ على وجه تصحيح البيع الفاسد، وبهذا قال مالك وأصحابه». المنتقى شرح الموطأ (6/ 191)، وقال أيضًا: «الصلح الحرام مفسوخ إن عثر عليه قبل أن يفوت، فإن فات قبل الفسخ صحَّ بالقيمة، كما يصح البيع الحرام إذا فات». شرح الزرقاني على مختصر خليل وحاشية البناني (6/ 6)، وقال ابن عرفة: «العقد الفاسد من نكاح وبيع وكراء، يوجب ترتُّبَ جملة من الثمرات التي تترتب على العقد الصحيح، وهذه القضية معلوم صدقها بالضرورة الفقهية، لمن قرأ كتاب البيوع الفاسدة من التهذيب، فضلًا عمَّن قرأ سائر كتب البيوع والأكرية والنكاح». المختصر الفقهي، لابن عرفة (4/ 42)، وقال خليل لَمَّا ذَكَرَ عقدًا فاسدًا: «إن شراءه لا يجوز ويفسخ، فإن فات عند المشتري صح بالقيمة». التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (5/ 209)، وفي المعيار المعرب (161/ 8): «لا تجوز هذه المزارَعةُ، فإن عمل هذا صح بالقيمة». وفي فتوى أخرى: «فيكون البيع ها هنا فاسدًا يفسخ، إلا أن يفوت بما يفوت به البيعُ الفاسدُ، فيصح بالقيمة». المعيار المعرب (184/ 6). وقال ابن رشد الحفيد: «وأما المكروهة: فإنها إذا فاتت صحَّت عندَه، وربما صح عندَه بعضُ البيوع الفاسدة بالقبض؛ لخفة الكراهة عنده في ذلك، ومالك يرى أن النهي في هذه الأمور إنما هو لمكان عدم العدل فيها؛ أعني: بيوع الربا والغرر، فإذا فاتت السلعة فالعدل فيها هو الرجوع بالقيمة؛ لأنه قد تُقبض السلعةُ وهي تساوي ألفًا، وتُرَدُّ وهي تساوي خمسمائة، أو بالعكس، ولذلك يرى مالك حوالة الأسواق فوتًا في المبيع الفاسد». بداية المجتهد ونهاية المقتصد (3/ 208)، وقال ابن عبد البر: «فسخ البيع المذكور بالعينة، إذا وقع على ذلك، فمنهم من رأى فسخه قبل الفوت، وبعده يصلحه بالقيمة، على حكم البيوع الفاسدة». الكافي في فقه أهل المدينة (2/ 672).

وهناك رأي آخَرُ مال إليه الحطَّابُ؛ وهو أنه فسخ بالقيمة، قال متعقِّبًا ابنَ رشد: «وقول ابن رشد: فيصح في فواتها بالقيمة مسامحة، وصوابه: ويفسخ في فواتها بالقيمة؛ لأن ذلك حكم البيع الفاسد، ولا يقال فيه: صح بالقيمة؛ لأنه لو صح مضى بالثمن». تحرير الكلام في مسائل الالتزام (ص: 346)، وقال متعقِّبًا خليلًا في مختصره: «ظاهِرُه أنه إذا فات المبيع، فإن البيع يمضي، وليس كذلك، بل حُكمُه حكمُ البيع الفاسد، يفسخ بالقيمة، فيرجع البائع بقيمة المبيع يوم قبضه، ويقاصه المشتري بما أنفقه عليه، وقد نبَّه على ذلك البساطيُّ، وهو ظاهر». مواهب الجليل (4/ 364)، ويُجمع بين كلامه مع كلامهم أنهم رأوا إمضاء البيع تصحيحًا ولو كان بالقيمة؛ لترتُّبِ أغلبِ آثارِ الصحيح عليه؛ ولعدم فسخه ورد المبيع، وهذا ما ذكرته من منهج البحث في التمهيد.

[22] أخرجه مسلم في «صحيحه» (5/ 132) برقم: (1718).

[23] يُنْظَر: تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد (ص: 318)، شرح مختصر الروضة (2/ 436).

[24] عون المعبود وحاشية ابن القيم (12/ 234).

[25] يُنْظَر: الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي (2/ 191)، تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد (ص: 320).

[26] يُنْظَر: تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد (ص: 321).

[27] يُنْظَر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (11/ 262)، كشاف القناع عن متن الإقناع (3/ 197).

[28] سبق تخريج هذه الأحاديث في مطلب ربا الفضل، ص (83).

[29] يُنْظَر: إكمال المعلم بفوائد مسلم (5/ 280)، شرح النووي على مسلم (11/ 22)، وقد بوَّب البخاريُّ (9/ 108) على حديث: «إِنَّا لَنَشْتَرِي الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ مِنَ الْجَمْعِ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((لَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ مِثْلًا بِمِثْلٍ، أَوْ بِيعُوا هَذَا وَاشْتَرُوا بِثَمَنِهِ مِنْ هَذَا))، (باب: إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول، من غير علم، فحكمه مردود؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ عَمِلَ عملًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ)) ).

[30] سيأتي تخريجه في أدلة القول الثاني، ص (143).

[31] يُنْظَر: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (4/ 92)، إكمال المعلم بفوائد مسلم (5/ 280).

[32] يُنْظَر: تخريج الفروع على الأصول للزنجاني (ص: 170)، المغني، لابن قدامة (4/ 173).

[33] يُنْظَر: الأُمّ، للشافعي (6/ 199).

[34] الهداية في شرح بداية المبتدي (3/ 51)، تبيين الحقائق (4/ 63).

[35] يُنْظَر: أصول الشاشي (ص: 168).

[36] القبض وأثره في العقد الفاسد، د. عبدالله الموسى مجلة البحوث الإسلامية (95/ 252).

[37] يُنْظَر: المبسوط، للسرخسي (13/ 27)، تبيين الحقائق (5/ 133).

[38] يُنْظَر: نهاية المطلب في دراية المذهب (5/ 289).

[39] يُنْظَر: المبسوط، للسرخسي (13/ 24)، مفوتات فسخ العقد، د. محمد المختار محمد المامي (1/ 68).

[40] يُنْظَر: مجموع الفتاوى (29/ 408)، وقال قبله عن العقد الفاسد: «فإذا اتصل به القبض، فهو قبض مأذون فيه بعقد، فليس مثل قبض الغاصب الذي هو بغير إذن؛ ولهذا قال الفقهاء: ما ضمن بالقبض في العقد الصحيح، ضمن بالقبض في العقد الفاسد؛ كالمبيع والمؤجر، وما لم يضمن بالقبض في العقد الصحيح، لا يضمن بالقبض في العقد الفاسد؛ كالأمانات، من المضاربة والشركة ونحوها؛ لوجود الإذن». مجموع الفتاوى (29/ 407).

[41] يُنْظَر: المنثور في القواعد الفقهية (3/ 11)، شرح مختصر الطحاوي، للجصاص (3/ 117).

[42] تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفسادَ (ص: 345)، نفائس الأصول في شرح المحصول (4/ 1689).

[43] يُنْظَر: المبسوط، للسرخسي (15/ 100)، الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (2/ 285).

[44] يُنْظَر: التهذيب في فقه الإمام الشافعي (3/ 329).

[45] الكهف: 19.

[46] البقرة: 220.

[47] تفسير القرطبي (10/ 377).

[48] الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (2/ 119).

[49] الناسخ والمنسوخ، للقاسم بن سلام (1/ 240).

[50] أخرجه البخاري في «صحيحه» (3/ 140) برقم: (2497)، ومسلم في «صحيحه» (5/ 45) برقم: (1589)، (5/ 45) برقم: (1589) بنحوه.

[51] يُنْظَر: فتح الباري، لابن حجر (5/ 135).

[52] يُنْظَر: المنثور في القواعد الفقهية (1/ 382)، المغني، لابن قدامة (4/ 179)، المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (ص: 1226).

[53] والشافعية والحنابلة في الراجح من مذهبهم يصححون تفريقَ الصفقة كما في مثال الصرف، وكما لو باع خَلًّا وخمرًا صفقةً واحدةً، وهو يفيد عملَهم بتصحيح الفاسد في بعض المسائل؛ لأن العقد تناوَل مجموعَ المبيعين، وبعضه فاسد، فيلزم فساد الكل، ومع ذلك صحَّحُوا ما يمكن تصحيحُه وأبطلوا الفاسدَ، وهم يرُدون أنه تصحيح للفاسد، وقد يكون جوابهم بأنه لم ينعقد في الخمر، ولا فيما لم يقبض، ولا في المشاع الذي بعضه للغير، فوجوده لغو، فيتناول العقد المبيع الصحيح فقط. يُنْظَر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (5/ 143)، تحفة المحتاج (4/ 323)، الفروع وتصحيح الفروع (6/ 159)، كشف المخدرات (1/ 368).

[54] أخرجه البخاري في «صحيحه» (3/ 55) برقم: (2060)، (3/ 75) برقم: (2180)، ومسلم في «صحيحه» (5/ 45) برقم: (1589)، (5/ 45) برقم: (1589).

[55] فتح الباري، لابن حجر (5/ 135).

[56] يُنْظَر: الممتع في شرح المقنع (2/ 407).

[57] يُنْظَر: المغني، لابن قدامة (4/ 178).

[58] يُنْظَر: المغني، لابن قدامة (4/ 179)، دراسات المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (4/ 3615).

[59] البيان في مذهب الإمام الشافعي (5/ 143).

[60] يُنْظَر: الممتع في شرح المقنع (2/ 407).

[61] أخرجه البخاري في «صحيحه» (1/ 98) برقم: (456)، ومسلم في «صحيحه» (3/ 120) برقم: (1075).

[62] الأم، للشافعي (6/ 200).

[63] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (15/ 326).

[64] المغني، لابن قدامة (4/ 172).

[65] التلخيص الحبير (3/ 33).

[66] يُنْظَر: المرجع السابق (3/ 33).

[67] الأحاديث الواردة في البيوع المنهي عنها، د. سليمان الثنيان (1/ 374).

[68] المغني، لابن قدامة (4/ 172).

[69] شرح النووي على مسلم (10/ 140).

[70] مجموع الفتاوى (29/ 337).

[71] أخرجه البخاري في «صحيحه» (3/ 73) برقم: (2169)، ومسلم في «صحيحه» (4/ 216) برقم: (1506).

[72] التمهيد (15/ 325).

[73] الإسراء: 7.

[74] غافر: 52.

[75] يُنْظَر: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (2/ 136)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (4/ 225).

[76] إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (2/ 136).

[77] مجموع الفتاوى (29/ 337) (29/ 339).

[78] يُنْظَر: كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي (4/ 252).

[79] يُنْظَر: طرح التثريب في شرح التقريب (6/ 235)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (4/ 225).

[80] يُنْظَر: شرح النووي على مسلم (10/ 140)، شرح السيوطي على مسلم (4/ 133)، قال النووي: «وهذا الأصح في تأويل الحديث».

[81] يُنْظَر: المستدرك على مجموع الفتاوى (1/ 203).

[82] التوبة: 80.

[83] الطور: 16.

[84] يُنْظَر: المغني، لابن قدامة (4/ 172)، المبدع في شرح المقنع (4/ 56).

[85] مجموع الفتاوى (29/ 340)، وذكر أن هذا ظاهر مذهب الإمام أحمد.

[86] أخرجه أحمد في «مسنده» (3/ 1098) برقم: (4977)، وأبو داود في «سننه» (3/ 255) برقم: (3354)، (3/ 256) (بدون ترقيم)، والترمذي في «جامعه» (2/ 523) برقم: (1242)، وابن ماجه في «سننه» (3/ 369) برقم: (2262)، (3/ 370) برقم: (2262 (م) )، والنسائي في «المجتبى» (1/ 893) برقم: (4596/ 5)، (1/ 893) برقم: (4597/ 1)، (1/ 893) برقم: (4603/ 1)، والدارمي في «مسنده» (3/ 1681) برقم: (2623)، وقد أعل بالوقف، قال ابن حجر: «روى البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي قال: سئل شعبة عن حديث سماك هذا فقال شعبة: سمعت أيوب عن نافع عن ابن عمر ولم يرفعه، ونا قتادة عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر ولم يرفعه، ونا يحيى بن أبي إسحاق عن سالم عن ابن عمر ولم يرفعه، ورفعه لنا سماك بن حرب، وأنا أفرقه.

وعلق الشافعي في سنن حرملة القول به على صحة الحديث». التلخيص الحبير (3/ 70).

وقال ابن الملقن: صححه ابن حبان والحاكم وقال: «إنه على شرط مسلم، وقال الترمذي والبيهقي: تفرد برفعه سماك، وأكثر الرواة وقفوه على ابن عمر». تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج (2/ 233).

وقال: «فائدة: البقيع المذكور في هذا الحديث، هو بالباء الموحدة مدفن أهل المدينة، وقد ورد مصرحًا به في «المعرفة» للبيهقي «كنت أبيع الإبل ببقيع الغرقد... » الحديث، وأما ابن باطيش فقال في كتابه «المغني»: لم أجد أحدًا ضبطه في هذا الحديث، والظاهر أنه بالنون، أشبه بالبقيع الذي هو مدفن. وكأنه لم يقف على رواية البيهقي، لا جرم اعترض النووي عليه في «تهذيبه» فقال: ليس كما قال، بل هو البقيع بالباء وهو المدفن، ولم يكن ذلك الوقت كثرت فيه القبور». البدر المنير (6/ 566)، وقد جمع ألفاظه ابن الملقن في البدر المنير من الموضع السابق.

[87] مجموع الفتاوى (29/ 510).

[88] أخرجه البخاري في «صحيحه» (4/ 207) برقم: (3642).

[89] أخرجه أبو داود في «سننه» (3/ 265) برقم: (3386)، والترمذي في «جامعه» (2/ 535) برقم: (1257).

[90] فتح الباري، لابن حجر (6/ 634)، ويُنْظَر: فتح القدير، للكمال ابن الهمام (7/ 52).

[91] المحلَّى بالآثار (7/ 92).

[92] يُنْظَر: التلخيص الحبير (3/ 12)، التبيان في تخريج وتبويب أحاديث بلوغ المرام (9/ 88).

[93] يُنْظَر: فتح الباري، لابن حجر (6/ 634).

[94] تحفة المحتاج (2/ 207).

[95] البدر المنير (6/ 453)، ويُنْظَر: التبيان في تخريج وتبويب أحاديث بلوغ المرام (9/ 87).

[96] رسالة: الكلام في بيع الفضولي ضمن مجموع رسائل الحافظ العلائي (4/ 106).

[97] تنقيح التحقيق، لابن عبد الهادي (4/ 153).

[98] يُنْظَر: المجموع شرح المهذب (9/ 259) (9/ 261)، بذل المجهود في حل سنن أبي داود (11/ 82).

[99] يُنْظَر: المغني، لابن قدامة (4/ 155)، بيع الفضولي، د. خالد اللحيدان بحث منشور في مجلة العدل العدد الثاني عام 1420هـ (2/ 142).

[100] يُنْظَر: فتح الباري، لابن حجر (6/ 634).

[101] يُنْظَر: حاشيتا قليوبي وعميرة (2/ 201)، النجم الوهاج في شرح المنهاج (4/ 41).

[102] يُنْظَر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق (6/ 160)، مجموع الفتاوى، لابن تيمية (20/ 580).

[103] أخرجه البخاري في «صحيحه» (3/ 99) برقم: (2304).

[104] تحفة المحتاج (4/ 247)، ويُنْظَر: التيسير في المعاملات المالية، د. هشام العربي (ص: 335).

[105] الجمع: هو التمر المختلط الرديء، والجنيب: هو الجيد. الحاوي الكبير (5/ 289).

[106] أخرجه البخاري في «صحيحه» (3/ 77) برقم: (2201)، (3/ 98) برقم: (2302)، ومسلم في «صحيحه» (5/ 47) برقم: (1593).

[107] الموافقات (3/ 130).

[108] يُنْظَر: بيع المرابحة للآمر بالشراء - دراسة تطبيقية في ضوء تجربة شركة بيت المال الفلسطيني العربي، حسام الدين بن عفانة (ص: 53)، وقال: وهذا أقربُ إلى العدل في تقدير السلعة وثمنها.

[109] يُنْظَر: المنثور في القواعد الفقهية (2/ 94)، تحفة المحتاج في شرح المنهاج وحواشي الشرواني والعبادي (4/ 290).

[110] يُنْظَر: إعلام الموقعين (6/ 47)، وذكر ابن عاشور، أن من حِكَم هذا الحديث: تكثير التعامل بالنقدين؛ ليحصل الرواجُ بهما. مقاصد الشريعة الإسلامية (3/ 482).

[111] يُنْظَر: شرح الزرقاني على الموطأ (3/ 404).

[112] يُنْظَر: التمهيد لِمَا في الموطَّأ من المعاني والأسانيد (20/ 58).

[113] يُنْظَر: المنثور في القواعد الفقهية (2/ 94)، شرح النووي على مسلم (11/ 21).

[114] أخرجه مسلم في «صحيحه» (5/ 97) برقم: (1668)، (5/ 97) برقم: (1668).

[115] قواعد الأحكام في مصالح الأنام (2/ 147)، ويُنْظَر: جامع العلوم والحكم (1/ 191).

[116] سبق تخريجُه في التمهيد، ص (30).

[117] نقله الشاطبيُّ عن القباب. الاعتصام، للشاطبي (3/ 63).

[118] شرح مختصر الطحاوي للجصاص (3/ 117).

[119] الموافَقات (5/ 190-191).

[120] أخرجه البخاري في «صحيحه» (3/ 157) برقم: (2586)، (3/ 158) برقم: (2587)، (3/ 171) برقم: (2650)، ومسلم في «صحيحه» (5/ 65) برقم: (1623).

[121] يُنْظَر: جامع العلوم والحكم (1/ 186).

[122] يُنْظَر: نظرية العقد، لابن تيمية (1/ 225)، وقال: «وقد بيَّنَّا في غير هذا الموضع أن مذهب أحمد، أن ما احتيج إلى وقفه من العقد وُقِفَ، وهو ما كان المتصرف فيه معذورًا في تصرفه، كالصدقة بالمال الذي لا يعلم مالكه، والمقبوض بعقد فاسد، إذا باعه المشتري وقصَد ردَّه، فإنه إن أجاز البائعُ البيعَ جازَ، وكان له الربح، وكذلك الحكم بالتفريق بين المفقود وامرأته، وتزويجها بغيره، هو موقوف على رضى الزوج، فإن أجاز الفرقة جازت، وكانت زوجة الثاني، وإن اختار فسخَها وأخذ امرأته، كان له ذلك، كما قضى به الصحابةُ، وأخذ به أحمدُ، وأشكل هذا على أكثر الفقهاء، الذين لم يعلموا وجهَ ما فعله الخلفاءُ الراشدون، بل اعتقدوه خلاف القياس الصحيح، وهو مبنيٌّ على وقف العقود». ولم أجد بسطَها في موضع آخَرَ من كلامه، والذي وجدتُه كلامه في وقف العقود فقط في عدة مواضع، لكنه لم يتطرق فيها لوقف المقبوض بعقد فاسد.

[123] يُنْظَر: الاستذكار (7/ 226).

[124] أخرجه مسلم في «صحيحه» (5/ 66) برقم: (1623).

[125] أخرجه مالك في «الموطأ» (4/ 1089) برقم: (2783)، والبيهقي في «سننه الكبير» (6/ 169) برقم: (12067)، (6/ 170) برقم: (12068)، (6/ 178) برقم: (12128)، (6/ 257) برقم: (12614)، وعبد الرزاق في «مصنَّفه» (9/ 101) برقم: (16507)، وابن أبي شيبة في «مصنفه» (10/ 522) برقم: (20506)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (4/ 88) برقم: (5844)، رواه مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، وإسناده صحيح.

[126] المغني، لابن قدامة (6/ 52).

[127] يُنْظَر: فتح الباري، لابن حجر (5/ 215).

[128] يُنْظَر: المغني، لابن قدامة (6/ 52).

[129] الاستذكار (7/ 228).

[130] يُنْظَر: فتح الباري، لابن حجر (5/ 215).

[131] يُنْظَر: المغني، لابن قدامة (6/ 52)، جامع العلوم والحكم (1/ 186).

[132] فتح الباري، لابن حجر (5/ 215).

[133] أخرجه البيهقي في «سننه الكبير» (5/ 268) برقم: (10535)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (4/ 10) برقم: (5507)، قال الطحاوي: «والآثار في ذلك قد جاءت متواترة، وإن كان أكثرها منقطعًا، فإنه منقطع، لم يضاده متصل»، وقال النووي: «رواه البيهقي بإسناد حسن، لكن فيه رجل مجهول مختلف في الاحتجاج به»، المجموع شرح المهذَّب (9/ 289)، وقال الذهبي: «فيه انقطاع». المهذَّب في اختصار السنن الكبير (4/ 2032)، ويُنْظَر في تخريجه: المعاملات المالية أصالة ومعاصرة (2/ 264)، التكميل لِمَا فات تخريجُه من إرواء الغليل (ص: 206).

[134] يُنْظَر: المغني، لابن قدامة (3/ 495).

[135] أخرجه مسلم، وسبق تخريجه في مبحث الغرر، ص (104).

[136] النساء: 29.

[137] يُنْظَر: المحلى بالآثار (7/ 223).

[138] يُنْظَر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (6/ 532)، المبسوط، للسرخسي (13/ 71).

[139] يُنْظَر: المغني، لابن قدامة (3/ 495)، الغرر وأثره في العقود (ص: 431).

[140] فتح القدير، لابن الهمام (6/ 340).

[141] يُنْظَر: شرح معاني الآثار (4/ 10)، الهداية في شرح بداية المبتدي (3/ 34)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (11/ 267).

[142] أخرجه مالك في «الموطأ» (4/ 992) برقم: (2534)، والبيهقي في «سننه الكبير» (6/ 110) برقم: (11719)، وقال ابن حجر: «إسناده صحيح». التلخيص الحبير (3/ 139)، وقال ابن كثير: «وهو أصل كبير، اعتمد عليه الأئمةُ في هذا الباب، مع ما يعضده من الآثار». مسند الفاروق (2/ 38).

[143] البدر المنير (7/ 24)، ويُنْظَر: فيض الباري على صحيح البخاري (3/ 486).

[144] أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (6/ 23) برقم: (9886)، (6/ 74) برقم: (10044)، وأبو عبيد في «الأموال» (ص: 62)، قال الإمام أحمد: «إسناده جيد». أحكام أهل الذمة (1/ 183)، وأشار ابن حزم إلى تصحيحه. المحلَّى بالآثار (6/ 447)، ونقل تصحيحه عنه في الجوهر النقي (6/ 102)، وذكر ابن تيمية في موضعين أنه ثابت عن عمر. مجموع الفتاوى (29/ 265) (29/ 318)، ويُنْظَر: الأموال، لابن زنجويه (1/ 180).

[145] تولية أهل الذمة بيعها محل خلاف، يُنْظَر: أحكام أهل الذمة (1/ 183)، فتح الباري، لابن حجر (4/ 415)، فيض الباري على صحيح البخاري (3/ 491).

[146] أخرجه عبد الرزاق في «مصنفه» (6/ 75) برقم: (10047).

[147] أخرجه البخاري في «صحيحه» (3/ 82) برقم: (2223)، ومسلم في «صحيحه» (5/ 41) برقم: (1582).

[148] تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء، لابن تيمية (2/ 585).

[149] مجموع الفتاوى (29/ 265).

[150] يُنْظَر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (3/ 180).

[151] التهذيب في فقه الإمام الشافعي (3/ 329).

[152] تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (4/ 60).

[153] يُنْظَر: المبسوط، للسرخسي (13/ 27).

[154] الموسوعة الفقهية الكويتية (8/ 116).

[155] المبسوط، للسرخسي (13/ 124).

[156] المرجع السابق (6/ 114).

[157] المرجع السابق (20/ 135).

[158] النهر الفائق شرح كنز الدقائق (3/ 535).

[159] الفروق، للكرابيسي (2/ 106).

[160] فتح القدير، لابن الهمام (7/ 146).

[161] المنتقى شرح الموطأ (4/ 297).

[162] الفروق، للقرافي (4/ 171).

[163] مقاصد الشريعة الإسلامية، لابن عاشور (3/ 490).

[164] الفتاوى الفقهية الكبرى، لابن حجر (2/ 144)، وقال مثل ذلك في إجابة سؤال آخر. (2/ 148).

[165] نهاية المطلب في دراية المذهب (10/ 179).

[166] المرجع السابق (10/ 179).

[167] المنثور في القواعد الفقهية (2/ 412).

[168] الأشباه والنظائر (2/ 142).

[169] العزيز شرح الوجيز، (5/ 192)، روضة الطالبين وعمدة المفتين (4/ 280).

[170] المجموع شرح المهذب (11/ 254)، أسنى المطالب في شرح روض الطالب (2/ 96).

[171] المغني، لابن قدامة (5/ 404).

[172] المغني، لابن قدامة (7/ 448)، دقائق أولي النهى لشرح المنتهى (3/ 118).

[173] المغني، لابن قدامة (3/ 500).

[174] الكافي في فقه الإمام أحمد (2/ 27).

[175] مجموع الفتاوى (29/ 466)، مختصر الفتاوى المصرية (ص: 330).

[176] شرح مختصر الروضة (2/ 440).

[177] شرح الزركشي على مختصر الخرقي (4/ 394).

[178] الشرح الممتع على زاد المستقنع (9/ 78).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • أحكام مجاوزة الميقات
  • تصحيح العقود المالية الفاسدة المفهوم والمصطلح
  • أقسام العقود من حيث الصحة والبطلان والفساد
  • العقود الصحيحة ومقتضاها
  • المخالفات الشرعية المتعلقة بالعقود وأقسامها: العقود المشتملة على الميسر
  • المخالفات الشرعية المتعلقة بالعقود وأقسامها: العقود المشتملة على الغرر
  • المخالفات الشرعية المتعلقة بالعقود وأقسامها: البيوع المنهي عنها لعينها

مختارات من الشبكة

  • التأصيل المنهجي لاستنباط أحكام النوازل الفقهية المعاصرة (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • تصحيح العقود المالية الفاسدة وتطبيقاتها المعاصرة دراسة تأصيلية تطبيقية(رسالة علمية - مكتبة الألوكة)
  • حكم السفر لبلاد يقصر فيها النهار لأجل الصوم بها: دراسة فقهية تأصيلية (PDF)(كتاب - آفاق الشريعة)
  • إعراب ألفاظ القرآن الكريم: تحليل وتطبيق (دراسة تطبيقية تجمع بين التأصيل النحوي والتدريب العملي) (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • التأصيل الشرعي لمقصد "حفظ الدين" مفهومًا وأدلةً وأهميةً ووسائلَ (WORD)(كتاب - آفاق الشريعة)
  • التأصيل اللغوي(مقالة - حضارة الكلمة)
  • التأصيل الفقهي لمسؤولية الدولة عن الضرر البيئي(مقالة - آفاق الشريعة)
  • التأصيل الفقهي والشرعي للسجل والتوقيع الإلكتروني(مقالة - موقع أ. د. علي أبو البصل)
  • التأصيل الفقهي للتغرير(مقالة - موقع أ. د. علي أبو البصل)
  • إثبات عذاب القبر في الصحيحين: دراسة عقدية فقهية (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • المركز الإسلامي في فيينا يستضيف ندوة لتعزيز الوعي حول الإسلام
  • بعد سنوات من العمل والتبرعات.. افتتاح المركز الإسلامي في إيست سيراكيوز
  • اختتام برنامج تدريبي لتطوير مهارات القيادة والإدارة والتواصل للأئمة في توزلا
  • بعد 8 سنوات من البناء... مسجد جديد يفتح أبوابه بمدينة سومور الفرنسية
  • لأول مرة في تاريخها... إندونيسيا تطلق أول معرض لتلاوة القرآن الكريم بلُغة الإشارة
  • مساجد بريطانيا تفتح أبوابها أمام الجميع في النسخة الـ11 من «زر مسجدي»
  • «الرعاية معا».. مؤتمر طبي إسلامي يجمع 200 متخصص وطالب في أستراليا
  • التوسع في البرامج القرآنية للأطفال والبالغين في الفولغا مع بداية العام الدراسي

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 18/4/1448هـ - الساعة: 1:1
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب