• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الإلحاد المعاصر في القرآن الكريم
    د. محمد بن علي بن جميل المطري
  •  
    تحريم المن وأنه مدعاة للرياء ودليل على أن العمل ...
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    تفسير قوله تعالى: { فبما رحمة من الله لنت لهم ولو ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    تعدد النيات وأسرار مضاعفة الأجور والحسنات
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    { واجعلنا للمتقين إماما } (خطبة)
    حسان أحمد العماري
  •  
    الشباب والرفق بهم (خطبة)
    د. سعود بن غندور الميموني
  •  
    الإحسان إلى البنات سبب من أسباب النجاة من النار
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    رحمة الله بعباده
    الشيخ صلاح نجيب الدق
  •  
    كلمة وكلمات (18)
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    ليست الهزيمة في سقطة الأمس
    عبدالله بن إبراهيم الحضريتي
  •  
    الملامح التربوية المستنبطة من قوله تعالى: {قل إن ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    احذروا من التسرع في الطلاق (خطبة)
    خالد سعد الشهري
  •  
    حتى لا يقع الطلاق (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    قبل أن يقع الطلاق (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    فصاحة القرآن وانتقاء اللفظ: اقتران اسم الله ...
    د. علي شومان محمد علي أبو دية
  •  
    قصة شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم للناس يوم ...
    عبدالستار المرسومي
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / عقيدة وتوحيد
علامة باركود

تعدد النيات وأسرار مضاعفة الأجور والحسنات

تعدد النيات وأسرار مضاعفة الأجور والحسنات
الشيخ عبدالله محمد الطوالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 6/7/2026 ميلادي - 20/1/1448 هجري

الزيارات: 81

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

تعدد النيات وأسرارُ مضاعفةِ الفضائل والحسنات

 

الحمد لله وكفى، وصلاة وسلامًا على عباده الذين اصطفى، وبعد:

فقد دلّ الكتاب والسنة، وإجماعُ السلف، على أنَّ النيةَ هي المعيارُ الأساسُ في قبول الأعمالِ أو ردها، وأن إخلاصَ النيةِ وتمحِيصها هو ميزانُ التفاضلِ بين العاملين، ففي الحديث المتفق عليه، قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى".. وهذا يقتضي تفاضلَ الأعمالِ وتباينَ أجورها، بحسب صفاءِ نيةِ العامل ودرجةِ إخلاصِه بها..

 

ومع وضوحِ هذا الأصل، وعِظَم شأنه، فإنه يغيبُ عن كثيرٍ من الناس، فصاروا يؤدونَ العبادةَ على صورة العادة، ويعملون الأعمالَ الصالحة دون استحضارٍ للنيات والمقاصد، فقلّ نصيبُهم من الأجور والثواب، وحَرموا أنفسهم بركاتٍ وفضائلَ عظيمة..

 

ومن هنا نبَّهَ العلماءُ إلى بابٍ عظيمٍ من أبواب الفضلِ ومضاعفةِ الأجور، وهو تعدد النيات في العمل الواحد، حتى سموه: تجارة العلماء؛ لأنَّ العالم هو الذي يُحسنُ استحضارَ المقاصد، ويجمعُ في العمل الواحد نياتٍ كثيرة، فيتضاعفُ أَجرهُ، ويعظمُ ثوابهُ، وتزداد الفضائل التي يحصِّلها من غير ما زيادةٍ في العمل..

 

تعريفُ النية لغةً واصطلاحًا:

النية في اللغة: هي القصدُ والعزم. تقول: نويتُ الأمرَ أي: قصدتهُ وعزمت عليه..

 

واصطلاحًا: قصدُ القلبِ وعزمهُ لعمل شيءٍ من الأعمال تقرُّبًا إلى الله تعالى..

 

حُكم النية ومحلها:

النيةُ واجبةٌ في جميع العبادات، وهي شرطٌ لصحتها وتمييزها..

 

ومحل النية: القلب فقط، أما التلفظُ بالنية واعتمادُ صيغٍ معينةٍ فهو من البدع التي لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه الكرام..

 

الحكمة من اشتراطها:

الحكمةُ الأساسية من النية هي تمييزُ المقصود بالعمل، وتأكيدُ الإخلاص لله تعالى، فالله لا يقبلُ من العمل إلا ما كان له خالصًا، في الحديث القدسي الصحيح، يقول الله تعالى: "أنا أغنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّركِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشرَك فيه مَعي غيري تَرَكتُه وشِركَه"، وفي الحديث الحسن، قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ اللَّهَ لا يقبَلُ منَ العملِ إلَّا ما كانَ لَهُ خالصًا وابتُغِيَ بِهِ وجْهُهُ"..

 

كما أنَّ النيةَ هي التي تميزُ العادات عن العبادات، والمباحات عن القربات: فالأكلُ لمجرد سدِّ الجوعِ أو للتلذذ به عادةٌ مباحة.. أمّا الأكلُ بنية التقوّي على طاعة الله فهو قربةٌ وعبادة..

 

وكذلك فالنيةُ هي التي تميزُ بين مراتب العبادةِ ودرجاتها: فتفرّقُ بين الفريضة والنافلة، وبين القضاء والنذر، وبين الواجب والمستحب..

 

أهميةُ النيةِ وفضلُها:

أعمالُ القلوب أهمُّ من أعمالِ الجوارح، لأنّ أعمالَ القلوبِ أصلٌ، وأعمالَ الجوارحِ تبعٌ.. والنيةُ أو الإخلاصُ هي أهمُّ وآكدُ وأعظمُ أعمالِ القلوب.. لدخولها في جميعِ الطاعات والعباداتِ، ولما يترتب عليها من القبول والرد..

 

وهي روح العملِ وميزانُ قبولهِ عند الله، في الحديث الحسن، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ»..

 

وهكذا فالنيةُ إذا صلُحت صلُحَ العمل وقُبِلَ بإذن الله.. وإن فسدت فسد العمل ورد.. ولذا فهي تحتاجُ إلى تعاهدٍ مُستمرٍ، وإلى إصلاحٍ مُتجدد.. ومن هنا نفهم سِرًّا عجيبًا من أسرار التوفيق: فقد يقفُ رجلانِ في الصف نفسه، يصليان الصلاةَ نفسها، يركعان ويسجدان معًا.. إلا أن ما بينهما كما بين السماء والأرض.. ولذا كان خوفُ السلفِ من فساد النيات، أعظمَ من خوفهم من التقصير في الأعمال.. لأنهم علموا أنَّ العمل إذا فسدت نيته، حبِط كلُّه وإن كثر..

 

يقول الإمام سفيانُ الثوري رحمه الله: "ما عالجتُ شيئًا أشدَّ عليَّ من نيتي، فإنها تتقلبُ علي".. ويقولُ الإمام يحيى بن أبي كثير: "تعلَّموا النيةَ فإنها أبلغُ من العمل".. ويقول الامام ابن المبارك: "ربُّ عملٍ صغيرٍ تعظّمهُ النية، وربّ عملٍ كبيرٍ تصغّره النية".. وقال عكرمةُ رحمه الله تعالى: "إنَّ اللهَ يُعطي العبدَ على نيَّتهِ ما لا يُعْطِيهِ على عَمَلِهِ؛ لأن النِّيّةَ لا رِيَاءَ فِيها".. وقال الحسن البصري رحمه الله: إنما يتفاضلُ الناسُ عند اللهِ بالنيات، لا بكثرة الأعمال، ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الملك:2].. وقال الإمام الغزالي: "ما من طاعةٍ إلا وتحتمل نياتٍ كثيرة، وإنما تحضرُ في قلب العبدِ المؤمن بقدر اجتهادهِ في طلب الخير".. وقال بعض السلف: (إني لأستحبُ أن يكونَ لي في كل شيءٍ نية)..

 

الفرق بين الأجور والفضائل:

ذكرنا أنه مع كل عبادةٍ وإن صغرت، هناك نياتٌ متعددةٌ كثيرة، يمكنُ للمسلم أن يستحضرها فيجني بذلك أجورًا كبيرة، وفضائلَ كثيرة..

 

والفرقُ بين الفضائل والأجور، أن الأجورَ هي ما يترتب على أداء العمل من كسبٍ للحسنات، وتكفيرٍ للسيئات، وأما الفضائلَ فهي ما يترتبُ على أداء العمل من جوائز وكرامات خلافًا لذلك، كمحبة الله ومعيته، والفوز برضاه ورحمته، وحصول البركة والرفعة وتنزل الملائكة، ونحو ذلك من الفضائل والكرامات..

 

تعدُّد النياتِ تجارةٌ رابحة:

تعدُّدُ النياتِ فقهٌ عظيم، وبابٌ خيرٍ كبير، والأدلةُ على مشروعية تعدد النيات كثيرة، منها ما جاء في صحيح البخاري، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا أنفَقَ المُسلِمُ نَفَقةً على أهلِه وهو يَحتَسِبُها، كانَت له صَدَقةً».. وفي صحيح مسلم، قال صلى الله عليه وسلم: "من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازلَ الشهداء وإن مات على فراشه".. وفي حديثٍ صحيح، قال صلى الله عليه وسلم: "من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عينه حتى يصبح، كُتب له ما نوى، وكان نومه صدقةً عليه من ربه".. وفي الحديث الصحيح، قال صلى الله عليه وسلم "الدنيا لأربعة نفر: عبدٌ رزقهُ اللهُ مالًا وعلمًا، فهو يتقي فيه ربه، ويصِلُ فيه رحمه، ويعمل لله فيه حقه، فهذا بأفضل المنازل، وعبدٌ رزقه الله عِلمًا ولم يرزقه مالًا، فهو صادِقُ النية، يقول لو أنّ لي مالًا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته فأجرهما سواء".. الحديث.. وغيرها كثير..

 

والأمرُ واسعٌ وميسرٌ بفضل الله.. فلو تيسرَ للعبد مع أيّ عبادةٍ أن يقول بقلبه دون لسانه: نويتُ أن أؤدي عبادتي هذه أبتغي بها وجه الله وحده.. فالله تعالى يقول: ﴿ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي ﴾ [الزمر:4].. وأن امتثلَ أمرَ الله تعالى وأُطيعه: فالله تعالى يقول: ﴿ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون ﴾ [آل عمران:132].. وأن اتقربَ بهذا العمل لأفوزَ بمحبة الله ورضاه: ففي الحديث القدسي الصحيح: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ».. وأن اقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم وأُحي سنته: فالله تعالى يقول: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب:21].. وأن اتقوى بهذا العمل على طاعة الله ومرضاته: فالله تعالى يقول: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين ﴾ [الفاتحة:5].. وأن أنال به البركة من الله تعالى: فالله تعالى يقول: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الأعراف:96].. وأن يكون هذا العمل كفارةً لذنوبي وخطاياي: فالله تعالى يقول: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِين ﴾ [هود:114].. وأن أغنمَ الأجورَ والفضائلَ المترتبة على هذا العمل: فالله تعالى يقول: ﴿ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُور ﴾ [فاطر:30].. وأن يكون هذا العملَ شُكرًا لله على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى: فالله تعالى يقول: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُور ﴾ [سبأ:13].. وأن يكون هذا العمل حجابًا ونجاةً لي من النار: ففي الصحيحين، قال صلى الله عليه وسلم: "اتَّقُوا النَّارَ ولو بشِقِّ تَمْرَةٍ، فمَن لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ".. وأن يكونَ تعظيمًا ومحبةً لما يحبهُ الله من الأعمال والأقوال، فالله تعالى يقول: ﴿ ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج:32].. وأن أسلم من عقاب الله وغضبهِ لمن ترك أمرهُ وخالفه: فالله تعالى يقول: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم ﴾ [النور:63].. فتلك عشر نياتٍ، يقولُ المسلم منها ما تيسر، ودون ذكر الأحاديث والآيات فإنما ذكرتها كدليلٍ على الصحة.. ثم إنّ لكل عملٍ نياتٌ أخرى خاصةٌ به، فقارئُ القرآن مثلًا، يمكنه أن ينوي بقراءته، مناجاة الله بكلامه، وأن يعتصمَ بالقرآن، وأن يهديه الله بالقرآن، وأن ينال شفاعة القرآن، وبركة القرآن، والارتقاءِ في درجات الجنة بالقرآن، وأن يكونَ القرآنُ شفاءً له من كل داء، وأن يؤتيهِ اللهُ من حكمة وأنوار القرآن، وأن يثبتهُ الله بالقرآن، وأن يكون من أهل القرآن، وأن يرفعهُ الله بالقرآن حتى يكون مع السفرة الكرام البررة.. وأن يفوز بذكر الله له في الملأ الأعلى، وأن يُلبسهُ الله تاجَ الكرامة وحُلةَ الكرامة.. وغيرها من النيات كثير.. وكلُّ هذا في عملٍ واحد..

 

وهكذا فكلُّ عملٍ له نياتهُ الخاصة، إضافةً للنيات العامة.. وحتى نتصورَ حجمَ ما يفوتنا من الخيرات والفضائل، فكم من الناس من يخرجُ للعمل يكدحُ ساعاتٍ طويلةِ ثم يرجعُ بلا نية.. يأكلُ ويشربُ بلا نية.. يزورُ ويُزارُ بلا نية، ينامُ ويستيقظُ بلا نية، يلبسُ ويتعطرُ بلا نية، يتنزهُ ويشتري حاجاته وينفق أمواله بلا نية، يقود سيارته، ويمارسُ هوايتهَ بلا نية، يُساعدُ الآخرين ويفعل الكثير من الخيرات بلا نية.. ويمارسُ الكثيرَ والكثيرَ من الأعمال والأنشطةِ بلا نية.. فأيُّ حرمان هذا..

 

أليست خسارةً كبيرةً ألا يُكتب لنا من تلك الأعمال الكثيرةِ شيء، وإن كُتبَ فشيءٌ لا يذكر.. فكيف لو عاش المسلم يومهُ كله مع الله بنيته وقلبه.. فيتحوّلُ الوضوءُ إلى نور، والطريقُ إلى درجات، والمسجدُ إلى سكينة، والصلاةُ إلى قرةِ عين، والعملُ إلى جهاد، والطعامُ إلى رضا، واللباسُ إلى حمد، والكلامُ إلى صدقة، والمرآةُ إلى موعظة..

 

ألا تعلمُ أيها المبــارك: أنك إذا خرجت إلى عملك بنيةِ إعفافِ نفسك، وإعالةِ أهلك، ونفعِ المسلمين بتخصصك، وإتقانِك لعملك.. فأنت في عبادةٍ وأيُّ عبادة.. وأنك حين تأكلُ بنية التقوّي على طاعة الله.. وتنامُ بنية الاستعانةِ على القيام للصلاة.. وتتكلمُ بنية الدِلالة على الخير.. أو تسكتُ بنية عدم الخوض فيما لا يرضي الله.. كل ذلك عباداتٌ تؤجرُ عليها..

 

قال صلى الله عليه وسلم: «وفي بضع أحدكم صدقة» قالوا: أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟ قال: «نعم» والحديث في مسلم..

 

فإذا كانت الشهوة يُثابُ عليها بالنية.. فكيف بسائر المباحات؟..

 

فلا تستهِن بأيِّ عملٍ وإن صغر.. وجدّد نيتك على الدوام: جددها قبل أن تخرج.. وقبل أن تعمل.. وقبل أن تتكلم.. وقبل أن تأكل.. وقبل أن تقومَ بأيّ عملٍ وإن صغر.. ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين ﴾ [العنكبوت:69]..

 

هل يلزمُ استحضارُ النية لنيل كل الأجور؟

الجواب: لا يلزمُ استحضارُ النية لنيل كل الأجور المترتبة على العمل الصالح..

 

فكثيرٌ من الفضائل التي رتّبها الشرعُ الحكيم على الأعمال تحصُلُ بمجرد فعل العمل بالشكل الصحيح، حتى ولو لم يستحضر العبد ما وعد به من فضائل وأجور.. فمن توضأ وضوءًا صحيحًا خرجت خطاياهُ مع الماء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا تَوضَّأ العَبدُ المُسلِمُ أوِ المُؤمِنُ، فغَسَلَ وجهَه خَرَجَ مِن وجهِه كُلُّ خَطيئةٍ نَظَرَ إليها بعَينَيه مع الماءِ، أو مع آخِرِ قَطرِ الماءِ... الخ» (رواه مسلم).

 

وكذلك من غدا إلى المسجد أو راح أعدَّ الله له في الجنة نزلًا كلما غدا أو راح.. ومن قال بعد الأذان: "اللهُمَّ رَبَّ هذه الدَّعوةِ التَّامَّةِ، والصَّلاةِ القائِمةِ، آتِ مُحَمَّدًا الوسيلةَ والفَضيلةَ، وابعَثْه مَقامًا مَحمودًا الذي وعَدتَه".. حلت له شفاعةُ النبي صلى الله عليه وسلم..

 

فهذه ثمراتٌ جعلها الله جزاءً للعمل، ويكفي في أصل حصولها وقوعُ العمل صحيحًا على الوجه المشروع، ولا يُشترط لاستحقاقها استحضارُ نيةٍ خاصةٍ لكل فضيلةٍ على حدة..

 

لكنَّ استحضارَ هذه المعاني عند العمل يزيدُ القلبَ حضورًا، ويقوِّي رجاءَ العبد بربه، ويعظِّمُ مقامَ الاحتساب والإخلاص، ومن ثَمَّ يكونُ ذلك سببًا لعِظم الأجرِ وزيادةِ الثواب؛ لأنَّ الأعمالَ إنما تتفاضلُ بتفاضل ما يقومُ في القلوب من الإيمان والإخلاصِ والخشوع.. وقد دلَّ على ذلك قولُ النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربِّه عز وجل: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى ما شاءَ اللهُ».. رواه مسلم..

 

والخلاصة: أنّ النيةَ نوعان.. نيةٌ أصليةٌ لا يصحُ العمل ولا يثابُ عليه بدونها، وهي نية العبادة والتقرب لله.. ونيةٌ تكميليةٌ يُستحضرُ بها العبدُ ما رتبهُ الشرعُ من الفضائل والمقاماتِ العالية، وهذه ليست شرطًا في أصل الثواب، لكنها من أسبابِ كمالهِ ومضاعفته..

 

وأمّا أعظمُ ما يحصّلهُ المسلمُ المستحضِرُ للنيات دائمًا، فإضافةً لما يجنيهِ من فضائلَ غالية، ومضاعفةٍ للحسنات هائلة، فهو موعودٌ بثمرةٍ كبرى، ألا وهي دوامُ الصلةِ بالله تعالى.. يقول داود الطائي رحمه الله: "رأيتُ الخيرَ كلهُ إنما يجمعهُ حُسنُ النية"، وقال بعض السلف: "ما رأيتُ شيئًا يربطُ القلبَ بالله مثل النيَّةِ الصالحة؛ لأنها تذكِّرك به قبل الفعل، وأثناءه، وبعده"..

 

فكلُّ من أجتهدَ في الاهتمام بنيته وتحسينها وإصلاحها فستتحولُ حياتهُ بإذن اللهِ إلى سلسلةٍ متواصلةٍ من العبادات.. ويصبحُ قلبهُ متعلقًا بالله في كل شأنٍ من شؤون الحياة.. وتتحولُ الأعمالُ التي كانت تمرّ عليه مرور العادة، إلى أبوابٍ للقرب والعبادة..

 

وكم هو جميلٌ أن يكونَ المسلمُ في كلِّ لحظةٍ من لحظاته عبدًا لله، متعلقًا قلبهُ بالله، شاكرًا لأنعمه وما إليه هداه، طالبًا لتوفيقه ورضاه.. فهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام:162]..

 

فجددوا يا عباد الله نياتكم، وراقبوا قلوبكم، ولا تفرطوا في هذا الباب العظيم.. فهو بابُ تجارةٍ مع الله رابحة، وفضائلَ وأجورًا مضاعفة، والموفق من وفقه الله..

 

نسأل الله أن يرزقنا صدق النيات، وإخلاص الأعمال، وحُسن القبول..





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • إنما الأعمال بالنيات
  • تخريج حديث: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى
  • الإنفاق على الأهل صدقات بالنيات الصالحات
  • القرآن وتعدد النيات (خطبة)
  • تطبيق تجارة النيات - ضاعف حسناتك بتعدد نياتك

مختارات من الشبكة

  • سنة أولى تعدد (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الجواب العقول في بيان الحكمة من تعدد زوجات الرسول (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • حقيقة الرزق وتعدد أنواعه وأشكاله(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تعدد النيات في العمل(استشارة - موقع الشيخ خالد بن عبدالمنعم الرفاعي)
  • تعدد النيات الصالحة في العمل الواحد(استشارة - موقع الشيخ خالد بن عبدالمنعم الرفاعي)
  • خطبة: أبواب الجنة وحِكَم تعددها(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الفرع الثاني: أحكام قطع النية والتردد والشك فيها: [الشرط العاشر من شروط الصلاة: النية](مقالة - آفاق الشريعة)
  • الفرع الأول: حكم النية وصفتها ووقتها [الشرط العاشر من شروط الصلاة: النية](مقالة - آفاق الشريعة)
  • لا للتعدد في المعاصي والتقلب فيها(مقالة - آفاق الشريعة)
  • التعدد وجهة نظر أخرى (2)(مقالة - مجتمع وإصلاح)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • سراييفو تختتم برنامجًا تدريبيا للأئمة والخطباء والمؤذنين
  • مئات الزوار يشاركون في يوم المسجد المفتوح الثالث عشر بمدينة توومبا الأسترالية
  • انطلاق دورتين صيفيتين لأطفال المسلمين بمقاطعة بنزا
  • أكثر من 600 شاب يشاركون في مؤتمر الشباب المسلم 2026 بأستراليا
  • مائدة مستديرة دولية في روسيا لتطوير تعليم العربية لغير الناطقين بها
  • برامج تدريبية جديدة لتعزيز كفاءات رجال الدين في بلغاريا
  • تتويج الفائزين في أول مسابقة لطلاب "مدرسة القرآن" بمنطقة توزلا
  • مسابقة قرآنية للفتيات المسلمات في قرية تيوبياك

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 20/1/1448هـ - الساعة: 13:32
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب