• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    عمل أثقل من الدنيا في ميزان الموتى (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    خطبة: وصية نوح عليه السلام
    د. صغير بن محمد الصغير
  •  
    الدعاء للوالدين (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    الإخلاص وفتنة الظهور
    د. علي شومان محمد علي أبو دية
  •  
    أنهل القيم وأجزل النعم = البركة (2) مفاتيحها - ...
    وضاح سيف الجبزي
  •  
    باب في المتحابين في الله
    د. خالد النجار
  •  
    إطلالة على شيء من تصرفات الإمام أحمد في مسنده - ...
    شوقي محمد البنا
  •  
    تخريج حديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    تفسير: (جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ...
    تفسير القرآن الكريم
  •  
    حجية السنة
    أبو عاصم البركاتي المصري
  •  
    ما الحكمة من اتفاق أواخر الآيات في القرآن؟
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
  •  
    {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا} (خطبة)
    وضاح سيف الجبزي
  •  
    درجات إنكار المنكر
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    حديث: عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    التحذير من التبرج
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    الأنس بالله تعالى
    إبراهيم الدميجي
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب / في النصيحة والأمانة
علامة باركود

البركة سر الحياة الطيبة (خطبة)

البركة سر الحياة الطيبة (خطبة)
د. عبدالرزاق السيد

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 7/9/2026 ميلادي - 26/3/1448 هجري

الزيارات: 170

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

البركة سر الحياة الطيبة

 

الحمدُ للهِ، بيده الخيرُ والبركةُ، يضعُها حيثُ شاءَ من خلقِهِ، يباركُ لعبدِهِ فيما آتاهُ، لا مانعَ لما أعطاهُ، ولا رادَّ لما قضاهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، ولا معبودَ بحقٍّ سواهُ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، جعلَهُ اللهُ للعالمينَ رحمةً، ولأمتِهِ هدًى وبركةً، صلى اللهُ وسلمَ وباركَ عليهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ، ومن سارَ على نهجِهِ واقتفى أثرَهُ إلى يومِ الدينِ.

 

أهمية الحديث عن البركة:

أيها المسلمون: إننا نعيشُ في زمنٍ بلغتْ فيه الحضارةُ الماديةُ أوجَها؛ سعةً في الرزقِ، ورفاهيةً في العيشِ، وتقدمًا في الوسائلِ، ومع ذلك لم يصبحِ الإنسانُ أسعدَ، ولا أهنأَ عيشًا، ولا أشرحَ صدرًا.


وما ذاك إلا لغيابِ أمرٍ عظيمٍ، إذا حضرَ نما القليلُ وكفى، وإذا غابَ كثرَ الشيءُ ولم يُغنِ؛ إنها البركةُ، سرُّ الحياةِ الطيبةِ.


والبركةُ خيرٌ من اللهِ يضعُه فيما يشاءُ من خلقِه؛ فينمو به القليلُ، ويعظمُ به النفعُ، وتتحققُ به الكفايةُ، ويدومُ به الخيرُ.


فإذا حلَّتِ البركةُ في المالِ كفى، وفي الوقتِ اتسع، وفي العلمِ نفع، وفي العمرِ أثمر، وفي البيتِ سكنَ واطمأنَّ، وفي الولدِ كانَ صلاحًا وقرةَ عينٍ.


وإذا نُزعتِ البركةُ انقلبتِ الصورةُ؛ فيكثرُ المالُ ولا يكفي، ويمضي الوقتُ بلا إنجازٍ، ويكثرُ العلمُ بلا نفعٍ، ويطولُ العمرُ ويقلُّ أثرُه، ويتسعُ البيتُ وتضيقُ صدورُ أهلِه.

 

حديث القرآن والسنة عن البركة:

أيها المسلمون: لقد تحدَّثَ القرآنُ الكريمُ والسنةُ النبويةُ عن البركة وأنها عطاءٌ ربانيٌّ، ومِنَّةٌ إلهيةٌ، يضعُها اللهُ حيثُ يشاءُ، ويمنحُها لمن يشاءُ، وقد جعلَ اللهُ من أعظمِ أسبابِها الإيمانَ والتقوى، فقال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 96] الإيمانُ والتقوى تصلحُ دنيانا، وتحلُّ البركةُ في حياتِنا.


واختصَّ اللهُ بالبركةِ أماكنَ، فقالَ سبحانهُ عن بيتِهِ الحرامِ:: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 96].وقال سبحانه: ﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ﴾ [الأعراف: 137].بل إنَّ الإنسانَ نفسَه قد يكونُ مباركًا، كثيرَ الخيرِ والنفعِ أينما حلَّ وأينما كان، قال عيسى عليه السلام: ﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴾[ مريم: 31] وتمتدُّ البركةُ من الإنسانِ إلى البيتِ والأهلِ والذريةِ، فقال اللهُ تعالى لنوحٍ عليه السلام: ﴿ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ﴾ [هود: 48]، وقال سبحانه في بيتِ إبراهيمَ عليه السلام: ﴿ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ﴾ [هود: 73].وفي السنة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البَرَكةُ مع أكابِرِكم.) صحيح الجامع.

 

البركة سر الحياة الطيبة:

أيها المسلمون: إنَّ البركةَ سرُ الحياةِ الطيبةِ؛ فالحياةُ لا تطيبُ بكثرةِ ما يملكُ الإنسانُ، وإنما حين يضعُ اللهُ البركةَ فيما أعطاهُ؛ فيباركُ له في عمرِه، ورزقِه، وعملِه، وعلمِه، وأهلِه وولدِه، ويجعلُه مصدرَ خيرٍ ونفعٍ لمن حولَهُ. ولهذا وعدَ اللهُ أهلَ الإيمانِ والعملِ الصالحِ بالحياةِ الطيبةِ، فقال سبحانه: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾[ النحل: 97] فالحياةُ الطيبةُ ليستْ أن تملكَ كلَّ شيءٍ، وإنما أن يباركَ اللهُ لك فيما تملكُ، وأن يجعلَ لحياتِكَ معنىً، ولعمرِكَ ثمرةً، ولوجودِكَ بين الناسِ أثرًا. وهنا نفهمُ قولَ عيسى عليه السلام: ﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ﴾[ مريم: 31] فالمباركُ حقًّا كثيرُ الخيرِ، عظيمُ النفعِ، أينما حلَّ نفعَ، وأينما كانَ تركَ أثرًا.


ومن أعظمِ ميادينِ البركةِ العمرُ؛ فليستْ بركتُه في كثرةِ سنواتِه، وإنما فيما يُملأُ به من إيمانٍ وعملٍ وعطاءٍ وإنجازٍ، فعن عبدالله بن بسر رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (خيرُ الناسِ مَنْ طالَ عُمْرُهُ، و حَسُنَ عَمَلُهُ )صحيح الجامع، فليستِ العبرةُ أن تُضافَ سنواتٌ إلى حياتِكَ، وإنما أن تضيفَ إلى سنواتِكَ عملًا وإنجازًا وأثرًا.


ومن سر الحياة الطيبة، بركةُ الارزاق؛ فليس الغنى بكثرةِ الاموال وحدَها، وإنما أن يباركَ اللهُ فيما رزقَ، فيكفي القليلُ، ويطيبُ الكسبُ، ويُحسنُ العبدُ الانتفاعَ بما في يدِه، فكم من مالٍ كثيرٍ لم يُغنِ صاحبَه، وكم من رزقٍ يسيرٍ باركَ اللهُ فيه فكفى وأغنى، قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ﴾[ سبأ: 39].

 

ومن أعظمِ بركاتِ الحياةِ الزوجةُ الصالحةُ؛ تكونُ لزوجِها سكنًا، وعلى الخيرِ عونًا، ولبيتِها أمانًا، ولأولادِها تربيةً ورعايةً، فعنعبدالله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ( الدُّنيا مَتاعٌ، وخَيرُ مَتاعِ الدُّنيا المَرأةُ الصَّالِحةُ) مسلمٌ. فالزوجةُ المباركةُ لا تقفُ بركتُها عند زوجِها، بل تمتدُّ إلى بيتِها وأولادِها.وبركةُ الأولادِ ليس في كثرتِهم ولا في جمالِهم ولا في مكاسبِهم، وإنما في صلاحِهم وبرِّهم ونفعِهم، ولهذا كان من دعاءِ عبادِ الرحمنِ: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾[ الفرقان: 74] فالولدُ المباركُ قرةُ عينٍ لوالديهِ، وامتدادٌ لخيرِهما بعد رحيلِهما.


ومن أجلِّ البركاتِ بركةُ العلمِ؛ حينما يتحولُ إلى عملٍ، ويتجاوزُ نفعُه صاحبَه إلى غيرِه؛ يعلِّمُ جاهلًا، ويرشدُ حائرًا، ويبني عقلًا، ويربي جيلًا، فعن ابي أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (إذا ماتَ الإنسانُ انقَطَعَ عنه عَمَلُه إلَّا مِن ثَلاثةٍ: إلَّا مِن صَدَقةٍ جاريةٍ، أو عِلمٍ يُنتَفَعُ به، أو ولَدٍ صالِحٍ يَدعو له) مسلمٌ.


وأعظمُ العلومِ أثرًا، وأوسعُها نفعًا، وأكثرُها بركةً كتابُ اللهِ؛ فهو نورُ القلوبِ، وهدى النفوسِ، ومنهجُ الحياةِ، قال الله عنه: ﴿ وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾[الأنعام: 155].

 

ومن تمامِ البركةِ أن يكونَ الإنسانُ مباركًا في مجتمعِه؛ يرحمُ ضعيفًا، ويعينُ محتاجًا، ويفرِّجُ كربةً، ويصلحُ بين الناسِ، ويمتدُّ خيرُه إلى مَن حولَهُ لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (أحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفَعُهم للناسِ)؛ رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.

 

وهكذا، تكونُ الحياةُ الطيبةُ المباركةُ: عمرٌ مثمرٌ، ورزقٌ مباركٌ، وزوجةٌ صالحةٌ، وذريةٌ طيبةٌ، وعلمٌ نافعٌ، وخيرٌ يفيضُ على الناسِ.

 

إذا غابت البركة في حياتنا:

أيها المسلمون: إذا كانتِ البركةُ سرَّ الحياةِ الطيبةِ، فإنَّ من أعظمِ الخسارةِ أن يعيشَ الإنسانُ بين النعمِ ثم لا يجدَ أثرَها في حياتِه؛ أن يملكَ ولا يكتفيَ، وأن يعيشَ طويلًا ولا ينجزَ، وأن يسكنَ بيتًا واسعًا ولا يسكنَ قلبُه، وأن يكونَ حولَه الأهلُ والولدُ ولا تقرَّ بهم عينُه، وأن يحملَ علمًا لا ينفعُه ولا ينفعُ به غيرَهُ.


إنها صورةٌ مؤلمةٌ من صورِ الحرمانِ: أن تبقى النعمةُ، وتغيبَ البركةُ.


فإذا غابتِ البركةُ عن العمرِ، مرَّتِ الأيامُ وتتابعتِ السنواتُ، وكثرتِ المشاغلُ وقلَّ الإنجازُ؛ يستيقظُ الإنسانُ مشغولًا، ويمسي مشغولًا، ثم تمضي سنةٌ بعد سنةٍ، وإذا به يلتفتُ وراءَه فلا يدري: ماذا أنجزَ؟ وماذا بنى؟ وماذا قدَّمَ؟ وأيَّ أثرٍ تركَ؟ فعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ( نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ منَ النَّاسِ الصِّحَّةُ والفراغُ) البخاريُّ.وما أشدَّ الحسرةَ أن يكتشفَ الإنسانُ قيمةَ عمرِه بعد أن يمضيَ، وقيمةَ صحتِه بعد أن تضعفَ، وقيمةَ الفراغِ بعد أن تملأَه المشاغلُ!


وإذا غابتِ البركةُ عن الأرزاقِ، فقد يكثرُ المالُ ولا يكفي، وترتفعُ المداخيلُ ولا تتحققُ القناعةُ، ويجمعُ الإنسانُ أكثرَ مما جمعَ بالأمسِ، ثم يشعرُ أنَّه أحوجُ مما كانَ بالأمسِ. وقد وصفَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذه الحالَ وصفًا عجيبًا: فعن حكيم بن حزام رضي الله ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له: يا حَكيمُ، إنَّ هذا المالَ خَضِرٌ حُلوٌ، فمَن أخَذَه بسَخاوةِ نَفسٍ بورِكَ له فيه، ومَن أخَذَه بإشرافِ نَفسٍ لَم يُبارَكْ له فيه، وكان كالذي يَأكُلُ ولا يَشبَعُ) متفقٌ عليه.


وإذا غابتِ البركةُ عن البيتِ، قد يُحرَمُ أهلُه السكنَ فيه، ولو بلغتْ عمارتُه الملايينَ، فيظلُّ خاويًا على عروشِه؛ اتَّسعَ بناؤُه وغابتْ سكينتُه، وزُيِّنَتْ جدرانُه ولم تُعمَرْ بالمودةِ أركانُه.


وإذا غابتِ البركةُ عن الزوجينِ، كثرتِ الخلافاتُ، وضعفتِ المودةُ، وقلَّتِ القناعةُ، وأصبحَ كلٌّ منهما يرى ما عندَ غيرِه، ولا يرى النعمةَ التي بين يديهِ، وقد يبلغُ به عدمُ القناعةِ أن يزهدَ في الحلالِ، ويتطلعَ إلى الحرامِ.


وإذا غابتِ البركةُ عن الذريةِ، كثرَ الأولادُ ولم تقرَّ بهم العينُ؛ فيظهرُ فيهم العقوقُ، ويضعفُ البرُّ، وقد يتخلَّونَ عن والديهم وهما في أشدِّ الحاجةِ إليهم؛ فليستْ بركةُ الذريةِ في كثرتِها، وإنما في صلاحِها وبرِّها ونفعِها.


وإذا غابتْ عن العلمِ، كثرتِ المعلوماتُ والشهاداتُ، وقلَّ العملُ والنفعُ؛ علمٌ لا يهدي صاحبَه، ولا ينفعُ غيرَهُ.


وإذا غابتْ عن الإنسانِ نفسِه، عاشَ لنفسِه، لا يفرِّجُ كربةً، ولا يعينُ محتاجًا، ولا يصلحُ بين الناسِ؛ فيمرُّ في الحياةِ ثم يرحلُ منها بلا أثرٍ. فتلك من أشدِّ صورِ الحرمانِ: أن تبقى النعمُ، وتغيبَ بركتُها.

 

عبادَاللهِ: أتدرونَ ما أسبابُ ضياعِ البركةِ من حياتِنا؟ولماذا تبقى النعمُ بين أيدينا ثم يقلُّ خيرُها ونفعُها وأثرُها؟ إنَّ من أعظمِ أسبابِ ضياعِ البركةِ ضعفَ الإيمانِ، وقلةَ التعلُّقِ باللهِ، والغفلةَ عن ذكرِه، وهجرَ كتابِه؛ فالبركةُ من اللهِ، ومَن ضعفَتْ صلتُه بمصدرِ البركةِ فكيفَ يرجو تمامَها؟

 

وتضيعُ البركةُ بالذنوبِ والمعاصي، وأكلِ الحرامِ، والظلمِ والغشِّ، وعقوقِ الوالدينِ، وقطيعةِ الأرحامِ، كما تضيعُ بكفرانِ النعمِ، والإسرافِ والتبذيرِ، والطمعِ، وغيابِ القناعةِ.


فإذا أردنا أن نعرفَ أينَ ذهبتِ البركةُ، فلننظرْ أولًا إلى علاقتِنا باللهِ، ثم إلى أعمالِنا وأموالِنا وبيوتِنا؛ فهناكَ تُستجلبُ البركةُ، وهناكَ قد تضيعُ، وقد جمعَ اللهُ لنا الأمرَ كلَّه في قولِه سبحانه: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 96].

 

كيف نستجلب البركة؟

أيها المسلمون: بعدَ أن عرفنا أنَّ البركةَ سرُّ الحياةِ الطيبةِ، ورأينا ماذا يحدثُ حين تغيبُ عن حياتِنا، يبقى السؤالُ: كيف نستجلبُ البركةَ في أعمارِنا، وأرزاقِنا، وبيوتِنا، وأولادِنا، وأعمالِنا؟

 

والجوابُ يبدأُ من حقيقةٍ عظيمةٍ: البركةُ من اللهِ، وخزائنُها بيدِ اللهِ، فلا تُطلبُ إلا منه، ولا تُستجلبُ بمعصيتِه، ولا تُحفظُ إلا بطاعتِه وشكرِه.

 

وأعظمُ مفاتيحِ البركةِ الإيمانُ والتقوى والتوكلُ على اللهِ؛ قال تعالى: ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ﴾ [الطلاق: 2-3].

 

ومن أعظمِ منابعِ البركةِ كتابُ اللهِ، قال سبحانه: ﴿ وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [ سورة الأنعام: 155] فالقرآنُ مباركٌ في تلاوتِه وتدبرِه والعملِ به، وما أحوجَ بيوتَنا إلى قرآنٍ لا يبقى على الرفوفِ، بل يسكنُ القلوبَ، ويهدي السلوكَ، ويقودُ الحياةَ.

 

ومن أسبابِ دوامِ البركةِ شكرُ النعمةِ، قال سبحانه: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إبراهيم: 7]. وشكرُ النعمةِ أن تستعملَها فيما يرضي اللهَ؛ فشكرُ العمرِ حسنُ استثمارِه، وشكرُ المالِ طيبُ كسبِه وإنفاقِه، وشكرُ العلمِ العملُ به ونشرُه.

 

ومن أرادَ البركةَ في رزقِه فليطلبِ الحلالَ في بيعه وشراءه قبلَ الكثيرِ؛ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (البَيِّعانِ بالخيارِ ما لَم يَتَفَرَّقا، فإن صَدَقا وبَيَّنا بورِك لهما في بَيعِهما، وإن كَذَبا وكَتَما مُحِقَ بَرَكةُ بَيعِهما.) متفقٌ عليه عن حكيم بن حزام.


ومن أعظمِ أبوابِ البركةِ برُّ الوالدينِ؛ قال الله تعالى: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾[ الإسراء: 23] فلا تبحثْ عن أبوابِ الخيرِ بعيدًا ووالداكَ قريبانِ منكَ؛ اخدمْهما، وأحسنْ إليهما، وأدخلِ السرورَ عليهما، واغتنمْ دعاءَهما ورضاهما.فطوبى لمن أدركَ والديهِ أو أحدَهما، فعرفَ أنَّ بين يديهِ بابًا عظيمًا من أبوابِ الجنةِ والخيرِ والبركةِ، فلم يضيِّعْه.

 

وتمتدُّ دائرةُ البركة إلى صلةِ الأرحامِ؛ قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (مَن سَرَّه أن يُبسَطَ له في رِزقِه، أو يُنسَأَ له في أثَرِه، فليَصِلْ رَحِمَه)؛ متفقٌ عليه عن انس. فصلةُ الرحمِ ليستْ مجردَ علاقةٍ اجتماعيةٍ، بل بابٌ من أبوابِ البركةِ في العمرِ والرزقِ.

 

ومن أرادَ البركةَ في وقتِه فليحفظْ أولَ يومِه؛ فقد دعا النبيُّ صلى الله عليه وسلم لامته وقال: (اللَّهمَّ بارِكْ لأمَّتي في بُكورِها) صحيح أبي داوود عن صخر بن وداعة الغامدي.

 

ومن أرادَ البركةَ في مالِه فليجعلْ للمحتاجِ نصيبًا منه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (ما نَقَصَت صَدَقةٌ مِن مالٍ)؛ مسلمٌ. فحسابُ البركةِ غيرُ حسابِ الأرقامِ؛ ترى مالًا خرجَ من يدِكَ، ويجعلُ اللهُ بخروجِه بركةً فيما بقيَ.

 

ثم اسألوا اللهَ البركةَ؛ فهي هبةٌ ربانيةٌ: اسألوه البركةَ في الأعمارِ والصحةِ، والأرزاقِ والأعمالِ، والأزواجِ والذرياتِ، والعلمِ والأثرِ. فعن عبيد بن القعقاع يحدث رجلاً من بني حنظلة، قال رمق رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي، فجعل يقول في صلاته (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، وَوَسِّعْ لِي فِي دَارِي، وَبَارِكْ لِي فِيمَا رَزَقْتَنِي)؛ أحمد حسن لغيره.

 

عبادَ اللهِ: لا تبحثوا عن البركةِ في كثرةِ ما تجمعونَ، بل اطلبوها في صلتِكم باللهِ، وفي كتابِ ربِّكم، وشكرِ نعمِكم، وحلالِ أرزاقِكم، وبرِّ والديكم، وصلةِ أرحامِكم، وحفظِ أوقاتِكم، والإحسانِ إلى عبادِ اللهِ.

 

فالبركةُ من اللهِ، ومفتاحُها طاعتُه، ومنبعُها كتابُه، وحارسُها الشكرُ، وطريقُها الحلالُ، ومن أبوابِها برُّ الوالدينِ وصلةُ الأرحامِ والإحسانُ إلى عبادِ اللهِ، وأثرُها النفعُ، وثمرتُها الحياةُ الطيبةُ.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • البركة
  • تعريف البركة
  • أهمية البركة والحث على طلبها
  • أسباب البركة في المال

مختارات من الشبكة

  • أسباب البركة في العمر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أثر البركة والبركات محقها بالسيئات وللحصول عليها مسببات (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • كيف تستعيد البركة في وقتك؟ وصية عملية (أكثر من قراءة القرآن ولا تتركه مهما كثرت شواغلك)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أنهل القيم وأجزل النعم = البركة (2) مفاتيحها - أسبابها - مظانها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • بركة الأعمار في بركة الأوقات (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أنهل القيم وأجزل النعم = البركة (1) أهميتها - مجالاتها – آثارها - مظانها - أسباب فقدانها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • اللقمة الحلال أساس البركة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • جسر البركة الخفي (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: كيف يوفق الشباب إلى البركة وحسن العمل؟(مقالة - آفاق الشريعة)
  • البركة مع الأكابر (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • تتويج متميزين في المسابقة الوطنية للمعارف الأساسية للإسلام ببلغاريا
  • بعد 13 عاما حلم أسرة يتحول إلى أول مسجد في سوتوفو
  • مسجد الأنجام يضيف صرحا إسلاميا جديدا إلى زيلينودولسك
  • شباب المسلمين في ملبورن على موعد مع مؤتمر «تحديات، مسؤوليات، تأثير»
  • بعد 129 عاما مسجد رجب التاريخي يتجدد في تتارستان
  • آلاف الأطفال يتنافسون في القرآن والمعرفة الإسلامية في أقاليم بلغاريا
  • انطلاق الدورة الـ18 من المدرسة اليومية لتعليم أساسيات الإسلام بتتارستان
  • ندوة نسائية في كاكانج تناقش بناء الأسرة على هدي القرآن والسنة

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 25/3/1448هـ - الساعة: 15:22
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب