• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الأنس بالله تعالى
    إبراهيم الدميجي
  •  
    الاغتيال من تحت
    أ. د. السيد أحمد سحلول
  •  
    الإحسان إلى الفقراء بين صدق العبودية وجمال السلوك
    د. حسام العيسوي سنيد
  •  
    من مائدة الحديث: التحذير من التهاجر والتشاحن
    عبدالرحمن عبدالله الشريف
  •  
    الشعيرة العظيمة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    تفسير سورة آل عمران الآية (18)
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
  •  
    خطبة عن الجوار
    د. سعود بن غندور الميموني
  •  
    الأمانة الغائبة (خطبة)
    أحمد عبدالله صالح
  •  
    فضل من ستر عورة مسلم
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    خطبة: علامات الدجال (1)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    عبادة الإصلاح بين الناس
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    سر الأمان في زمن الفتن (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    ثناء الله تعالى ونعمه على رسولنا الكريم في سورة ...
    عبدالله بن عبده نعمان العواضي
  •  
    {خذ العفو} (خطبة)
    سالم بن محمد الغيلي
  •  
    تحريم الاستهزاء بالله وملائكته وكتبه ورسله أو شيء ...
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    باب في محبة الله عز وجل
    د. خالد النجار
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / عقيدة وتوحيد / التوحيد / في آيات الله
علامة باركود

{وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا} (خطبة)

{وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا} (خطبة)
وضاح سيف الجبزي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 5/9/2026 ميلادي - 24/3/1448 هجري

الزيارات: 67

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

﴿ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا ﴾

 

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله مرسل الرياح بشرًا بين يدي رحمته للعباد، ومنزل الغيث ليحيي به الميت من البلاد، وينعش به الضعيف من الأجساد، ويطفئ به حرارة الجوانح والأكباد، ويسقيه الروابي والوهاد، ويسح على السهول والنجاد، ويكون بلاغًا للحاضر والباد.

لك الحمد يا رباه ما هل صيب
وما تاب يا من يقبل التوب مذنب
لك الحمد ما حل الهناء وما سرى
نسيم الصبا أو سال وادٍ وأشعب
لك الحمد ما هاج الغرام وما همى
الغمام وما غنى الحمام المطرب
لك الحمد ما دامت ربوع وما جرت
دموع وشع النجم أو لاح كوكب
إليك يساق الشكر في كل لمحة
ويزدان شرق بالثناء ومغرب

 

الحمد لله مغيث الورى من بعد ما قنطوا، وباسط الرزق لمن أكف الضراعة قد بسطوا، ومسدي الجميل لمن نحو جميل رجائه انبسطوا.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، منزل الغياث، من الدلح[1] الحثاث[2]، على الحزن[3] والدماث[4]، إلى الجوع[5] الغراث[6].

سبحان من خلق الأخلاق والخلقا
والشمس والبدر والظلماء والغسقا
سبحان منزل ماء المزن في المطر
يروي النبات ويسقي يانع الثمر
سبحان من فجر الأنهار فانفجرت
وقدر الخير في إجرائها فجرت

 

وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، خير المستبشرين بنزول الغيث الهامل، وأكثر المتفائلين بهطول المطر الوابل، صلوات ربي وسلامه عليه ما قهقهت رعود، وامتلأت سدود.

صلى عليه الله ما نبتت على
هذي البسيطة روضة وغصون
وتفتحت زهر وضاع نسيمها
وتفجرت بعد الجفاف هتون

 

اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه كلما آض[7] بارق، وانهطلت جون[8] الغمايم بالمطر، وعلى آله وأصحابه، ما تلألأ نور الحق في الخلق وانتشر؛ أما بعد:

فأوصيكم ونفسي -عباد الله- بتقوى الله، فاتقوا الله حق التقوى وأطيعوه، وامتثلوا أوامره وراقبوه، واحمدوه على عطائه وسبحوه، وأثنوا عليه بآلائه واذكروه، وتفكروا في نعمائه واشكروه، واقدروه حق قدره ووقروه، وعظموه ومجدوه وآثروه، ألم تروا كيف أنشأ لكم سحابًا ثقالًا، وساق مزنًا تحمل عذبًا زلالًا، فأنزل منها وابلًا هطالا، سقى به أوديةً وآجامًا، وروى منه هضابًا وآكامًا، وأنبع به عيونًا وأنهارًا، وأنبت زروعًا وأشجارًا، وأخرج حبًّا وأبًّا وثمارًا، وأغدق به عليكم نعمًا غزارًا؟ ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحج: 63]، ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ﴾ [فاطر: 27]، ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ﴾ [الزمر: 21].

 

معاشر المؤمنين، وعن رحلة وحيثيات نزول هذا الغيث يقول الله: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ﴾ [الأعراف: 57]، ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الروم: 46]، ﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ [فاطر: 9].

 

وما أجَل معالم التوحيد، التي استلهمها حنيفي بفطرته[9] من هذه النعمة! حيث قال:

وأسلمت وجهي لمن أسلمت
له الأرض تحمل صخرًا ثقالا
دحاها فلما رآها استوت
على الماء أرسى عليها الجبالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت
له المزن تحمل عذبًا زلالا
إذا هي سيقت إلى بلدة
أطاعت فصبت عليها سجالا

 

ولنتأمل -أيها الموحدون- كيف يعرض القرآن هذا المشهد على مهل؛ ليوقظ القلب، ويبعثه إلى التأمل والتدبر، والاعتباروالاستبصار: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ ﴾ [النور: 43]، ﴿ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ ﴾ [الروم: 48 - 50].

 

انظر إليها في النفوس المستبشرة بعد القنوط، وفي الأرض المهتزة بعد الهمود، وفي التربة التي تدب فيها الحياة بعد الجمود، وفي البهجة التي تغمر المهج، والطمأنينة التي تعمر القلوب!

 

﴿ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ [الروم: 50]، وما من مشهد يريح الحس والأعصاب، ويندي القلب والمشاعر، وينفض هموم الروح، ويزيح تعب النفس، كمشهد الغيث بعد الجفاف، ومشهد الأرض تتفتح بعد الروى بالنبات، وتنتشي بالخضرة بعد الموات.

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ﴾ [الشورى: 28]، فتحيا الأرض، ويخضر اليابس، وينبت البذر، ويترعرع النبات، ويلطف الجو، وتنطلق الحياة، ويدب النشاط، وتنفرج الأسارير، وتتفتح القلوب، وينبض الأمل، ويفيض الرجاء.

يا منزل الغيث بعد ما قنطوا
ويا ولي النعماء والمنن
يكون ما شئت أن يكون وما
قدرت ألا يكون لم يكن

 

عباد الله، إن إنزال المطر مظهر من مظاهر إحسان الرب سبحانه ورحمته، ومشهد من مشاهد كمال قدرته، وشاهد على ربوبيته وعظمته، ودليل على تفرده ووحدانيته، وبرهان على وحدة الخالق لجميع الخلائق: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 21، 22]، ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 164].

وحين يساق السحاب الجواد
ليحيي في الأرض ميت القبور
أفر إلى ساحة الساجدين
أشارك في مهرجان كبير
أبيع وربي مني اشترى
أبيع الحياة ولا أستشير
أرى كبرياءً بلون السماء
وومض البروق ولفح الهجير

 

﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ﴾ [الرعد: 12]، ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [الروم: 24]، ﴿ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى ﴾ [طه: 53، 54]، ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ﴾ [الفرقان: 48، 49]، ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ ﴾ [السجدة: 27]، ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ﴾ [عبس: 24 - 31]، ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ﴾ [النبأ: 14 - 16].

تأمل في نبات الأرض وانظر
إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات
بأحداق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات
بأن الله ليس له شريك

 

إنها من آيات قدرته الغزيرة، التي لا تُعد ولا تُحصى، وشواهد عظمته الوفيرة، التي لا تحد ولا تستقصى، ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ [النمل: 60]، ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [العنكبوت: 63]، ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾ [لقمان: 10، 11].

فسبحان من تعنو الوجوه لوجهه
ومن كل ذي عز له يتذلل
جواد مجيد مشفق متعطف
جليل جميل منعم متفضل
له الراسيات الشم تهبط خشيةً
وتنشق عن ماء يسيح ويخضل
وأنشأ من لا شيء سحبًا هواطلًا
يسبح فيها رعده ويهلل
وأحيا نواحي الأرض من بعد موتها
بمنسجم غيث من السحب يهمل

 

أيها المسلمون، إن من أبين مظاهر القدرة في هذا الماء المنزل من السماء، أنه أصل المخلوقات، وينبوع الحياة، وعنصر البقاء، ومصدر الأحياء والإحياء: ﴿ وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ [النحل: 65]، ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنبياء: 30]، ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ﴾ [النور: 45].

 

فهو أساس الخلق والإيجاد، ومادة الشراب والسقيا، وبه يحيي الله الغياض والرياض، وينبت الأشجار، ويخرج الثمار، ويجري الأنهار، ويفجر العيون: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 10، 11]، ﴿ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ [المؤمنون: 19].

 

إنه من أعظم مظاهر الإعجاز، وأوضح آيات التحدي: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ﴾ [الواقعة: 68 - 70].

 

وقد وصف الله هذا الماء المنزل من المزن بالبركة: ﴿ وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ﴾ [ق: 9].

 

وسماه رزقًا: ﴿ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا ﴾ [غافر: 13]، ﴿ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ﴾ [ق: 11].

 

ووصفه بالطهارة: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ﴾ [الأنفال: 11]، ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ﴾ [الفرقان: 48].

 

معاشر المؤمنين، ومن حكمة الله التي تتجلى في إنزال هذا الغيث: إنزاله بحكمة وتدبير، لا أكثر فيغرق ويفسد، ولا أقل فيكون الجدب والمحل، ولا في غير أوانه فيذهب بددًا بلا فائدة: ﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ [الحجر: 21]، ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ ﴾ [المؤمنون: 18]، ﴿ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ ﴾ [الزخرف: 11].

 

وجاء في بعض الآثار: ما من قطرة تنزل من السماء، إلا ومعها ملَك يقررها في موضعها من الأرض[10].

 

﴿ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ [الحجر: 21]: كل قطرة بقدر مخصوص اقتضته حكمته ورحمته، فيرش السحاب الماء على الأرض رشًّا، ويرسله قطرات مفصلة، لا تختلط قطرة منها بأخرى، ولا يتقدم متأخرها، ولا يتأخر متقدمها، ولا تدرك القطرة صاحبتها فتمتزج بها، بل تنزل كل واحدة في الطريق الذي رسم لها لا تعدل عنه، حتى تصيب الأرض قطرةً قطرة، قد عينت كل قطرة منها لجزء من الأرض لا تتعداه إلى غيره، فلو اجتمع الخلق كلهم على أن يخلقوا منها قطرة واحدة، أو يحصوا عدد القطر في لحظة واحدة لعجزوا عنه[11].

 

أيها المسلمون، ومن حكمة الله ورحمته وتدبيره: أن جعل باطن الأرض مخزنًا لهذا الماء، ليستخرج منها وقت الحاجة، وبقدرها: ﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴾ [المؤمنون: 18]، ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ [الحجر: 22]، وما أنتم له بحافظين، بل نحن ننزله ونحفظه عليكم، ونجعله معينًا وينابيع في الأرض، ولو شاء تعالى لأغاره وذهب به، ولكن من رحمته أنزله وجعله عذبًا، وحفظه في العيون والآبار والأنهار وغير ذلك؛ ليبقى لهم في طول السنة، يشربون ويسقون أنعامهم وزروعهم وثمارهم[12].

وإذا جفت العيون السواقي
واستحالت رياضنا مجدبات
وبدا وجه أرضنا مكفهرًا
قابلتك الغيوم بالبشريات
فإذا بالمغيث يزجي سحابًا
ويفيض الثجاج من معصرات
تكتسي الأرض حلةً من نضار
في وجوه وضاءة مبهجات

 

ومن عجائب المطر أيها الأحبة: أن الله ضرب به مثلًا للوحي، وتأثيره، ومفعوله، قال جل جلاله: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ [الرعد: 17].

 

ثم لنتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: ((مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها نقية، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفةً أخرى، إنما هي قيعان، لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به))[13].

 

أيها الموحدون، إن القرآن يوقظ أرواحنا، ويوجه إحساسنا إلى مشاهد الوجود الباهرة، ومعطيات الحياة المتفتحة في جنبات الأرض، تراها الأعين، وتستجليها الحواس، وتتدبرها القلوب، وترى فيها بدائع صنع الله المبثوثة، وانبثاقات الحياة في الكون: ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: 99].

هل تأملت روعة الروض لما
يتبدى بأحسن المزهرات
من غصون ريانة وورود
وفروع زكية مثمرات
كم ترى من حدائق مفعمات
بغصون قطوفها دانيات
وحقول جميلة لحبوب
تتجلى في أبدع السنبلات
أين عيناك عن تملي جمال
في أفانين فضله الناطقات
في سحاب مسخر في غمام
في بروق براقة باسمات
في صنوف الأرزاق من كل طعم
في فيوضات جوده المغدقات
في مذاق الثمار في باسق الن
خل في الجنا في النواة
إنه الله سلوة وضياء
في سماء العباد والعابدات

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 32 - 34].

 

قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه كان غفارًا.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي أنزل المطر من الغمام، وأخرج الورد من الأكمام، وفجر الماء من الجلمود، وولد الثمر من يابس العود.

تسبح ذرات الوجود بحمده
ويسجد بالتعظيم نجم وأشجار
ويبكي غمام الغيث طوعًا لأمره
فتضحك مما يفعل الغيث أزهار

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، منزل الرزق من السماء، وجاعل كل شيء حيا من الماء، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد، خير الأنام، الذي جعله الله في روض هذا الوجود المجود، بسحاب الجود، زهرة الكمام، وختم ديوان الأنبياء من دعوته الحنيفية السمحة بمسكة الختام، صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه ما هطل الغيث الهنيء ونفع، وصعد العمل الصالح وارتفع؛ أما بعد:

فإن من عجائب المطر عباد الله: أن جعله الله وسيلة لحسن الثواب في الدنيا، ففي التنزيل العزيز: ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾ [الجن: 16]، كما إنه قد يكون وسيلة عقاب للمعرضين، والمكذبين، كما قال الله: ﴿ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ [القمر: 11، 12].

 

أيها المؤمنون، ولقد جعل الوحي المبين من إحياء الأرض بعد موتها نموذجًا ودليلًا على القدرة الإلهية، واتخذ منها برهانًا على قضية البعث والإحياء، على طريقة القرآن الذي يتخذ من مشاهد الكون المنظورة، وواقع الحياة المشهودة مادته وبرهانه، ويجعل من ساحة الكون العريض مجاله وميدانه: ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الحج: 5، 6]، ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [فصلت: 39]، ﴿ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ [الزخرف: 11]، ﴿ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴾ [ق: 11]، إنها إشارة واضحة إلى تشابه المشهدين: مشهد خروج الزرع من باطن الأرض بعد نزول الغيث، ومشهد خروج الموتى من باطنها بماء ينزله الله، يقول صلى الله عليه وسلم: ((ثم يرسل الله -أو قال: ينزل الله- مطرًا كأنه الطل، أو الظل، فتنبت منه أجساد الناس)) [14] ، ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الأحقاف: 33].

 

أيها المسلمون، وهذه إشارات سريعة لأهم السنن والآداب عند نزول الغيث، فقد كان من هدي رسول صلى الله عليه وسلم أنه يفرح بنزول الماء من السماء، ويقول إذا رأى المطر: ((رحمة))[15].

 

وكان إذا نزل المطر قال: ((مطرنا بفضل الله ورحمته))[16].

 

ومن سنته صلى الله عليه وسلم: أنه إذا رأى المطر يدعو بالبركة، وانتفاع الناس به، فيقول: ((اللهم صيبًا[17] نافعًا))[18] ، وفي رواية: ((اللهم اجعله سيبًا[19] نافعًا))[20].

 

عباد الله، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يبرز لأول المطر، ويكشف بعض جسده ليصيبه، ويتبرك به، قال أنس رضي الله عنه: أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر، فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه، حتى أصابه من المطر، فقلنا: يا رسول الله، لم صنعت هذا؟ قال: ((لأنه حديثُ عهد بربه تعالى))[21].

 

ومما يشرع -أيها الأحبة- حال نزول الغيث: الدعاء؛ لأن وقت تنزله وقت رحمة، وأوقات الرحمة مرجوة الإجابة، ففي الحديث: ((ثنتان ما تردان: الدعاء عند النداء، وتحت المطر))[22].

 

وروى الشافعي عن مكحول مرسلًا: ((اطلبوا إجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث))[23] ، قال الشافعي: ((وقد حفظت عن غير واحد طلب الإجابة عند نزول الغيث، وإقامة الصلاة)).

 

عباد الله، وكان ابن عباس رضي الله عنهما إذا سمع صوت الرعد قال: ((سبحان الذي سبحت له))[24] ، وكان عبدالله بن الزبير رضي الله عنه إذا سمع الرعد ترك الحديث، وقال: ((سبحان الذي يسبح الرعد بحمده، والملائكة من خيفته))[25].

 

فسبحان من سبح الرعد بحمده، وسبحان المتعالي بعظمته ومجده، وسبحان ﴿ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ ﴾ [الفرقان: 1]، وسبحان الذي لا فضل إلا من عنده: ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ [فاطر: 2].

 

سبحان من أسح مزنًا، وأذهب حزنًا، وأنبع عيونًا، وأدمع عيونًا، وأجرى فيوضًا، وأزال غموضًا، ﴿ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ﴾ [الإسراء: 108].

 

سبحان من تسبحه الأصوات إذا عجت، والسحائب إذا ثجت، والمياه إذا سكنت أو ارتجت، ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ [الروم: 17، 18].

 

سبحان من قسم عطاياه بين العباد، وخص كلًّا حسبما شاء وأراد، وسبحان الذي دبر بحكمته الوجود، وعم بجوده كل موجود، ﴿ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [يس: 83].

 

سبحانه، ما أبين هداه، وأمنع حماه، وأوسع رحماه، وأسبغ نعماه، وأبلغ رضاه، وأحسن عقباه! ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [الصافات: 180].

مطر يهادينا الحياة فترتوي
أرواحنا قبل ارتواء الأوديه
ما ساقها الرحمن إلا وصفةً
طبيةً لجراحنا المستعصيه

 

أما بعد أيها الموحدون:

فإن العطايا من فضل المولى ترتقب، وهو المرجو جل جلاله لكشف الكرب، فتأملوا في ملكوت ربكم وقدرته، وتفكروا في عظيم آلائه ومنته، وانظروا إلى آثار رأفته ورحمته، وكونوا من المعتبرين المستبصرين، واحرصوا أن تكونوا كلما جددلكم ربكم نعمًا أن تجددوا له حمدًا وشكرًا، وكلما صرف عنكم مكروهًا أن تقوموا بحقه طاعةً له وثناءً وذكرا، ﴿ فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ﴾ [العنكبوت: 17]، وسلوه أن يبارك لكم فيما أعطاكم، وأن يتابع عليكم منافع دينكم ودنياكم، فإنه كريم جواد، رؤوف بالعباد، وليس لخزائنه نقص ولا نفاد، يقول صلى الله عليه وسلم: ((يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء، الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض، فإنه لم يغضِ ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان يخفض ويرفع))[26].

 

﴿ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾ [المؤمنون: 116]، ﴿ هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [غافر: 65].

فكم منح أعطى وكم محن كفى
له الحمد والشكران والمن أجمع
وأزكى صلاة الله ثم سلامه
على المصطفى من في القيامة يشفع
محمد المختار من نسل هاشم
وآل وأصحاب ومن كان يتبع

 

اللهم يا من أغاث العباد من بعد ما قنطوا، وبسط الرزق لمن أكف الضراعة قد بسطوا، وأسدى الجميل لمن نحو جميل رجائه انبسطوا، يا من عمَّ العباد فضله ونعماؤه، ووسع البرية جوده وعطاؤه، نسألك أن توفقنا لمراضيك، وأن تعيذنا من شر معاصيك، وأن ترزقنا تسديدًا يقف بنا على حدود أوامرك ونواهيك.

 

يا من ملأ بالغيث البقاع، وعم به السهول والتلاع، وروى بفيضه الثرى، وغمر بغيضه الورى، وأزال بفضله الأكدار، وأذهب برحمته الأوضار، أغثنا -يا مولانا- بهدايتك ورحمتك، وكفايتك وولايتك، وغناك ورضاك، وعطفك، ولطفك، ومنك وفضلك، وحبك وقربك.

 

يا من له في كل شيء آية، وليس لملكه نهاية، ولا لعظمته غاية، يا ﴿ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ ﴾ [المؤمنون: 88]، لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، ولا تفتنا ببلائك، وعافنا قبل ذلك، وعاملنا بإحسانك، وعمنا بنوالك، واغمرنا بحبائك، واكفنا بحلالك عن حرامك.

وخذ بأيدينا إلى العباده
ومن بالتوفيق والسعاده
واختم لنا بالفوز بالشهاده
واكتب لنا الحسنى مع الزياده

 

وصلِّ على روح الحبيب محمد
حميد المساعي ملتقى مضر الحمرا
صلاةً وتسليمًا عليه ورحمةً
مباركة تنمو فتستغرق الدهرا
وتشمل كل الآل ما هبت الصبا
وما سرت الركبان في الليلة الغرا

 


[1] سحابة دلوح ودالحة: مثقلة بالماء، والجمع: دلح ودلح؛ المخصص لابن سيده (2/ 420).

[2] الحثاث: جمع حثيث؛ شمس العلوم (3/ 1269).

[3] الحزن: الغليظ من الأرض؛ تهذيب اللغة (4/ 212).

[4] الدماث: السهول من الأرض؛ لسان العرب (2/ 149).

[5] جوع: جمع جائع؛ المخصص لابن سيده (4/ 288).

[6] الغرثان: الجائع، وجمعه: غراث؛ العين (4/ 400).

[7] آض: عاد؛ تهذيب اللغة (12/ 69).

[8] الجون: الأسود؛ العين (6/ 185).

[9] وهو زيد بن عمرو بن نفيل؛ سيرة ابن هشام (1/ 213).

[10] البداية والنهاية (1/ 77).

[11] مفتاح دار السعادة (1/ 202).

[12] تفسير ابن كثير (4/ 456).

[13] رواه البخاري (79)، ومسلم (2282).

[14] رواه مسلم (2940).

[15] رواه مسلم (899).

[16] رواه البخاري (846)، ومسلم (71).

[17] صيبًا: منهمرًا متدفقًا؛ النهاية (3/ 64).

[18] رواه البخاري (1032).

[19] السيب هو: العطاء؛ غريب الحديث، للخطابي (1/ 492).

[20] رواه النسائي (1841)، وابن ماجه (3889)، وقال الألباني: صحيح، وابن أبي شيبة (29223).

[21] رواه مسلم (898).

[22] رواه أبو داود (2540) وقال الأرنؤوط: صحيح، والحاكم (2534) وصححه، ووافقه الذهبي، والبيهقي في الكبرى (6459)، والطبراني في الكبير (5756)، وحسنه الألباني، صحيح الجامع (3078).

[23] الأم للشافعي (1/ 289)، وقال الألباني: صحيح، ينظر: السلسلة الصحيحة (1469).

[24] صحيح الأدب المفرد (559).

[25] مالك في الموطأ (2839)، صحيح الأدب المفرد (560).

[26] رواه البخاري (4684)، ومسلم (993).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • خطبة: {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا}

مختارات من الشبكة

  • العلاقة بين الغيث والقرآن (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وهو الذي ينزل الغيث مِن بعد ما قنطوا(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ونزل المطر.. (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • النهي عن إنزال الحاجة بالناس(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: لماذا لا نتأثر بالقرآن؟!(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: وقفات مع آية ﴿إن الله يأمر بالعدل الإحسان﴾(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس...)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير: (الم ترى ان الله انزل من السماء ماء فاخرجنا به ثمرات مختلفا الوانها...)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مسجد الأنجام يضيف صرحا إسلاميا جديدا إلى زيلينودولسك
  • شباب المسلمين في ملبورن على موعد مع مؤتمر «تحديات، مسؤوليات، تأثير»
  • بعد 129 عاما مسجد رجب التاريخي يتجدد في تتارستان
  • آلاف الأطفال يتنافسون في القرآن والمعرفة الإسلامية في أقاليم بلغاريا
  • انطلاق الدورة الـ18 من المدرسة اليومية لتعليم أساسيات الإسلام بتتارستان
  • ندوة نسائية في كاكانج تناقش بناء الأسرة على هدي القرآن والسنة
  • معلمو التربية الإسلامية في بانيا لوكا يبحثون توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم
  • برنامجان للتعليم الإسلامي والقرآن الكريم بعاصمة موزمبيق

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 23/3/1448هـ - الساعة: 8:22
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب