• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    {يرسل السماء عليكم مدرارا} (خطبة)
    وضاح سيف الجبزي
  •  
    نحو سلامة مرورية (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    خطبة: أسباب مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم
    سعيد بن محمد آل ثابت
  •  
    تفسير قوله تعالى: {لقد سمع الله قول الذين قالوا ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    من أسباب السلامة المرورية (خطبة)
    خالد سعد الشهري
  •  
    تحريم الاستكبار على الله أو على رسله عليهم الصلاة ...
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    التوكل على الله.. العبادة التي تصنع الطمأنينة
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    العظة والاعتبار (خطبة)
    سالم بن محمد الغيلي
  •  
    أصل في الدوائر القضائية المشتركة، وتأييد الحكم ...
    د. عبدالله بن يوسف الأحمد
  •  
    أنتم شهداء الله في الأرض: شهادة الصالحين بشرى ...
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    تعريف القصص القرآني
    سهام دسوقي شحاتة
  •  
    الحلم زينة العالم وسبيل السلامة
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    حديث: اللهم اهده فمال إلى أبيه فأخذه
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    الدعاء.. مفتاح كل خير (خطبة)
    محمد موسى واصف حسين
  •  
    عام دراسي مختلف (خطبة)
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    حقوق الطريق وآداب المرور (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / التفسير وعلوم القرآن / عون الرحمن في تفسير القرآن
علامة باركود

تفسير قوله تعالى: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء...}

تفسير قوله تعالى: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء...}
الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 31/8/2026 ميلادي - 19/3/1448 هجري

الزيارات: 62

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

تفسير قوله تعالى:

﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ...ِ ﴾

 

قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [آل عمران: 181 - 185].

 

قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾.

 

بعد أن أسدل الستار على قصة أُحد، محذرًا في آخرها من البخل ومتوعدًا أهله، أتبع ذلك بذكر قبائح اليهود، والذين هم ردء للمشركين والمنافقين في المدينة، وجرأتهم على الله بقولهم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾ إمعانًا منهم في دفع تحذيره - عز وجل - عن البخل ووعيد أهله.

 

عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «لما نزل قوله: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ [البقرة: 245]، قالت اليهود: افتقر ربك؛ يسأل عباده القرض؟ فأنزل الله: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾ الآية»[1].

 

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «دخل أبوبكر الصديق - رضي الله عنه - بيت المدراس، فوجد ناسًا من يهود كثيرًا قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فِنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر يقال له: أشيع، فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك يا فنحاص، اتَّق الله وأسلِم، فوالله إنك لتعلم أن محمدًا رسول الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل؛ قال فنحاص: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنيًّا ما استقرضنا أموالنا، كما يزعُم صاحبكم، ينهاكم عن الربا، ويعطيناه، ولو كان غنيًّا عنا ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر، فضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، وقال: والذي نفسي بيده، لولا العهد الذي بيننا وبينك، لضرَبت عنقك يا عدوَّ الله، فأكْذِبونا ما استطعتم إن كنتم صادقين، فذهب فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، انظر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «ما حملك على ما صنعت؟"، فقال: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولًا عظيمًا، زعم أن الله فقير، وأنهم عنه أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، فضربت وجهه، فجحد ذلك فنحاص، وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله - جل ثناؤه - فيما قال فنحاص ردًّا عليه وتصديقًا لأبي بكر: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾.

 

وقول أبي بكر وما بلغه في ذلك من الغضب: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [آل عمران: 186]»[2].

 

وقد رُوي أنها نزلت في حيي بن أخطب.

 

قوله: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ ﴾: اللام واقعة في جواب قسم مقدَّر، تقديره: والله لقد سمع الله، و«قد»: حرف تحقيق، فالجملة مؤكدة بالقسم المقدر، واللام، و«قد».

 

والله - عز وجل - هو أصدقُ القائلين، وخبره أصدق الأخبار؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾ [النساء: 87]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ﴾ [النساء: 122].

 

وإنما أقسم الله - عز وجل - على هذا الخبر للتأكيد والمبالغة في تهديد هؤلاء ووعيدهم.

 

والسمع من الصفات الذاتية الثابتة لله - عز وجل - أي: ذو سمع واسع، يسمع جميع الأقوال والأصوات، كما قالت عائشة رضي الله عنها: «والذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تجادله في زوجها، وما بيني وبينها إلا ساتر، فلما أسمع كلامها وقد سمع الله صوتها من فوق سبع سماوات»[3].

 

﴿ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾؛ أي: لقد سمع الله قول الذين قالوا هذه المقالة، من اليهود، منهم: فنحاص بن عازر، وحيي بن أخطب.

 

وذلك لما حذَّر عز وجل عن البخل وتوعد أهله، وحث على الصدقة، وقد جمعوا في هذه المقالة السيئة بين أمرين في غاية القبح والشناعة، الأول: وصفهم الله بالفقر، والثاني: أنهم هم الأغنياء؛ أي: إنهم أغنى من الله تعالى الله عن قولهم.

 

﴿ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا ﴾: قرأ حمزة بالياء: «سيكتب»، وقرأ الباقون بالنون: ﴿ سَنَكْتُبُ ﴾.

 

وقراءة: ﴿ سَنَكْتُبُ ﴾ بضمير المتكلم؛ لأنه - عز وجل - هو الآمر لملائكته بكتابة أقوال العباد، وهذا ما بينته القراءة الثانية بالياء: «سيكتب»، وكما قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الانفطار: 10 - 12]، وقال تعالى: ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾ [الزخرف: 80].

 

و﴿ ما ﴾: موصولة، أو مصدرية، أي: سنكتب أو سيكتب الذي قالوا، أو قولهم، والمعنى: ستكتب ملائكتنا الذي قالوا من الإفك والفرية على الله عز وجل، وفي هذا تهديد ووعيد لهم؛ أي: سنكتب الذي قالوا ونحاسبهم ونجازيهم عليه.

 

﴿ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ قرأ حمزة برفع القتل: «وقتلُهم»، وقرأ الباقون بنصبه: ﴿ وَقَتْلَهُمُ ﴾.

 

وهو معطوف على قوله: ﴿ مَا قَالُوا ﴾؛ أي: سنكتب قولهم وقتلهم الأنبياء، وفي عطفه على قوله: ﴿ مَا قَالُوا ﴾، ونضمه معه إيذانًا بسوابقهم القبيحة، فلا يستبعد منهم أي جُرم.

 

و﴿ الْأَنْبِيَاءَ ﴾ جمع «نبي»، والمراد به: ما يشمل الأنبياء والرسل.

 

﴿ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير في «قتلهم»، وهذا قيد كاشف؛ لأن قتل الأنبياء لا يمكن أن يكون بحق.

 

وفائدة هذا القيد أمران؛ الأول: بيان الواقع، وأنهم يقتلون الأنبياء بغير حق، والثاني: المبالغة في التشنيع عليهم؛ حيث يقتلونهم بغير موجب لقتلهم، بل ظلمًا وعدوانًا.

 

﴿ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ معطوف على ﴿ سَنَكْتُبُ ﴾.

 

قرأ حمزة بالياء: «ويقول»، وقرأ الباقون بالنون: ﴿ وَنَقُولُ ﴾.

 

وفي هذا وعيد وتهديد لهم؛ أي: ونقول لهم؛ تبكيتًا وتقريعًا وإهانة لهم وتحقيرًا: ﴿ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾؛ أي: تجرَّعوه وأحسوا به وتألموا.

 

وهذا عذاب معنوي ينصب على القلوب مع العذاب الحسي؛ كما قال تعالى: ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾ [الدخان: 49].

 

﴿ عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾؛ أي: عذاب النار المحرقة؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾ [البروج: 10].

 

قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾.

 

هذا من جملة مقول القول؛ أي: ونقول لهم: ﴿ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾، ونقول لهم: ﴿ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾.

 

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارة إلى توبيخهم وعقابهم بقوله: ﴿ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾، والباء: للسببية، و«ما»: موصولة، أو مصدرية؛ أي: بسبب الذي قدمت أيديكم، أو بسبب تقديم أيديكم، أي: ذلك الذي عوقبتم به بسبب الذي قدمت أيديكم وعملت أنفسكم، وإنما يضاف التقديم إلى الأيدي؛ لأنها أداة البطش والعمل والأخذ والعطاء؛ كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ [النبأ: 40].

 

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾: معطوف على «ما» في قوله: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ ﴾؛ أي: ذلك بما قدمت أيديكم، وبأن الله ليس بظلام للعبيد.

 

و(ظلام) هنا على وزن «فعَّال»، يراد بها النسبة، أي: ليس بذي ظلم للعبيد، فلا يظلم أحدًا منهم، لا بقليل ولا بكثير؛ لأنه - عز وجل - حرَّم الظلم على نفسه، قليله وكثيره، وجعله بين عباده محرمًا.

 

﴿ للعَبِيدِ ﴾ «العبيد» جمع «عبد»، والمراد بالعبودية هنا العبودية العامة، عبودية الخضوع والانقياد الكوني، الذي يشمل المؤمن والكافر، وجميع الخلق، فالله - عز وجل - لا يظلم أحدًا من الخلق، بل يجازي كلًّا بعمله، المحسن بإحسانه، والمسيء بعدله.

 

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾.

 

هذا أيضًا من كذب اليهود وافتراءاتهم الباطلة على الله تعالى.

 

قوله: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا ﴾ ﴿ الَّذِينَ ﴾: في محل جر صفة لـ﴿ الَّذِينَ ﴾ في قوله: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا... ﴾.

 

﴿ عَهِدَ إِلَيْنَا ﴾؛ أي: أمرنا وأوصانا وصية موثقة بالعهد في كتبه وعلى ألسنة رسله، ﴿ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ ﴾ «أن»: حرف مصدري ونصب، و«لا»: نافية، والمصدر المؤول ﴿ أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ ﴾ في محل جر بـ«في» مقدرة، والتقدير: في ألا نؤمن، أي: في عدم الإيمان، والمعنى: ألا نصدق لأي رسول أيًّا كان فيما جاء به.

 

﴿ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ﴾، ﴿ حَتَّى ﴾: للغاية، أي: إلى غاية أن يأتينا ﴿ بِقُرْبَانٍ ﴾: القربان: ما يتقرب به إلى الله تعالى من الصدقات من الأطعمة والذبائح، وغير ذلك.

 

ومعنى ﴿ يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ ﴾؛ أي: بأن يتقرب إلى الله بقربان، ثم تنزل نار من السماء، فتأكل كل هذا القربان.

 

وكان هذا علامة على قبول القربان، كما قال بعض المفسرين عند تفسير قوله تعالى عن بني آدم: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [المائدة: 27]، قالوا: فتقبَّل من أحدهما بأن نزلت نار من السماء فأكلت قربانه دون قربان أخيه.

 

وهكذا كانت الغنائم في الأمم السابقة إذا غنموا غنيمة من الكفار، جمعوها ثم نزلت نار من السماء فأكلتها، حتى أحل الله - عز وجل - الغنائم لهذه الأمة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «وأُحِلَّت لي الغنائم، ولم تَحِل لأحد قبلي»[4].

 

فزعموا أن الله عهِد إليهم ألا يؤمنوا ولا يصدقوا لأي رسول إلا إذا أتاهم بهذه الآية، بأن يقرب أو يقربوا قربانًا، فتأكله النار، فحصروا آية الرسل بهذا، وهذا تحكم على الله - عز وجل - وعلى رسله.

 

وآيات الرسل ومعجزاتهم إنما تكون على ما يناسب هداية وإصلاح أقوامهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: «ما من الأنبياء نبي إلا وقد أُوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة»[5].

 

﴿ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾: الأمر في قوله: ﴿ قل ﴾ للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: قل لهم إظهارًا لكذبهم.

 

﴿ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ ﴾، ﴿ قَدْ ﴾: حرف تحقيق، ونكَّر ﴿ رُسُلٌ ﴾ للتكثير، أي: قد جاءكم رسل كثيرون.

 

﴿ مِنْ قَبْلِي ﴾؛ أي: من قبل مجيئي وبعثتي.

 

﴿ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾: بالآيات والحجج والبراهين والدلائل الواضحات الشرعية والكونية التي تبين وتُبرهن على صدق رسالاتهم.

 

﴿ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ ﴾: معطوف على البينات، أي: جاءكم رسل من قبلي بالبينات، وجاؤوكم بالذي قلتم، وهو الإتيان بقربان تأكله النار.

 

﴿ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ ﴾، الفاء: رابطة لجواب شرط مقدَّر دل عليه ما بعده، أي: إن كنتم صادقين فلمَ قتلتموهم، وكان من هؤلاء الرسل الذين قتلوهم زكريا ويحيى عليهما السلام.

 

واللام في: «لِـمَ»: حرف جر، و«ما»: استفهامية، حُذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها؛ أي: فلم قتلتموهم، وقد جاؤوكم بالآيات البينات، وبالذي قلتم، والاستفهام للإنكار.

 

﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾؛ أي: إن كنتم صادقين في أن الله عهِد إليكم بما قلتم، وأنكم تؤمنون بالرسل إذا جاؤوكم بهذه الآية التي طلبتم.

 

وقد عدل هنا عن مطالبتهم بصدق مقالتهم: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ﴾، إلى قوله لهم: ﴿ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ من باب موافقة الخصم والتسليم له؛ لإفحامه، ودحض حجته؛ أي: إذا كنتم تزعمون أن الله عهد إليكم ألا تؤمنوا لرسول حتى يأتيكم بقربان تأكله النار، فقد جاءكم رسلٌ من قبلي بهذه الآية التي ذكرتم، وبما هو أعظم منها من الآيات البينات، فلم كذَّبتموهم وقتلتموهم؟

 

فلو كنتم صادقين في طلبكم هذه الآية، لكنتم آمنتم بمن جاؤوكم من قبلي بها، وبأعظم منها؛ أي: أنكم لا تريدون تصديق الرسل، وإنما تريدون تكذيبهم، ولستم بصادقين في أن الله عهد إليكم بما ذكرتم، ولا أنكم تؤمنون بالرسول لو جاءكم بذلك.

 

وفي تقديم قوله: ﴿ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾: دلالة على أن ما جاءت به الرسل من الآيات أعظم من الآية التي طلبوها، وأن الآية التي طلبوها وهي الإتيان بقربان تأكله النار دون تلك الآيات.

 

قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴾، في هذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم تجاه تكذيب قومه له.

 

قوله: ﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ ﴾ الفاء: عاطفة، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والواو في ﴿ كَذَّبُوكَ ﴾ لكل من كذب الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب والمشركين وغيرهم.


﴿ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ﴾، الفاء: رابطة لجواب الشرط، وجواب الشرط محذوف دل عليه قوله: ﴿ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ﴾، والتقدير: فإن كذبوك فتسلَّ، أو فلا تحزن؛ فقد كذِّب رسل كثيرون من قبلك؛ أي: كذَّبهم أقوامهم، أي: فهذه سنة قديمة في الأمم مع الرسل قبلك.

 

وفي الآية الأخرى: ﴿ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ [فاطر: 4]؛ لأن ﴿ رُسُلٌ ﴾ جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه إثبات التاء وحذفها.

 

﴿ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴾ صفة لـ: ﴿ رُسُلٌ ﴾؛ أي: فليس تكذيب أممهم لهم عن قصور بما أتوا به، أو عدم تبيُّن حجةٍ، بل قد جاؤوا ﴿ بِالْبَيِّنَات ﴾؛ أي: بالآيات البينات والحجج والبراهين الواضحات الدالة على صدقهم.

 

﴿ والزُّبُر ﴾: قرأ ابن عامر بإعادة الباء: «وبالزبر»، وقرأ الباقون بدونها: ﴿ والزُّبُر ﴾، وهي: جمع «زبور»، وهو «فعول» بمعنى «مفعول»، أي: مزبور، بمعنى مخطوط، وقيل: مأخوذ من «زبر»: إذا زجر.

 

والمراد بالزبر: كتب الأنبياء والرسل، مما يتضمن مواعظَ وزواجرَ وتذكيرًا، مثل كتاب داود عليه السلام «الزبور»؛ قال تعالى: ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾ [النساء: 163]، وكذا الإنجيل.

 

﴿ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴾: الواو: عاطفة، و﴿ وَالْكِتَابِ ﴾ بمعنى «المكتوب»، و«أل» فيه للجنس، أي: جنس الكتب التي أنزلها الله تعالى كالتوراة والإنجيل.

 

﴿ الْمُنِيرِ ﴾ صفة لـ(الكتاب)؛ أي: البيِّن الواضح الجلي، المبين للحق، المنير لطريق الهداية، الذي فيه بيان الأحكام الشرعية.

 

ويحتمل كون «أل»: للعهد، والمراد بـ«الكتاب»: التوراة؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ﴾ [المائدة: 44]، وقد قال تعالى عن الإنجيل: ﴿ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ ﴾ [المائدة: 46]، كما قال تعالى عن القرآن الكريم: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [إبراهيم: 1]، وقال تعالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا ﴾ [التغابن: 8]، وقال تعالى: ﴿ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ [الشورى: 52].

 

والعطف في قوله: ﴿ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ ﴾ منظور فيه إلى التوزيع، فبعض الرسل جاء بالزبر، وبعضهم جاء بالكتاب المنير، وكلهم جاؤوا بالبينات.

 

ويحتمل أن يكون العطف هنا: من عطف الصفات لا من عطف الذوات؛ أي: إن ما جاءت به الرسل مشتمل على الآيات البينات والحجج والبراهين، وعلى الزبر والمواعظ، وعلى بيان الحق للناس وإنارة الطريق لهم، وهذا حق.

 

قوله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾.

 

قوله: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ ﴿ كُلُّ ﴾ من صيغ العموم.

 

و﴿ نَفْسٍ ﴾: تطلق على الروح والبدن، أي: كل الأنفس ذائقة الموت؛ أي: ذائقة طعم الموت، أي: لابد أن تموت وتذوق وتتجرَّع غصص الموت وسكراته؛ كما قال تعالى: ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾ [ق: 19].

 

وقال صلى الله عليه وسلم وهو يجود برُوحه: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات»[6].

 

قال الشاعر:

لكل جديد لذة غير أنني
وجدت جديد الموت غير لذيذ[7]

والمعنى: كل نفس من أنفس الإنس والجن والملائكة، وجميع ما خلق الله من الحيوانات ستموت؛ قال تعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: 26، 27]، وقال تعالى: ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ [الزمر: 68].

 

وفي الحديث: «يا محمد، عِش ما شئت فإنك ميِّت، وأحبِب ما شئت فإنك مُفارقه»[8].

 

وقال الشاعر:

هو الموت ما منه ملاذٌ ومَهرب
متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب[9]

وقال الآخر:

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
تعددت الأسباب والموت واحد[10]

وقال الآخر:

ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها
لكان رسول الله حيًّا مخلدا[11]

وقال الآخر:

تَعَزَّ فلا شيءٌ على الأرض باقيًا
ولا وزرٌ مما قضى الله واقيًا[12]

وقال الآخر:

لا شيء مما ترى تبقى بشاشته
يبقى الإله ويفنى المال والولد[13]

وقال الآخر:

كُتب الموت على الخلق فكم
فَلَّ من جمع وأفنى من دُوَل[14]

﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ الواو: عاطفة، و«إنما»: أداة حصر، أي: لا توفون أجوركم إلا يوم القيامة.

 

ومعنى: ﴿ تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾؛ أي: تعطون ثواب أعمالكم وافيًا من غير نقصان يوم القيامة، وهذا لا ينافي أن ينالوا شيئًا من ثواب أعمالهم في البرزخ، كما لا ينافي أن ينالوا شيئًا من ثواب أعمالهم في الدنيا؛ لأن الإنسان يجد شيئًا من آثار عمله في الدنيا، فإن كان عمله صالحًا وجد من آثار السعادة بقدر ذلك، وإن كان عمله سيئًا وجد شيئًا من آثار ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]، وقال تعالى: ﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [السجدة: 21].

 

وأما توفية الأجور على التمام والكمال، فإن ذلك لا يكون إلا في الآخرة.

 

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ ﴾: الفاء: عاطفة، و«من»: شرطية، و﴿ زُحْزِحَ ﴾: فعل الشرط، ومعنى ﴿ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ ﴾؛ أي: أُبعد ودُفع عنها ببطء وشدة ومشقة، ولو بعد جهد جهيد؛ لأن النار حُفت بالشهوات، وقيل: أُبعد عنها بسرعة وعجلة.

 

﴿ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ ﴾: معطوف على ما قبله.

 

﴿ فَقَدْ فَازَ ﴾: الفاء واقعة في جواب الشرط؛ أي: فقد أفلح وربِح كل الربح؛ لأنه نجا من المرهوب وهي النار، وحصل على المطلوب وهي الجنة؛ نسأل الله تعالى من فضله.

 

وهذا يحتاج إلى عمل، قال صلى الله عليه وسلم: «فمن أحبَّ أن يُزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتَأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه»[15].

 

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ الواو: استئنافية، و«ما»: نافية.

 

و﴿ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾: هذه الدار التي نحن فيها، وسُميت دنيا؛ لدنوِّها زمنًا فهي قبل الآخرة من حيث الزمن، ولدنوها وانحطاطها قدرًا، فهي لا قيمة لها بالنسبة للآخرة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها شربة ماء»[16].

 

وقال صلى الله عليه وسلم: «موضع سوط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها»[17].

 

﴿ إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾، ﴿ إلَّا ﴾: أداة استثناء، والمتاع: ما يتمتع به ثم ينتهي، و﴿ الْغُرُورِ ﴾: الخداع، أي: وما الحياة الدنيا إلا مُتعة تغر صاحبها وتخدعه، كما قال تعالى في سورة الحديد: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: 20]، وقال تعالى: ﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [لقمان: 33]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾ [الرعد: 26]، وقال تعالى: ﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ [التوبة: 38].

 

وكم من أُناس اغتروا وانخدعوا فيها، وفي زينتها وزخرفها، فتحول عزهم ذلًّا وغناهم فقرًا، وفرحهم وسرورهم ترحًا وبؤسًا.

 

وإذا أردت أن تنظر إلى غرورها العاجل وحقارتها، فتأمل في أحوال المنوَّمين على الأَسِرَّة في المستشفيات أو في البيوت، ممن فقدوا وعيهم، أو كادوا أن يفقدوه، وارثَ لحالك، ولا تَرثَ لحالهم.

 

قال الشاعر:

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشَّفت
له عن عدو في ثياب صديق[18]

وقال الآخر:

هي الحياة فلا يَغرُرْك ما فيها
من الزخارف واحذر من دواهيها

وقال الآخر:

 

إياك والدنيا الدنية إنها
هي السحر في تخييله وافترائه
متاع غرور لا يدوم سرورُها
وأضغاثُ حلمٍ خادعٍ ببهائه[19]

 

وقال الآخر:

ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض
على الماء خانته فروجُ الأصابع[20]

وقال الآخر:

 

هي الدنيا تقول بملء فيها
حذارِ حذار من بطشي وفتكي

فلا يَغْرُركمُ مني ابتسام
فقولي مضحك والفعل مبكي[21]

 

وقال الآخر:

هي الليالي وقاك الله صَولتَها
فضول حتى على الآساد في الأجم
كنا ملوكًا لنا في أرضنا دول
نمنا بها تحت أفنان من النعم
فأيقظتنا سهام للردى صبب
يرمى بأفجع حتف من بهن رمي[22]

 

وقال الآخر:

ومكلف الأيام ضد طباعها
متطلب في الماء جذوةَ نار
وإذا رجوت المستحيل فإنما
تبني الرجاء على شفيرٍ هار[23]

 



[1] أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 828)، وانظر: «تفسير ابن كثير» (2/ 153).

[2] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 278)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 828-829).

[3] أخرجه النسائي في الطلاق، باب في الظهار (3460)، وابن ماجه في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية (188).

[4] أخرجه البخاري في التيمم (335)، ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة (521)، من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه.

[5] أخرجه البخاري في فضائل القرآن (4981)، ومسلم في الإيمان (152)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[6] أخرجه البخاري في المغازي (4449)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

[7] البيت لضابئ بن الحارث، وينسب للحطيئة؛ انظر: «أمثال العرب» (ص96)، «الأغاني» (2/ 18)، «مجمع الأمثال» (2/ 223)، «المستقصى في أمثال العرب» (2/ 291)، «نهاية الأرب» (3/ 297)، «خزانة الأدب» (2/ 411)، «زهر الأكم» (3/ 22).

[8] سبق تخريجه.

[9] البيت للشاعر محمد بن صالح العثيمين، شاعر حوطة بني تميم من قصيدة مؤثرة في رثاء صديقه عبدالله العجيري، ملحقة بآخر «ديوان ابن مشرف» ص187.

[10] البيت لابن نباتة السعدي؛ انظر: «الدر الفريد» (7/ 447)، «المغني» للسيوطي (379).

[11] انظر: «الكشكول» (1/ 289)، والبيت ينسب لحسان.

[12] البيت لم ينسب لقائل؛ انظر: «الجنى الداني» (ث92)، «أوضح المسالك» (1/ 275)، «المغني» للسيوطي (612).

[13] البيت ينسب لعمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ انظر: «الإمتاع والمؤانسة» (ص347)، «العمدة في محاسن الشعر» (1/ 34).

[14] البيت لأبي الوردي؛ انظر: «ديوانه» (ص71).

[15] أخرجه مسلم في الإمارة، وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول (1844)، والنسائي في البيعة (4191)، وابن ماجه في الفتن (3956)، من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

[16] أخرجه الترمذي في الزهد (2320)، من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، وقال: «حديث صحيح غريب».

[17] أخرجه البخاري في الجهاد والسير، فضل رباط يوم في سبيل الله (2892)، والترمذي في فضائل الجهاد (1648)، من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.

[18] البيت لأبي نواس؛ انظر: «ديوانه» (ص192).

[19] البيتان لابن مشرف؛ انظر: «ديوانه» (ص78).

[20] البيت لأبي نواس؛ انظر: «العقد الفريد» (3/ 47).

[21] البيتان لأبي الفرج الساوي؛ انظر: «أحسن ما سمعت» للثعالبي (ص53).

[22] الأبيات لأبي عبدالله العقيلي؛ انظر: «نفح الطيب» (4/ 529).

[23] البيتان لأبي الحسن التهامي؛ انظر: «ديوانه» (ص28).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى ...}
  • فوائد وأحكام من قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض ...}
  • فوائد وأحكام من قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته...}
  • تفسير قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون}
  • فوائد وأحكام من قوله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ...}
  • تفسير قوله تعالى: {ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا ...}

مختارات من الشبكة

  • تفسير قوله تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء... }(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قول الله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قول الله تعالى: { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه... }(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ...}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا }(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله الله تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد...}(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • آلاف الأطفال يتنافسون في القرآن والمعرفة الإسلامية في أقاليم بلغاريا
  • انطلاق الدورة الـ18 من المدرسة اليومية لتعليم أساسيات الإسلام بتتارستان
  • ندوة نسائية في كاكانج تناقش بناء الأسرة على هدي القرآن والسنة
  • معلمو التربية الإسلامية في بانيا لوكا يبحثون توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم
  • برنامجان للتعليم الإسلامي والقرآن الكريم بعاصمة موزمبيق
  • أطفال قرية ميدوفيتس يختمون القرآن الكريم للمرة الأولى
  • ندوة أكاديمية عن أساسيات الدعم الديني والنفسي في عمل الأئمة
  • مسابقة أدبية بعنوان "الرسول يلهمنا" في مدينة زينيتسا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 18/3/1448هـ - الساعة: 12:41
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب