• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    إطلالة على مشارف السبع المثاني (6) {اهدنا الصراط ...
    وضاح سيف الجبزي
  •  
    طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: مقام المحبة: ...
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    تخريج حديث: المستحاضة بالوضوء لكل صلاة (6)
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    استقبال شهر رمضان (خطبة)
    أبو سلمان راجح الحنق
  •  
    تفسير: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه ...
    تفسير القرآن الكريم
  •  
    عظمة وكرم (خطبة) - باللغة النيبالية
    حسام بن عبدالعزيز الجبرين
  •  
    كيف نستقبل رمضان؟ (خطبة)
    مطيع الظفاري
  •  
    خطبة: الكبر الفرعوني
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    استقبال رمضان (خطبة)
    الشيخ الدكتور صالح بن مقبل العصيمي ...
  •  
    سلسلة هدايات القرآن (15) هدايات سورة الفاتحة: ...
    حمادة إسماعيل فودة
  •  
    كيف نستعد لرمضان في ضوء فضل شعبان ومعنى المبادرة ...
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    استقبال رمضان وشيء من أحكامه (خطبة)
    د. محمد بن عبدالعزيز بن إبراهيم بلوش ...
  •  
    من مائدة السيرة: خروج النبي صلى الله عليه وسلم ...
    عبدالرحمن عبدالله الشريف
  •  
    حديث: امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    تفسير سورة البينة
    أ. د. كامل صبحي صلاح
  •  
    المعاصي وعقوباتها.. طريق الذل والحرمان
    د. أمير بن محمد المدري
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / العبادات
علامة باركود

رمضان والدنيا

رمضان والدنيا
الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 25/7/2014 ميلادي - 28/9/1435 هجري

الزيارات: 26546

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

رمضان والدنيا

 

الْحَمْدُ للهِ الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ؛ خَالِقِ الزَّمَانِ، وَمُقَلِّبِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ مُغْدِقُ الْخَيْرَاتِ، وَكَاشِفُ الْكُرُبَاتِ، وَمُجِيبُ الدَّعَوَاتِ، وَقَاضِي الْحَاجَاتِ، لَهُ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي هِبَاتٌ وَعَطَايَا يَسْعَدُ بِهَا مَنْ تَعَرَّضَ لَهَا فَفَازَ بِهَا، وَيَشْقَى مَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا فَحُرِمَهَا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ عَرَفَ حَقِيقَةَ الدُّنْيَا فَلَمْ يَحْفِلْ بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا، وَاخْتَارَ الْعُبُودِيَّةَ وَالنُّبُوَّةَ عَلَى الْمُلْكِ وَالنُّبُوَّةِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَاخْتِمُوا هَذَا الشَّهْرَ الْكَرِيمَ بِكَثْرَةِ الِاسْتِغْفَارِ، وَالدُّعَاءِ بِالْقَبُولِ وَالْغُفْرَانِ؛ فَإِنَّ الِاسْتِغْفَارَ اعْتِرَافٌ بِالتَّقْصِيرِ فِي الْعِبَادَةِ، وَإِنَّ الْقَبُولَ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الْعَمَلِ ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [المائدة: 27].

 

أَيُّهَا النَّاسُ:

قَبْلَ أَيَّامٍ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ كَانَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ إِعْلَانَ دُخُولِ الشَّهْرِ، وَكَانَتْ أَجْهِزَتُهُمْ لَا تَفْتُرُ عَنِ الرَّنِينِ بِالرَّسَائِلِ فِي ذَلِكَ، فَلَمْ يُرَ الْهِلَالُ لَيْلَتَهَا، وَأَكْمَلُوا شَعْبَانَ، ثُمَّ دَخَلُوا فِي الصِّيَامِ، وَبَعْدَ يَوْمَيْنِ سَيَتَرَقَّبُ النَّاسُ خُرُوجَ الشَّهْرِ، وَيَتَحَلَّقُونَ حَوْلَ أَجْهِزَتِهِمْ وَقْتَ الْغُرُوبِ وَبَعْدَهُ؛ لِانْتِظَارِ الْإِعْلَانِ عَنْ نِهَايَةِ الشَّهْرِ.

 

مَا أَسْرَعَ الْأَيَّامَ! وَمَا أَرْخَصَ الدُّنْيَا..! وَمَا رَخَصَتْ إِلَّا لِزَوَالِهَا؛ فَمَنْ عُمِّرُوا فِي نَعِيمِهَا فَوْقَ الْمِئَةِ ذَهَبَتْ أَعْمَارُهُمْ، وَوَسِّدُوا فِي قُبُورِهِمْ، فَعَلَامَ يَحْزَنُ الْمَرْءُ عَلَى فَوْتِ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا وَهِيَ تَفْنَى؟! وَلِمَ يَفْرَحْ بِنَيْلِ شَيْءٍ مِنْهَا وَهُوَ يَزُولُ؟!

 

وَإِنَّمَا يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُ بِمَوَاسِمِ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ لِيَعْمَلَ فِيهَا، وَيَحْزَنُ لِانْقِضَائِهَا؛ لِأَنَّ أَرْبَاحَهُ الْمُضَاعَفَةَ تَتَوَقَّفُ عَقِبَهَا، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَعْمَلُ إِلَى أَنْ يَنْقَضِيَ أَجَلُهُ، وَيَسْتَفِيدُ مِنْ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ وَقْتِهِ ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 99].

 

وَرَمَضَانُ كَالدُّنْيَا بِالنِّسْبةِ لِلْإِنْسَانِ؛ فَكِلَاهُمَا زَمَنٌ، وَكِلَاهُمَا ظَرْفٌ لِلْعَمَلِ، وَكِلَاهُمَا قَدَرٌ؛ فَرَمَضَانُ زَمَنٌ لَهُ بِدَايَةٌ وَنِهَايَةٌ، وَكَذَلِكَ الدُّنْيَا، وَرَمَضَانُ ظَرْفٌ لِمَا عَمِلَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَكَذَلِكَ الدُّنْيَا. وَرَمَضَانُ قَدَرٌ قَدَّرَهُ اللهُ تَعَالَى فَلَا يَمْلِكُ الْبَشَرُ تَقْدِيمَهُ وَلَا تَأْخِيرَهُ، وَلَا يَمْلِكُونَ قَصْرَهُ وَلَا مَدَّهُ، وَلَا يَمْلِكُونَ زِيَادَتَهُ وَلَا نَقْصَهُ، بَلْ هُوَ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾ [البقرة: 184]، وَكَذَلِكَ الدُّنْيَا وَعُمْرُ الْإِنْسَانِ فِيهَا ﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [النحل: 61].

 

وَيَدْخُلُ رَمَضَانُ وَظُرُوفُ النَّاسِ فِيهِ مُتَبَايِنَةٌ، وَأَحْوَالُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ، فَفِيهِمُ الْمُتَهَيِّئُ لَهُ وَغَيْرُ الْمُتَهَيِّئِ، وَفِيهِمُ الْفَارِغُ وَالْمَشْغُولُ، وَفِيهِمُ السَّعِيدُ وَالْمَهْمُومُ، وَكَذَلِكَ الدُّنْيَا يَفِدُ الْمَوَالِيدُ إِلَيْهَا كُلَّ يَوْمٍ وَفِيهِمْ مَنْ يُولَدُ فِي قَصْرٍ وَمَنْ يُولَدُ فِي كَهْفٍ، وَفِيهِمْ مَنْ يُولَدُ فِي حَرْبٍ وَمَنْ يُولَدُ فِي سِلْمٍ، وَفِيهِمْ مَنْ يُولَدُ فِي دَارِ كُفْرٍ وَمَنْ يُولَدُ فِي دَارِ إِسْلَامٍ.

 

وَلِذَا فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى إِذَا أَنْعَمَ عَلَى الْعَبْدِ بِأَنْ أَوْجَدَهُ فِي دَارِ إِسْلَامٍ، وَدَارِ أَمْنٍ وَرَخَاءٍ كَانَ ذَلِكَ نِعْمَةً عَظِيمَةً تَسْتَوْجِبُ مِنْهُ كَمَالَ الْعُبُودِيَّةِ للهِ تَعَالَى، وَتَمَامَ الشُّكْرِ، فَإِذَا أَدْرَكَ رَمَضَانَ وَهُوَ فِي أَمْنٍ وَصِحَّةٍ وَعَافِيَةٍ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي مَنْ كَفَرَهَا فَضَيَّعَ رَمَضَانَ فِي اللَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ فَقَدْ حُرِمَ خَيْرًا كَثِيرًا.

 

إِنَّ فِي رَمَضَانَ عِبْرَةً لِمَنِ اعْتَبَرَ.. فِي بِدَايَتِهِ وَنِهَايَتِهِ.. وَفِي لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ.. وَفِي اخْتِلَافِ عَمَلِ النَّاسِ فِيهِ.. بَيْنَ صَائِمٍ وَمُفْطِرٍ، وَقَائِمٍ وَنَائِمٍ، وَقَارِئٍ وَلَاهٍ، وَجَادٍّ وَعَابِثٍ.. عَاشُوا الشَّهْرَ نَفْسَهُ، وَقَضَوُا الْوَقْتَ عَيْنَهُ، وَلَكِنْ شَتَّانَ بَيْنَهُمَا ﴿ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 213].

 

إِنَّ أُنَاسًا جَدُّوا وَاجْتَهَدُوا وَتَعِبُوا فِي رَمَضَانَ، وَمَنَعُوا أَنْفُسَهُمْ زُورَ الْمَجَالِسِ، وَفُضُولَ الْمُخَالَطَةِ، وَلَغْوَ الْكَلَامِ، وَحَبَسُوهَا عَلَى صَالِحِ الْأَعْمَالِ..

 

وَإِنَّ أُنَاسًا آخَرِينَ.. مَا تَرَكُوا فِي رَمَضَانَ بَابًا مِنَ التَّرْفِيهِ إِلَّا أَتَوْهُ، وَلَا مَجْلِسًا لِلَّغْوِ وَالزُّورِ وَالْإِثْمِ إِلَّا حَضَرُوهُ، وَلَا طَرِيقًا لِاكْتِسَابِ الْآثَامِ إِلَّا سَلَكُوهُ.. ثُمَّ مَاذَا بَعْدُ؟!

 

مَضَى رَمَضَانُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ يَوْمًا بِيَوْمٍ، وَلَيْلَةً بِلَيْلَةٍ، وَكُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ.. وَبَعْدَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ يُخْتَمُ عَمَلُ رَمَضَانَ، وَلَا تُفَضُّ صَحِيفَتُهُ إِلَّا يَوْمَ الْحِسَابِ لِيَرَى كُلُّ عَامِلٍ مَا عَمِلَ، فَإِمَّا وَجَدَ خَيْرًا يَسُرُّه وَيَنْفَعُهُ، وَإِمَّا وَجَدَ شَرًّا يَسُوءُهُ وَيَضُرُّهُ.

 

لَا تَبْقَى مَشَقَّةُ الطَّاعَةِ، وَلَا لَذَّةُ الْمَعْصِيَةِ، يَزُولُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي وَقْتِهِ، وَيَبْقَى الْأَثَرُ وَالنَّتِيجَةُ، وَتُكْتَبُ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ.

 

وَهَكَذَا الدُّنْيَا الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا الْإِنْسَانُ عُمُرَهُ كُلَّهُ، فَإِمَّا قَضَى حَيَاتَهُ فِيمَا يُرْضِي اللهَ تَعَالَى، فَيُقْدِمُ عَلَى اللهِ تَعَالَى حِينَ يُقْدِمُ عَلَيْهِ مُسْتَبْشِرًا بِعَمَلِهِ، مُسْتَرِيحًا مِنْ كَدَرِ الدُّنْيَا وَوَصَبِهَا. وَإِمَّا قَضَى عُمُرَهُ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، فَيُقْدِمُ عَلَى اللهِ تَعَالَى بِجَرِيرَتِهِ، قَدْ سَاءَهُ عَمَلُهُ، وَكَرِهَ لِقَاءَ رَبِّهِ؛ لِمَا يَنْتَظِرُهُ مِنْ شِدَّةِ الْحِسَابِ وَأَلِيمِ الْعِقَابِ. وَقَدْ مَرَّ النَبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجِنَازَةٍ، فَقَالَ: «مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا المُسْتَرِيحُ وَالمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: «العَبْدُ المُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالعَبْدُ الفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ العِبَادُ وَالبِلاَدُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

 

أَرَأَيْتُمْ رَمَضَانَ الرَّاحِلَ.. وَكَيْفَ رَحَلَ؟ فِي غَمْضَةٍ وَأُخْتِهَا.. وَاللهِ سَنَرْحَلُ عَنِ الدُّنْيَا كَمَا رَحَلَ رَمَضَانُ عَنَّا، وَوَاللهِ سَتَزُولُ الدًُّنْيَا كَأَنْ لَمْ تَكُنْ كَمَا ذَهَبَ رَمَضَانُ وَكَأَنْ لَمْ يَكُنْ.. ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ﴾ [المؤمنون: 112- 113].

 

إِنَّنَا رَاحِلُونَ عَنِ الدُّنْيَا كَمَا يَرْحَلُ رَمَضَانُ، فَلْنَجْعَلْ حَيَاتَنَا كُلَّهَا رَمَضَانَ، فَمَنْ أَحْسَنَ فِي رَمَضَانَ فَلْيُكْمِلْ إِحْسَانَهُ بَعْدَهُ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي رَمَضَانَ فَلْيَأْخُذْ عِبْرَةً مِنْ مُرُورِ أَيَّامِهِ، وَسُرْعَةِ انْقِضَائِهِ؛ لِيَعْلَمَ أَنَّ الدُّنْيَا لَا تُسَاوِي مَنْ يَعْمَلُ لَهَا، وَيَشْقَى لِأَجْلِهَا، وَيُضَيِّعُ آخِرَتَهُ بِسَبَبِهَا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ هَذِهِ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

 

إِنَّ مَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ بِرَمَضَانَ فِي بِدَايَتِهِ وَنِهَايَتِهِ، وَسُرْعَةِ انْقِضَائِهِ، وَاخْتِلَافِ عَمَلِ النَّاسِ فِيهِ؛ فَلَنْ يَعْتَبِرَ بِتَقَدُّمِ عُمُرِهِ، وَإِدْبَارِهِ عَنِ الدُّنْيَا، وَإِقْبَالِهِ عَلَى الْآخِرَةِ، وَسَيَعِيشُ غَفْلَةً مُطْبِقَةً عَلَى قَلْبِهِ إِلَى أَنْ يَحْضُرَهُ أَجَلُهُ وَهُوَ لَمْ يَسْتَعِدَّ لِلرَّحِيلِ، فَيَنْدَمُ وَلَاتَ حِينَ مَنْدَمٍ.

 

لِتَكُنْ حَيَاتُنَا كُلُّهَا رَمَضَانَ.. لِنَجْعَلْ مِنْ بَقِيَّةِ أَعْمَارِنَا رَمَضَانَ، فِي الْإِقْبَالِ عَلَى اللهِ تَعَالَى، وَالْتِزَامِ طَاعَتِهِ، وَالْبُعْدِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَتَنْوِيعِ الْعِبَادَاتِ، وَاسْتِغْرَاقِ الْوَقْتِ فِي الطَّاعَاتِ؛ فَإِنَّ مَنْ جَعَلَ دُنْيَاهُ كُلَّهَا رَمَضَانَ لَمْ يَجْزَعْ مِنَ الْمَوْتِ إِنْ جَاءَهُ، وَلَمْ يَأْسَ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا فَاتَهُ، وَفَرِحَ بِلِقَاءِ اللهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ دُنْيَاهُ مَيْدَانًا لِمَرْضَاتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: «إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنْفَعَكَ صَلَاتُكَ فَقُلْ: لَعَلِّي لَا أُصَلِّي غَيْرَهَا».

 

وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- لَا يَكَادُ يَخْرُجُ مِنْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ بَكَى، وَقَالَ: «أَخَافُ أَلَّا أَعُودَ إِلَيْهِ».

 

وَقَالَ يَحْيَى الْغَسَّانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: «مَا نِمْتُ يَوْمًا قَطُّ فَحَدَّثْتُ نَفْسِي أَنِّي أَسْتَيْقِظُ مِنْهُ».

 

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾ [الشعراء: 205-207].

 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ...

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَامْلَئُوا قُلُوبَكُمْ بِتَعْظِيمِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهِ، وَرَجَاءِ رَحْمَتِهِ، وَالْخَوْفِ مِنْ عَذَابِهِ؛ فَإِنَّ رَبَّكُمْ عِنْدَ ظَنِّ عِبَادِهِ بِهِ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:

لِنَجْعَلْ حَيَاتَنَا كُلَّهَا رَمَضَانَ، وَلْنُحْسِنْ خِتَامَ هَذِهِ الْأَيَّامِ، فَلَعَلَّنَا لَا نُدْرِكُ أَمْثَالَهَا، وَلْنُكْثِرْ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ، وَلْنَسْأَلِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ الْعَفْوَ وَالْقَبُولَ وَالغُفْرَانَ.

 

وَقَدْ فَرَضَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْنَا فِي خِتَامِ شَهْرِنَا زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَهِيَ زَكَاةُ أَبْدَانِنَا بِأَنْ أَبْقَانَا اللهُ تَعَالَى حَوْلًا كَامِلًا، وَهِيَ تُرَقِّعُ مَا تَخَرَّقَ مِنْ صِيَامِنَا، وَتَنْفَعُ الْمَسَاكِينَ مِنْ إِخْوَانِنَا؛ كَمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

 

وَمِقْدَارُهَا صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ، تُؤَدَّى قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ؛ كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، رَوَى ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- قَال: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ..





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • رمضانُ.. شهرُ الغفران
  • رمضانُ وفرصةُ التغيير
  • رمضان والجد
  • رمضان والجود
  • إرشاد المدخنين لما فيه صلاح الدنيا والدين
  • مداولة الدنيا
  • رمضان والجهاد (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • كيف نستقبل رمضان؟ (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • اتخاذ الأسباب اللازمة لاستقبال رمضان(مقالة - موقع الشيخ الدكتور عبدالله بن ضيف الله الرحيلي)
  • علمني رمضان(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: مقام المحبة: الثمرة التي لا تعطى بلا امتحان(مقالة - آفاق الشريعة)
  • استقبال شهر رمضان (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ماذا عن رمضان؟(كتاب - ملفات خاصة)
  • استقبال رمضان (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • استقبال رمضان وشيء من أحكامه (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • البرنامج العملي للاستفادة من مدرسة رمضان(مقالة - موقع الشيخ الدكتور عبدالله بن ضيف الله الرحيلي)
  • الرمضانيات: ثلاثون درسا في رمضان (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • لقاءات علمية واستعدادات رمضانية في تتارستان
  • ندوة مهنية في مدينة توزلا لتعزيز كفاءات الأئمة والمعلمين الشباب
  • مساجد فيكتوريا تنشر الإسلام وتعزز الروابط المجتمعية في يوم المسجد المفتوح
  • مناقشة الفضائل الأخلاقية والإيمانية للإمام في ندوة علمية بعاصمة الجبل الأسود
  • ورشة عمل تحضيرية لاستقبال شهر رمضان في مدينة بوينس آيرس الأرجنتينية
  • قمة شبابية دولية في أستراليا لتعزيز الهوية والقيادة الإسلامية
  • ندوة علمية في ساراتوف تبحث أحكام الزكاة وآليات تطبيقها
  • مفكرة يومية ترافق الصائمين في رحلتهم الإيمانية خلال رمضان في تتارستان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 27/8/1447هـ - الساعة: 17:20
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب