• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    في خيرية القرآن الكريم
    نايف عبوش
  •  
    خطبة عيد الفطر لعام 1443 هـ
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    خطبة العيد 1432هـ
    د. غازي بن طامي بن حماد الحكمي
  •  
    مشروعية الأعياد في الإسلام
    أ. د. السيد أحمد سحلول
  •  
    قيمة الدين الإسلامي في حياتنا اليومية
    بدر شاشا
  •  
    يوم الفرقان، غزوة بدر الكبرى (خطبة)
    أبو سلمان راجح الحنق
  •  
    خطبة عيد الفطر لعام 1447هـ
    أحمد بن عبدالله الحزيمي
  •  
    تفسير قوله تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم ...
    د. عبدالفتاح بن صالح الرصابي القعطبي
  •  
    خطبة عيد الفطر: إصلاح الضمائر والنيات
    حسان أحمد العماري
  •  
    خطبة عيد الفطر المبارك (الله أكبر على نعمة ...
    السيد مراد سلامة
  •  
    العاجز عن الصيام عجزا مستمرا لا يرجى زواله
    أ. د. عبدالله بن محمد الطيار
  •  
    الخطبة الأولى بعد رمضان
    أحمد بن عبدالله الحزيمي
  •  
    قبل أن يرحل رمضان (خطبة)
    ساير بن هليل المسباح
  •  
    الصلاة التي لا تغير الإنسان
    بدر شاشا
  •  
    خطبة عيد الفطر لعام 1442 هـ
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    خطبة عيد الفطر
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / خطب المناسبات
علامة باركود

خطبة العيد 1432هـ

خطبة العيد 1432هـ
د. غازي بن طامي بن حماد الحكمي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 17/3/2026 ميلادي - 28/9/1447 هجري

الزيارات: 313

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة العيد 1432هـ


الخطبة الأولى

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.


الحمدُ لله العزِيزِ الحميدِ، وليِّ الإحسانِ المديد، أشكرُه سبحانَهُ شكرًا يستنزِلُ من أنعُمِه المزيدَ، وأحمدُهُ أن ختَم شهرَ الصيامِ والقيامِ بغُرّة العيدِ، فالعِبادُ فيهِ ما بَين محرومٍ وسَعيدٍ،﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: 37]،وأشهد أن لا إلهَ إلا الله وحدَه، لا شريكَ له شَهادةً نرجو بها الفلاحَ في الدنيا ويوم الوَعيد، وأشهد أنَّ نبيَّنا محمَّدًا عبدُ الله ورسوله ذو الشمائِل الجمَّة والفضلِ العديد، صلى الله عليه وعلَى آلِه وصحبِه الهُداةِ إلى الطريقِ الرشيدِ، وعلى من تَبِعهم بإحسانٍ من خيارِ العبيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا لا ينقضي ولا يبِيد.

 

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. الله أكبرُ كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحانَ الله بكرةً وأصيلًا، أمَّا بعد:

فأوصيكم- أيها الناس- ونفسي بتقوَى اللهِ، فاتقوا اللهَ- رحمَكُمُ الله- وتأمَّلوا في الأحوالِ، وانظروا في العواقِبِ، فالسعيدُ من لازَم الطاعةَ، وجدَّ في المحاسبةِ، ورفعَ أكُفَّ الضراعةِ، والعاجِزُ مَن ركِبَ سفينةَ التسويفِ والتفريطِ، والإضاعةِ، فألزموا التقوَى والعملَ الصالح، ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ﴾ [البقرة: 235].

 

أيُّها المسلمون، تقبَّل اللهُ طاعتَكُم وصالحَ أعمالِكُم، وقَبِلَ صيامَكُم وقيامَكُم وصدقاتكُم ودعاءَكُم، وضاعفَ حسناتِكُم، وجعل عيدَكُم مباركًا وأيَّامَكُم أيامَ سعادةٍ وهناءٍ وفضلٍ وإحسانٍ وعملٍ. العيدُ المباركُ لمن عمَّر الله قلبَه بالهدى والتُّقى، في خُلُقٍ كريمٍ وقلبٍ سليمٍ، غنيٌّ محسنٌ وفقيرٌ قانِع ومُبْتلًى صابِر، تعرِفهم بسيماهُم، رجالٌ صدَقوا ما عاهَدوا اللهَ عليه.

 

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

عبادَ الله، إنَّ أعظمَ نعمةٍ منَّ الله بها على عباده المؤمنين هدايتهم للإسلام، فتلك أعظمُ النِّعمِ والمِنن، ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [آل عمران: 164] وقال تعالى: ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [الحجرات: 17].

 

أيُّها المسلم، كلما تذكَّرتَ هذه النعمةَ فارفع إلى الله الثناءَ والحمدَ والشكرَ عليها، ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ﴾ [الزمر: 22].

 

إنَّ الحياةَ الطيِّبةَ لا تكونُ طيبةً إلا بشرع اللهِ القويم، فهو الذي يصيِّرُ الحياةَ حياةً طيبةً، حياةَ هناءٍ وسعادَة في الدُّنيا والآخرَةِ ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97].

 

إنَّ المعاصيَ والذنوب سببٌ رئيس للخوفِ والقلَق والمصائِب والفِتنِ، قال الله تعالى محذِّرًا مِن مخالفةِ رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63]، ولمَّا أمرَ اللهُ تعالى بطاعتِهِ وطاعةِ رسولِهِ في قوله سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ﴾ [الأنفال: 20]، قال فيما بعد: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾ [الأنفال: 25]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (أمَر اللهُ المؤمنين ألَّا يُقِرُّوا المنكرَ بين أظهرهم، فيعمّهم العذاب).

 

ثمَّ بعدها امتنَّ الله على المؤمنينَ بتذكِيرِهِم بأنَّ مخالفةَ أمرِ اللهِ ورسولِهِ مُؤذِنةٌ بالفتنِ والخوفِ وانعِدامِ الأمنِ ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ﴾ [الأنفال: 26].

 

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

عباد الله، من اجتهدَ في رمضانَ وحافظَ على صيامِهِ وقيامِهِ وسائرِ فعلِ الصالحاتِ، فليبشر برحمةِ اللهِ وفضلِهِ كما وعدكُم بذلك وعلى لسانِ رسولِهِ، ومن قصَّرَ في طاعتِهِ، واقترفَ الموبقاتِ، فليبشر برحمةِ اللهِ وفضلِهِ كذلك، فها هو يناديكم بقوله: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53]، واعلم أن اللهَ تعالى يقول: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الشورى: 25]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا))؛ أخرجه مسلم من حديث أَبِي مُوسَى رضي الله عنه.

 

يا مَنْ عَدَى ثم اعتدَى ثم اقترَف ثم انتَهى ثم ارعـوى ثم اعترَف، أبشِـر بقـولِ اللهِ في كتـابِهِ: ﴿ إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ [الأنفال: 38].

 

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

أيها المسلمون، لقد كانَ من نِعَم اللهِ العظيمةِ، وآلائهِ الجميلةِ، نعمةُ الأخوَّة في الدين، تلك الأخوَّة التي أخبرَ عنها سبحانه بقوله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: 10]، وجعلها رابطةً أساسُها العقيدةُ، وعمادُها الإيمانُ؛ إذِ الإيمانُ قوَّةٌ جاذبةٌ تبعثُ على أهلها التقارُب والتعاطُف والتوادّ، ولا تنافُرَ بين قلوب اجتمعت على إيمانٍ بالله، وعمَّرها حبٌّ شديدٌ للهِ ولرسولِ الله صلى الله عليه وسلم. إنَّه التآلف الذي أشار إليه المولى بقوله: ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [الأنفال: 63]، والذي صوَّر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم واقعَهُ في هذا المثلِ النبويِّ المشرق، فقال: ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى))؛ أخرجه مسلمٌ في الصحيحِ من حديثِ النعمانِ بن بشيرٍ رضي الله عنهما.

 

قالَ بعضُ أهلِ العِلم تعليقًا على قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [الأنفال: 46] الآية، قال: "إنَّ الله يبغِّضُ إلَينا التفرُّقَ والاختلافَ؛ لأنَّه أوَّلُ الوَهَنِ، وَبابُ الفَشَل والضَّياع، والفاشِلُ لا وَزْنَ له في هَذِه الدنيا، ولا مكانةَ له في الآخرة، بل إنَّه سُبحانَهُ يحذِّرنا من السَّيرِ على نهجِ المتفرِّقين أوِ الاقتداءِ بهم؛ لأنَّه أعدَّ لهم أسوأَ العقابِ عندَه جَزاءَ تفرُّقِهِم، فقال سبحانه: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 105].

 

فإذا مَضَينا في طَريقِ الفُرقةِ وتقطَّعنا فِرَقًا وأَحزابًا وتمزَّقنا رُؤوسًا وأذنابًا، فَإنَّ أوَّل ما فَرضَه ربُّنا علينا هو براءَةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم منَّا، وانفِصالُه عنَّا؛ لأنَّ الأمةَ التي دعا إليها وأرادَها لحملِ دعوتِه لا تعرِفُ الفرقةَ، إنما هِي أمَّةٌ واحدةٌ؛ ربُّها واحِد، وكتابُها واحدٌ، وصفُّها واحِد، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [الأنعام: 159].

 

ومن أضرارِ التنازعِ والشقاقِ ما روى أحمدُ في مسندِهِ وغيرُه عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ أَو السَّابِعَةِ أَو الْخَامِسَة))؛ صححه الألباني.

 

أيها المسلمون، لقد أرسلَ اللهُ تعالى نبيَّهُ محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين؛ ليجمعَ على الإيمانِ قلوبَ المؤمنين، ويُزيلَ من قلوبِهِم كل أسبابِ الشحناء، ويُطهِّرَ نفوسَهُم من كل أسبابِ البغضاء، ليكونوا إخوانًا متحابِّين، فإذا وُجِد بين بعضِهِم خصومة وشحناء ونزاع وبغضاء، أُمِروا أن يتقوا الله، وأن يُصلِحوا ذات بينِهم، وعلى المسلمين أن يسعوا في الإصلاحِ ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

 

وقد كتبَ عمرُ بن الخطابِ رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: ((رُد الخصومَ حتى يصطلحوا، فإن فصْلَ القضاءِ يورثُ بينهُم الضغائنَ)).

 

وقد قال تعالى: ﴿ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ [الأنفال: 1]؛ أي: أصلحوا ما بينكم من أحوالِ الشقاقِ والافتراقِ حتى تكونَ أحوال أُلْفةٍ ومحبةٍ واتفاقٍ، ليكونَ المسلمانِ المتشاحنانِ متعرضينَ لمغفرةِ اللهِ والجنةِ.

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَيُغْفَر لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا))، وفي رواية: ((تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا؛ إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا))؛ أخرجه مسلم.

 

أيها المسلمون، لقد اهتمَّ الإسلامُ بإصلاحِ ذاتِ البَيْنِ حفاظًا على وحدةِ المسلمين، وسلامةِ قلوبِهِم، وإن الإصلاحَ يُعتبَرُ من أعظمِ وأجلِّ الطاعاتِ، وأفضلِ الصدقاتِ، فالمصلحُ بين الناسِ له أجرٌ عظيمٌ، وثوابٌ كريمٌ، إذا كان يبتغي بذلكَ مرضاةَ اللهِ تعالى، فأجرُهُ يفوقُ ما ينالُهُ الصائمُ القائمُ، المشتغِلُ بخاصةِ نفسِه، عن أبي الدرداءِ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ((إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ))؛ رواه أبو داود وصحَّحه الألباني.

 

ومعنى الحالقة؛ أي: تحلقُ الدين.

 

وتفكروا في قولِ الحق تبارك وتعالى: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [القصص: 83].

 

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

عباد الله، إن مِن النِّعَمِ العظيمةِ على هذا الإنسانِ نعمةَ اللسانِ والبيانِ، فبهَا يُعبِّرُ الإنسانُ عن كل ما يُريدُ، وبهذه النعمةِ يتميزُ الإنسانُ على سائر المخلوقات.

 

قال تعالى ممتنًّا على هذا الإنسانِ، ﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ [الرحمن: 1 - 4]، وقال سبحانه: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾ [البلد: 8 - 10].

 

والكَلِمَةُ خفيفةٌ على اللسانِ، سهلةُ الجريانِ، لها مكانَتُها وقيمتُهَا في نظرِ الشارعِ الحكيم، وعندِ العلماءِ والعقلاء.

 

فالعبدُ يُكْتَبُ عليهِ كل ما يتكلمُ بِهِ، قال تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18].

 

والمؤمنُ مأمورٌ بأن يكونَ كلامُهُ مستقيمًا لا اعوجاجَ فيهِ ولا انحرافَ، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71].

ولا تَفوهَ بكِلْمَةٍ حتى ترَى
موضِعَهَا مُستحسِنًا محررًا
فرُبما عَثرتْ ذي المَقَال
تَجُرُّ شرًّا لم يكن بالبَال

 

وألا يُحدِّثَ المسلمُ بكل ما سَمِع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ))؛ أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

 

كما نُهي المسلمُ أن يكونَ ثَرثَارًا أو متشدِّقًا أو متفيهِقًا، قال صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: ((الْمُتَكَبِّرُونَ))؛ رواه الترمذي من حديثِ جابرٍ رضي الله عنه وحسَّنه الألباني.

 

والثرثار: هو كثيرُ الكلامِ تكلُّفًا.

 

والمتشدِّقُ: المتطاولُ على الناسِ بكلامِه، ويتكلمُ بملء فيهِ تفاصُحًا وتعظيمًا لكلامِهِ.

 

وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36]؛ أي: ولا تتبع- أيها الإنسانُ- ما لا تعلمُ، بل تأكَّد وتثبَّت. إن الإنسانَ مسئولٌ عما استعمَل فيه سمعه وبصره وفؤاده ولسانه، فإذا استعمَلها في الخير نالَ الثوابَ، وإذا استعملها في الشرِّ نالَ العقابَ.

 

أيها المؤمنون والمؤمنات، اسمعوا لهذا الحديثِ العظيم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ))؛ متفق عليه.

 

قال ابن حجر رحمه الله تعالى: "وَهُوَ مِنْ جُمْلَة صُوَر النَّمَّام. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: إِنَّمَا كَانَ ذُو الْوَجْهَيْنِ شَرَّ النَّاس؛ لِأَنَّ حَالَهُ حَالُ الْمُنَافِقِ؛ إِذْ هُوَ مُتَمَلِّق بِالْبَاطِلِ وَبِالْكَذِبِ، مُدْخِلٌ لِلْفَسَادِ بَيْنَ النَّاس، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ الَّذِي يَأْتِي كُلَّ طَائِفَة بِمَا يُرْضِيهَا، فَيُظْهِر لَهَا أَنَّهُ مِنْهَا وَمُخَالِف لِضِدِّهَا، وَصَنِيعه نِفَاقٌ وَمَحْضُ كَذِبٍ وَخِدَاعٍ وَتَحَيُّلٍ عَلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى أَسْرَارِ الطَّائِفَتَيْنِ، وَهِيَ مُدَاهَنَةٌ مُحَرَّمَةٌ. قَالَ: فَأَمَّا مَنْ يَقْصِد بِذَلِكَ الْإِصْلَاح بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ فَهُوَ مَحْمُودٌ، وَالْمَحْمُود أَنْ يَأْتِي لِكُلِّ طَائِفَة بِكَلَامٍ فِيهِ صَلَاح الْأُخْرَى، وَيَعْتَذِر لِكُلِّ وَاحِدَة عَن الْأُخْرَى، وَيَنْقُل إِلَيْهِ مَا أَمْكَنَهُ مِن الْجَمِيل وَيَسْتُر الْقَبِيح"؛ انتهى كلامه من فتح الباري.

 

عَنْ عَمَّارٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ كَانَ لَهُ وَجْهَانِ فِي الدُّنْيَا كَانَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ))؛ رواه أبو داود وصحَّحه الألباني.

 

فكُل كلمةٍ تخرجُ من هذا اللسانِ محاسبٌ عليها الإنسانُ إن كانت خيرًا فخيرٌ، وإن كانت شرًّا فشرٌّ، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه: قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ)).

الحلمُ زينٌ والسكوتُ سلامةٌ
فإذا نطقتَ فلا تكن مِهْذَارا
ما إن ندمتُ على السكوتِ مرةً
ولقد ندمتُ على الكلامِ مرارا

 

عباد الله، إن مِنْ آدابِ اللباسِ الاهتمامَ بحسنِ الثيابِ: قال تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ [الأعراف: 32].

 

عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي ثَوْبٍ دُونٍ فَقَالَ: ((أَلَكَ مَالٌ))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((مِنْ أَيِّ الْمَالِ)) قَالَ: قَدْ آتَانِي اللَّهُ مِن الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ، قَالَ: ((فَإِذَا آتَاكَ اللَّهُ مَالًا فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ))؛ رواه أبو داود والنسائي وصحَّحه الألباني.

 

ولا يدخلُ ذلك في الكبْرِ؛ لحديث عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ))، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ))؛ أخرجه مسلم.

 

ومِنْ آداب اللباسِ للرجالِ عدمُ الإسبالِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((مَا أَسْفَلَ مِن الْكَعْبَيْنِ مِن الْإِزَارِ فَفِي النَّارِ))؛ أخرجه البخاري.

 

قال الخطابي: "يُريدُ أن الموضِعَ الذي ينالُهُ الإزارُ من أسفلِ الكعبينِ في النارِ، فكني بالثوبِ عن بدنِ لابِسِهِ، ومعناه: أن الذي دون الكعبينِ مِن القدمِ يُعذبُ عقوبةً..".

 

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ))؛ متفق عليه.

 

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا))؛ متفق عليه؛ أي: تكبُّرًا.

 

ويدخلُ في الإسبالِ تطويل أكمامِ القميصِ كما ذكرَ ذلك ابنُ القيم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن من هديهِ لِبْسُ الأكمامِ الواسعةِ الطوالِ.

 

يدل على ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُر اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))؛ رواه أبو داود والنسائي وغيرهما وصححهُ الألباني.

 

باركَ اللهُ لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقولُ ما تسمعون، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم فاستغفروه، إن ربي غفور رحيم.

 

الخطبة الثانية

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه وصفيُّهُ من خلقِهِ وخليلُهُ، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فالعيدُ أيها الأخوةُ المسلمون استمرارٌ على العهدِ، وتوثيقٌ للميثاقِ، فيا من وفَّى في رمضانَ على أحسنِ حالٍ، لا تُغير في شوال، ويا من أدركَ العيدَ، عليك بشكرِ المنعمِ والثناءِ عليه، ولا تنقُضْ غزلًا من بعد قوةٍ وعناءٍ، ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [النحل: 92].

 

العيدُ بقاءٌ على الخيرِ، وثباتٌ على الجادةِ، واستمرارٌ في الطريقِ، قال بعضُ أصحابِ سفيانَ الثوري- رحمه الله-: خرجتُ مع سفيانَ يومَ العيدِ، فقال: إن أول ما نبدأ به يومنَا هذا غضّ البصرِ.

 

وهذا حسانُ بن أبي سنانٍ رجعَ من عيدهِ فقالت له امرأتُه: كم مِن امرأةٍ حسناءَ قد رأيت؟ فقال: ما نظرتُ منذُ خرجتُ إلا في إبهامي حتى رجعت.

 

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

العيدُ فرصةٌ لتحسينِ العِلاقاتِ، وتسويةِ النِّزاعاتِ، وجَمْعِ الشملِ، ورأبِ الصدعِ، وقطعِ العداواتِ المستشريةِ، ورحمَ اللهُ من أعانَ على إعادةِ مياهِ المودةِ إلى مجاريها.

 

اجعل هديةَ العيدِ لهذا العامِ عفوًا وصفحًا وغفرانًا ﴿ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التغابن: 14]،ما أجملَ أن يكونَ العيدُ فرصةً لصلةِ المتهاجرينَ والتقاءِ المتقاطعينَ! وإن الرجلَ الكريمَ هو من يعفو عن الزلةِ، ولا يحاسبُ على الهفوةِ.

 

معاشر النساء، أجِبْنَ نداءَ الرحمنِ لَكُنَّ؛ حيثُ قال: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [الأحزاب: 33].

 

عليكِ بخدمةِ الزوج، والقيامِ معهُ بالطاعةِ ورعايةِ أولادهِ، وحفظِ مالِهِ ومتاعِهِ، فإنَّ لكِ بذلك عظيمَ الأجرِ، وجزيلَ العطاءِ، فقد قرنَها النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعباداتٍ عُظْمَى، فعن عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا صَلَّت الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ))؛ أخرجَهُ أحمدُ وغيرُه وصححهُ الألباني.

 

وعن ابن عمرَ رضي الله عنهما أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((اثْنَانِ لا تُجَاوِزُ صَلاتُهُمَا رُءُوسَهُمَا: عَبْدٌ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ، وَامْرَأَةٌ عَصَتْ زَوْجَهَا حَتَّى تَرْجِعَ))؛ أخرجه الحاكم وصحَّحه الألباني.

 

وعَنِ الْحُصَيْنِ بْنِ مِحْصَنٍ أَنَّ عَمَّةً لَهُ أَتَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي حَاجَةٍ فَفَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ))، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: ((كَيْفَ أَنْتِ لَهُ؟))، قَالَتْ: مَا آلُوهُ إِلَّا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ، قَالَ: ((فَانْظُرِي أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ؛ فَإِنَّمَا هُوَ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ))؛ رواه أحمد والنسائي وصحَّحه الألباني.

 

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.


عباد الله، تذكروا ببهجتِكُم وسرورِكُم في هذا اليومِ المباركِ، المعوزينَ والمضطهدينَ في بعضِ الأقطارِ من إخوانِكم المسلمين، الذين تعلو وجوهَهُم الكآبةُ والحزنُ، وترجُفُ قلوبَهم من الخوفِ وقلةِ الأمنِ، وبالاضطهادِ في دينِهِم وحريتِهِم وكرامتِهِم، فهذا شهيدٌ، وذاك جريحٌ، وآخر أسيرٌ، فتذكَّروا إخوانَكُم في تلكَ البقاعِ، واشكروا الله على أمنِكُم واستقرارِكُم.

 

أيها المسلمون، اعلموا أنهُ ليسَ السعيدُ من تزيَّنَ وتجملَ للعيدِ فلبسَ الجديد، ولا من خدمتُهُ الدنيا وأتَتْ على ما يُريد، لكنَّ السعيد من فازَ بتقوى الله تعالى، وكتبَ لَهُ النجاة من نارٍ حرُّها شديد، وقعرُها بعيد، وطعامُ أهلِها الزقومُ والضريعُ، وشرابُهم الحميمُ والصديدُ، وفازَ بجنةِ الخلدِ التي لا ينقُصُ نعيمُها ولا يبيد.

 

وتفكروا فيمنْ صلَى معَكُم في سنينَ خلتْ، وأيامٍ مَضَتْ، في هذا المكانِ مِن الأقاربِ والمعارفِ والخلَّانِ، كيف اخترمتهُم المنايا، وأتاهُم أمرُ اللهِ، وافاهُم الأجلُ، وساروا مع مَنْ رحَل، فإن ما نزَلَ بِهِم ملاقيكُم، وستَذوقون طعمَ الموتِ وتتجرَّعون منه البلايا، وكفى بالموتِ واعظًا، فأحسنوا العملَ، وأقصروا الأملَ، تنجوا مِنْ عذابٍ عظيمٍ، وتفوزوا بالنعيمِ المقيمِ.

 

ألا وصلوا أيها المؤمنون والمؤمنات على رسول الهدى، فقد أمركم ربكم بذلك في كتابه، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعلي.

 

وأسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبل منا الصيام والقيام وسائر الأعمال، وأن يرزقنا الإخلاص في جميع الأمور من الأقوال والأفعال والأحوال والأعمال.

 

اللهم وكما جمعت أجسادهم في هذا المكان فاجمع قلوبهم على الحق والهدى يا رب العالمين، وألِّف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم، واهدهم سبل السلام.

 

وأسأله عز وجل أن يشفي مرضانا، ويرحم موتانا، وأن يُصلحَ أحوالَنا ويربطَ على قلوبِنَا، وأن يختم بالباقياتِ الصالحاتِ أعمالَنا.

 

اللَّهمَّ اجعل يومنا هذا يومَ بركةٍ وخيرٍ، اللَّهمَّ اجعل يومنا هذا يومَ قُرْبٍ منكَ وطاعةٍ.

 

اللَّهمَّ إنَّا نسألك من خير هذا اليوم، وخير ما فيه، وخير ما بعده، نسألك فتحَهُ ونصرَهُ ونورَهُ وبركتَهُ وهداهُ، ونعوذُ بك من شرِّ ما في هذا اليوم وشرِّ ما بعدَهُ.

 

اللهم لا تصرفنا من هذا المقام المبارك إلا بذنبٍ مغفورٍ، وسعيٍ مشكور، وتجارةٍ لن تبور، برحمتك يا عزيز يا غفور.


ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وآتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الصافات: 180 - 182].

 

وصلِّ اللهم وبارك وسلِّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • خطبة العيد - ذي الحجة 1444 هـ
  • خطبة العيد 1445 هـ (سبحانه وبحمده)
  • خطبة العيد فرح وعبادة
  • خطبة العيد لعام 1446هـ
  • خطبة العيد بين التكبير والتحميد

مختارات من الشبكة

  • خطبة عيد الفطر لعام 1443 هـ(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة عيد الفطر لعام 1442 هـ(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة الاستسقاء 1447 هـ(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة المسجد الحرام 23 / 10 / 1434 هـ - حقوق الجار في الإسلام(مقالة - آفاق الشريعة)
  • صرخة التوحيد في وجه التقليد: حكم الاحتفال بأعياد الميلاد ورأس السنة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • التحذير من الاحتفال بعيد النصارى (خطبة)(مقالة - موقع الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري)
  • رمضان ونعيم الجنة (خطبة)(مقالة - ملفات خاصة)
  • يوم الفرقان، غزوة بدر الكبرى (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة عيد الفطر لعام 1447هـ(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة عيد الفطر: إصلاح الضمائر والنيات(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • إفطار رمضاني يعزز ارتباط الشباب بالمسجد في ألكازار دي سان خوان
  • مسلمون جدد يجتمعون في إفطار رمضاني جنوب سيدني
  • مسابقة رمضانية في يايسي لتعريف الطلاب بسيرة النبي محمد
  • سلسلة محاضرات رمضان "المعرفة - منفعة عامة" تواصل فعالياتها في تيشان
  • طلاب القرم يتعلمون قيم الرحمة عبر حملة خيرية تعليمية
  • تعرف على مسجد فخر المسلمين في شالي أكبر مسجد في أوروبا
  • مسلمو تايلر يفتحون أبواب مسجدهم لتعريف الناس بالإسلام في رمضان
  • مبادرة رمضانية لمسلمين تقدم علاجا وغذاء مجانيا في سان خوسيه

  • بنر
  • بنر
  • بنر
  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 27/9/1447هـ - الساعة: 14:55
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب