• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الأحكام التشخيصية للأمراض الوراثية (PDF)
    د. هيلة بنت عبدالرحمن اليابس
  •  
    مختصر أركان الصلاة
    عبد رب الصالحين أبو ضيف العتموني
  •  
    خطبة: التغافل خلق الفضلاء وخصلة الكرماء
    يحيى سليمان العقيلي
  •  
    الشكر (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    سلسلة أفلا يتدبرون القرآن (2): عبادة التفكر
    نوال محمد سعيد حدور
  •  
    صفة القدرة
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    تفسير القرآن بالقرآن
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    نجاح الآخرين
    عبدالستار المرسومي
  •  
    سلسلة هدايات القرآن (4) هدايات سورة الفاتحة: ليست ...
    حمادة إسماعيل فودة
  •  
    التمكين لا يكون إلا بالعبودية: تأملات في معنى ...
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    اقتضاء القول للعمل
    إبراهيم الدميجي
  •  
    خطبة بعنوان: (البينة)
    د. محمد بن عبدالعزيز بن إبراهيم بلوش ...
  •  
    أسباب السعادة ومفاتيح خير الدنيا والآخرة (خطبة)
    د. محمد بن علي بن جميل المطري
  •  
    برد الشتاء ودفء الطاعة (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    النهي عن حصر كلام الله بما في كتبه أو ما تكلم به ...
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    خطبة الكذب
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

خطبة: العبرة من الحوادث وسرعة الفناء

خطبة: العبرة من الحوادث وسرعة الفناء
د. علي برك باجيدة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 10/12/2025 ميلادي - 20/6/1447 هجري

الزيارات: 6295

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

العِبرةُ من الحوادثِ وسرعةُ الفناءِ

 

الخطبة الأولى

إنَّ الحمدَ للهِ، نَحمَدُهُ ونَستَعِينُهُ ونَستَغفِرُهُ ونَتوبُ إليهِ، نَتَوَكَّلُ عليه وبهِ نَستَعِينُ، ونشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا هو واحدٌ صَمَدٌ، لم يكُنْ لهُ صاحِبٌ ولا وَلَدٌ، ونشهدُ أنَّ محمدًا عَبدُهُ ورسولُهُ، نبيٌّ مُجتَبى، ونبيٌّ مُصطَفَى، سَهِرَ اللياليَ والأيّامَ لِيُبلِّغَ لنا هذا الدينَ العظيمَ، ووعَظَنا بأعظمِ المواعظِ، وأوقَفَنا على أعظمِ الدُّروسِ؛ لِتحيا القلوبُ، ولِتَشُدَّ إلى عَلَّامِ الغُيوبِ جلَّ في عُلاهُ.

 

نشهدُ أنَّهُ بَلَّغَ الرسالةَ، وأدَّى الأمانةَ، ونَصَحَ لهذهِ الأُمَّةِ، وصلواتُ ربِّي وسلامُهُ عليهِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ والسائرينَ على نهجِهِ ومِنوالِهِ إلى يومِ الدين، وبعدُ:

عِبادَ اللهِ، كانَ مِن هَدْيِهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ في دعاءِ السفرِ في آخرِ دعائِهِ أنْ يقولَ: "اللهمَّ إني أعوذُ بكَ مِن وَعْثاءِ السَّفَرِ، وكآبةِ المَنظَرِ، وسوءِ المُنقَلَبِ، في المالِ والأهلِ". ما أعظمَها مِن كلماتٍ! وسُوءُ المُنقَلَبِ في المالِ والأهلِ، تلكَ العباراتُ العظيمةُ التي خَطَّها لنا رسولُ الهُدَى عليهِ الصلاةُ والسلامُ. السفرُ مَليءٌ بالمخاطرِ ومَليءٌ بالأحداثِ؛ لأنَّ هذهِ الحياةَ أيها الأحبةُ فيها لحظاتُ فَرَاغٍ ولحظاتُ انقضاءٍ، وهي سِرٌّ مَخْفِيٌّ عنَّا، مكنونٌ في أستارِ القضاءِ والقدرِ، فلا يَدرِي الواحدُ منَّا متى تَخْطَفُهُ يدُ المَنونِ. ونحنُ يا أحبة، نرى هذهِ الآياتِ وهذهِ الأحداثَ أمامَ أعينِنا ليلًا ونهارًا، فقَلَّ مَن يَعتبِرُ، وقليلٌ مَن يَتَذَكَّرُ.

 

خرجُوا مِن أرضِ الغُربةِ تَملأُ قلوبَهُمُ الفرحةُ والسُّرورُ، شبابٌ في مُقتَبَلِ شبابِهِم يَحلُمونَ: فذاكَ أبٌ حَنونٌ يريدُ أنْ يَحضُنَ أولادَهُ، ويُقَرِّبَهُمْ ويَشُمَّ رِيحَتَهُمْ، وذاكَ الابنُ البارُّ الذي يريدُ أنْ يَنطَرِحَ بينَ يَدَيْ أبيهِ وبينَ يَدَيْ أُمِّهِ، ذاكَ الشابُّ الذي تَنتَظِرُهُ عَروسُهُ، وذاكَ الشابُّ الذي يريدُ أنْ يَرَى طِفلَهُ الذي انتظرَهُ لسنواتٍ طويلةٍ. خرجُوا في أرضِ سَفَرٍ مِن أرضِ غُربةٍ إلى بلادِهِم، هذهِ الآمالُ كانتْ تَشْدُو ببعضِهِم، وبعضُهُم كانتْ عندَهُ آمالٌ عظيمةٌ.

 

حتى إذا ما قَرُبُوا مِن ساعةِ الوُصولِ، فذاكَ الذي يقولُ: بَقِيَ مِن الوقتِ كذا، وذاكَ يقولُ: بَقِيَ مِن المسافةِ كذا، وذاكَ يُراسِلُ أهلَهُ بلَهفَةٍ وشَوقٍ لِقُربِ الوِصالِ وقُربِ الاتصالِ بِهِم، ولكن كانَ للأجَلِ رأيٌ آخَرُ، فإذا بيدِ المَنونِ تَخْطَفُ قَبلَ ذلكَ، ويَحصُلُ ذلكَ الحادثُ العظيمُ الذي احتَرَقَ فيهِ أولئكَ الرُّكّابُ، فماتَ أكثرُهُم ولم يَنجُ إلَّا القليلُ. هي ذِكرى وعِبرةٌ، نسألُ اللهَ لهُمُ الرحمةَ والمغفرةَ، ونسألُ اللهَ أنْ يُخلِفَ على أهلِهِم بخيرٍ عظيمٍ عن هذهِ الفاجعةِ العظيمةِ.

 

هذهِ الحادثةُ ذِكرى لنا وموعظةٌ لنا؛ خرجَ هؤلاءِ الشبابُ وهُمْ يَحلُمونَ بوطنٍ وسعادةٍ في أرضِهِم بَدَلَ أرضِ الغُربةِ والتضييقِ؛ لكن يا أسفاهُ يومَ أنْ حَصَلَ هذا الحادثُ وحَصَلَتْ مِن قَبلِهِ حوادثُ، وستَحصُلُ بعدَهُ حوادثُ لا قَدَّرَ اللهُ. أينَ المسؤوليةُ العُمَرِيَّةُ حينَ قالَ رضيَ اللهُ عنهُ وهو يَخطُبُ على مِنبَرِ رسولِ اللهِ وقلبُهُ مَليءٌ بالخوفِ مِن اللهِ جلَّ في عُلاهُ: "واللهِ لو عَثَرَتْ بَغلَةٌ في العراقِ لَخِفتُ أنْ يسألنيَ اللهُ عنها: لِمَ لمْ تُسَوِّ لها الطريقَ يا عمرُ؟".

 

رسالةٌ عُمَرِيَّةٌ لكلِّ مَن وَلَّاهُ اللهُ عزَّ وجلَّ أمرًا: اتَّقِ اللهَ في هذا الشعبِ المكلومِ وفي هذا الشعبِ الصابرِ. أَلا يخافونَ أنْ يَسأَلَهُمُ اللهُ عن أولئكَ الشبابِ، وعن تلكَ النساءِ، وعن أولئكَ الأطفالِ، وعن أولئكَ الرجالِ والشَّيْبِ والشبابِ؟ ألا يتَّقونَ اللهَ مَن يأكلونَ المالَ العامَّ ولا يَسعَونَ لِإصلاحِ تلكَ الطُّرُقاتِ أو لِوَضعِ قوانينَ تَضمَنُ سلامةَ الرُّكَّابِ؟ ويُلزِمونَ تلكَ الشركاتِ أنْ تتَّقِيَ اللهَ وتلتزِمَ بِسُبُلِ السلامةِ، فهذهِ النفوسُ بينَ يَدَيْها رِعايةٌ، ثمَّ يومًا يقفون فيهِ بينَ يَدَي اللهِ، فتَقِفُ أمامَهُم أُمٌّ ثَكلَى فَقدَتْ ولدَها الحبيبَ، وتَقِفُ أمامَهُم أُمٌّ فَقدَتْ سَنَدَها وعَضُدَها في الحياةِ، وتَقِفُ أمامَهُم زوجةٌ أَرْمَلَةٌ قد فَقدَتْ زوجَها بسببِ هذا الإهمالِ. فليتَّقِ اللهَ مَن وَلَّاهُ اللهُ شيئًا مِن أمرِنا، فإنَّهُ مسؤولٌ، والسؤالُ عظيمٌ، والحسابُ كبيرٌ، والموقفُ جليلٌ.

 

وهي أيضًا ذِكرَى لنا؛ فهذهِ آجالٌ معدودةٌ، فما ننتظرُ نحنُ أيها الأحبةُ؟ نحنُ إلَّا أبناءُ مَوتَى، فأينَ آباؤنا وأينَ أجدادُنا؟ كلُّنا في انتظارِ الوعدِ المجهولِ الذي قد يُفاجِئُنا بالموتِ. فكَمْ مِن واحدٍ يُصبِحُ معَ الأحياءِ ويُمسي معَ الأمواتِ، وكمْ مِن واحدٍ يُمسي معَ الأحياءِ ويُصبِحُ معَ الأمواتِ؟ يا بنَ آدمَ، إنما أنتَ أيَّامٌ، فإذا ذهبَ بعضُها ذهبَ بعضُكَ.

 

إنَّ ربِّي سبحانَهُ حينَ تحدَّثَ عن هذهِ الحياةِ قالَ: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الملك: 2]، فَلِمَ قَدَّمَ الموتَ على الحياةِ؟ معَ أنَّ الحياةَ تَسبِقُ الموتَ، عَلَّمَنا أنَّ الخياراتِ في الحياةِ كثيرةٌ: إمَّا طريقُ الصلاحِ والهدايةِ، وإمَّا طريقُ الغِوايةِ والرَّدَى. أمَّا إذا نَزَلَتْ ساعتُكَ فلا خيارَ عندَكَ: إمَّا شقاءٌ وإمَّا سعادةٌ، إمَّا جنةٌ وإمَّا نارٌ؛ لذلكَ قالَ ربِّي سبحانَهُ: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾.

 

وانظُرْ إلى هذا التصويرِ العظيمِ حينَ قالَ ربِّي سبحانَهُ: ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ﴾ [الجمعة: 8]. انظروا إلى هذا: الموتُ الذي تَفِرُّونَ منهُ تَظُنُّونَ أنَّكُم سَبقتُمُوهُ وأنَّهُ خَلفَكُم، فجأةً تَجِدُونهُ أمامَكُم، ليسَ لكم مَفَرٌّ منهُ؛ سواءٌ بِحادثٍ أو طَلْقَةِ رَصاصٍ أو بمَرَضٍ شديدٍ أو مَوتٍ فُجائِيٍّ؛ إذًا أينَ تَفِرُّونَ منهُ؟ يُدرِكُكُم الموتُ أينما كنتُم.

 

أيها الأحبةُ، إنَّها عِبَرٌ وعِظَاتٌ ووقفاتٌ لا بُدَّ أنْ نَقِفَها في هذهِ الحياةِ. دخلنا في مَغسَلَةِ الموتِ بمكةَ المكرّمةِ فسألنا المُغَسِّلَ: مَن أكثرُ مَن يأتيكَ مِن المَوتَى؟ فقالَ: أكثرُ المَوتَى هُم مَعشَرُ الشبابِ؛ صِغارُ السنِّ أكثرُ مِن كِبارِهِم.

 

أيها الشبابُ، إنَّ الموتَ لا يَعرِفُ صغيرًا ولا كبيرًا ولا رئيسًا ولا مرؤوسًا، فقِفْ أخي الغالي لِتَتَذَكَّرَ أنَّ الموتَ كأسٌ يَدُورُ على كلِّ واحدٍ منَّا، سَيَشرَبُ منهُ الصغيرُ والكبيرُ والذَّكَرُ والأُنثى والرئيسُ والمرؤوسُ والتاجرُ والفقيرُ.

 

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ [آل عمران: 185]، وليتَ الأمرَ يَنتهي عندَ الموتِ فقولُنا كافٍ، ولكن قِفْ أخي الغالي معَ تلكَ السَّكَرَاتِ وتلكَ الآهاتِ وتلكَ النَّزَعَاتِ. قِفْ أيها الحبيبُ وأنتَ تَتَذَكَّرُ فِراقَ هذهِ الحياةِ الدُّنيا، فلا أهلَ ولا أقرَبونَ ولا أصحابٌ يَنفعونَ.

 

تذَكَّرْ يومَ تُحمَلُ على الأكتافِ، وقبلَها يومَ أنْ يُغَسِّلَكَ المُغَسِّلُ وأنتَ تَتَقَلَّبُ بينَ يَدَيهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ. كَمْ مِن ثيابٍ لَبِسَها أصحابُها فلمْ ينزعها عنهُم إلَّا المُغَسِّلُ؟ كَمْ مِن أُناسٍ انتقَضَ وُضوؤُهُم فلمْ يَرفَعُوا الحَدَثَ عن أنفسِهِم ورَفَعَهُ عنهُمُ المُغَسِّلُ؟ يُحمَلونَ إلى الأكتافِ، يُصَلَّى عليهِم ثمَّ يُدفَنونَ في القبورِ، فما أهوَنَ الدنيا وما أهوَنَ زينتَها!

 

قِفْ أخي الغالي أمامَ ذلكَ القبرِ وتذَكَّرْ أنَّ الحُفرةَ ليستْ نهايةَ الحياةِ بلْ بوَّابةٌ إلى عالَمٍ آخَرَ، عالَمٍ عجيبٍ عظيمٍ. تلكَ الحُفرةُ إمَّا أنْ تكونَ طريقًا إلى جنةٍ عظيمةٍ أو أنْ تَضِيقَ على أهلِها. نُؤمِنُ بما جاءَ مِن أخبارٍ عنها، وبما أخبَرَنا بهِ ربُّنا ورسولُنا صلى اللهُ عليهِ وسلمَ. قِفْ أمامَ قَبرِ صاحبٍ لكَ واسألْ نفسَكَ: أينَ هو الآنَ؟ هل هو في نعيمٍ ورضوانٍ أمْ في دَرَكاتِ العذابِ؟ ثمَّ عُدْ إلى نفسِكَ واسألْها: كيفَ حالُك غدًا إذا وُضِعتَ أنتَ في تلكَ الحُفرةِ؟ انقَطَعَتْ الآجالُ وحُجِبَتْ عن البشرِ، فلا يَنفعُكَ إلَّا عملُكَ الصالحُ.

 

أخي الحبيبُ، قِفْ هذهِ الوقفةَ؛ رسولُك المُصطَفَى صلى اللهُ عليهِ وسلمَ رأى الجنةَ ونعيمَها، ورأى النارَ وأهوالَها، فقالَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: "ما رأيتُ منظرًا قطُّ أفظعَ مِن منظرِ القبرِ"، أو بمعنى: ما رأيتُ منظرًا أفظعَ منهُ إلَّا القبرُ أفظعُ منهُ. يا أحبةُ، قَسَتْ هذهِ القلوبُ حتى صارَ بعضُنا لا يَتَّعِظُ بهذهِ المواعظِ، وإلَّا فهي عِبَرٌ وعَبَرَاتٌ.

 

قِفْ أمامَ القبرِ وقُلْ: ما حالُ مَن سَكَنَ الثَّرَى؟ أمسى وقد ذَبُلَتْ أَوَاصِلُهُ؟ أمسى ولا روحُ الحياةِ تَنَالُهُ؟ أمسى وقد دُفِنَ ولمْ يَنبِضْ لهُ قلبٌ؟ وما تزالُ الدنيا تَلعَبُ بالفتاةِ وبالفتى، هكذا الحياةُ، فهلْ مِن مُعتَبِرٍ؟ وهلْ مِن مُتَّعِظٍ؟ وهلْ مِن مُرتَدِعٍ؟

 

أسألُ اللهَ العليَّ العظيمَ أنْ يُحْسِنَ خاتمتَنا، وأنْ يَغفِرَ لنا ذنوبَنا، وأنْ يرحَمَنا برحمتهِ. قلتُ ما تَسمَعونَ، فاستغفروا اللهَ فأنتم فوزُ المستغفرينَ.

 

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ وكفَى، وصلاةٌ وسلامٌ على عبادِهِ الذينَ اصطَفَى، وعلى نبيِّنا محمدٍ، ومَن سارَ على نهجِهِ واقتَدَى، أما بعدُ:

عِبادَ اللهِ، فإنَّ الإنسانَ إذا علِمَ أنَّ حياتَهُ في هذهِ الدُّنيا لا يَعلَمُ متى تُغلَقُ بابُها فَلْيَأخُذْ هذهِ الرِّسائلَ:

الرسالةُ الأولى: احذرْ أخي الحبيب مِن المَظالِمِ. أَعِدِ المظالمَ إلى أهلِها- مِن دمٍ أو مالٍ أو عِرضٍ أو غيرِها- اليومَ قبلَ مَجيءِ دارٍ لا تَقدِرُ فيها على شيءٍ، دارِ الإفلاسِ والضعفِ؛ إذْ لا يكونُ بإمكانِكَ أنْ تَقضِيَ حَقَّ أحدٍ هناكَ. قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: "أتدرونَ مَن المفلسُ؟" قالوا: "المفلسُ مَن لا درهمَ لهُ ولا متاعَ". قالَ: "المفلسُ مَن يأتي يومَ القيامةِ وهو عندَهُ حسناتٌ كالجبالِ، فيأخُذُ هذا مِن حسناتِهِ وهذا مِن حسناتِهِ، فإذا فَنِيَتْ حسناتُهُ أَخَذَ مِن سيِّئاتِهِم فوُضِعَ في النارِ". وكانَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ يقولُ: "مَن كانَ لهُ مَظلَمَةٌ لأخيهِ فليُؤَدِّها اليومَ قبلَ أنْ لا يكونَ لهُ دينارٌ ولا درهمٌ".

 

فَرَدُّ المظالمِ إلى أهلِها مطلوبٌ، واللهُ لا يَنفعُكَ الكِبْرُ ولا العِنادُ ولا النفخُ في الذاتِ إذا حَلَّتْ بكَ يَدُ المَنونِ.

 

الرسالةُ الثانيةُ: لازِمِ التوبةَ والاستغفارَ والرُّجوعَ إلى اللهِ، فالبدارَ البدارَ: التوبةَ والتوبةَ، الاستغفارَ والاستغفارَ، الحسناتِ بعدَ السيئاتِ، الرَّكعاتِ بعدَ الخطايا، فإذا جاءكَ الموتُ وأنتَ على توبةٍ كنتَ مِن الفائزينَ.

 

الوصيةُ: مَن كانَ عندَهُ حقوقٌ للناسِ فليَكتُبْها ولِيُدوِّنْها، فإنَّ الوصيةَ في حقِّهِ واجبةٌ كما أخبَرَنا الحبيبُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ.

 

أيها الأحبةُ، حياتُنا مَقضِيَّةٌ لا نَعلَمُ متى يَنقضي أجلُنا: ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [النحل: 61]. فانظروا إلى كثرةِ الجنائزِ وصلواتِ الناسِ على الأمواتِ، كَمْ مِن شبابٍ كانتْ عندَهُمْ آمالٌ وطموحاتٌ، فجاءَ الموتُ فأفناهم. فاللهَ اللهَ بِإصلاحِ القلوبِ والأعمالِ والرُّجوعِ إلى اللهِ.

 

الصلاةَ فلا تُفَوِّتْها، بِرَّك والديكَ، صِلَتَكَ رَحِمَكَ، أحسِنْ جِوارَكَ، لِسانَكَ، وأحصِنْ فَرْجَكَ، تَقَبَّلْ إلى ربِّكَ وأنتَ طاهرٌ نقيٌّ. احذرِ المظالمَ وأكلَ المالِ العامِّ والغِشَّ في البيعِ والشراءِ والغِيبةَ والنميمةَ وألفاظَ السوءِ وشهادةَ الزورِ.

 

نسألُ اللهَ العليَّ العظيمَ، ربَّ العرشِ الكريمِ، بأسمائِه الحسنى وصِفاتِه العُلى أنْ يُحسنَ أعمالَنا وأنْ يُحسنَ خَواتِمَنا. اللهمَّ أحسِنْ خاتمتَنا، اللهمَّ لا تُخرِجْنا مِن هذهِ الدنيا إلَّا وأنتَ راضٍ عنَّا. نحنُ عبادُكَ المُعتَرِفونَ المُتَذَلِّلونَ بينَ يَديكَ.

 

"لا إلهَ إلَّا أنتَ سبحانَك إنَّا كنَّا مِن الظالمينَ"- "لا إلهَ إلَّا أنتَ سبحانَك إنَّا كنَّا مِن المُقَصِّرينَ"- اللهمَّ فَجُدْ علينا بتوبةٍ ورحمةٍ تَهدي بها قلوبَنا، وتُصلِحُ بها أحوالَنا، وتُرخِّصُ بها أسعارَنا، وتُؤمِّنُ بلادَنا وطُرُقَاتِنا، وتَوَلِّي علَينا أخيَارَنا، وتُبعِد عَنَّا أشرارَنا يا أكرمَ الأكرمينَ يا أرحمَ الرَّاحمينَ.

 

اللهمَّ احفظْ نِعمَةَ دينِنا ونِعمَةَ إيمانِنا ونِعمَةَ أولادِنا وشبابِنا وأمانِنا. يا ربَّنا يا كريمُ، مَن أرادَ بدينِنا سوءًا وببلادِنا سوءًا وباقتصادِنا سوءًا وبأمنِنا سوءًا وبشبابِنا سوءًا، فاجعلْ تدبيرَهُ تدميرًا عليهِ، يا ربَّ العالمينَ يا أكرمَ الأكرمينَ.

 

اللهمَّ أصلِحْ حالَ المسلمينَ في مَشارقِ الأرضِ ومغاربِها، كُنْ لأهلِنا المستضعَفينَ في فلسطينَ وفي سوريا ولبنانَ وكلِّ بقاعِ الدنيا، اللهمَّ دَاوِ جراحَهُم، وفُكَّ أَسْرَهُم، وتقبَّلْ شُهداءَهُم، اللهمَّ عليكَ بأعدائِنا ومَن كانَ معَهُم يا جبَّارُ يا قهَّارُ يا مُنتَقِمُ، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • ذكر شيء من الحوادث المتعلقة بمكة في الإسلام
  • ذكر طائفة من الحوادث والوقائع والأمور التي وقعت في رمضان (1)
  • ذكر طائفة من الحوادث والوقائع والأمور التي وقعت في رمضان (2)
  • ذكر طائفة من الحوادث والوقائع والأمور التي وقعت في رمضان (3)
  • جريمة الطارف غريم (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • عيش النبي صلى الله عليه وسلم سلوة للقانع وعبرة للطامع (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وفاة سماحة المفتي عبدالعزيز آل الشيخ رحمه الله: الأثر والعبر (خطبة)(مقالة - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • خطبة: فتنة الدجال... العبر والوقاية (2)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • عبرة اليقين في صدقة أبي الدحداح (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: العبرة من كسوف الشمس والقمر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: التغافل خلق الفضلاء وخصلة الكرماء(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة " عليكم بسنتي "(محاضرة - مكتبة الألوكة)
  • الشكر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة بعنوان: (البينة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أسباب السعادة ومفاتيح خير الدنيا والآخرة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • المنتدى الإسلامي الإقليمي السابع في ألميتيفسك
  • نجاح البرنامج التجريبي "حلقة الإخوة" لدعم المسلمين الجدد في أستراليا
  • ندوة علمية لتعزيز مهارات الخطابة لدى الأئمة في سازين
  • مؤتمر دولي في لاغوس يناقش فقه العقيدة الصحيحة والتحديات المعاصرة
  • مسلمو توزلا ينظمون حملة إنسانية ناجحة للتبرع بالدم
  • المسلمون الأكثر سخاء في بريطانيا وتبرعاتهم تفوق المتوسط بأربعة أضعاف
  • تشوفاشيا تشهد افتتاح مسجد مرمم بحضور ديني ورسمي
  • تكريم الفائزين في مسابقة حفظ القرآن بزينيتسا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 25/7/1447هـ - الساعة: 17:11
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب