• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مواقع المشرفين   مواقع المشايخ والعلماء  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    شدة الحر .. وشهر صفر (خطبة)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    الفكر الموسوعي (1)
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    سلسلة المجالس العائلية (1) (يوم تقلب وجوههم في ...
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    اللسان
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    قراءات اقتصادية (85) التقشف تاريخ فكرة خطرة
    د. زيد بن محمد الرماني
  •  
    التحذير من فتنة الابتداع (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    يا رسول الله من أبر؟
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    خطبة عزة المؤمن في مظهره
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    شرك الأولياء في الربوبية (خطبة)
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    حديث: يا رسول الله عندي دينار؟ قال: أنفقه على
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    الفكر اليهودي (2)
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم (الدرس ...
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    بيان المعاني التي تطلق عليها السنة
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    الابتلاء بالمصائب والنعم (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    الفكر اليهودي (1)
    أ. د. علي بن إبراهيم النملة
  •  
    الابتلاء بالتكاليف الشرعية (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
شبكة الألوكة / المواقع الشخصية / مواقع المشايخ والعلماء / الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل / خطب منبرية
علامة باركود

{وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه}

{وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه}
الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 24/6/2026 ميلادي - 10/1/1448 هجري

الزيارات: 10827

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

﴿ وَإِذَا سَمِعُوا ‌اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ ﴾

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ السَّمِيعِ الْبَصِيرِ، اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ؛ أَمَرَ بِحِفْظِ الْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ وَاللِّسَانِ، وَنَهَى عِبَادَهُ عَنِ الْقِيلِ وَالْقَالِ وَلَغْوِ الْكَلَامِ، نَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا وَاجْتَبَانَا، وَنَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَعْطَانَا وَأَوْلَانَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ يَعْلَمُ خَفَايَا الْقُلُوبِ وَمَا تُكِنُّهُ الصُّدُورُ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ فِي كِتَابٍ مَحْفُوظٍ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ كَانَ لِنِعَمِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ شَكُورًا، وَعَلَى أَذَى قَوْمِهِ صَبُورًا، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَرَاقِبُوهُ فَلَا تَعْصُوهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ مَبْعُوثُونَ، وَعَلَى أَعْمَالِكُمْ مُحَاسَبُونَ وَمُجْزِيُّونَ؛ فَإِمَّا أَعْمَالٌ تَسُرُّ أَصْحَابَهَا فَيَفُوزُونَ، وَإِمَّا أَعْمَالٌ تَسُوؤُهُمْ فَيَخْسَرُونَ؛ ﴿ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ * وَحُصِّلَ مَا فِي ‌الصُّدُورِ * إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾ [الْعَادِيَاتِ: 9-11].

 

أَيُّهَا النَّاسُ: مِنْ أَكْثَرِ مَا يَشْغَلُ الْإِنْسَانَ عَنْ مَصَالِحِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ؛ اشْتِغَالُهُ بِاللَّغْوِ تَكَلُّمًا وَسَمَاعًا وَعَمَلًا، وَإِذَا شُغِلَ اللِّسَانُ بِاللَّغْوِ عُطِّلَ عَنِ الذِّكْرِ، وَإِذَا شُغِلَ السَّمْعُ بِاللَّغْوِ عُطِّلَ عَنْ سَمَاعِ مَا يَنْفَعُهُ، وَإِذَا شُغِلَتِ الْجَوَارِحُ بِاللَّغْوِ تَثَاقَلَتْ عَنِ الطَّاعَاتِ، وَعَنْ مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَاللَّغْوُ هُوَ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَمِنْ لَغْوِ الْأَقْوَالِ: مَا يَدُورُ فِي مَجَالِسِ النَّاسِ مِنْ كَلَامٍ لَا فَائِدَةَ مِنْهُ، وَأَخْبَارٍ وَقَصَصٍ وَطَرَائِفَ وَنُكَتٍ وَنَحْوِهَا، وَلَرُبَّمَا تَجَاوَزَتِ اللَّغْوَ إِلَى الْمُحَرَّمِ إِذَا تَضَمَّنَتْ كَذِبًا أَوْ غِيبَةً أَوْ نَمِيمَةً أَوْ هَمْزًا وَلَمْزًا، أَوْ جِدَالًا وَخُصُومَةً فِيمَا لَا فَائِدَةَ مِنْهُ؛ كَالْجِدَالِ فِي أُمُورٍ سِيَاسِيَّةٍ أَوِ اقْتِصَادِيَّةٍ أَوِ اجْتِمَاعِيَّةٍ، وَمِنْهَا الْجِدَالُ فِي الْمُسَابَقَاتِ الرِّيَاضِيَّةِ وَنَحْوِهَا؛ فَإِنَّهَا تُفْضِي إِلَى الْغَضَبِ وَالْخُصُومَةِ فِي الْغَالِبِ، وَتَمْلَأُ الْقُلُوبَ بِالْإِحَنِ وَالضَّغَائِنِ، وَرُبَّمَا صَحِبَهَا تَرَاشُقٌ بِالسِّبَابِ وَالشَّتَائِمِ، وَعَلَيْهَا يَدُورُ الْوَلَاءُ وَالْبَرَاءُ، وَالْمَحَبَّةُ وَالْبَغْضَاءُ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِمَّا يَقْدَحُ فِي إِيمَانِ الْعَبْدِ، وَيُقَسِّي قَلْبَهُ، وَيَصْرِفُهُ عَمَّا يَنْفَعُهُ، وَكَانَ بِدَايَةُ ذَلِكَ الِاسْتِسْلَامَ لِلَّغْوِ.

 

وَكُلُّ لَغْوٍ فِي شَأْنٍ مِنَ الشُّئُونِ يُفْضِي فِي النِّهَايَةِ إِلَى مُحَرَّمَاتٍ لَمْ يَحْسِبِ الْعَبْدُ لَهَا حِسَابًا، وَلَغْوُ الْأَفْعَالِ هُوَ كُلُّ فِعْلٍ لَا يَنْفَعُ الْعَبْدَ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَأَكْثَرُ اللَّهْوِ مِنَ اللَّغْوِ، بَلْ يَتَجَاوَزُ اللَّغْوَ إِلَى الْمُحَرَّمِ، أَوْ يُفْضِي بِهِ إِلَى مَحَرَّمٍ، وَلَوْ أَحْصَى الْعَبْدُ فِي يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ أَقْوَالَهُ وَأَفْعَالَهُ؛ لَوَجَدَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْهَا مِنَ اللَّغْوِ، وَهَذَا مِنَ الْخُسْرَانِ الْمُبِينِ، وَمِنْ تَضْيِيعِ الْأَعْمَارِ فِي غَيْرِ مَا فَائِدَةٍ. وَقَدِ امْتَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُعْرِضِينَ عَنِ اللَّغْوِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا ‌اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ﴾ [الْقَصَصِ: 55]، وَجَعَلَ الْإِعْرَاضَ عَنِ اللَّغْوِ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْخَاشِعِينَ الْمُفْلِحِينَ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ ‌اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: 1-4]؛ فَجَعَلَ الْإِعْرَاضَ عَنِ اللَّغْوِ بَيْنَ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَهُمَا رُكْنَانِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا يَشِي بِأَنَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِاللَّغْوِ لَهَى عَنْ صَلَاتِهِ وَلَمْ يَخْشَعْ فِيهَا؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ الْمَشْغُولَ بِاللَّغْوِ وَاللَّهْوِ تَعْتَرِيهِ قَسْوَةٌ تُضْعِفُ الْخُشُوعَ فِيهِ؛ فَكَانَ مِنْ مُسْتَلْزَمَاتِ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ الْإِعْرَاضُ عَنِ اللَّغْوِ قَوْلًا وَفِعْلًا، تَكَلُّمًا وَسَمَاعًا، فَيَجْتَنِبُ مَجَالِسَ اللَّغْوِ، وَيُعْرِضُ عَنِ اللَّاغِينَ، وَلَوْ صَادَفَهُمْ مَرَّ بِهِمْ مُرُورَ الْكِرَامِ؛ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ: ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ [الْفُرْقَانِ: 72]؛ «إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ حُضُورَهُ وَلَا سَمَاعَهُ، وَلَكِنْ عِنْدَ الْمُصَادَفَةِ الَّتِي مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ يُكْرِمُونَ أَنْفُسَهُمْ عَنْهُ»؛ «فَكَأَنَّ الْمَعْنَى: لَا تَدْخُلْ مَعَ اللِّئَامِ مَجَالَ اللَّغْوِ وَالْكَلَامِ الْبَاطِلِ الَّذِي يُصَادِمُ الْحَقَّ لِيَصْرِفَ النَّاسَ عَنْهُ».

 

وَحِيلَةُ أَهْلِ الْبَاطِلِ مَعَ أَهْلِ الْحَقِّ اسْتِخْدَامُ اللَّغْوِ فِي مُحَاوَلَةِ طَمْسِ الْحَقِّ، وَإِشْغَالِ النَّاسِ عَنْهُ بِالْمُهَاتَرَاتِ اللَّفْظِيَّةِ، وَالْمُجَادَلَاتِ الْكَلَامِيَّةِ؛ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ ‌وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾ [فُصِّلَتْ: 26]، فَهُمْ لَا يَغْلِبُونَ أَهْلَ الْحَقِّ إِلَّا بِاللَّغْوِ، وَهُوَ مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَعْتَرِضُونَ عَلَى شَرِيعَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ إِذْ يُجَادِلُونَ بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ، وَيُشَوِّشُونَ عَلَى مُسْتَمِعِيهِمْ بِاللَّغْوِ لِيَصْرِفُوهُمْ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ، وَيَتَّكِئُونَ عَلَى الْأَقْوَالِ الشَّاذَّةِ وَالْمَرْجُوحَةِ؛ لِيَضْرِبُوا بِهَا مُحْكَمَاتِ النُّصُوصِ؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 7]، وَاللَّغْوُ أَمْضَى أَسْلِحَتِهِمْ عَلَى الْجُهَّالِ وَالدَّهْمَاءِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَمِّ اللَّغْوِ إِلَّا أَنَّهُ سِلَاحُ أَهْلِ الْبَاطِلِ لِدَحْضِ الْحَقِّ؛ لَكَانَ كَافِيًا فِي التَّنْفِيرِ مِنْهُ، وَتَنَزُّهِ الْمُؤْمِنِ عَنْهُ، فَكَيْفَ وَهُوَ يُؤَثِّرُ فِي قُلُوبِ أَصْحَابِهِ فَيُكْسِبُهَا الْقَسْوَةَ، وَيُغَطِّيهَا بِالرَّانِ، وَذَلِكَ مِنَ الْخَطَرِ الْعَظِيمِ عَلَى قَلْبِ الْعَبْدِ؛ ﴿ كَلَّا ‌بَلْ ‌رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الْمُطَفِّفِينَ: 14].

 

وَذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الشُّعَرَاءَ فِي الْقُرْآنِ لِكَثْرَةِ لَغْوِهِمْ فِي أَشْعَارِهِمْ: ﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴾ [الشُّعَرَاءِ: 224-225]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «فِي كُلِّ ‌لَغْوٍ ‌يَخُوضُونَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

 

وَلِأَنَّ الْأَسْوَاقَ يَكْثُرُ فِيهَا اللَّغْوُ كَانَتْ شَرَّ الْبِقَاعِ، كَمَا كَانَتِ الْمَسَاجِدُ خَيْرَ الْبِقَاعِ؛ لِأَنَّهَا مَوْطِنُ الذِّكْرِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ ‌أَسْوَاقُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَوْصَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الْأَسْوَاقِ بِالصَّدَقَةِ لِمَحْوِ أَثَرِ اللَّغْوِ وَالْحَلِفِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذِهِ السُّوقَ ‌يُخَالِطُهَا ‌اللَّغْوُ وَحَلِفٌ، فَشُوبُوهَا بِصَدَقَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ.

 

وَمِنْ صِفَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي عُرِفَتْ عَنْهُ اجْتِنَابُهُ لِلَّغْوِ؛ كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ الذِّكْرَ، ‌وَيُقِلُّ ‌اللَّغْوَ...» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسْوَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَيَنْبَغِي التَّأَسِّي بِهِ فِي الْإِعْرَاضِ عَنِ اللَّغْوِ سَمَاعًا وَحَدِيثًا، وَمُفَارَقَةِ مَجَالِسِ اللَّغْوِ؛ حِفَاظًا عَلَى الْقَلْبِ مِنَ الْقَسْوَةِ، وَعَلَى الْحَسَنَاتِ مِنَ الْإِهْدَارِ وَالتَّضْيِيعِ.

 

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 281].

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لِلَّغْوِ أَثَرٌ فِي الْعِبَادَاتِ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى خُطُورَتِهِ، فَرُبَّمَا أَذْهَبَ أَجْرَهَا كُلَّهُ، أَوْ أَنْقَصَهُ، وَكَمْ يُغْبَنُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَجِدُ اللَّغْوَ قَدْ أَفْسَدَ عَمَلَهُ الَّذِي دَاخَلَهُ أَوْ أَنْقَصَ أَجْرَهُ، أَوْ قَادَهُ اللَّغْوُ إِلَى مُحَرَّمِ الْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ فَاكْتَسَبَ بِهِ أَوْزَارًا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.

 

وَفِي حُضُورِ الْجُمُعَةِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ؛ فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ؛ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى ‌فَقَدْ ‌لَغَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ، وَغَدَا وَابْتَكَرَ، فَدَنَا وَأَنْصَتَ ‌وَلَمْ ‌يَلْغُ؛ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ كَأَجْرِ سَنَةٍ: صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَمَسَّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ إِنْ كَانَ لَهَا، وَلَبِسَ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ، وَلَمْ يَلْغُ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ، كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا، ‌وَمَنْ ‌لَغَا ‌وَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ ظُهْرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

 

وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ عَرَفَ كَيْفَ أَنَّ اللَّغْوَ قَدْ يُذْهِبُ أَجْرَ الطَّاعَاتِ أَوْ يُنْقِصُهَا، وَمِنْ حِكَمِ فَرْضِ زَكَاةِ الْفِطْرِ تَطْهِيرُ صِيَامِ الصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ؛ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَثَرِ اللَّغْوِ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَإِنْقَاصِ أَجْرِهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ ‌طُهْرَةً ‌لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ...» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

 

وَمِنْ شَرَفِ تَرْكِ اللَّغْوِ التَّشَبُّهُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ؛ فَإِنَّ الْجَنَّةَ مُنَزَّهَةٌ عَنِ اللَّغْوِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا ﴾ [مَرْيَمَ: 62]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الْوَاقِعَةِ: 25-26]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾ [النَّبَأِ: 35]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَا تَسْمَعُ فِيهَا ‌لَاغِيَةً ﴾ [الْغَاشِيَةِ: 10-11]؛ فَمَنْ أَعْرَضَ عَنِ اللَّغْوِ عَاشَ جَنَّةَ الدُّنْيَا قَبْلَ جَنَّةِ الْآخِرَةِ، وَفِي ذَلِكَ رَاحَةُ الْقَلْبِ وَطُمَأْنِينَتُهُ وَسَعَادَتُهُ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • تفسير: ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم )

مختارات من الشبكة

  • تفسير: (ان تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم...)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تفسير قوله تعالى: (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من صفات عباد الرحمن {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} ، {وإذا مروا باللغو مروا كراما}(مقالة - موقع أ. د. فؤاد محمد موسى)
  • رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى (بطاقة)(مقالة - مكتبة الألوكة)
  • رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى(مقالة - مكتبة الألوكة)
  • تفسير: (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مكارم أخلاق صلى الله عليه وسلم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • كلمات في الإخلاص(مقالة - حضارة الكلمة)
  • وقفة مع قول الله تعالى: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون}(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من دروس تحويل القبلة.. سمعنا وأطعنا(محاضرة - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • صلاة الاستسقاء تجمع مساجد بريطانيا لمواجهة الجفاف
  • شباب البوسنة المسلمون يوظفون الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية لخدمة المجتمع
  • افتتاح مسجد جديد في نيامي بتبرعات الجالية المسلمة في بلغاريا
  • مسلمون يقيمون مبادرة خيرية لتوزيع الحقائب والمستلزمات المدرسية في شيكاغو
  • "علماء الدين المسلمون: جيل جديد": برنامج علمي يجمع مشاركين من 17 منطقة روسية
  • أكثر من 100 شخص يتعرفون على الإسلام خلال يوم المسجد المفتوح في ميلفيل
  • اختتام منافسات قرآنية متميزة في بنغلاديش بمشاركة 3000 متسابق
  • أكثر من 400 طالب يشاركون في مسابقة المعلومات الإسلامية بأستراليا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 4/3/1448هـ - الساعة: 15:44
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب