• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    خطبة: الاتجار بالبشر
    سعيد بن محمد آل ثابت
  •  
    نعمة الامتنان (خطبة)
    أحمد بن عبدالله الحزيمي
  •  
    الماء بين النعمة والآية والعذاب (خطبة)
    محمد حسين حسن
  •  
    الزم طريق الهدى واتبع هدي السلف
    سيد مبارك
  •  
    البركة سر الحياة الطيبة (خطبة)
    د. عبدالرزاق السيد
  •  
    الإمام الزمخشري وتوظيف علوم البلاغة في تفسير ...
    محمد قائد ناجي محمد الحسيني
  •  
    تحريم الإيمان ببعض الشرع دون بعض
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    فضل من حفظ فرجه خوفا من الله تعالى
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    فوائد وأحكام من قوله تعالى: {لقد سمع الله قول ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    عمل أثقل من الدنيا في ميزان الموتى (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    خطبة: وصية نوح عليه السلام
    د. صغير بن محمد الصغير
  •  
    الدعاء للوالدين (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    الإخلاص وفتنة الظهور
    د. علي شومان محمد علي أبو دية
  •  
    أنهل القيم وأجزل النعم = البركة (2) مفاتيحها - ...
    وضاح سيف الجبزي
  •  
    باب في المتحابين في الله
    د. خالد النجار
  •  
    إطلالة على شيء من تصرفات الإمام أحمد في مسنده - ...
    شوقي محمد البنا
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / التفسير وعلوم القرآن
علامة باركود

مقدمة في البصيرة

مقدمة في البصيرة
د. أمين الدميري

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 15/2/2014 ميلادي - 16/4/1435 هجري

الزيارات: 53736

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

البصيرة


مقدمة:

قال تعالى: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف: 108].


يقول ابن كثير - رحمه الله -:

(قال تعالى لرسولِه صلى الله عليه وسلم آمرًا له أن يخبرَ الناس أن هذه سبيلُه - أي طريقته ومسلكه وسنته - وهي الدعوةُ إلى شهادةِ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ويدعو إلى الله بها على بصيرةٍ ويقين وبراهين هو وكلُّ منِ اتَّبَعه ...)[1]، ويقول الألوسي: "الجار والمجرور ﴿ عَلَى بَصِيرَةٍ ﴾ في موضعِ الحال من ضمير: ﴿ أَدْعُو ﴾"[2]، ومن هنا يمكنُ الإشارة إلى ما يلي:

أولاً: أن طريقَ النبي صلى الله عليه وسلم، ومَن أراد أن يسلكَ سُنَّته، هي الدعوةُ إلى الله تعالى؛ أي إلى توحيده: "يشمل توحيدَ الربوبية والألوهية والأسماء والصفات".

ثانيًا: أن الدعوةَ إنما تكون على بصيرة، والبصيرة هنا حالُ الدعوة والداعي، وعليه فإن على الداعي أن يكونَ ذا بصيرة، وبصيرته تسبِق دعوته، فإن لم يكن ذا بصيرةٍ، فكيف يكون داعيًا على طريقةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؟

 

ثالثًا: لكي تتحققَ البصيرة عند الداعي، فإن ذلك يستلزمُ ما يلي:

1- أن يكون بصيرًا بمن يدعو إليه، وهو الله عز وجل، يقول ابن القيم - رحمه الله -: (والبصيرةُ على ثلاث درجات، مَن استكملها فقد استكمل البصيرةَ: بصيرة في الأسماء والصِّفات، وبصيرة في الأمرِ والنَّهي، وبصيرة في الوعد والوعيد)[3].

 

2- أن يكون بصيرًا بمن يدعوه، وهو "المدعو"؛ من حيث حالُه وسِنُّه، وعِلمه أو جهله، وثقافته، وهل هو مسلمٌ أو غير مسلم، والوقوف قَدْرَ الإمكان على خصائصِه النفسية والعقلية والاجتماعية؛ ذلك لأن الداعيَ كالطبيب، لا بد قبْلَ أن يصف الدواءَ مِن تشخيص الدَّاء، وتحديد الجرعات الملائمة والتدرج فيها، والبدء بما يكون صالحًا مُفيدًا متقبَّلاً!

 

3- أن يكون بصيرًا بأهدافِ دعوته الكلية والجزئية، القريبة والبعيدة؛ فمن الأهدافِ الكلية: إقامةُ المجتمع المسلِم، وللوصولِ إلى هذا الهدف، لا بد مِن تكوين العبد الرَّبَّاني، وهو العبدُ الصالح المُصلِح، وهو هدف مَرحلي يوصل إلى الهدفِ الكلي، وكذلك من الأهداف القريبة: إقامةُ الصلاة بشروطها وأركانها، وسُنَنها وهيئاتها، وهو هدفٌ موصل إلى فريضةِ الأمرِ بالمعروف والنَّهي عن المنكر؛ قال تعالى: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [لقمان: 17].

 

4- أن يكون بصيرًا بالأساليب والوسائل المشروعة، والموصلة إلى الأهداف المرسومة؛ ذلك لأن الدعوةَ إلى الله تعالى عبادة، ومن شروط العبادة: المتابَعة لكتاب اللهِ وسُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الأساليبِ المشروعة: الحكمةُ، والموعظة الحسنة، والجِدالُ بالتي هي أحسن؛ قال تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [النحل: 125]، ومن الوسائلِ المشروعة: العقوبةُ بالمثل (قد تكون المقاتلة)، أو الصبرُ حتى بلوغ الهدف؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾ [النحل: 126].

 

5- أن يكون بصيرًا ببيئةِ الدعوة وطبيعة المرحلة: فمن حيث بيئة الدعوة، هل هي بيئةُ شِرك أم توحيد؛ فإن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا أرسل مُعاذًا إلى اليمن قال له: ((إنك تأتي قومًا أهلَ كتاب، فليكُنْ أولَ ما تدعوهم إليه شَهادةُ أن لا إله إلا اللهُ وأن محمدًا رسول الله))[4]؛ فبيئة الدعوةُ شِركٌ بالله؛ لذا كانت أهميةُ البدء بالدعوة إلى التوحيد، أما من حيث المرحلة، فإن الدعوةَ تمرُّ بمراحلَ مختلفة؛ كالتكوين، والاستضعاف، والتَّمكين، ولكل مرحلةٍ ما يناسبُها من أهدافٍ ووسائل وأساليب، وقد تنقلبُ الوسائلُ إلى أهداف، والأهداف إلى وسائلَ حسَبَ طبيعة المرحلة؛ ففي حال الاستضعافِ مثلاً يكون الهدفُ هو الحفاظَ على الجماعة المسلمة، وتكون الوسيلةُ هي الصبرَ، وضَبْطَ النفس، وعدم التعجُّلِ في بلوغ الأهداف، وكذا عدم الالتفات إلى أهدافٍ جزئية أو فرعية وتَرْك الهدف الأساس...، كما أن ردودَ الأفعال التِّلقائية والتي لم تُحسَب عواقبُها من أخطرِ الأمور التي تضرُّ الدعوةَ وأصحابَها، خصوصًا في مراحلها الأولى؛ ذلك لأن الجماعةَ الأولى مَثَلُها كمَثَل النَّبتة اللينة، سهلةُ الانكسار، وعُرْضة للإفناءِ والاستئصال، أما حين يشتدُّ عُودها، وتستوي على سوقِها، فإنها تتحملُ الضَّربات، وتُواجِه المؤامرات، ولعل هذا معنى ما جاء في قوله تعالى: (في وصفِ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه): ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الفتح: 29]، يقول الإمام الألوسي: (وهو مَثَل ضرَبه الله تعالى للصحابة رضي الله تعالى عنهم، قلُّوا في بَدء الإسلام، ثم كثُروا واستحكَموا، فترقَّى أمرُهم يومًا فيومًا، بحيث أعجَب الناس)، وفي "الكشاف": (هو مَثَل ضرَبه اللهُ تعالى لبَدْء مرحلة الإسلام، وترقِّيه في الزيادة، إلى أنْ قوِيَ واستحكم، ظاهرُه أن الزرعَ: هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم، والشَّطء: أصحابُه رضي الله تعالى عنهم، فيكون مَثَلاً له عليه الصلاة والسلام وأصحابِه فقط[5].

 

قلتُ: وهذا من البصيرةِ، وهي النظرُ في واقع الأمور، وحساب العواقب، وتقدير الحال، والالتزام بالأهدافِ المَرْحليَّةِ للدعوة.

 

ومن البصيرة أن يتخذَ الداعي البيئةَ الصالحة المثمرة، وأن ينتقيَ أشخاص المدعوين؛ فقد قال تعالى: ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ﴾ [الأعراف: 58]، يقول ابنُ كثير: هذا مَثَلٌ ضرَبه الله تعالى للمؤمنِ والكافر، وقال البخاريُّ: عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((مَثَلُ ما بعَثني اللهُ به من الهُدى والعلم، كمَثَل الغَيثِ الكثير أصاب أرضًا، فكانت منها نقيَّةٌ قبِلت الماء، فأنبتت الكلأَ والعُشبَ الكثير، وكانت منها أجادبُ أمسَكتِ الماءَ، فنفَع اللهُ بها النَّاس، فشرِبوا وسقوا وزرَعوا، فذلك مَثَلُ مَن فقُه في دينِ الله، ونفَعه ما بعثني اللهُ به، فعلِم وعلَّم، ومَثَلُ مَن لم يرفَعْ بذلك رأسًا، ولم يقبَلْ هُدى اللهِ الذي أُرسِلْتُ به))[6].

 

والناس معادنُ كمعادنِ الذهب والفضة؛ ولهذا نجد أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم بدأ بدعوةِ أبي بكر لنَفَاسةِ مَعدِنِه، كما تمنَّى إسلامَ عمر بن الخطاب؛ لنقاءِ أصله، وتميُّز صفاته، وقد قال صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه -: ((تجِدون الناسَ معادِنَ؛ فخِيارُهم في الجاهلية خيارُهم في الإسلام إذا فقُهوا، وتجِدون مِن شرِّ الناس ذَا الوجهَينِ الذي يأتي هؤلاء بوجهٍ، وهؤلاء بوجهٍ))[7].

 

ومعرفة حقيقة إنسان ومعدِنه، والوقوفُ على قدراته، والوصول إلى مكنون نفسه - لا شكَّ يحتاج إلى بصيرةٍ وفِراسة لا تتوافر إلا عند الأنبياء وأتباعِهم، ومَن سار على نهجِهم وسلَك سبيلهم، وهي الدعوةُ إلى الله على بصيرة.

 

تعريف البصيرة:

البصيرة لغة: يقال: بصر وأبصر الشيء، وبَصُرَ به، وقد بَصُرَ بعمله، إذا صار عالِمًا به، وهو بصير به، وذو بصيرة وبصار، وهو مستبصرٌ في دِينه وعمله، وعمى الأبصار أهونُ مِن عمى البصائر، وأبصر الطريق: استبان ووضح، وله فِراسة ذات بصائر، وهي الصادقة[8].

 

والتبصُّر: التأمُّل والتعرُّف، والتبصير: التعريف والإيضاح، والبصيرة: الحُجَّة[9]؛ ومِن المعنى اللُّغوي يتضحُ أن مدلولَ البصيرة يدور حول العِلم بالشيء، والمعرفة الواضحة، والحجة، والرؤية الصادقة؛ إذ ليس كلُّ مبصر بصيرًا، فكم من فاقد لعينِ البصر لكنَّ الله تعالى منَّ عليه بنورِ البصيرة، فيرى ما لا يراه المبصرُ بعين رأسه، وعمى البصيرة أشدُّ وأنكى من عمى البصر؛ قال تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46]، فكثير مِمَّن لهم قلوب لا يعقلون ولا يفهمون ولا يعتبرون، وكثير مِمَّن لهم آذان لا يسمعون إلا كما تسمعُ البهائم التي لا تدركُ إلا جرس الأصوات، ولا تسمع سماعَ تعقُّل، وكثير مِمَّن لهم عيون لا يرَوْن إلا شخوصَ الأشياء، وقد عمِيَت قلوبُهم التي في صدورهم فلا بصيرةَ لهم؛ يقول الألوسي - رحمه الله تعالى -: (والمعنى: أنه لا يُعتَبر بعمى الأبصار، وإنما يُعتَبَر بعمى القلوب، فكأنَّ عمى الأبصار ليس بعمًى بالإضافة إلى عمى القلوب).

 

البصيرة في الاصطلاح:

تعريف البصيرة عند ابن القيم:

قال ابن القيم في منازل "إياك نعبد" التي ينتقل فيها القلبُ منزلةً منزلةً في حالِ سَيرِه إلى الله: فأولُ منازل العبودية "اليقظة"، وهي: (انزعاج القلبِ لروعة الانتباه من رقدة الغافلين)، واليقظةُ توجبُ "الفكرة"، وهي: (تحديقُ القلب نحو المطلوب...)؛ فإذا صحَّت فكرتُه أوجبت له "البصيرة"، وهي: (نورٌ يقذفه اللهُ في القلب، يرى به حقيقةَ ما أخبَرَت به الرسل، كأنه يشاهد رأيَ العين، فيتحقق - مع ذلك - انتفاعُه بما دعت إليه الرُّسل، وتضرُّرُه بمخالفتهم، وهذا يعني قولَ بعض العارفين: البصيرة: "تحقيق الانتفاعِ بالشَّيء، والتضرر به"، وقال بعضهم: ما خلَّصك من الحيرة؛ إما بإيمان وإما بعِيان)[10]، ثم يقول - رحمه الله -: (والبصيرةُ تفجر المعرفة، وتنبت الفراسة، والمعنى: أن تتفجر بها ينابعُ المعرفة من القلب، ولم يقل "تفجر العلم"؛ لأن المعرفةَ أخص من العلم، ونسبتها إلى العلم نسبة الرُّوح إلى الجسد؛ فهي رُوح العلم ولُبُّه.. "والبصيرة" تُنبت في أرضِ القلب الفِراسة الصادقة، وهي: نورٌ يقذِفه اللهُ في القلب، يفرِّق ما بين الحقِّ والباطل، والصادق والكاذب؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾ [الحجر: 75]؛ أي: المُتفرِّسين، وروى الترمذيُّ من حديث أبي سعيدٍ الخُدري عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اتقوا فِراسةَ المؤمن؛ فإنه ينظُرُ بنورِ الله عز وجل، ثم قرَأ: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾، والتوسُّم: تفعُّل من السيما، وهي العلامة، فسُمِّي المتفرِّس متوسِّمًا؛ لأنه يستدلُّ بما يشهد على ما غاب، وعلى حسَب قوةِ البصيرة وضَعْفها تكونُ الفِراسة)[11].

 

وعلى هذا فالبصيرةُ صفةٌ قلبية، يرى بها السائرُ المعارفَ على حقيقتها، أو هي نورٌ في القلب يرى به ما لا تراه العينُ، أو هي: "إدراكُ القلب للأمور إدراكًا صحيحًا، سواء كانت هذه الأمورُ شرعيةً أم حالية أم مستقبَلية"، وهو التعريفُ المختار (في الاصطلاح).

 

هذا ومن أسماء الله تعالى: (البصير)، ومعناه - كما قال الإمام الغزالي رحِمه الله -: (هو الذي يُشاهِد ويرى حتى لا يعزبَ عنه ما تحت الثرى، وإبصاره سبحانه مُنزَّه أن يكون بحدقة وأجفان... ومقدَّس عن أن يرجعَ إلى انطباع الصور والألوان في ذاتِه كما ينطبعُ في حدَقةِ الإنسان؛ فإن ذلك من التأثُّر والتغيُّر المقتضي للحدثان، وإذا نُزِّه عن ذلك كان البصرُ في حقه عبارةً عن الصِّفة التي ينكشفُ بها كمالُ نعوت المبصرات...)[12].

 

وصفةُ البصر للربِّ عز وجل ليست كصفة البصر أو البصيرة عند المخلوقين؛ فهو سبحانه: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [الشورى: 11]، ومَن منَّ اللهُ تعالى عليه من الخَلق بنعمة البصيرة أو البصر، فإنما هي مِن فيضِ الله تعالى وواسِع كرَمِه وعطائه.

 

مما سبَق ولِمزيد إيضاحٍ لمعاني البصيرة وارتباطها بأمور كثيرة، فسوف ألقي الضوء على ما يلي في ما هو قادم:

الأول: البصيرة والرؤيا (المنامية).

الثاني: البصيرة وتعبير الرؤيا (تأويل الأحاديث).

الثالث: البصيرة والفراسة.

الرابع: طرق تحصيل البصيرة.

الخامس: البصيرة والحكمة.

السادس: مِن بصيرة النبيِّ صلى الله عليه وسلم.

 

من كتاب: "البصيرة في الدعوة إلى الله"



[1] تفسير ابن كثير، ص496، طبعة الحلبي.

[2] روح المعاني، جزء 7، ص 446، المكتبة التوفيقية.

[3]مدارج السالكين، ص118، المكتب الثقافي.

[4] أخرجه البخاري في الزكاة، (7372) ، (1395)، ومسلم في الإيمان (19)، (130).

[5] روح المعاني، جزء 13، ص 179.

[6] صحيح البخاري برقم (79)، ومسلم (2282) من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة.

[7] صحيح مسلم، باب خيار الناس، ص 386، ط الشعب.

[8] أساس البلاغة للزمخشري.

[9] مختار الصحاح.

[10] روح المعاني، جزء 9، ص624.

[11] المرجع السابق ص22، والحديث حسن لغيره، في سنن الترمذي (3127) في التفسير.

[12] المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى لأبي حامد الغزالي، ص 65، دار الكتب العلمية.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • التبصر والبصيرة
  • مفاتيح البصيرة عند النوازل والفتن
  • البصيرة وتعبير الرؤيا ( تأويل الأحاديث )
  • البصيرة والفراسة
  • طرق تحصيل البصيرة
  • البصيرة والحكمة
  • من معاني البصيرة : العلم

مختارات من الشبكة

  • مقدمة: باب الحث على الازدياد من الخير في آخر العمر(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • مقدمة عن سورة آل عمران(مقالة - آفاق الشريعة)
  • شرح كتاب لمعة الاعتقاد: الدرس (2) مقدمة المؤلف(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • شرح كتاب لمعة الاعتقاد: الدرس الأول - مقدمة عن أهمية طلب العلم وأهمية الكتاب والتعريف بالمؤلف(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • رؤية بلد مكة مقدمة على غيرها(مقالة - آفاق الشريعة)
  • قواعد التفسير من خلال مقدمة شيخ الإسلام ابن تيمية - عرض وتحرير - (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • مقدمة كتاب تعلم التوحيد حق الله على العبيد - باللغة الفرنسية (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • شرح كتاب فضل الإسلام - الدرس الأول: مقدمة عن الكتاب (مترجما للغة الإندونيسية)(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • العلامة الطناحي ومقدمة كتابه الموجز(مقالة - موقع أ. أيمن بن أحمد ذوالغنى)
  • وقفات تربوية مع سورة الضحى (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • دورتان للفتيات والفتيان حول الزواج والحياة الأسرية في قازان
  • تتويج متميزين في المسابقة الوطنية للمعارف الأساسية للإسلام ببلغاريا
  • بعد 13 عاما حلم أسرة يتحول إلى أول مسجد في سوتوفو
  • مسجد الأنجام يضيف صرحا إسلاميا جديدا إلى زيلينودولسك
  • شباب المسلمين في ملبورن على موعد مع مؤتمر «تحديات، مسؤوليات، تأثير»
  • بعد 129 عاما مسجد رجب التاريخي يتجدد في تتارستان
  • آلاف الأطفال يتنافسون في القرآن والمعرفة الإسلامية في أقاليم بلغاريا
  • انطلاق الدورة الـ18 من المدرسة اليومية لتعليم أساسيات الإسلام بتتارستان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 26/3/1448هـ - الساعة: 20:55
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب