• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    خطبة: فضل العلم والعلماء
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    ضع بينك وبين النار مطوع
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    علو الله على خلقه
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    كفارات الذنوب.. أبواب الرحمة المفتوحة
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    فوائد من كتاب شرح السنة للإمام البغوي: كتاب العلم
    فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ
  •  
    طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: منزلة الهمة ...
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    صل صلاة مودع
    محمد محمد زهران
  •  
    شعبان يا أهل الإيمان (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    سلسلة هدايات القرآن (14) هدايات سورة الفاتحة: من ...
    حمادة إسماعيل فودة
  •  
    خطبة (حصائد اللسان)
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    الفرع الثاني: أحكام قطع النية والتردد والشك فيها: ...
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
  •  
    الغافلون عن الموت (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    إطلالة على مشارف السبع المثاني (4) {مالك يوم ...
    وضاح سيف الجبزي
  •  
    تحريم القول بأن القرآن أساطير الأولين
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    ثبات الأمن (خطبة)
    سعد محسن الشمري
  •  
    على حافة الفجر
    تهاني سليمان
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / خطب المناسبات
علامة باركود

شعبان يا أهل الإيمان (خطبة)

شعبان يا أهل الإيمان (خطبة)
د. عبد الرقيب الراشدي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 10/2/2026 ميلادي - 23/8/1447 هجري

الزيارات: 142

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

شعبان يا أهل الإيمان

 

الخطبة الأولـى

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعين به، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في سلطانه، ولا مناوئ له في علو شأنه، العظيم الذي تصاغر لعظمته العظماء من أهل الأرضين والسماء، فكل عزيز تحت عزه ذليل، وكل غني تحت غناه فقير.

هو الملك الذي عنت الوجوه له
وذلت عنده الأرباب
متفرد بالملك والسلطان قد
خسر الذين تجاذبوه وخابوا
دعهم وزعم الخلد يوم غرورهم
فسيعلمون غدًا من الكذاب

 

وأشهد أن نبينا وعظيمنا ومخرجنا من الظلمات إلى النور بإذن ربه محمد رسول الله، أشهد بأنه أدَّى الرسالة، وبلَّغ الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة. تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ولا يتمسَّك بها إلا كل منيب سالك، فصلوات ربي وتسليماته عليه، وعلى آله وأصحابه وأزواجه، ومن دعا بدعوته وسار على طريقته، واستَنَّ بسُنَّته إلى يوم الدين.

 

أيها المؤمنون، اعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبدالله، شر الأمور محدثاتها، كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، عياذًا بالله من ذلك.

 

أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ وصية الله للأولين والآخرين، ووصيته للناس أجمعين إلى يوم الدين، فقد قال عز من قائل ولم يزل قائلًا عليمًا، وآمرًا حكيمًا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أما بعد:

أيها المؤمنون، روى الإمام البخاري في صحيحة عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: لو أن لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقول: أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم ألا تشرك بي شيئًا فأبيت إلا أن تشرك بي))، ففي هذا الحديث القدسي العظيم يبين فيه النبي صلى الله عليه وسلم، حال عبد شقي كان مصيرة في الآخرة نار جهنم؛ لأنه ما عبد الله الذي خلقه وأوجده في هذه الحياة الدنيا، وما عمل أعمالًا صالحة في دنياه تؤهله للقاء الله في اليوم الآخر، فيتمنى لو أن له الدنيا بأسرها، فإنه سيفتدي بها من عذاب الله في اليوم الآخر، لكن أنَّى له ذلك، فقد انقضت الحياة الدنيا، وانتهى زمن الإمهال.

 

أيها المؤمنون، إن الله تعالى إنما خلقنا لعبادته، قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴾ [الذاريات: 56، 57].

 

وجعل الله تعالى الحياة الدنيا دار ابتلاء واختبار لعباده، أيهم أحسن عملًا، قال تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [الملك: 1، 2]، والله تعالى تصعد إليه أعمالنا، قال تعالى: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: 10]، والله تعالى لا يخفى عليه شيء من أعمالنا، قال تعالى: ﴿ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [سبأ: 3]، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولا يظلم أحد من خلقه، بل يحاسب كل إنسان بحسب ما عمل إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، قال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7، 8].

 

والله تعالى يحصي علينا أعمالنا، فقد قال في الحديث القدسي الذي رواه مسلم عن أبي ذر: ((يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه))، وأخبرنا بأنه خلق ملائكة يكتبون أعمالنا، قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الانفطار: 10 - 12].

 

أيها المؤمنون، إن من توفيق الله تعالى للعبد أن يتفضل الله تعالى على عبده فيوفقه ليعمل صالحًا بعد إيمانه بالله ورسوله، إنها لنعمة كبرى نعمة عظمى؛ لأن الأعمال الصالحة خير زاد ليوم المعاد، والرصيد الحقيقي ليوم تتقلب فيه القلوب والأبصار، فأكرم بها من نعمة، يفوز صاحبها- بإذن الله- في الدارين، فتكتب له بها السعادة في حياته الدنيا، مع ما ينتظره من النجاة في أُخْراه، قال تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله))، فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: ((يوفقه لعمل صالح قبل الموت))؛ (رواه الترمذي وحسَّنه).

 

وأصحاب الأعمال الصالحة هم أهل الأمن والأمان يوم يفزع الناس في القيامة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 277]، والأمن لهم من دون الناس يوم يجمع الله الناس في صعيد واحد في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وتدنو فيه الشمس من رؤوس الخلائق مقدار ميل، ويذهب العرق في الناس، كل على قدر عمله؛ فمنهم من يصل عرقه إلى كعبيه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى خصره، ومنهم من يبلغ عرقه شحمة أذنيه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا فيغيب في عرقه، في هذا الموقف العصيب الشديد يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات بقوله: ﴿ يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ﴾ [الزخرف: 68 - 70].

 

أيها المؤمنون، إن استشعار الإنسان بأنه سيقف بين يدي الله عز وجل وأنه يحاسبه على أعماله، الصغيرة والكبيرة، الكثيرة والقليلة، يجعله يبادر إلى فعل الخيرات؛ استعدادًا ليوم العرض الأكبر الذي تُعرَض فيه أعمال العباد على الله جل ثناؤه، حتى ينجو بنفسه من عذاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [الأنبياء: 47].

 

روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((... فيلقَى العبد فيقولُ: أي فُل- يعني يا فلانُ-، ألم أُكرِمْك؟ ألم أُسوِّدْك؟ ألم أُزوِّجْك؟ ألم أُسخِّرْ لك الخيلَ والإبلَ وأترُكك ترأسُ وتربَعُ؟ قال: بلَى يا ربِّي. قال: أفظننتَ أنَّك مُلاقيَّ. فيَقولُ: لَا، فيَقولُ: فإنِّي أَنْسَاكَ كما نَسِيتَنِي، ثُمَّ يَلْقَى الثَّانِيَ فيَقولُ: أَيْ فُل، أَلَمْ أُكْرِمْكَ، وَأُسَوِّدْكَ، وَأُزَوِّجْكَ، وَأُسَخِّرْ لكَ الخَيْلَ وَالإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟! فيَقولُ: بَلَى، أَيْ رَبِّ،...قال: بلَى يا ربِّ. قال: أفظننتَ أنَّك مُلاقيَّ؟ قال: لا يا ربِّ. قال: فاليومَ أنساك كما نسيتَني. قال: ثمَّ يلقَى الثَّالثَ فيقولُ: ما أنت؟ فيقولُ: أنا عبدُك، آمنتُ بك وبنبيِّك وبكتابِك، وصُمْتُ وصلَّيتُ، وتصدَّقتُ، ويُثني بخيرٍ ما استطاع. فيُقالُ له: أفلا نبعثُ عليك شاهدَنا. قال: فيُنكِرُ في نفسِه من ذا الَّذي يشهدُ عليه، قال: فيُختَمُ على فيه، ويُقالُ لفخِذِه انطِقي، قال: فتنطقُ فخِذُه ولحمُه وعظامُه بما كان يعملُ، فذلك المنافقُ؛ وذلك ليُعذَر من نفسِه، وذلك الَّذي سخِط اللهُ عليه. قال: ثمَّ يُنادي منادٍ: ألا اتَّبعت كلُّ أمَّةٍ ما كانت تعبُدُ)).

 

أيها المؤمنون، وأعمالنا هذه تُكتب في سجلَّات كبيرة، ثم تُنشر للعبد يوم البعث والنشور، ويحاسب كل إنسان بموجب ما كسب وعمل، قال جل ثناؤه: ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ [الإسراء: 13، 14].

 

روى الإمام الترمذي، والنسائي، وحسنه الألباني عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله سيخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول له: عبدي، أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كَتَبَتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا رب، فيقول الله: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم، قال: فيخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، فيقول: أحضر وزنك، فيقول العبد: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فقال: فإنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات، وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله تعالى شيء.

 

أيها المؤمنون: من رحمة الله بعباده أن جعل لهم مواسم للعبادات والطاعات؛ ليتزوَّدوا فيها بالأعمال الصالحات، ومن هذه المواسم التي يغفل عنها كثير من الناس، شهر شعبان؛ لذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في شهر شعبان بالأعمال الصالحة، وبيَّن لأمته أن سبب ذلك، أنه شهر تكثر فيه الغفلة، وفيه تُرفَع أعمال العباد إلى الله تعالى، روى الإمام الترمذي وهو في صحيح الجامع، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: ((ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو ‌شهر ‌ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم))، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكْثِر من الصيام في شهر شعبان، ففي صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يُفطر، ويُفطِر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صيامًا منه في شعبان"، وفي رواية: "كان يصوم شعبان إلا قليلًا"، وفي رواية: "يصوم شعبان كله"، وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان"؛ رواه الترمذي، وصححه الألباني، قال أهل العلم: في اختلاف الروايات في بيان حال النبي صلى الله عليه وسلم في صيام شهر شعبان: يحتمل أن يكون حصل منه كل ذلك في أعوام مختلفة.

 

أيها المؤمنون، قال أهل العلم: وإنما خصَّ النبي صلى الله عليه وسلم شعبان بكثرة بالصيامَّ فيه؛ لأن الصيام يُوقِظ الجوارح من غفلتها، فتكون في أحسن حال وأكملها عند رفع الأعمال إلى الله تعالى، ولأن الصيام عبادة مستمرة ووقت الصيام ممتدٌّ طوال اليوم بخلاف سائر العبادات الأخرى، والتي لها وقت محدد، فإذا حدَثَ رفع الأعمال إلى الله تعالى في أي وقت يكون العبد متلبسًا بعبادة الصيام؛ ولذلك لم يَقُل صلى الله عليه وسلمْ: فأحب أن يرفع عملي وأنا أقرأ القرآن، أو وأنا أصلي أو أذكر، وإنما قال: وأنا صائم. ‏وقالوا: لأن الصيام عبادة تستدعي معها بقية العبادات، فتجد أن الصائم يستيقظ للسحور، ويدرك وقت السَّحَر، وصلاة الفجر، وغيرها من أبواب الخير.

 

أيها المؤمنون، ‏والصيام في شعبان هو بمثابة السُّنَّة القَبْلية لشهر رمضان؛ فإن الله تعالى جعل لكل فريضة نافلة قَبْلية وبَعْدية، ‏وكثرة الصيام في شهر شعبان يجعل العبد أكثر استعدادًا للصيام في شهر رمضان، فيدخل فيه بنشاط وقوة؛ لأنه قد اعتاد على الصيام في شهر شعبان؛ قال ابن رجب رحمه الله: "صوم شعبان كالتمرين على صيام رمضان؛ لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقَّة وكُلْفَةٍ، بل يكون قد تمرَّن على الصيام واعتاده، ووجد حلاوة الصيام ولذَّته، فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط.

 

وفي شهر شعبان ليلة عظيمة يطَّلِع الله فيها على عباده فيمُنَّ عليهم بالغفران، وتتنزَّل عليهم الرحمات، فعند ابن ماجه بسند حسَّنه الألباني في السلسلة الصحيحة، فعن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن))، فالمغفرة والرحمة في هذه الليلة تشمل جميع عباد الله المؤمنين إلا لمن يحمل صفتين: الصفة الأولى هي الشرك؛ وذلك أن الشر محبط لأعمال العبد إن مات وهو مُصِرٌّ عليه، فالشرك خطره عظيم على الإيمان والتوحيد، والصفة الثانية التي يحرم صاحبها من عفو الله ومغفرته في هذه الليلة؛ فهي المخاصمة والمشاحنة التي تجلب العداوات بين المسلمين، وتزرع بينهم المشاكل والمحن، فما أحرانا بأن نتخلص من هاتين الصفتين؛ حتى نتأهل لنيل رحمة الله ومغفرته!

 

أيها المؤمنون، لقد كان شهر شعبان في حياة الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، شهر عبادة وأعمال صالحة، وتهيئة للنفوس لاستقبال شهر رمضان، قال أبو بكر البلخي: "شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر سقي الزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع"، وقال أيضًا: "مثل شهر رجب كالريح، ومثل شعبان مثل الغيم، ومثل رمضان مثل المطر، ومن لم يزرع ويغرس في رجب، ولم يسقِ في شعبان فكيف يريد أن يحصد في رمضان؟".

 

وقال أنس: "كان المسلمون إذا دخل شعبان؛ انكبُّوا على المصاحف فقرأوها، وأخرجوا زكاة أموالهم؛ تقويةً للضعيف والمسكين على صيام رمضان".

 

قال سلمة بن كهيل: "كان يُقال شهر شعبان شهر القُرَّاء"، فاغتنموا ما بقي من أيام وليالي شهر شعبان، قلت ما قد سمعتم، فاستغفروا الله يا لفوز المستغفرين!

 

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي كان بعباده خبيرًا بصيرًا، وتبارك الذي جعل في السماء بروجًا، وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يتذكر أو أراد شكورًا، والصلاة والسلام على البشير النذير محمد صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، أما بعد:

أيها المؤمنون، جرت عادة بعض الشركات والمؤسسات والبنوك بالنظر في حساباتها المالية اليومية، والأسبوعية، والشهرية، والسنوية، فإذا كان أداء هذه الشركات والمؤسسات والبنوك خلال هذه الفترات أداءً جيدًا منضبطًا، فقامت بواجباتها، ونفذت خططها كما ينبغي، وكانت أرباحها جيدة، وأعمالها مستمرة ومشاريعها في حال توسُّع وتنوُّع؛ فإنها تستبشر بذلك خيرًا، وتستمر في أعمالها، وهذا ما يحصل مع أعمالنا التي نعملها؛ لأن أعمالنا ترفع إلى الله تعالى بنفس هذه الطريقة تقريبًا، وهذا الرفع للأعمال على أربعة أنواع:

النوع الأول: رفع الأعمال على مستوى اليوم، روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسِ كلماتٍ فقال: ((إن الله عز وجل لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفِض القِسْطَ ويرفعه، يُرفع إليه عملُ الليل قبل عمل النهار، وعملُ النهار قبل عمل الليل))، قال المناوي: "معناه يُرفَع إليه عملُ النهار في أول الليل الذي بعده، وعملُ الليل في أول النهار الذي بعده؛ فإن الحَفَظة يصعدون بأعمال الليل بعد انقضائه في أول النهار، ويصعدون بأعمال النهار بعد انقضائه في أول الليل".

 

ومما يدل على رفع الأعمال في اليوم والليلة، ما جاء في المتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم، وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون))، واجتماع الملائكة عند صلاة الفجر والعصر، من لطف الله تعالى بعباده المؤمنين، وتكرمة لهم؛ بأن جعل اجتماع الملائكة عندهم ومفارقتهم لهم في أوقات عباداتهم واجتماعهم على طاعة ربهم، فتكون شهادتهم لهم بما شاهدوه من الخير))، ففي هذين الوقتين ترفع التقارير اليومية لأعمال العباد آخر كل يوم وليلة.

 

واستشعارًا لرفع العمل في كل يوم وليلة، فقد كان الضحاك رحمه الله يبكي آخر النهار ويقول: لا أدري ما رفع من عملي.

 

أيها المؤمنون، النوع الثاني: رفع الأعمال على مستوى الأسبوع وذلك في يومي الاثنين والخميس؛ ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تُعرَض الأعمال في كل اثنين وخميس، فيغفر الله لكل امرئ لا يشرك بالله شيئًا، إلا امرأ كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذين حتى يَصْطَلِحا))، وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قلت: يا رسول الله، إنك تصوم حتى لا تكاد أن تفطر، وتفطر حتى لا تكاد أن تصوم، إلا يومين، إن دخلا في صيامك وإلا صمتهما، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أي يومين؟))، قلت: يوم الاثنين ويوم الخميس، قال: ((ذلك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، وأحب أن يعرض عملي وأنا صائم))، وقد كان إبراهيم النخعي يبكي امرأته يوم الخميس ويقول: اليوم تعرض أعمالنا على الله عز وجل.

 

النوع الثالث: رفع الأعمال على مستوى العام، فأعمال العباد تُرفع إلى الله عز وجل طوال شهر شعبان، وعندما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سرِّ اجتهاده في شهر شعبان، قال: إنه شهر ترفع فيه الأعمال؛ فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((شعبان بين رجب وشهر رمضان، تغفل الناس عنه، ترفع فيه أعمال العباد، فأحب ألَّا يرفع عملي إلا وأنا صائم))، فشهر شعبان تُرفع فيه جميع أعمال العباد من الصدقة وقراءة القرآن والذكر والصيام.

 

فانظروا في أعمالكم التي سترفع إلى الله في شهر شعبان، فهل هي أعمال صالحة ترفع لكم عند الله بها الدرجات؟ أم أنها أعمال سيئة يستحي الواحد منا أن يعرضها على إنسان مثله؟ فإذا كانت أعمالنا كذلك، فلنصلحها بالتوبة النصوح إلى الله تعالى.

 

النوع الرابع: رفع الأعمال على مستوى العمر كله، وهذا النوع من الرفع للأعمال يكون عند انقضاء الأجل، وانتقال الروح إلى باريها، فحينئذٍ تُطوى صحيفة عمله، ويختم عليها، وتعرض عليه يوم الوقوف بين يدي الله تعالى، فليستحضر العبد أنه سيقف بين يدي الله تعالى، وأن الله تعالى سوف يحاسبه على أعماله التي عملها، ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((يدنى المؤمن من ربه))، وقال هشام: ((يدنو المؤمن حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، تعرف ذنب كذا؟ يقول: أعرف، يقول: رب أعرف، مرتين، فيقول الله: سترتها في الدنيا، وأغفرها لك اليوم، ثم تطوى صحيفة حسناته..)).

 

أيها المؤمنون، قوموا بما افترض الله عليكم من أعمال صالحة حق القيام، وتحرَّوا في أعمالكم الإخلاص لله تعالى ومتابعة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لتكون أعمالكم الصالحة مقبولة، واحذروا من مُبطِلات الأعمال، أو ما يُنقِصُ الأجور، وإياكم وظلم العباد؛ فإنه يوردكم مفاليس من الأعمال الصالحة يوم القيامة، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أتدرون ما المفلس؟))، قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: ((إن المفلس من أُمَّتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتَم هذا، وقذف هذا، وأكَل مال هذا، وسفَك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإنْ فَنِيَتْ حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار)).

 

واستغلوا ما بقي من أيام وليالي شهر شعبان بالتوبة النصوح إلى الله تعالى والتزود فيه من الأعمال الصالحة، من صلاة وصيام وذِكْر وصدقة وقراءة للقرآن، وصلة للرحم وبذل للمعروف، وكفّ للأذى، وهيئوا أنفسكم لاستقبال شهر رمضان، شهر الرحمات والنفحات والعتق من النار. اللهم أعِنَّا على اغتنام شهر شعبان وبَلِّغنا رمضان، يا أرحم الراحمين.

 

هذا وصلوا وسلموا- رحمكم الله- على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة؛ نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، فقد أمرنا الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

 

الدعاء...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • شهر شعبان مناسبات وأحكام (خطبة)
  • شهر شعبان وما فيه من فوائد وأحداث
  • شهر شعبان وما اختص به من بين شهور الزمان
  • شعبان والاستعداد لرمضان
  • يسألونك عن شعبان
  • شعبان بين الغفلة والفرصة (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • وقفات مع فضيلة صيام شهر شعبان(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الغفلة عن شهر شعبان (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفات لتربية النفس في شهر شعبان (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الزواج سنة من سنن المرسلين - أحاديث عن شهر شعبان (خطبة)(مقالة - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • شعبان والتهيئة لرمضان (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وانتصف شعبان (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وقفة مع شعبان وليلة النصف (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: فضائل شعبان وحكم صيامه(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة عن فضل شهر شعبان(مقالة - آفاق الشريعة)
  • شعبان... صحائف ترفع وقلوب تهيأ (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مناقشة الفضائل الأخلاقية والإيمانية للإمام في ندوة علمية بعاصمة الجبل الأسود
  • ورشة عمل تحضيرية لاستقبال شهر رمضان في مدينة بوينس آيرس الأرجنتينية
  • قمة شبابية دولية في أستراليا لتعزيز الهوية والقيادة الإسلامية
  • ندوة علمية في ساراتوف تبحث أحكام الزكاة وآليات تطبيقها
  • مفكرة يومية ترافق الصائمين في رحلتهم الإيمانية خلال رمضان في تتارستان
  • أئمة بلغاريا يطورون مهاراتهم الدعوية ضمن الموسم السابع من «الإمام الفاعل»
  • حملة «تنظيف المساجد» تعود من جديد في تتارستان استعدادا لشهر رمضان
  • فعالية خيرية إسلامية لتعبئة آلاف الوجبات الغذائية في ولاية فرجينيا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 22/8/1447هـ - الساعة: 15:4
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب