• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    خطبة: اليمن ألم وأمل
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    وصف الجنة (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    غنائم العمر (خطبة)
    عبدالعزيز أبو يوسف
  •  
    خطبة: وسائل التواصل والتقنية بين النعمة والفتنة
    الشيخ الدكتور صالح بن مقبل العصيمي ...
  •  
    عندما يكون العمر عيدا
    ماهر مصطفى عليمات
  •  
    تعلم المناسك قبل السفر إلى مكة
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    خطبة: تعظيم الأشهر الحرم
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    {وأما بنعمة ربك فحدث} خطبة
    د. محمد حرز
  •  
    من وسائل الثبات على دين الله عز وجل (10) الزهد في ...
    محمد بن عبدالله العبدلي
  •  
    من فضائل حسن الخلق (1)
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    لطائف من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (توحيد ...
    سائد بن جمال دياربكرلي
  •  
    تحريم تحريف القرآن والزيادة فيه والنقص منه
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    أهلية القرآن ومقوماتها
    د. أحمد الدمرداش
  •  
    ومضات نبوية: "إن لصاحب الحق مقالا"
    علي بن حسين بن أحمد فقيهي
  •  
    الورع وترك الشبهات
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    الكساء الرباني (خطبة)
    د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / السيرة والتاريخ / التاريخ
علامة باركود

خطبة: اليمن ألم وأمل

خطبة: اليمن ألم وأمل
أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 8/5/2026 ميلادي - 21/11/1447 هجري

الزيارات: 85

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة: اليَمَن ألم وأمل


اليوم سنتحدث عن اليمن، وما أدراك ما اليمن؟ اليمن في ميزان السنن الإلهية الربانية، اليمن ألم نعيشه، وأمل ننتظره. لم يكن اليمن يومًا هامشًا في التاريخ، بل كان قلبًا نابضًا بالحضارات، ذكره الله تعالى في كتابه الكريم لا سردًا تاريخيًّا، وإنما وصفًا للحال والمآل، ليظل ما ذكر عبرة باقية على مر الأزمان؛ قال الله سبحانه: ﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ [سبأ: 15].

 

اليمن كان آية في النعم- كما سمعتم في الآية- آية في الخصب، آية في الأمن، آية في الاستقرار، آية في الثراء، آية في انتشار الجنات، آية في الموارد، أرض تطعم أهلها، وتؤمِّن الطريق لسالكها، حتى قيل في وصفه آنذاك: لا يخاف المسافر فيه إلا الله.

 

لقد كان لسبأ في مسكنهم آية، ما هي الآية؟ إنها: ﴿ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ﴾، يمين من؟ وشمال من؟ إنها يمين وشمال المسافر الذي ينتقل من بلدة إلى أخرى، فعن يمينه وشماله بساتين وثمار وأنهار وفواكه، لا يحتاج إلى من يحرسه، ولا يحتاج إلى زاد يحمله. هذه النعمة من أين أتت؟ أتت من الإيمان والشكر والعدل وغيرها من القيم التي هي سبب في وجود النعم وبقائها.

 

ثم ماذا كان؟ وماذا حصل لهم؟ اقرأوا الآية التالية، فإن الآية الأولى تحدثنا عن الخصب والأمن والنعم والاستقرار واجتماع الكلمة، والآية التي تليها تحدثنا عن عكسها تمامًا.

 

الآية الأولى حدثتنا عن نعم الله مع قوم يؤمنون ويشكرون، والآية الثانية حدثتنا سبب النقم بكلمة واحدة، وهي الإعراض، فقال: ﴿ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ﴾ [سبأ: 16] ﴿ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ [سبأ: 19]. فالنعم تأتي وتستمر بالاستقامة والعدل والطاعة، والمصائب والمحن تأتي بالإعراض؛ الإعراض عن الشكر لله تعالى، والإعراض عن العدل، والإعراض عن الأخلاق الفاضلة، الإعراض عن القيم والإصلاح.

 

والنعم لا تزول فجأة، إنما تبنى بالتراكم، وتزول وتذهب كذلك بالتدرج إذا وقع الإنسان فيما يناقضها: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7].

 

أيها المؤمنون، إن النعمة لا تزول اعتباطًا، وإن الخراب لا يأتي بلا سبب، إن النعمة تحتاج إلى شكر، ومن لم يشكر نعم الله سبحانه يحل به البديل السيئ للنعمة، قال تعالى: ﴿ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾ [سبأ: 16، 17].

 

إن النعمة لا تزول فقط، بل تُستبدل بعكسها وبالشيء السيئ، بدل الجنتين صار الأثل الذي لا ثمر فيه، والشجر الذي فيه قليل من الثمر، وفيه إشارة إلى قلة النعمة والطعم المر والتعب الكثير والبركة القليلة.

 

ثم ختمت الآية بالعظة والعبرة، فليس ذكر القصة لتسلية القوم، وإنما هو عظة وعبرة: ﴿ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾ [سبأ: 17].

 

أيها المؤمنون عباد الله، هذا شيء من ذكر التاريخ وقصص القرآن لأهل اليمن، بين آلامهم القديمة وآمالهم العريضة.

 

ثم خرج أهل اليمن في كل حدب وصوب، ومزقناهم كل ممزق، ذهبوا في أطراف الأرض وشمالًا وجنوبًا، ولكن ثُلَّة منهم خرجوا إلى يثرب، وهم الأوس والخزرج، ثم كانوا بعد ذلك هم الأنصار الذين استقبلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروه، وأعادوا الأمل مرة أخرى إلى أنفسهم وأقوامهم وديارهم.

 

ولما جاء الإسلام، وبَعث النبي صلى الله عليه وسلم رسوله إلى اليمن ليدعوهم إلى الإسلام، فكانت الاستجابة السريعة، دخل الإسلام اليمن بالرسالة، واستجاب الناس للكلمة، فلم يغزوا ولم يقهروا على الإسلام، بل استجابوا للكلمة الصادقة والرسول الصادق، فقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل إلى مخلاف الجند، وأبا موسى الأشعري إلى مخلاف تهامة، وقال لهما: "إنكما ستأتيان قومًا في أرض اليمن فيهم من أهل الكتاب، فأول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله". فدخل أهل اليمن في الإسلام اختيارًا لا كراهة ولا إكراهًا، حتى صار الإيمان جزءًا من وجدانهم؛ ولذلك وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "جاءكم أهل اليمن، أرق قلوبًا وألين أفئدة، الإيمان يمان والحكمة يمانية". لم يكن الثناء على أهل اليمن بسبب جنسهم أو لونهم أو سلالتهم، أو جغرافيتهم ومكان سكنهم؛ إنما كان الثناء لهم برقة القلوب بالإيمان الصادق وبالحكمة التي يحملونها.

 

وقد بشَّر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين من أهل اليمن بالخير، فكان يمدحهم في مختلف المناسبات، بل تجاوز مدحهم في الدنيا إلى مدحهم في الآخرة، فذكر أنهم أول من يرد عليه الحوض في ساحة المحشر، وأول من يشربون منه.

 

ولم يكن هذا المدح- كما قلنا- إلا لقيمٍ أخلاقية ومبادئ عظيمة حملها أهل اليمن، وفي ذلك إشارة عظيمة إلى أهمية الإيمان والحكمة ورقة القلوب واجتماع الكلمة في أهل اليمن، وفي غيرهم من أهل الإسلام في أي بلد، وإنما مدح أهل اليمن بهذا لأنهم اتصفوا بتلك الصفات في ذلك الزمن أكثر من غيرهم.

 

فأصبح اليمن- بعد تلك النقمة التي وقعت عليهم في أيام سبأ بسبب الإعراض- في عهد النبوة أملًا للأمة، أملًا للإسلام والمسلمين، حتى قال صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أمته كلها: "إني لأجد نفَس الرحمن من قِبل اليمن". ومعنى الحديث: أنه كلما اشتدت بالأمة شدة أو نزلت بها ضائقة أو أصيبت ببلية، جاء أهل اليمن وكانوا هم المدد لها، وكانوا هم من ينصر الإسلام، ومن يساهم في دفع المصائب والابتلاءات عن الناس، فكانوا مددًا لأهل الشام، ومددًا لأهل مصر، ومددًا لباقي بلدان العالم الإسلامي في عهد الفتوحات الإسلامية الخالدة.

 

فقد برز اليمنيون في الجيوش الفاتحة التي خرجت من الجزيرة العربية إلى الشام والعراق ومصر، وكانوا من أكثر الأجناد الذين عُرفوا بالبسالة والصبر والتضحية، حتى وصلوا إلى الهند وغيرها من دول شرق آسيا.

 

أيها المؤمنون، وعند حروب الردة التي حصلت في اليمامة، كان أهل اليمن هم أهل الثبات، وهم الذين أعادوا الإسلام إلى بلدان الناس بعد أن شردوا عنه.

 

وقعت الردة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فثبتت قبائل اليمن، وكانت حامية للإسلام، وشاركت في قتال المرتدين، وكان أبو مسلم الخولاني ذلك البطل اليماني الذي ثبت أمام الأسود العنسي، وحصل له ما حصل لإبراهيم الخليل من معجزة إحراقه بالنار، وهي كرامة له لقوة إيمانه وصلابة أخلاقه.

 

وفي عهد عمر بن عبدالعزيز، الخليفة الراشد الخامس، في الدولة الأموية، كان أهل اليمن هم ذروة سنام الجهاد، وكانوا هم أصحاب العدل، وكانوا هم مثبتي الحق والداعين إليه هنا وهناك، حتى استقرت البلاد وعاش الناس في خير وسلام.

 

أيها المؤمنون، والشواهد لجهود أهل اليمن في التاريخ كثيرة، ولكن حسبنا أن نشير إلى بعضها لنزرع الأمل في نفوس الناس اليوم حين اكتووا بالآلام الشديدة التي أحاطت بهم واجتمعت عليهم من كل حدب وصوب.

 

ثم رجع الألم مرة أخرى إلى اليمن وأهله، وبدأت الفتن تشتعل، والتنازع والصراع الداخلي يشتد بين أهل اليمن، حتى قال علامة اليمن شيخ الإسلام الشوكاني رحمه الله: ما دخل البلاء على أهل هذه البلاد-يقصد اليمن- إلا من باب التفرق والاختلاف، ولا خرج منها إلا بالاجتماع على الحق والهدى.

 

أيها المؤمنون، واليوم يعيش اليمن وأهله فصلًا موجعًا من الفتن والابتلاءات، آلام في البيوت والأحوال، وخوف في القلوب، وجراح في النفوس قبل الأجساد، لكن ربنا سبحانه وتعالى رحيم بعباده، فأملنا به كبير سبحانه وتعالى.

 

أيها المؤمنون عباد الله، يجب أن نعلم قاعدة عظيمة مقررة في الشرع، أن الفرقة والاختلاف هي سبب الآلام والمصائب، وأن الاجتماع والاتفاق هو سبب للآمال واجتماع الكلمة، وأن ما نعيشه اليوم ليس سببه العدو الخارجي فقط، نعم، له أثر فيما يجري اليوم في اليمن، ولكن كثيرًا مما يجري اليوم في اليمن سببه من أنفسنا، ومن داخلنا: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]. فالظلم المنتشر، والفساد المستشري، والاختلاف والصراع، والتحزب والتقاطع والتدابر، وعدم تطبيق شرع الله تعالى، والقتال على المنصب والسلطة، والبحث عن الدنيا الفانية ولو بإزهاق النفوس البريئة هو سبب لما نحن فيه.

 

أيها المسلمون، لا بد أن يعود أهل اليمن إلى ما وصفهم به النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان والحكمة، حتى لا يصير الإيمان الذي وصفوا به أمرًا مستباحًا، ولا الدم شيئًا رخيصًا، ولا الخوف مقيمًا بين أظهرهم. وإن من أعظم الجرائم التي حرمها الله سبحانه وتعالى ترويع الآمنين، وتجويع الأبرياء، وإقلاق السكينة، ونشر الفساد في الأرض.

 

أيها المؤمنون، هذا الواقع الأليم يجب أن ينتبه الناس إلى أن أسبابه من عند أنفسهم، حتى لا يُعلِّقوا أخطاءهم بغيرهم، نعم، للأعداء صولة وجولة، وأذية وإفساد في البلدان، لكن كثيرًا مما أصابنا هو من عند أنفسنا، ولا بد من التوبة من ذلك ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11].

 

فالواقع الأليم الذي يعيشه العالم الإسلامي كله، واليمن جزء منه، هو بسبب بُعدهم عن دين ربهم، عن الإيمان، عن التقوى، عن الصلاح، بسبب عدم ثقتهم بالله وتوكلهم عليه ورجوعهم إليه، بسبب قنوطهم من رحمة الله، بسبب تعلقهم بأعدائهم، والبحث عمن ينصرهم من عدوِّهم الذي لا يريد بهم خيرًا.

 

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرفع البلاء عن العباد والبلاد، وأن يجعلنا وإياكم ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

 

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

أيها المؤمنون، سمعتم شيئًا من الآلام التي يعيشها الناس اليوم في هذا البلد وفي غيره من البلدان، فالحال قريب من بعضه عند عموم شعوب المسلمين، ولكن بقيت نافذة الأمل التي يجب ألَّا تغلق، وأن يفتحها الإنسان على نفسه وعلى من حوله، ومنها انتظار الفرج والنصر والتمكين، قال الله سبحانه: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ [الشرح: 5، 6]، وقال جل وعلا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11]، فالأمل الذي ننشده لا يجوز أن يكون مجرد أمانٍ بعيدة عن العمل والأخذ بالأسباب، إن لم يوجد صدق في النيات، وإرادات قوية صادقة، وأعمال في الواقع، فإنها تبقى أماني، وهذه الأماني لا فائدة منها إلا أن يضحك الإنسان بها على نفسه، كما قال الله عن اليهود: ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ﴾ [البقرة: 111]؛ لأنهم طلبوا شيئًا ولم يعملوا له، يريدون أن يكونوا من أهل الجنة وهم بعيدون عن العمل الذي يوصلهم إليها، فهذه أماني.

 

وهكذا نقول اليوم: إذا كان عندنا آمال في عودة الأمور إلى ما كانت عليه من الخير، وأن تعود اليمن جنة من جنات الله في أرضه، في وجود الخيرات، والأمن والاستقرار، فلا بد من العمل والأخذ بالأسباب، والله جل وعلا قد ربط الأسباب بمسبباتها، وجعل وعد النصر مشروطًا بتحقيق أسبابه: ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد: 7]. فالعدل إذا صار قيمة جاء منه الأمل، والدماء إذا حفظت، والحدود إذا أقيمت فيمن ينتهكها، والكلمة إذا اجتمعت على الحق والهدى وابتعدت عن الفرقة والاختلاف، فعند ذلك يتحقق الأمل في الواقع.

 

أيها المؤمنون، لن يطول البلاء بإذن الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [آل عمران: 140]، لن يطول البلاء؛ لأن الله سبحانه وتعالى له سنة في هذا الكون؛ وهي سنة المداولة بين الناس، فمن كان عزيزًا ربما ذلَّ، ومن كان ذليلًا ربما عزَّ، ومن كان غنيًّا ربما يفتقر، ومن كان فقيرًا ربما يغتني، والصحيح قد يصير مريضًا، والمريض قد يصير صحيحًا. ولا نعلم أقدار الله تعالى في هذا الكون، ولكن حسبنا أن نؤمن ونصدق بأن لله سننًا ثابتة في هذا الكون لا تتغير: ﴿ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴾ [فاطر: 43]، فلا ينقطع الأمل في الله أبدًا، ولا تتزعزع الثقة فيه جل وعلا، ولا يجوز للمسلم أن يدب إلى نفسه القنوط واليأس: ﴿ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 87].

 

واليمن كما قلنا بلد عظيم في التاريخ قديمًا وحديثًا، وله في آخر الزمان فضائل موعودة، فهو المدد، ومنه يأتي نفَس الرحمن، "إني لأجد نفَس الرحمن يأتي من قِبل اليمن"، وهو الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالخير وبالصلاح: "اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا"، فمنه المدد الذي ينصر الله به عباده ودينه وأولياءه الصالحين.

 

فانتبهوا يا أهل اليمن لوصفين مرتبطين بالفضل والمكانة، والعزة والشرف: الإيمان، والحكمة. إن لم تتحقق هاتان الصفتان في أهل اليمن فلا خير فيهم، الإيمان والحكمة؛ الإيمان القوي الصادق العميق بالله، الذي ليس فيه شرك ولا نفاق ولا غير ذلك مما يفسد الإيمان بالله سبحانه وتعالى. والعمل بمقتضياته وظهور ذلك على شخصية المؤمن، من الصلاح والاستقامة وفعل الشعائر وغير ذلك مما هو من مقتضيات الإيمان.

 

لا يجوز بحالٍ من الأحوال أن نتخذ من هذا الحديث وسيلة للفخر فنفتخر بهذا الوصف ونحن لا نحقق في أنفسنا الصفات التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "الإيمان يمان والحكمة يمانية"، والحكمة هي التصرفات التي تتم بالجوارح، والإيمان هو اليقين الراسخ في القلوب. فإذا كنت صاحب إيمان راسخ بالله سبحانه وتعالى قائمًا بمقتضياته، فيجب أن ينضاف إلى وصفك الحكمة؛ وهي التصرف الحسن، والمواقف الحسنة، والأخلاق الحسنة، والتعامل الحسن. فالحكمة سلوكيات وليست ادعاءً، ولا شعارات تطلقها أو تعرضها على الناس، فالحكمة تصرفات حكيمة، وأخلاق سليمة، وتعاملات حسنة.

 

فإذا اتصف أهل اليمن بهذين الوصفين؛ إيمان عميق بالله، وتصرفات حسنة في الواقع مع أنفسهم وغيرهم، فسوف تتحقق فضائلهم، وسيأتيهم النصر والتمكين، ويكون ما وصفهم به النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا ومستمرًّا إلى قيام الساعة.

 

أيها المؤمنون عباد الله، إننا نأمل أملًا عظيمًا أن نصدق مع الله سبحانه وتعالى في تحقيق ذلك، وإذا أردنا لهذا الأمل العظيم أن يتمثل في الواقع فالواجب علينا أمور، منها:

• العودة الصادقة إلى الله تعالى، فإن لله سبحانه وتعالى له سننًا يمنحها لمن أخذ بها، ويمنعها عمن لم يلتزم بها؛ فصلاح العقيدة وترك الظلم ورد المظالم والاستقامة على دين الله هي مفتاح النصر والتمكين وعودة الأمل إلى أهل اليمن.

 

• وحدة الصف ونبذ الخلافات؛ اليوم تمزق المجتمع تحت شعارات متعددة طائفية وحزبية وقبلية وعنصرية ووطنية وغيرها من هذه المسميات، فأصبح الناس شذر مذر لا تجمعهم كلمة ولا توحدهم قوة، قال الله تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران: 103]، فلا مكان لما يفرِّق الأجساد والقلوب عند أهل اليمن، فإن الله تعالى مدحهم لاجتماعهم.

 

• إحياء القيم الراسخة في أهل اليمن، من الإيمان والحكمة والنجدة والصبر والوفاء وغيرها من الصفات المتجذِّرة في قلوب أهل اليمن، ومعلوم عنهم أن لديهم من النخوة والنجدة والوفاء والمروءة الشيء الكثير؛ فلذلك فالعودة إليها وترسيخها في نفوس الناشئة مهم، حتى يعود لليمن مكانه بين الأمم.

 

• الاهتمام بتربية الجيل الناشئ؛ فاليوم العالم أصبح كقرية مفتوحة، تنتشر فيها أوساخ المجتمعات كلها في أسرع اللحظات، عبر التقنية ووسائل الإعلام، فإذا لم يهتم الناس بتربية أبنائهم على الإيمان والعلم والأخلاق والقيم الراسخة، فإنه سيظهر لنا جيل لا يتصف بالإيمان ولا بالحكمة، وتذهب هذه الصفات التي وصفنا بها النبي صلى الله عليه وسلم أدراج الرياح.

 

• التربية على الأخلاق الحسنة، وترك الحقد والحسد، وجمع الناس على المشتركات من الدين، وعلى المحكمات من الإسلام. فهناك اليوم من يمزق النسيج الاجتماعي بنشر الأشياء المختلف حولها وهي قليلة جدًّا، ويترك نشر الثوابت العظيمة التي متفق عليها، ومن هنا يدخل الشيطان وينزغ بينهم.

 

• حسن الظن بالله، فإن من أحسن الظن بالله منحه الله مراده، وإننا والله نحسن الظن بربنا؛ كما قال سبحانه في الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء"، إننا نظن بالله ظنًّا حسنًا أنه لن يترك اليمن على هذا الحالة لن تطول هذه السنوات العجاف التي شعر فيها الناس بالفقر والحاجة والاختلاف، وسفكت فيها الدماء، وتمزَّقت فيه الأجساد والأرواح، إننا نحسن الظن بالله تعالى أنه سيرفع الآلام ويحقق الآمال العظيمة، ويعود الخير والصلاح إلى الناس أجمعين.

 

• أخيرًا الدعاء؛ فالدعاء سلاح لا يخيب، قد يقول القائل: ماذا نفعل وليس بأيدينا شيء لإصلاح الأحوال؟ نعم ليس بيدك قوة حسية، لكن بيدك قوة معنوية؛ وهي الدعاء، والالتجاء إلى الله، هل تعلمون إن عروش بعض الجبابرة سقطت بسبب دعوة مظلوم؟ وهل تعلمون أن كثيرًا من المجرمين انتهت قوتهم بسبب دعوة إنسان ظلموه؟ قال الله تعالى في دعوة المظلوم: "وعزتي وجلالي لأنصرنَّك ولو بعد حين". ندعو الله أن يرفع الغمة، وأن يصلح الأمة، وأن يذهب بالظلمة والمجرمين، وأن يبدلنا خيرًا منهم.

 

اللهم يا كريم يا ودود يا عظيم، ارفع البلاء عن عبادك المؤمنين، اللهم إن ببلد الإيمان والحكمة من اللَّأْواء والضر والفقر والاختلاف ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم لا تنزع عنا نور الإيمان، ولا تحرمنا بركة الحكمة التي وصفنا بها نبيُّك محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم ألِّف بين قلوبنا، اللهم وفقنا لما تحب وترضى، اللهم اجعل لليمن وأهله من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، يا رب العالمين. اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان.

 

عباد الله، صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه، ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]، اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • يا حكماء اليمن
  • اليمن بعد الوفاق
  • حراء: تشرق في اليمن السعيد

مختارات من الشبكة

  • نعمة الإسلام وإسلام أهل اليمن (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • نملة قرصت نبيا (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • الذكر.. حين يضيق الصدر ويتسع الأمل (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فكأنما وتر أهله وماله (خطبة) - باللغة النيبالية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • إطلالة على مشارف السبع المثاني (4) {مالك يوم الدين} (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • املأ قلبك بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم تكن رفيقه في الجنة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فكأنما وتر أهله وماله (خطبة) - باللغة البنغالية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فكأنما وتر أهله وماله (خطبة) - باللغة الإندونيسية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الأمل والعمل بين اليقين والزهد (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • اختتام الدورة الثالثة عشرة لمسابقة التربية الإسلامية في فيليكو تشاينو
  • مسجد "توجاي" يرى النور بعد اكتمال أعمال بنائه في يوتازين
  • وضع حجر أساس مسجد جديد في غاليتشيتشي
  • تعديلات جديدة تمهد للموافقة على بناء مركز إسلامي في ستوفيل
  • ندوة شاملة لإعداد حجاج ألبانيا تجمع بين التنظيم والتأهيل
  • اختتام الدورة السابعة عشرة من "مدرسة اليوم الواحد" لتعليم أصول الإسلام في تتارستان
  • الذكاء الاصطناعي وتعليم اللغة العربية محور نقاش أكاديمي في قازان
  • استعدادا لموسم الحج... محاضرات تأهيلية للحجاج في موسكو

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 21/11/1447هـ - الساعة: 0:7
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب