• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    خطبة: رفع المعنويات وقت الشدائد
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    حنين الجذع (خطبة)
    د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
  •  
    عندما يضيق الخناق على المستضعفين (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم ...
    سعيد مصطفى دياب
  •  
    اسما الله الملك والمليك
    خليل الحربي
  •  
    التحذير من فتنة الزوجات والأولاد (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ...
    سائد بن جمال دياربكرلي
  •  
    أثر الظلم في هلاك الأمم (خطبة)
    د. أحمد بن حمد البوعلي
  •  
    ضرورة التعاون بين المسلمين (خطبة)
    سعد محسن الشمري
  •  
    باب في بقاع الأرض
    د. خالد النجار
  •  
    من التيه إلى العبودية: رحلة الإنسان بين عداوة ...
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    أمثلة حمل المجمل على المبين
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    حديث: في باب النفقات
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    حكم حضورِ صاحب المرض المعدي المسجد لصلاة الجماعة
    د. محمد حسانين إمام حسانين
  •  
    سيرة الغني الشاكر عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    الواجب نحو أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / السيرة والتاريخ / السيرة
علامة باركود

خطبة: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}

خطبة: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}
أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 27/7/2026 ميلادي - 11/2/1448 هجري

الزيارات: 699

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾


أيها المؤمنون عباد الله: حديثنا اليوم عن الرحمة المهداة والنعمة المسداة، عمن أرسله الله رحمةً للعالمين، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

فنريد أن نتعرف على شمائله وبعض صفاته وخصائصه من أجل أن نقتدي به، ونستنَّ بسنته، ونتمثل بأخلاقه، ونسير على طريقته؛ فإن الأمة اليوم قد تنكبت الصراط المستقيم إلا من رحم الله، ولم يعد معهم من الهدي السليم والأخلاق الكريمة إلا القليل القليل.

 

وفي الحديث: ((إن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب))؛ [رواه مسلم عن عياض بن حمار]، ثم أذن ببعثته فكانت بعثته رحمة للعالمين، وأمانًا للبشرية، بعثه الله سبحانه وتعالى ليخرج الناس من الظلمات إلى النور.

 

قال شوقي فيه:

بُعثتَ والناس فوضى لا تمر بهم
إلا على صنمٍ قد هام في صنمِ
فعاهل الفرس يطغى في رعيته
وعاهلُ الروم من كِبرٍ أصم عمي
والناس يبطش أقواهم بأضعفهم
كالذئب بالشاة أو كالحوت بالبلمِ

 

نعم، لقد كانت حياة البشرية قبل بعثته صلى الله عليه وسلم حياة تعيسة مليئة بالظلم والظلام والشرك والشقاق، يعيشون على القتل والسلب والنهب، والبطش بالآخرين كأنهم في غابة حيوانات مفترسة، القوي يأكل الضعيف، لا دين، لا أخلاق، لا قيم، لا مروءة، إلا بقايا قليلة من الأخلاق الحسنة عند بعض العرب في الجزيرة، وبقايا من الرهبانية في بعض صوامع النصارى.

 

وكانت بعثته صلى الله عليه وسلم رحمة للخلق كلهم، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]، ليست للعرب وحدهم ولا للمؤمنين به فقط، ولا للإنس بل هو رحمة لكافة العوالم؛ عالم الإنس وعالم الجن، وعالم الحيوان، عالم الشجر والجماد، فالعالم كله تفيأ هذه الرحمة وعاش في ظلالها.

 

فكانت بعثته صلى الله عليه وسلم أمانًا للبشرية من الخسف، ومن نزول العذاب العام الذي يستأصلهم جميعًا، ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ [الأنفال: 33]، فكانت بعثته سببًا في رفع العذاب العام عن أهل الأرض جميعًا، مسلمهم وكافرهم، فرحم الله ببعثته ورسالته المؤمنين والكافرين على حد سواء؛ أما المؤمنون فرحمهم باتباعه والسير على نهجه والخروج من ظلمات الشرك والشكوك إلى نور الإيمان والتوحيد وسعادة الدنيا والآخرة، وأما الكفار فكانت رحمته بهم أن رفع عنهم عذاب الاستئصال، وإمهالهم لعلهم أن يتوبوا، ويؤمنوا قبل أن يموتوا.

 

وقد وصفه الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: 159]، فالرحمة طبيعته، والرحمة فطرته؛ فرسالته إلى البشرية رحمة، وهو رحمة في ذاته ومعاملته للخلق.

 

وقد فطر على الرحمة والرقة واللين والشفقة بالخلق، وظهرت رحمته في تعامله مع كل الخلق في حياته، سواء كان ذلك التعامل عن طريق البيان والإرشاد والتوجيه والتعليم، وهو ما يسمونه بالجانب النظري، أو كانت رحمته ظاهرة فيمن حوله من الخلق في الجانب التطبيقي العملي، أي جانب الممارسة والسلوك اليومي مع سائر الخلق.

 

ووصفه الله بقوله: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]، يعز عليه ويؤلمه أن تصابوا بالعنت والمشقة، بل هو يحب لكم الرفق، واللين، ولذلك جاءت شريعته كلها يسر وسهولة، ليس فيها مشقة، ولا عنت ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78].

 

أيها المؤمنون: تلك هي بعض صفات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فما أحوجنا اليوم إلى التعرف على شيء من أخلاقه وشمائله لنقتدي بها، فهو الأسوة والقدوة للبشرية، ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ﴾ [الأحزاب: 21]، فكثير من الناس اليوم يجهلون كثيرًا من صفاته العظيمة وأخلاقه الكريمة، وتشبثوا ببعض الأخلاق والصفات التي لا تشبه صفاته وأخلاقه حتى صار بعض الناس لا يعرفون رسولهم ولا شمائله ولا صفاته حق المعرفة.

 

مما جعلهم يتشبهون بغيره، ويقتدون بغيره، حتى أبرز للناس اليوم شخصيات بعيدة عن منهجه، وصفاته، جاهلةً بسيرته، ليكونوا قدوة بديلة عنه.

 

مما يدل على أن البشرية اليوم بحاجة ماسَّة إلى أن تتعرف معرفة كاملة على هديه وشمائله، وصفاته وأخلاقه، ليكون نبراسًا وقدوة وأسوة لهم.

 

نعم، لقد تعِبت البشرية اليوم من الاقتداء بكثير من الناس الذين ليسوا في مرتبة الكمال في الأخلاق الحسنة، ولا يمكن أن يقتربوا من شخصيته صلى الله عليه وسلم، ووجهت الناشئة إلى الاقتداء بهم، بواسطة وسائل الإعلام المختلفة التي تُبَث على الناس من هنا وهناك، وجعلت القدوة والأسوة للناشئة التافهين، والمنحرفين والشاذين، والذين لا أخلاق لهم.

 

فالأمة اليوم محتاجة إلى نشر سيرته وبيان هديه، والتعرف على شمائله حتى يكون قدوةً للصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحاكم والمحكوم على حد سواء.

 

أيها المؤمنون: وطالما أن الإعلام السيئ الخبيث قد شوَّه شيئًا من جمال وهدي وسيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلا بد من بيان شيء من أخلاقه وصفاته للناس عامة وللمؤمنين به خاصة، ومن أبرز ما شوه اليوم أن دينه وهديه شديد وأن فيه مشقة، وأنه بعيد عن التطبيق، وكل ذلك كذب، بل هو دين الرحمة، ودين اليسر، والسهولة، كيف لا ومحمد صلى الله عليه وسلم إمام في الرحمة والشفقة؟

 

فقد كان رحيمًا بأمته صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الرحمة فقال: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء))؛ [رواه الترمذي عن عبدالله بن عمرو]، وقال: ((إنما يرحم الله من عباده الرحماء))؛ [رواه البخاري عن أسامة بن زيد].

 

وقد كان مثالًا للرحمة مع الصغير والكبير والذكر والأنثى، وكان رحيمًا بأمته على أكمل وجه، ولو تتبعنا أحاديث الرحمة في سيرته لطال بنا المقام لأنها كثيرة، ومواقفه فيها لا تُعد ولا تُحصى، ولكن نذكر أمثلة في كل جانب منها، فبالمثال يتضح المقال، ومن ذلك:

لو تتبعنا الأحاديث التي يقول فيها: "لولا أن أشق على أمتي"، لوجدناها كثيرة ومتنوعة، فلماذا كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا أن أشق على أمتي"؟ لأنه يبلغ لهم التشريع، ويطلب من الناس أن يعملوا الفضائل من الطاعات والقربات، لكنه كان يستحضر المشقة عليهم، فربما تأخر عن فعل شيء خشية أن يشق على أمته فيه، فمثلًا، قال صلى الله عليه وسلم: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة))؛ [رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة]، ومثال آخر قال: ((لولا أن أشق على أمتي لأخَّرت صلاة العشاء إلى نصف الليل))؛ [رواه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة]، وعشرات الأحاديث من هذا النوع؛ إذًا وهو يبلغ التشريع ويسن لهم السنن، وكان حريصًا على عدم المشقة على أمته، ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾ [التوبة: 128]، لا يريد أن يشق عليكم أو أن تصابوا بالعنت من شرعه وهديه.

 

أما رحمته بالضعفاء والفئات الخاصة؛ فهي ظاهرة وبيِّنة، فانظر إلى رحمته بالأطفال وستجد عشرات المواقف له معهم، وانظر إلى رحمته بالأيتام، والأرامل، والمرأة، والأسير، والمسافر، وابن السبيل، والمريض، والعجوز، ونحوهم، فستجد مواقف وأحاديث كثيرة كلها تدل على عنايته صلى الله عليه وسلم وشفقته ورحمته بهذه الأصناف؛ لأنهم محتاجون إلى الرحمة أكثر من غيرهم.

 

فقد كان يداعب الأطفال ويلاعبهم، وكانوا ينتظرونه حتى يأتي من الغزو، وهو قائد الجيش، وولي أمر المسلمين، ويأتي من غزوة بعيدة، وقد غاب عن أهله وعن الناس كثيرًا من الأيام، فإذا بأطفال المدينة ينتظرونه على مداخلها، فلا يتركهم حتى يصافحهم ويسلم عليهم ويداعبهم ثم يذهب بعد ذلك إلى كبار القوم، أليست هذه صورة من أعظم صور الرحمة في التطبيق العملي؟

 

من يقتدي به في مثل هذه الأمور من الأمة اليوم التي تسير على نهجه وهديه صلى الله عليه وسلم؟

 

وقال أنس رضي الله عنه: "كان لأبي طلحة أخ من أمه يكنى بأبي عمير، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزورنا في البيت، وعند أبي عمير نغير - يعني عصفور صغير - فكان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس معه ويداعبه ويضحك معه، وفي يوم من الأيام جاء لزيارتنا فوجد الغلام الصغير قد أصابه الحزن والألم لأن عصفوره قد مات، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم بجواره يهدئه ويقول له: ((يا أبا عمير، ما فعل النغير؟))؛ [رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك] حتى ابتسم الغلام".

 

وخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى جاره اليهودي، وقد علم أن عنده غلامًا تقعقع روحه - أي يحتضر - فدخل إلى بيت اليهودي وجلس عند رأس ذلك الطفل، وما زال ينصحه ويوجهه ويصبره ويقول له: ((قل: لا إله إلا الله))، فنظر الطفل الصغير إلى أبيه اليهودي كأنه يستأذنه، فلما رأى أبوه حسن عشرته ولطفه ورحمته صلى الله عليه وسلم قال لولده: "أطِع أبا القاسم"، فأجابه فشهد أن لا إله إلا الله ثم خرجت روحه، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم مبتسمًا وهو يقول: ((الحمد لله الذي أنقذه بي من النار))؛ [رواه البخاري عن أنس بن مالك].

 

وتجاوزت رحمته من البشر إلى الحيوان فمن رحمته صلى الله عليه وسلم بالحيوان، أنه صلى الله عليه وسلم كان مع بعض أصحابه في سفر، فرأى أصحابه حمرة -أي عصفورة صغيرة- معها فرخان في عشها، فأخذوا منها الفرخين، فإذا بها ترفرف وتصيح حول رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: ((من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها))؛ [رواه أبو داود عن عبدالله بن مسعود]، فأرجعوهما إلى العش فسكنت.

 

ومرَّ صلى الله عليه وسلم بحائط من حوائط الأنصار فإذا فيه بعير، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حن وذرفت عيناه، فاقترب من البعير فمسح ذفراه فسكن، فقال صلى الله عليه وسلم لصاحبه: ((أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟ فإنه شكا إليَّ أنك تجيعه وتدئبه))؛ [رواه أبو داود عن عبدالله بن جعفر]؛ أي: تتعبه بالأعمال دون أن تطعمه وتسقيه.

 

وجاءه رجل فقال: يا رسول الله، إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، قال: ((والشاة إن رحمتها رحمك الله))؛ [رواه أحمد عن معاوية بن قرة عن أبيه]، ونبه أصحابه إلى الرحمة بالحيوان عند ذبحه، فقال: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته))؛ [رواه مسلم عن شداد بن أوس].

 

أما رحمته بالجماد فنكتفي بمثال واحد؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب على جذع من نخل في مسجده، فقالت له امرأة من الأنصار: إن عندي غلامًا نجارًا، أفلا نصنع لك منبرًا؟ قال: ((إن شئتم))، فصنعت له منبرًا من ثلاث درجات، فأتي به في الجمعة القادمة فوضع مكان الجذع، ونحي الجذع جانبًا، فصعد النبي صلى الله عليه وسلم ليخطب على منبره الجديد، فإذا بالجذع يبكي ويحن إليه كالطفل، فنزل صلى الله عليه وسلم من منبره وجلس يربت على ذلك الجذع حتى هدأ وسكن، فقال صلى الله عليه وسلم: ((بكت لما كانت تسمع من الذكر))؛ [رواه البخاري عن جابر بن عبدالله].

 

وفي ذلك يقول الشاعر:

والجذع حن إليه عند فراقه
شوقًا حنين الهائم الولهانِ
فأتى يسكنه وقال له مخبرًا
إن شئت ترجع أخضر العيدانِ
أو إن تشاء ففي الجنان تكون غرسًا
فاختار غرسًا في نعيم جنانِ

 

أي: تهدأ وتعود إلى البستان وتعود شجرة خضراء، أو تصبر وتكون من أشجار أهل الجنة، فرضي بأن يصبر ويكون من أشجار الجنة.

 

أما رحمته بالعصاة فلا تسأل عنها، لقد كان شفيقًا رحيمًا بهم؛ جاءته امرأة قد حملت من الزنا فردها المرة الأولى والثانية والثالثة، لعلها تستر نفسها رحمة بها، فلما رأى إصرارها سمع قولها: "والله لقد فعلت وإني لحبلى من الزنا"، فقال: ((ارجعي حتى تلدي))، ولم يأخذ عليها ضمانًا لعلها أن ترجع ولا تعود، فولدت وجاءت بولدها في خرقة، فقال: ((ارجعي فأرضعيه حتى تفطميه))، وذهبت ولم يأخذ عنها كفالة لعلها ألَّا ترجع، فرجعت وغلامها يمشي بجوارها وبيده كسرة خبز وقالت: "ها هو يا رسول الله قد فطمته وأكل الطعام فطهرني"، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها فحفر لها حفرة ثم أمر برجمها فرجمت، فلما رجمت طار شيء من دمها على بعض الناس فلعنها، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ((مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبةً لو تابها صاحب مكس لغُفر له))؛ [رواه مسلم عن بريدة بن الحصيب]، وفي لفظ آخر: ((لو وزعت على سبعين من أهل المدينة لكفتهم))، يكفي أنها جادت بروحها من أجل مرضاة ربها سبحانه وتعالى.

 

أما تعامله ورحمته بالجهَّال من أمته حال تعليمهم فحديث طويل لا يمكن أن نحتويه في هذا المقام؛ فقد دخل أعرابي إلى مسجده ثم بال عند سارية من سواري المسجد، فنهره الصحابة فقام إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ((دعوه ولا تزرموه))، أي: لا تقطعوا عليه بوله، فلما بال وانتهى من بوله، جاء إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ((إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل، والصلاة، وقراءة القرآن))؛ [رواه مسلم عن أنس بن مالك]، ثم أمر أصحابه وقال: ((أهريقوا على بوله سجلًا من ماء، أو ذَنوبًا من ماء)) ليطهر المكان.

 

فقال الأعرابي: "اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا"، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((لقد حجَّرت واسعًا))؛ [رواه البخاري عن أبي هريرة]، وإنما خصه بالدعاء لما وجد من شفقته ورحمته به، ولم يدعُ لمن حوله الذين خوَّفوه وفزعوه وأنكروا فعله.

 

وهناك كثير من القصص التي تبين أنه صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة، وأن الله فطره على الرحمة، وأن الله رباه فأحسن تربيته، وأن الله جعل فيه أعظم الأخلاق وأفضلها ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4].

 

رباك ربك جل من رباك
ورعاك في كنف الهدى وحماك
سبحانه أعطاك فيض فضائل
لم يعطها في العالمين سواك
سواك في خلق عظيم وارتقى
فيك الجمال فجل من سواك
سبحانه أعطاك خير رسالة
في العالمين بها نشرت هداك
وحباك في يوم الحساب شفاعة
محمودة ما فاز بها إلاك
والله أرسلكم إلينا رحمة
ما ضل من تبعت خطاه خطاك

 

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد عباد الله:

فالحديث عن جوانب رحمته صلى الله عليه وسلم بالخلق كثيرة وطويلة، وبقي أن نذكر أمثلة من رحمته بالكفار، ونكتفي تلك القصة العجيبة التي ذكرت عن النبي صلى الله عليه وسلم في بداية بعثته، فقد خرج إلى الطائف يبحث عمن ينصره، فسلط عليه أهل الطائف سفهاءهم فرموه بالحجارة حتى أدموا قدمه، وقال صلى الله عليه وسلم: ((خرجت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب))؛ [رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها]، خرج من مكة مهمومًا مغمومًا بعد أن آذاه قومه وهو يمشي ولا يدري إلى أين يذهب، قال: ((فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب))، وقرن الثعالب الآن يسمى السيل الكبير، وبينها وبين مكة خمسة وثلاثون كيلومترًا، مشى هذه المسافة كلها ولا يدري أين يذهب، وهو مهموم مغموم من شدة قهره مما ناله من قومه.

 

ثم قال صلى الله عليه وسلم: ((فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملَك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين))؛ [رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها]، وهما جبلان كبيران في مكة واحد من الشمال وواحد من الجنوب، إن شئت أن يطبق عليهم الأخشبين فعل، فماذا كان رده صلى الله عليه وسلم وهو الرحمة المهداة؟ قال صلى الله عليه وسلم لجبريل: ((بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا)).

 

وفي حديث آخر ذكر حال نبي من الأنبياء وهو يقصد نفسه، قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: "كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يحكي نبيًّا من الأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم، ضربه قومه فأدموه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: ((اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون))"؛ [رواه البخاري ومسلم].

 

أما رحمته بالبشرية كلها فلا تسألوا عنها، فشريعته كلها رحمة، ولا تصدقوا من يقول لكم: إن الحدود وحشية أو فيها همجية، لا والله بل فيها الرحمة والحياة ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾ [البقرة: 179]، فحين تقام الحدود يرتاح الناس ويأمنون، وما تشاهدونه من فوضى في العالم كله هو بسبب أن الظالمين لم يجدوا من يردعهم، ولم يجدوا من يقيم عليهم الحدود، فانتشرت المظالم وكثرت الجرائم، أما الحدود فهي كفارات لأصحابها وهي ردع للمجرمين، فهي رحمة لهم وإن كانت في صورة عقوبة.

 

ونختم بقوله سبحانه عن نبيه: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [آل عمران: 159]، إنه وصف لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه تلميح لغيره؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو القائد، وكان هو الحاكم، وكان هو الزوج، وكان هو المربي، وكان هو القاضي، وكان هو كل ما يمكن أن تسميه من وظائف الدنيا اليوم، لقد كانت كلها متمثلة في شخصيته صلى الله عليه وسلم، فكأنه يقول لنا: إن التفاف الناس حول رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبهم له واجتماعهم عليه وصدورهم عن رأيه وقربهم منه، وتضحيتهم بكل غالٍ ونفيس في الدفاع عنه، كان لأنه رحمهم، ورفق بهم، وتلطف بأحوالهم، فاقتدوا به في ذلك.

 

أيها الأب: كن رفيقًا بأولادك حتى يكونوا بارين بك.

 

أيها المربي والمدرس والمسؤول: كن رفيقًا بمن حولك حتى يحبوك ويلتفوا حولك.

 

ويا من توليت أمر المسلمين، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نموذج للولاة الصالحين؛ كان رفيقًا ورحيمًا ولينًا معهم، فأحبته القلوب، فإذا أردت أن تحبك قلوب شعبك فارفق بهم وأشفق عليهم وارحمهم، وانظر ما يحتاجون، وارفع عنهم المظالم، والمشقة، واسعَ في حاجاتهم، واسهر من أجل مصالحهم، وستجد بإذن الله ثمرة ذلك اجتماعًا عليك وحبًّا لك وتضحية من أجلك.

 

فقد ضحى الصحابة رضي الله عنهم بما يملكون من غالٍ ونفيس من أجل أن يبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم في خير وعافية؛ لأنه بادلهم الحب بالحب، والرفق بالرفق، والرحمة بالرحمة، وكان يسهر على شأنهم، وكان من رحمته صلى الله عليه وسلم يخفف من صلاته، وهي فريضة من أجلهم، وفي الحديث: ((إني لأقوم في الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه))؛ [رواه البخاري عن أبي قتادة الأنصاري].

 

فمن أراد أن يهتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم ويقتدي به؛ فهذه أخلاقه، وتلك شمائله، وتعامله مع أمته، ومع الحيوان والجماد، ومع الكفار ومع كل الناس.

 

أما كثرة الكلام بادعاء حبه ورفع الشعارات واللوحات دون عمل فهي لا تسمن ولا تغني من جوع، فالناس يحتاجون إلى قدوات، ومواقف تظهر فيها الرحمة، والشفقة، والحرص على حياة الناس وأملاكهم ومصالحهم، فإن وجد ذلك في الواقع فالناس سيلتفون حول من حرص عليهم، ويدافعون عنه وإلا فالنتيجة ستكون عكسية تمامًا.

 

نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.

 

وصلوا وسلموا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

 

فكونوا كما كان الأوائل حول رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • خطبة: أمواج الفساد وعلاجها
  • الهجرة: دروس وعبر (خطبة)
  • خطبة: العناية بمحكمات الشريعة
  • خطبة: الحرب الناعمة
  • خطبة: التكافل الاجتماعي في الإسلام

مختارات من الشبكة

  • وما بعد العسر فرح (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لا يعرفوننا إلا وقت الحاجة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ألا إن سلعة الله غالية (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مواطن الرحمات (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: مواسم الرحمة ويقين الموحد: من شهر الله المحرم إلى بحر موسى(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الرحمة وقسوة الحياة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: محبة الصغار والرحمة بهم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • صلة الرحم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • (خطبة عيد الأضحى حسن الخلق وصلة الرحم)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • بين المشيئة والرحمة... طريق القلب إلى الله (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • القرآن والتربية في صدارة البرامج الصيفية للمسلمين في بينزا وساراتوف وموردوفيا هذا العام
  • اختتام الدورة التاسعة لمسابقة حفظ وتلاوة القرآن الكريم في أزناكاييف
  • تيسليتش تختتم برنامجا تعليميا لتعزيز القيم وبناء الشخصية للشباب المسلمين
  • انطلاق فعاليات "أيام مساجد إستولتس 2026" ببرنامج ديني وثقافي يمتد حتى أغسطس
  • قازان تحتضن المخيم الدولي الرابع للطلاب المسلمين
  • مسجد دابرافين يفتح أبوابه للمصلين بعد سنوات من البناء والعطاء
  • 130 شابا يشاركون في منتدى الشباب المسلم الإقليمي بتتارستان
  • بينزا تستضيف برنامجا صيفيا لتعليم الأطفال القرآن والعلوم الإسلامية

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 12/2/1448هـ - الساعة: 19:40
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب