• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    من مائدة العقيدة: أول الأركان الستة: الإيمان ...
    عبدالرحمن عبدالله الشريف
  •  
    حقوق الفقراء والمساكين في الإسلام
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    تكوة أهل الجنة وأناسها (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    أصول الفضيلة
    مالك بن محمد بن أحمد أبو دية
  •  
    حديث: لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    المجيء والإتيان
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    أحكام صلاة العاري
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
  •  
    الغفلة أثرها وضررها (خطبة)
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    من أدله صدقه عليه الصلاة والسلام الشواهد الواقعية ...
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    استراتيجية ذاتية لمواجهة أذى الناس
    د. محمود حسن محمد
  •  
    خطبة: إدمان المخدرات
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    دور المسلم في محيطه (خطبة)
    د. عبدالرزاق السيد
  •  
    خطبة: سوء الخلق (مظاهره، أسبابه، وعلاجه)
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    تعظيم شأن الجمعة والتذكير ببعض أحكامها (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    هدايا الرزق
    سمر سمير
  •  
    خطبة: لا تحزن
    عبدالعزيز أبو يوسف
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

الغفلة أثرها وضررها (خطبة)

الغفلة أثرها وضررها (خطبة)
د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 29/11/2025 ميلادي - 9/6/1447 هجري

الزيارات: 359

 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الغفلة أثرها وضررها (خطبة)

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

﴿ يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتقُوا اللهَ حَق تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُن إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

﴿ يَا أَيُّهَا الناسُ اتقُوا رَبكُمُ الذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَث مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتقُوا اللهَ الذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِن اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].

 

﴿ يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد:

فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور مُحْدَثاتُها، وكل مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

‌اللهم ‌صل ‌على ‌محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

 

معنى الغفلة وخطرها:

عباد الله، إن من أعظم الآفات التي تقطع الصلة بين العبد وربه، وتورِث القلب مواتًا بعد حياة، وظمأً بعد ارتواء، وذلا بعد عز آفة الغفلة.

 

فالغفلة في أصل معناها: ترك الشيء سهوًا، كما يقول أهل اللغة، فإن زادت عليها الهمزة فصارت: "أغفل"، دل ذلك على ترك عن عمدٍ وقصد، نسأل الله السلامة.

 

قال الراغب الأصفهاني: الغفلة: "سهوٌ يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ"، وقال الجرجاني: "الغفلة: متابعة النفس على ما تشتهيه"، وقال أحد السلف كما نقله الجرجاني: "الغفلة: إبطال الوقت بالبطالة"، وقال المناوي: "هي فقد الشعور بما حقه أن يُشعَر به".

 

عباد الله، إن الغفلة أشمل من السهو، فإن السهو كما عرفه العلماء: حالة متوسطة بين الإدراك والنسيان، يذهل فيها الإنسان عن المعلوم، لكنه يتنبه بأدنى تنبيه، أما الغفلة، فقد تكون عن إدراك، أو عن نسيان، أو عن مزيج بينهما، فهي أعم وأخطر.

 

والغفلة أشد خطورة من النسيان، فإن النسيان قد يُعذر فيه العبد، فمن المشتهر عند الفقهاء أن الله تجاوز عن أمة النبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الخطأَ والنسيان وما استُكرهوا عليه، أما الغفلة فليست عذرًا، بل هي دليل على ضعف القلب، واتباع الهوى.

 

وإذا كان الذكر هو استحضار الله في كل سكنة وحركة، فإن من ترك الذكر فقد دخل في وحل الغفلة، وسلم زمام قلبه للهوى؛ قال الله عز وجل: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الذِينَ يَدْعُونَ رَبهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28].

 

عباد الله، إذا اجتمعت الغفلة والسمْد – وهو اللهو مع الجهل بالعواقب – في قلب عبدٍ، فقد اجتمع فيه خسران الدنيا والآخرة؛ قال بعضهم في تفسير السمد: هو لهو يعترض من يمضي في طريقه غير متريث ولا عالمٍ بما يريد، ولا ما سيحل له، فالغافل السامد، غريق في لهوه، سائر إلى مصيره، لا يعلم إلى أين، ولا يبصر من أين؛ ومنه قول الله عز وجل: ﴿ أَزِفَتِ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلهِ وَاعْبُدُوا ﴾ [النجم: 57 - 62].

 

نسأل الله ألا يجعلنا من الغافلين.

 

الغفلة المذمومة في ضوء الكتاب والسنة:

عباد الله، إن من أعظم ما يحجب العبد عن ربه، ويطمس بصيرته، ويُوقِعه في مهاوي الردى، هو داء الغفلة؛ غفلة عن تدبر الآيات، غفلة عن ذكر الله، غفلة عن الدار الآخرة، عن المصير، عن المحاسبة، عن الجنة والنار … وقد جاء ذكر الغفلة في كتاب الله في مواضعَ كثيرة، وغالبها في سياق الذم الشديد، مقرونًا بالتحذير من عواقبها، ووصف أهلها بأوصاف الغافلين عن الحق، المُعرِضين عن الهدى، المُعرضين للعقاب في الدنيا والآخرة، ولم ترِد في سياق لا يتضمن ذمًّا إلا في مواضع يسيرة جدًّا.

 

فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَنُقَلبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَولَ مَرةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [الأنعام: 110]، بعد أن وصفهم بأنهم لا يؤمنون، و"يعمهون" بمعنى: يتحيرون، يُقال: رجل عمِهٌ وعامهٌ؛ أي: متحير.

 

وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبنَا بِالْحَق فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الذِي كُنا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَل عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ [الأعراف: 52، 53]؛ أي كانوا في غفلة عن الذكر والحق حتى جاءهم العذاب.

 

وقال تعالى في الكافرين: ﴿ فَكَذبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الذِينَ كَذبُوا بِآيَاتِنَا إِنهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ ﴾ [الأعراف: 64]، ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِن وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف: 179]، فبين أن الغفلة علامة على الخَسار والخِذلان المؤدي إلى النار.

 

وقال جل وعلا: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الحجر: 3]، وهذه حال الغافلين الذين شغلتهم الدنيا عن الآخرة.

 

وقال سبحانه: ﴿ اقْتَرَبَ لِلناسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ [الأنبياء: 1 - 3]، وهذا أبلغ ما يكون في الذم؛ إذ اجتمع فيهم الغفلة والإعراض عن أعظم ما يُطلب، وهو الاستعداد للحساب.

 

ثم قال: ﴿ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتى حِينٍ * أَيَحْسَبُونَ أَنمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [المؤمنون: 54 - 56]، "في غمرتهم"؛ أي في غفلتهم العميقة.

 

وقال ربنا عز وجل: ﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ﴾ [المؤمنون: 63].

 

من صور الغفلة المذمومة الواردة في القرآن الكريم:

أولًا: الغفلة عن آيات الله الكونية والشرعية:

قال الله تعالى عن فرعون وقومه: ﴿ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَم بِأَنهُمْ كَذبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 136]، فيا سبحان الله، كم رأوا من الآيات، وكم سمعوا من النذر، ومع ذلك، كانت قلوبهم صلدة لا تلين، ونفوسهم مغلقة لا تعي، فاستحقوا الغرق في البحر؛ لأنه غرق الغافلين المكذبين، الذين قابلوا الآيات بالصد واﻹنكار، فكأن هذه الآيات لم تأتِهم أصلًا، فاستحقوا الأخذ بالعقاب!

 

ثانيًا: الغفلة عن الآخرة والحساب والجزاء:

قال تعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ [الروم: 7].

 

علمهم منحصر في الدنيا، وأيضًا لا يعلمون الدنيا كما هي، وإنما يعلمون ظاهرها، وهي ملاذُّها وملاعبها، ولا يعلمون باطنها، وهي مضارُّها ومتاعبها.

 

فيا عبدَالله، من انشغل بظواهر الدنيا، وغفل عن دار القرار، فقد آثَر السراب على الحقيقة، والظل الزائل على النور الدائم.

 

ويزداد المشهد هولًا حين يُذبح الموت بين الجنة والنار؛ كما جاء في الحديث الصحيح: أخرج البخاري في صحيحه (4730)، ومسلم في صحيحه (2849)، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يُؤتَى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة، فيشرئِبُّون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيُذبح، ثم يقول: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا أهل النار، خلود فلا موت؛ ثم قرأ: ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ ﴾ [مريم: 39]))، وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا ﴿ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [مريم: 39].

 

وفي هذا المشهد الحسرة، وفيه الندامة، وفيه تظهر حقيقة الغفلة حين لا ينفع يقظة، ولا يُقبل رجوع.

 

وقال تعالى عن حال الكفار عند قرب قيام الساعة: ﴿ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنا ظَالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 97].

 

ثالثًا: الغفلة عن ذِكر الله وتدبر كتابه:

قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ﴾ [الأحقاف: 5].

 

ما يعبدونه من دون الله لا يسمع، ولا يجيب، بل هو غافل عنهم، فكيف يُتخذ معبودًا؟ قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ رَبكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُو وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 205]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرحْمَنِ نُقَيضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ﴾ [الزخرف: 36].

 

فكيف بمن يغفُل عن الدعاء؟ وكيف بمن يترك الذكر؟

 

رابعًا: الغفلة عن ميثاق الله وعهده:

قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُريتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنا كُنا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنا ذُريةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ [الأعراف: 172، 173].

 

فمن احتج بالغفلة عن الميثاق الأول، فقد كذب؛ لأن الفطرة ناطقة، والقلوب شاهدة؛ أخرج البخاري في صحيحه (1358) واللفظ له، ومسلم في صحيحه (2658) قال: ((يصلى على كل مولود متوفًّى، وإن كان لِغية؛ من أجل أنه وُلد على فطرة الإسلام، يدعي أبواه الإسلام، أو أبوه خاصةً، وإن كانت أمه على غير الإسلام، إذا استهل صارخًا صلي عليه، ولا يُصلى على من لا يستهل من أجل أنه سِقطٌ؛ فإن أبا هريرة رضي الله عنه، كان يحدث، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما من مولود إلا يُولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تُحسون فيها من جدعاء؟ ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: ﴿ فِطْرَتَ اللهِ التِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْهَا ﴾ [الروم: 30]؛ الآية)).

 

خامسًا: الغفلة عن تربُّص الأعداء:

قال تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَد الذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِن اللهَ أَعَد لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ [النساء: 102].

 

أخرج الترمذي في جامعه (3035)، والنسائي في المجتبى (1544) واللفظ له، وأحمد في مسنده (10765)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله نازلًا بين ضجنان وعسفان، محاصر المشركين، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاةً هي أحب إليهم من أبنائهم وأبكارهم، اجمعوا أمركم ثم ميلوا عليهم ميلةً واحدةً، فجاء جبريل عليه السلام فأمره أن يقسم أصحابه نصفين، فيصلي بطائفة منهم، وطائفة مقبلون على عدوهم قد أخذوا حذرهم وأسلحتهم، فيصلي بهم ركعةً، ثم يتأخر هؤلاء ويتقدم أولئك، فيصلي بهم ركعةً تكون لهم مع النبي ركعةً ركعةً، وللنبي ركعتان)).

 

فانظر كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يوزع صفوف المجاهدين في المعركة، فلا يؤتَون من غفلة، فالغفلة عن تربص الأعداء قد تفتح ثغورًا لا تُسد، وتفتح بابًا للعدو إن لم يغلقه الحذر، أغلقه الدم.

 

سادسًا: الغَفلة عن الاعتبار بسير من مضَوا:

قال تعالى عن فرعون: ﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِن كَثِيرًا مِنَ الناسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ﴾ [يونس: 92].

 

فجسد فرعون باقٍ، لكن لا يُبصره إلا من اعتبر، ولا يرتدع به إلا من سلِم من الغفلة.

 

سابعًا: الغفلة عن حسن التعامل مع الناس:

قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَما تَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: 99].

 

فالمؤمن لا يغفل عن أخلاقه، عن صدقه، عن عدله، عن لينه في دعوته، عن شدته في موطن الشدة، عن شهادته بالحق، عن صيانته للناس، وما الله بغافل عما يعملون؛ تعني أن الله عز وجل ليس بغافل ولا ساهٍ عما يفعله الناس، بل هو محيط علمه بكل شيء ويجازي كلًّا بعمله، هذه الآية تكررت في القرآن الكريم عدة مرات؛ منها أربع مرات في سورة البقرة، ومرة في سورة آل عمران، وتأتي لتأكيد رقابة الله الشاملة على عباده.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله، له الحمد الحسن، والثناء الجميل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقول الحق وهو يهدي السبيل، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ قال الله عز وجل عنه في محكم التنزيل: ﴿ إِن اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبِي يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

 

‌اللهم ‌صل ‌على ‌محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

 

أسباب الغفلة في ضوء الكتاب والسنة:

عباد الله، إن الغفلة لا تأتي بلا سبب، ولا تُقذف في القلب جزافًا، بل لها أبواب تُفتح، ومسالك تُعبد، إذا سلكها العبد، انحدر قلبه في دروبها، وأظلمت بصيرته، فصار يهون من الآخرة، ويعظم الدنيا، ويغفل عن الحساب، والميزان، والصراط، والبعث؛ ومن أعظم أسباب الغفلة – نسأل الله السلامة – ما يلي:

1 - الكفر بالله تعالى:

قال الله عز وجل: ﴿ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ﴾ [يس: 6].

 

فهؤلاء لم تطرق آذانهم رسالاتُ نذير، ولم تنفتح قلوبهم لنداء رسول، فغرقوا في عبادة الأوثان، وعاشوا في ظلمات الكفر، فكانت الغفلة نتيجة الكفر، لا عذرًا فيه.

 

وهذا تأصيل قرآني صريح أن الغفلة في أصلها ناتجة عن الجهل بالله، وجحد آياته، والإعراض عن نوره وهداه؛ قال الطبري في تفسير هذه اﻵية في توجيه (ما) هنا على أنها بمعنى (الذي)؛ أي لتنذر قومًا بالذي أنذر به آباؤهم: قال بعض نحويي الكوفة: إذا لم يُرد بما الجحد، فإن معنى الكلام: لتنذرهم بما أنذر آباؤهم، فتُلقى الباء، فتكون "ما" في موضع نصب، ﴿ فَهُمْ غَافِلُونَ ﴾ [يس: 6]، يقول: فهم غافلون عما الله فاعل بأعدائه المشركين به، من إحلال نقمته، وسطوته بهم.

 

2 - الظلم باتباع الهوى ومعاندة الحق:

قال الله تعالى: ﴿ الذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِن فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَق وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 146].

 

فهؤلاء عرفوا الحق، وعاندوه، وتجاهلوا دلائل النبوة وهم يعلمون، فكان ظلمهم سببًا في غفلتهم، واتباعهم لأهوائهم حجابًا بينهم وبين نور الهداية، وفيه تحذير لمن يتبع هواه، أن يصير من الظالمين، ومن الغافلين، فمن علِم الحق وتركه، فقد جمع بين الظلم والغفلة.

 

3 - الإعراض عن الوحي:

قال الله تعالى: ﴿ اقْتَرَبَ لِلناسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبهِمْ مُحْدَثٍ إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ [الأنبياء: 1، 2].

 

فأي غفلة أعظم من أن تُتلى عليهم آيات ربهم، ويذكروا بالساعة وأهوالها وشدتها وعِظم ما فيها، ثم يُعرضوا ساخرين، لاهين، قلوبهم متحجرة، لا تتدبر ولا تخشع؟

 

فمن أعرض عن وحي الله، عُوقب بغفلة القلب، وقسوة الفؤاد؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِن لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَب لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ﴾ [طه: 124 - 127].

 

4 - الرضا بالحياة الدنيا والركون إليها:

قال الله تعالى: ﴿ إِن الذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [يونس: 7، 8].

 

من رضيَ بالدنيا دارًا، واتخذها قرارًا، ونسيَ الآخرة، فقد رضي بالغفلة عوضًا عن الذكر، والوحشة عوضًا عن الأنس، هم معرضون لا يتأملون الآيات، ولا يعتبرون بها، فاستحقوا النار جزاء الإعراض.

 

وتأمل الفارق الكبير بين هذا الوصف وهذا الحال، وبين الحال التالي: ﴿ إِن الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَناتِ النعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهُم وَتَحِيتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلهِ رَب الْعَالَمِينَ ﴾ [يونس: 9، 10].

 

5– الكِبر:

قال تعالى: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الذِينَ يَتَكَبرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَق وَإِنْ يَرَوْا كُل آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَي يَتخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنهُمْ كَذبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 146].

 

فمن تكبر، أعماه الله عن رؤية الآيات، وسلط عليه الغفلة عقوبة له؛ لأنه أعرض عن الحق لا عن جهل، بل عن علم واستكبار، فالجزاء من جنس العمل، لأنهم تكبروا عن اتباع الحق، صرفهم الله عن فهمه.

 

6 - تعطيل الحواس عن التفكر والتدبر:

قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِن السمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36]، فمن عطل سمعه عن سماع الحق، وبصره عن النظر في الآيات، وقلبه عن التفكر والاتعاظ، دخل في دائرة الغفلة، وسيُسأل عن كل ذلك، فالحواس مسؤول عنها لأنها طريق العلم، ومن أهملها غفل عن الحق.

 

7 - صحبة الأشرار:

قال الله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتخَذْتُ مَعَ الرسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلنِي عَنِ الذكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ﴾ [الفرقان: 27 - 29]، يتمنى أنه لم يتخذ هذا الصاحب؛ لأنه أضله عن الحق، وجره إلى الغفلة والخذلان؛ فالصاحب ساحب، وقرين السوء باب إلى الغفلة، وحجابٌ عن الذكر، وقاطع عن الهداية.

 

الآثار المترتبة على الغفلة في الدنيا واﻵخرة:

أيها المؤمنون، إن الغفلة بوابة لفساد الدين، ومفتاح لمَحْقِ اليقين، وهي التي تنتج الذنوب، وتورِث الحرمان، وتُفضي إلى الهلاك في الدنيا واﻵخرة، وقد جاءت الآيات القرآنية الكثيرة تنذر من الغفلة، وتحذر من آثارها، في الدنيا والآخرة، فدعونا نتأمل معًا ما يترتب على الغفلة من آثار، عل الله أن يوقظ بها قلوبنا، ويُنبهنا من رقدة الغافلين.

 

أولًا: الآثار الدنيوية للغفلة:

1 - البعد عن أهل الإيمان والفقراء والصالحين:

قال الله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الذِينَ يَدْعُونَ رَبهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28]، فالغفلة عن هؤلاء الضعفاء الذين تفيض مجالسهم بالإيمان، يُخشى أنها من الإعراض عن نور الله، وأنها اتباع لميزان الدنيا، وهي من أول مظاهر الغفلة التي تهدم الدعوة وتفرق الجماعة.

 

أخرج البخاري في صحيحه (2896) عن مصعب بن سعد قال: ((رأى سعد رضي الله عنه أن له فضلًا على من دونه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم؟)).

 

2 - ضياع أمر الغافل وتيهُه في الحياة:

قال الله تعالى في تتمة الآية: ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28]، فالغفلة تؤدي إلى ضياع الأمر، وفساد القرار، وتفكُّك الإرادة، ومن كان قلبه غافلًا، صار أمره مفرقًا، وعاقبته خسرانًا.

 

3 - حلول الانتقام الإلهي بسبب الغفلة عن آيات الله:

قال تعالى عن فرعون وجنوده: ﴿ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَم بِأَنهُمْ كَذبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 136]، فالغفلة لا تبرر الجهل، بل تعجل العقوبة، وحين يُعرض العبد عن آيات الله ويتغافل عنها، يكون هذا سببًا في حلول النقمة وسرعة الأخذ؛ ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِن أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [هود: 102].

 

4 - الصرف عن الانتفاع بالآيات الكونية والشرعية:

قال تعالى: ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الذِينَ يَتَكَبرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَق وَإِنْ يَرَوْا كُل آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَي يَتخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنهُمْ كَذبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 146].

 

فالجزاء من جنس العمل، من أعرض عن آيات الله طوعًا، صُرف عنها قهرًا.

 

5 - الجهل الحقيقي بطبيعة الحياة ومعنى الوجود:

قال تعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ [الروم: 7].

 

لا يفقهون من الحياة إلا معايشهم، متى يغرسون ومتى يحصدون، فهذا جهل لا يُعذر فيه صاحبه، لأنه جهلٌ بما هو أولَى بالعلم، وأجدر بالعمل.

 

6 - لهو القلب عن سماع الحق والعمل به:

قال تعالى: ﴿ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النجْوَى الذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ [الأنبياء: 3]، فالقلوب اللاهية هي التي لا تُبصر، ولا تتدبر، ولا تخشع، ولا تخضع، وإن سمِعت، سمعت لهوًا لا عِبرة، وضحكًا لا عَبرة.

 

ثانيًا: الآثار الأخروية للغفلة:

1 - دخول النار بسبب الغفلة عن لقاء الله:

قال الله تعالى: ﴿ إِن الذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [يونس: 7، 8].

 

من لم يرجُ لقاء الله، ولم يعمل له، وركن إلى الدنيا وزينتها، فإن مآله إلى النار، جزاءً وفاقًا.

 

2 - الحسرة الأبدية يومَ لا ينفع الندم:

قال الله تعالى: ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [مريم: 39].

 

سُميَ يوم الحسرة، لأن الكافرين يتحسرون حين لا ينفع التدارك، وقد فات أوان الإنابة، فالغفلة اليوم، حسرة غدًا، وشتان بين من أيقظ قلبه في دار الفناء، ومن نام عن الحق حتى استيقظ في دار البقاء على وقْعِ النار وزفيرها.

 

نسأل الله أن يُوقظ قلوبنا من رقاد الغافلين، وأن يلهمنا ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يرزقنا التوبة النصوح قبل الممات، والبصيرة في زمن الفتن، والثبات على الحق حتى نلقاه.

 

منهج القرآن الكريم في علاج الغفلة:

عباد الله، إذا كانت الغفلة داءً يفتك بالقلوب، ويميت البصائر، ويقطع الصلة بين العبد وربه، فإن القرآن الكريم – بنور آياته، وهدى إشاراته، ودواء عباراته – لم يدَع هذا المرض الخفي دون علاج.


بل عالج الغفلة من جذورها، واقتلعها من أعماق النفس المؤمنة، وبين أن الذكر واليقظة، والصحبة والعلم، كلها أدوية لهذا الداء الوبيل.

 

فتعالَوا نتلمس بعضًا من ملامح المنهج الرباني في علاج الغفلة، كما ورد في القرآن المجيد:

1 - ذكر الله تعالى ودوام عبادته:

قال الله تعالى في خطاب لموسى عليه السلام: ﴿ فَلَما أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِني أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنكَ بِالْوَادِ الْمُقَدسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِننِي أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصلَاةَ لِذِكْرِي * إِن الساعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾ [طه: 11 - 15].

 

فمن أقام الصلاة لذكر الله، وداوَم على العبادة، وأيقن بلقاء الله، نجا من الغفلة، وامتلأ قلبه باليقظة والهيبة، وإن الذكر يوقظ القلب، ويحييه بعد موته، ويمنحه نورًا يميز به بين الحق والباطل.

 

2 - التفكر والتدبر والتوكل على الله:

قال تعالى: ﴿ إِن فِي خَلْقِ السمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ الليْلِ وَالنهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكرُونَ فِي خَلْقِ السمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النارِ ﴾ [آل عمران: 190، 191].

 

فيا عبدَالله، أيقظ عقلك بالتفكر، وأحيِ قلبك بالذكر، وألزِم نفسك بالخوف من الله؛ وقُل كما قال الصالحون: ﴿ رَبنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النارِ ﴾ [آل عمران: 191].

 

إن التفكر في المخلوقات يهدم الغفلة من أصلها؛ لأنه يفتح أبواب المعرفة، ويقوي جذور الإيمان، ويزيد القلب محبةً لله وخشية منه.

 

3 - صحبة الصالحين ومجالسة الذاكرين:

قال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِن اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71]، فيا عبدَالله، لا تسلك طريق الآخرة وحدك، فالرفقة الصالحة حصن من الغفلة، وحبل إلى الله لا ينقطع، ومَن جالس الذاكرين، ذَكَر، ومن صاحب الغافلين، غفل، واعلم أن مجالسة الصالحين تحيي القلب، كما تحيا الأرض الميتة بالمطر.

 

4 - الحذر واليقظة والعلم والعمل:

قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾ [النساء: 71].

 

الغفلة لا تُدفع بالتمني، بل تُدفع بالعلم والتفقه، والحذر والاحتياط، والعمل الصالح، واليقظة القلبية، ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل.

 

فكن على حذر، وخُذ من كل لحظة زادًا، ومن كل آية عِظة، ومن كل يوم عملًا يُرضي الله، ويقيك الغفلة.

 

اللهم اجعلنا من الذين إذا ذكروا تذكروا، وإذا أنذروا انتبهوا، وإذا سمعوا الحق اتبعوه.

 

اللهم أحيِ قلوبنا بذكرك، وثبتنا على طاعتك، واصرف عنا الغفلة يا حي يا قيوم، ولا تجعلنا من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم.

 

اللهم إنا عبيدك، بنو عبيدك، بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماضٍ فينا حكمك، عدل فينا قضاؤك، نسألك اللهم بكل اسم هو لك سميتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجِلاء أحزاننا، وذَهاب همنا وغمنا.

 

اللهم انصر إخواننا في غزة، وفي كل ديار المسلمين، واربط على قلوبهم، وأنزل عليهم من رحماتك، اللهم داوِ جرحاهم، واشفِ مرضاهم، وتقبل شهداءهم، اللهم إنهم إخواننا، قد ظُلموا بغير حق، وأُخرجوا من ديارهم بغير حق، اللهم انتصر لهم، واربط على قلوبهم، وردهم إلى ديارهم ومساجدهم، سالمين آمنين، اللهم يا رب العالمين، يا أرحم الراحمين، يا رب السماوات والأرض، يا من بيده مقاليد الأمور، نسألك أن تنصر إخواننا على عدوك وعدوهم وعدونا نصرًا عزيزًا مؤزرًا، اللهم انصر من نصرهم، واخذل من خذلهم، واجعل الدائرة تدور على أعدائهم وأعوانهم، اللهم ارفع الحصار عن إخواننا، واجعل ديارهم وأوطانهم آمنةً مطمئنة، اللهم انصر إخواننا، وارحم شهداءهم، واشفِ جرحاهم، وفك أسراهم، واحفظهم من كل مكروه وسوء، اللهم إنا نسألك باسمك القهار أن تقهر من قهر إخواننا، ونسألك أن تنصرهم على القوم المجرمين، اللهم بارك جهاد المجاهدين في كل أرض المسلمين، وأيدهم بجنودك ونصرك يا قويُّ يا كريم، اللهم انصر إخواننا المجاهدين، اللهم كن لهم ولا تكن عليهم.

 

اللهم من كان من والدينا حيًّا، فأطِل عمره في طاعتك، ومن عليه بالصحة والعافية وحسن الخاتمة، ومن سبقنا منهم إليك، فاغفر له ذنبه، ووسع له في قبره مد بصره، وآنس وحدته ووحشته.

 

اللهم رب لنا أبناءنا، وأصلح نساءنا، واهدِ بناتنا، وارزقهن العفاف، ووفق المسلمين لكل خير وبر.

 

وصل اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.





 حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعة أرسل إلى صديق تعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • تكبيرة الإحرام بين الغفلة والاهتمام
  • شهر شعبان بين الغفلة والاهتمام (خطبة)
  • الدرس التاسع: الغفلة
  • العيد في زمن الغفلة... رسالة للمسلمين
  • شبح الغفلة
  • الغفلة في وقت المهلة (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • إزالة الغفلة (خطبة)(مقالة - موقع الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل)
  • حين خان الأمانة... وسقط في الغفلة - قصة قصيرة(مقالة - حضارة الكلمة)
  • الذنوب وآثرها وخطرها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الأعمار تفنى والآثار تبقى (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • آثارك بعد موتك (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • العلم النافع: صفاته وعلاماته وآثاره (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: فضيلة الصف الأول والآثار السيئة لعدم إتمامه(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مفهوم الإسراف والتبذير وصورهما ومظاهرهما وآثارهما وأسبابهما وعلاجهما (خطبة)(مقالة - موقع الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري)
  • الهم والغم والحزن: أسبابها وأضرارها وعلاجها في ضوء الكتاب والسنة (خطبة)(مقالة - موقع الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري)
  • تكوة أهل الجنة وأناسها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • تكريم 540 خريجا من مسار تعليمي امتد من الطفولة حتى الشباب في سنغافورة
  • ولاية بارانا تشهد افتتاح مسجد كاسكافيل الجديد في البرازيل
  • الشباب المسلم والذكاء الاصطناعي محور المؤتمر الدولي الـ38 لمسلمي أمريكا اللاتينية
  • مدينة كارجلي تحتفل بافتتاح أحد أكبر مساجد البلقان
  • متطوعو أورورا المسلمون يتحركون لدعم مئات الأسر عبر مبادرة غذائية خيرية
  • قازان تحتضن أكبر مسابقة دولية للعلوم الإسلامية واللغة العربية في روسيا
  • 215 عاما من التاريخ.. مسجد غمباري النيجيري يعود للحياة بعد ترميم شامل
  • اثنا عشر فريقا يتنافسون في مسابقة القرآن بتتارستان للعام السادس تواليا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2025م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 8/6/1447هـ - الساعة: 8:5
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب