• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    المندوبات عند الحنابلة من بداية آداب الأكل والشرب ...
    مريم سعيد الحربي
  •  
    خطبة: الغفلة داء الفرد والأمة
    يحيى سليمان العقيلي
  •  
    الرد على شبهة صيام المسلمين إلى الليل، وهل يشترط ...
    د. جاسر يزن سيف الدين
  •  
    حسن التعامل مع وسائل التواصل (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    الأمانة في سورة البقرة
    عبدالحميد قعباب
  •  
    خطبة: أسرار ومقاصد الحج
    مطيع الظفاري
  •  
    دروس إيمانية من قصة موسى عليه السلام (4) (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    تخريج حديث: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه ...
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    تفسير: {إن يشأ يذهبكم ويأتِ بخلق جديد * وما ذلك ...
    تفسير القرآن الكريم
  •  
    باب في فضل القرآن وأهله
    د. خالد النجار
  •  
    الحديث السابع والثلاثون: فضل العدل والحث عليه
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
  •  
    دعاء الكرب
    فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ
  •  
    أسباب البركة في الدعوة إلى الله
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    من مقاصد الحج التزود بالتقوى (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    الموت... الواعظ الصامت
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    المندوبات في كتاب الطهارة عند الحنابلة من باب ...
    نهى بنت عبد الله الجميلي
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / مقالات شرعية / التفسير وعلوم القرآن
علامة باركود

الأمانة في سورة البقرة

الأمانة في سورة البقرة
عبدالحميد قعباب

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 10/5/2026 ميلادي - 23/11/1447 هجري

الزيارات: 89

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الأمانة في سورة البقرة

 

1- مقدمة:

جاء عن سورة البقرة عدة أقوال من أهل العلم والتفسير. منها أنها تثبت سمو هذا الدين على ما سبقه وتبين لأتباعه شرائعه وإصلاح مجتمعهم؛ (ابن عاشور، 1984، ص 203). ومنها أنها تبسط موقف بني إسرائيل من الدعوة الإسلامية في المدينة وتبني جماعتها وتُعِدُّها لحمل أمانة الدعوة والخلافة عوضًا عنهم. ومنها ربط الإماتة والإحياء بالتقوى من خلال القصص الواردة في السورة، وأن التقوى هي جوهر العبادة، وأن سلوك بني إسرائيل سلسلة لا انقطاع لها من الإفساد على امتداد التاريخ؛ (العبيدي والطوبجي، 2013، ص 200-210). ومنها ذكر موانع وأسباب الهداية؛ (النشمي، موقع صيد الفوائد) وإبراز مظاهر الرحمة في حفظ الضرورات الخمس؛ (بافرج، 2016، ص 356-419)، وغيرها...


يهدف هذا المقال إلى بناء فهم للسورة على أساس انتظام تكرُّر بعض الكلمات فيها وعلاقاتها ببعضها وما قد يفيده ذلك في فهم السورة واستخراج محور لها. فالمتأمل في السورة يشده بصفة خاصة تكرر كلمات ثلاث وردت فيها في صيغ مختلفة، وهي: الهدى والتقوى والعهد أو الميثاق. سنتخذ هذه الكلمات كخيط ناظم للسورة وسنتطرق إلى معانيها وإلى علاقاتها ببعضها، وسنتبين أنها تحيل إلى كلمة انفردت بها سورة الأحزاب وهي الأمانة. من خلال الروابط بين مفاهيم الهدى والتقوى والعهد والأمانة سنتمكن من بناء أداة نسميها دائرة الأمانة تمكننا من وضع محور واحد للسورة رغم تعدُّد سياقاتها؛ وهو بيان رعاية الناس للأمانة في كل زمان ومكان.


2- دائرة الأمانة:

احتوت السورة على خمسة سياقات: سياق دعوة الناس لعبادة الله، وسياق ذكر آدم عليه السلام، وسياق ذكر بني إسرائيل، وسياق ذكر إبراهيم عليه السلام، وسياق ذكر المؤمنين الذين شهدوا نزول القرآن. وقد وردت عناصر الخيط الناظم للسورة خلالها (الهدى والتقوى والعهد أو الميثاق) في صيغ مختلفة بحسب السياق الذي وردت. ولعل اعتبار جذر كل كلمة في العد يبين مدى تكرر الكلمة في السورة[1].


الهدى:

أول ورود لكلمة الهدى في السورة هو في الآية الأولى منها وتشير في موضعها إلى معنيين:

• الأول أن الهدى على معنى آخر سورة الفاتحة يجده طالبه في الكتاب؛ إذ إن الجزء من الآية إلى حد هذه الكلمة يمثل جملة تامة تام معناها.


• الثاني أن بقية الآية متعلق بكلمة هدى؛ أي: إن المنتفعين بالهدى هم المتقون.


اختار ابن عاشور (ابن عاشور، 1984، ص 26) لكلمتي الهدى والتقوى في الآية معناهما اللغوي. فالقرآن من شأنه الإيصال إلى المطالب الخيرية؛ إذ هو يدل عليها وعلى طريق الوصول إليها وهو ما يعرف بهدى الدلالة (أو الدلالة العامة). غير أن كثيرًا من الآيات يفهم منها للهدى معنى آخر اصطلح عليه العلماء بهدى التوفيق (أو الهداية الخاصة) ويذكر في القرآن بعبارة "هدى الله" وهو الوصول فعلًا إلى المطالب الخيرية عن طريق الانتفاع بهدى الدلالة الموجود في الكتاب. من ذلك مثلًا: ﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 5] ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ [البقرة: 120]. وقد وردت بهذه العبارة ثلاث مرات في سورة الأنعام، ومرتين في سورة البقرة، ومرة في كل من سورة آل عمران والنحل والزمر.


أما هدى الدلالة فموكل إلى الرسل الذين يبلغون رسالة الله للعباد. وأما هدى التوفيق ففضل من الله سبحانه يختص به من سار على هدى الدلالة. أما من رغب عنها فيضل الطريق كمن هو في الظلمات ليس بخارج منها.


التقوى:

التقوى لغةً هو دفع شيء عن شيء بغيره (ابن فارس، ص 131) وهو أيضًا اتخاذ الوقاية (الجرجاني، 1983، ص 65). فالمتقون كما يختاره ابن عاشور هم الذين تجرَّدوا عن المكابرة، ونزهوا أنفسهم عن حضيض التقليد للمضلين؛ (ابن عاشور، 1984، ص 226).


تعددت تعريفات التقوى عند العلماء لتعدُّد سياقات ورودها في القرآن، وسنستعيض عن ذكرها بما ورد عن عبدالله بن مسعود في تفسير الآية 102 من سورة آل عمران ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102] قال: أن يُطاع، ‌فلا ‌يُعصى، ويُذكر، فلا ينسى، وأن يُشكر، فلا يُكفر؛ (الحنبلي، 1997، ص 401) وقول عبدالله بن عباس: المتقون الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاء منه؛ (الحنبلي، 2001، ص 361).


ولعل الآية 177 من سورة البقرة ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]، والآية 33 من سورة الزمر ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [الزمر: 33]، قد فصَّلتا واجملتا معنى التقوى؛ إذ جمعت الأولى عناصر الإيمان والإسلام، والثانية علقته بالتوحيد والعبادة فيتبيَّن من الآيتين أن التقوى هي الدين كله كما ذكره عبدالله بن عبده العواضي؛ (العواضي، 2018، ص 99).


ويذكر الإمام النووي في "قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: التقوى ها هنا وَيُشِيرُ إلى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ.... أَنَّ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ لَا يَحْصُلُ بِهَا التَّقْوَى؛ وَإِنَّمَا تَحْصُلُ بِمَا يَقَعُ فِي الْقَلْبِ مِنْ عَظَمَةِ الله تعالى وخشيته ومراقبته"؛ (النووي، 1392 هـ، ص 121). فالتقوى عمل من أعمال القلوب. ويقول ابن تيمية: إن "‌القلب ‌هو ‌الأصل فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد؛ ألا وهي القلب". وقال أبو هريرة: القلب ملك والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبثت جنوده؛ (ابن تيمية، 2004، ص 187).


يمكن بذلك القول بأن التقوى نوعان: فطري وكسبي.


• أما الفطري فهو فيما يذكره ابن تيمية "أن ليس من شرط هذا التقي المؤمن أن يكون كان من المتقين المؤمنين قبل سماع القرآن، فإن هذا أولًا ممتنع؛ إذ لا يكون مؤمنًا متقيًا من لم يسمع شيئًا من القرآن. وثانيًا: أن الشرط يجب أن يقارن المشروط، لا يجب أن يتقدمه تقدمًا زمنيًّا؛ كاستقبال القبلة في الصلاة... وثالثًا: أن... لا بد مع الفاعل من القابل؛ إذ الكلام لا يؤثر فيمن لا يكون قابلًا له..."؛ (ابن تيمية، 2004، ص 15). وهذا يلتقي مع ما ذكره البقاعي في قوله: "ولما كان ذلك- أي الانتفاع بما في الكتاب- يستلزم الهدى، قال: (هدى) وخص المنتفعين؛ لأن الألد لا دواء له، والمتعنت لا يرده شيء، فقال: (للمتقين)؛ أي: الذين جبلوا في أصل الخلقة على التقوى؛ فأفهم ذلك أن غيرهم لا يهتدي به بل يرتاب"؛ (البقاعي، 1969، ص 81). فالقابلية عند ابن تيمية والجبلة عند البقاعي ما هي إلا الفطرة المذكورة في الآية 30 من سورة الروم ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: 30].


وقد أشار ابن القيم في الفوائد في قاعدة الانتفاع بالقرآن أن تأثير الكتاب (القرآن المجيد) يتم للقلب الحي الذي توفَّر فيه شرط الإصغاء، وانتفى عنه مانع الاشتغال، فيحصل له الأثر وهو الانتفاع؛ (ابن قيم الجوزية، 1973، ص 3).


وقد "ذَكر النَّبيُّ فيما يروي عن ربِّه تبارك وتعالى أنه قال: إني خلقتُ عبادي حُنفاءَ وأنهم أتتْهم الشياطينُ فاجتالتْهم عن دينِهم، وحرَّمتْ عليهم ما أحللْتُ لهم، وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أُنزِلْ به سلطانًا"[2]، وَأما قَوْله- صلى الله عليه وسلم -: "‌خلقت عبادي ‌حنفاء"، فَهُوَ- وَالله أعلم- إِشَارَة إلى الْمعرفَة الغريزية الَّتِي هِيَ مركبة فيهم. قَالَ (إسماعيل الأصبهاني صاحب الحجة): "وَقد ذكر بعض أهل الْعلم أَن الْفطْرَة هَا هُنَا هِيَ الْفطْرَة الغريزية الَّتِي هِيَ مَوْجُودَة فِي كل إِنْسَان. فَإِن كل أحد يرجع إلى غريزته عرف خالقه. وَذَلِكَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾، وَهَذِه الْمعرفَة هِيَ الْمعرفَة الَّتِي أخبر الله تَعَالَى بوجودها من الْكفَّار، وَذَلِكَ فِي قَوْله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [لقمان: 25]، وَقَوله تَعَالَى: ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إلى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ﴾ [العنكبوت: 65]، فحين ظَهرت لَهُم حَال الضَّرُورَة وانقطعوا عَن أَسبَاب الْخلق، وَلم يبْق لَهُم تعلق بِأحد ظَهرت فيهم الْمعرفَة الغريزية، إِلَّا أَنَّهَا غير نافعة. إِنَّمَا النافعة هِيَ الْمعرفَة الكسبية، فالله تَعَالَى فطر النَّاس عَلَى الْمعرفَة الغريزية، وَطلب مِنْهُم الْمعرفَة الكسبية، وعلق الثَّوَاب بهَا وَالْعِقَاب عَلَى تَركهَا"؛ (الأصبهاني، 1999، ص 41).


• وأما المعنى الكسبي للتقوى فهو عمل الجوارح تجاه الرب وتجاه الخلق بما يتلقاه العبد من رسالة الهدى التي يبعث بها كل نبي إلى قومه. ولعل هذا الجانب هو الذي استأثر بتسمية التقوى لدى الكثير. والتقوى الكسبية هي مناط الثواب أو العقاب.


العهد:

يقول الجرجاني عن العهد بأنه حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال... ثم استعمل (أي: العهد) في الموثق الذي تلزم مراعاته (الجرجاني، 1983، ص 159). وذكر القرطبي عن الميثاق بأنه الْعَهْدُ الْمُؤَكَّدُ بِالْيَمِينِ؛ (القرطبي، 1964، ص 247). سنختار فيما يلي ترادفهما إذا ذكرا فيما بين العبد وربه.


تعلق العهد في القرآن الكريم بآدم وبذريته من بعده. فخوطب به آدم عليه السلام وهو في الجنة بعدما سواه وجعل له سمعًا وبصرًا وفؤادًا به يدرك ويختار، وعلمه الأسماء كلها، وأسجد له الملائكة إلا إبليس أبى فأخبره بعداوته. وبيان هذا العهد أن يأكل هو وزوجه من كل ما في الجنة إلا شجرة واحدة وأن يتخذا الشيطان عدوًّا[3].


وأما العهد لذريته فجاء في الآية 172 من سورة الأعراف ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ [الأعراف: 172]. قال ابن عجيبة عن هذا العهد أنه الإقرار منهم بالربوبية والقيام بوظائف العبودية[4]؛ (ابن عجيبة، 1419هـ، ص 140) كما ستدعوهم رسل الله إلى ذلك.


وفي كثير من الأحيان يذكر مع العهد مآل نقضه أو الوفاء به؛ كما في سورة الرعد الآية 20 وما بعدها ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ﴾ [الرعد: 20]، ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: 23، 24]، ويكون غالبًا مقرونًا ببعض أوصاف كل فريق.


الأمانة:

وإن لم ترد كلمة الأمانة في السورة إلا أن علاقة الأمانة بالعهد والهدى والتقوى ستتبيَّن كما يلي. فالهدى سبب وشرط للتقوى (بمعناها الكسبي) والتقوى نتيجة للهدى كما يقول تبارك وتعالى في الآية 17 من سورة محمد: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ [محمد: 17]، فالذين فتحوا قلوبهم للهدى الذي جاء به الرسول واتَّبعوه يورثهم الله مزيدًا من الهدى ويتحوَّل ما كان عندهم من التقوى الفطرية إلى تقوى كسبية. وتكون نتيجة تقواهم أن يستجيبوا لداعي الله بالعبادة والطاعة. وذكرت سورة الأنعام للمستمعين لداعي الله صنفين: الذين اعرضوا والذين استجابوا ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إليه يُرْجَعُونَ ﴾ [الأنعام: 36]، أما الموتى فلم يتوفر لديهم شرط رغبة الانتفاع بالقرآن (أي: الهدى أو الرسالة) وكان لديهم المانع فلم يستجيبوا على عكس الذين يسمعون.


وقد لاحظنا اقتران ذكر العهد بذكر الأمانة في آيتين تكررتا بنفس النص: الآية 8 من سورة المؤمنون والآية 32 من سورة المعارج في قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ [المؤمنون: 8، المعارج: 32]، وجاء في الآيتين قراءتان لـ "أماناتهم"، فقرأها الجمهور بالجمع، وقرأها ابن كثير بالتوحيد، فيُفهم من هذا أمور ثلاثة:

• إن الأمانات في قراءة الجمهور قد ترجع إلى الأمانات التي استودعها الله الإنسان، وأمره بحفظها، فيدخل فيها حفظ الجوارح من كل ما لا يرضي الله، وحفظ ما ائتمن عليه من حقوق الناس والعهود؛ (الشنقيطي، 1955، ص 319)؛ لأنها ستشهد له أو عليه كما تبينه عديد الآيات، وترجع أيضًا إلى ما جاء في سورة الأنفال 27: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنفال: 27]، وقد جاء كذلك في هذه الآية قراءتان؛ إذ قرأها مجاهد بالتوحيد؛ (الإبياري، 1414 هـ)، فخيانة الله في الإشراك به، وعبادة الشيطان، وخيانة الرسول في عدم اتباعه، وذكر الماتريدي أن "جعل اللَّه عز وجل هذه الأمة وسطًا عدلًا بقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ [البقرة: 143]؛ فكأنه قال: يا أيها الذين آمنوا قد جعلكم اللَّه أمناء عدلًا وسطًا، فلا تخونوا اللَّه فيه؛ (الماتريدي، 2005، ص 183)، وقال غيره ما يعادله.


• وإن الأمانة بالإفراد في قراءة ابن كثير يمكن ردها إلى كلمة الأمانة التي انفردت بها سورة الأحزاب.


• وإن العهد لم يذكر في القرآن إلا مفردًا، وقد يشير إلى موضوع السياق؛ كالوصية والعقود، أو إلى كل ما أمر الله تعالى به أو نهى عنه؛ (الواحدي، 1430هـ، ص 329).


من هذا يمكن الربط بين العهد والتقوى والهدى من جهة، والأمانة من جهة أخرى، ويظهر ذلك كما يلي: إن الوفاء بالعهد هو نتيجة للتقوى، وإن التقوى هي نتيجة لقبول الهدى، وإن الوفاء بالعهد يدل على رعاية الأمانة، ويؤدي إلى مزيد من الهدى، وإن المزيد من الهدى يؤدي إلى مزيد من التقوى، ومن ذلك مزيد من الوفاء والرعاية إلخ... والعكس بالعكس، فتتكون علاقة سببية دائرية بين الكلمات الثلاث، سنصطلح على تسميتها بدائرة الأمانة، فهي تجمع بين كل عوامل رعاية الأمانة أو خيانتها، ثم إن التقاء أول الدائرة بآخرها لا يكون في نفس مستوى الهداية، ولا نفس مستوى الوفاء؛ بل يتخذ شكلًا لولبيًّا؛ إما في اتجاه الارتقاء بالوفاء والتقوى والهدى والرعاية، أو بالتردي في النقض والفساد والضلال والخيانة.


3. دائرة الأمانة في سياقات السورة:

سيتبين فيما يلي أن سياقات السورة رغم اختلافها فهي تستجيب لنفس منطق الفهم؛ وهو منطق دائرة الأمانة؛ أي: إن الهداية تؤدي إلى التقوى، وهذه إلى الوفاء بالعهد، وجميعها إلى رعاية الأمانة، وتتواصل في الارتقاء لبلوغ الدرجات العلى، وفي الاتجاه الآخر إن الضلال يؤدي إلى العدوان، وهذا إلى نقض العهد، وهذا إلى خيانة الأمانة، وتتواصل في التردي إلى بلوغ الدرك الأسفل.


السياق الأول: دعوة الناس للعبادة:

يمتد السياق الأول من أول السورة إلى الآية 28: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 29]، ونجد فيه:

• دعوة لكل الناس للوفاء بعهد الله الذي عاهدهم عليه، وهم في عالم الذر أن يقرُّوا بالربوبية، ويأتوا بوظائف العبودية، ويرعوا الأمانة التي حملوها.


• بشارة للراعين، ونذارة للخائنين بصنفيهم (كافرين ومنافقين).


• آيات لتحدي المرتابين وإعجازهم.


• بيان لسنة الله في عباده؛ إذ سيفترقون في هذه الدعوة إلى متقين وكافرين ومخادعين.


ولأن الناس يولدون حنفاء، ثم تجتالهم الشياطين بعد ذلك؛ فمنهم مَن يبقى على الفطرة، ويقوده هدى الدلالة إلى هدى التوفيق، فيكون من المتقين المفلحين الذين أوفوا بعهد الله، ورعوا أمانتهم، ومنهم مَن يعرض ويستكبر، ومنهم مَن يظهر ويخفي، وكلاهما كَفَر، واشترى الضلالة بالهدى؛ فنقض العهد، وخان الأمانة فما أفلح، فيرسم هذا التسلسل دورة الأمانة التي يخضع لها كل العباد في كل زمان وفي كل مكان.


السياق الثاني: رُبَّ معصية أورثت ذلًّا وانكسارًا:

يمتد هذا السياق من الآية 30: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 30]، إلى حدود الآية 39: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 39]، وفيه بيان لجميع الناس أصلهم الذي نُسِلوا منه: (آدم وزوجه)، وما كان منهما مع أمانتهما من حيث العبادة وطاعة الأمر والنهي؛ في الأكل والشرب، واتخاذ الشيطان عدوًّا، فأضلهما الشيطان عما نهوا عنه، ومنَّاهما بالخلد والملك، وأمرهما بالأكل من الشجرة؛ فتحقق من ذلك أمور:

• ظلم الإنسان لنفسه المذكور في سورة الأحزاب؛ بغفلته ونسيانه، وجهله بأسباب ضعفه؛ ظاهرها وخفيها، وبمدى تحمله للأمانة.


• سلامة أصل العبودية لآدم وزوجه بالإقرار بالذنب، وطلب المغفرة، كما ذكره التويجري: "ولما ‌سلم ‌لآدم ‌أصل ‌العبودية لم يقدح فيه الذنب، وحين علم اللطيف الخبير أن ذنب عبده لم يكن قصدًا لمخالفته، ولا قدحًا في حكمته، علمه كيف يعتذر إليه: ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 37]؛ (التويجري، 1432هـ، ص 559)، وذكر الخازن في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾ [طه: 115]، "وقيل: معناه: ‌لم ‌نجد ‌له ‌عزمًا على المقام على المعصية، فيكون إلى المدح أقرب"؛ (الخازن، 1415هـ، ص 214).


وقد ذكر ابن عطاء الله السكندري في حكمه: أن "معصية أورثت ذلًّا وافتقارًا خير من طاعة أورثت عزًّا واستكبارًا"، فكان هذا حال آدم وزوجه.


• ربط أول دائرة الأمانة (الهدى) بآخرها (الرعاية أو الخيانة) بواسطة الإقرار بالذنب وبالتوبة؛ بحيث يؤدي الإبصار بعد الغفلة إلى مزيد من الهداية، وهذا إلى مزيد من التقوى، ومن ثم مزيد من الوفاء بالعهد، ورعاية الأمانة، كما ذكره الترمذي في قوله: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ [محمد: 17]، فَكلما عمل العَبْد طَاعَة فَإِنَّمَا يعملها من الاهتداء؛ فيزيده الله هدًى؛ أَي: نورًا يورثه التَّقْوَى، وَلَا تكون التَّقْوَى إِلَّا من الْخَوْف والخشية"؛ (الترمذي، 1431هـ، ص 123).


• إن الإشراك بالله، واتباع الآباء فيما لم يأتِ به الأنبياء إنما هو من الشيطان، ومن النفس؛ كما قاله ابن عاشور في التحرير والتنوير: "فإن في ذلك- أي: قصة آدم- تذكيرًا لهم بالخلق الأول قبل أن توجد أصنامهم التي يزعمونها من صالحي قوم نوح ومَن بعدهم، ومنَّة على النوع؛ بتفضيل أصلهم على مخلوقات هذا العالم، وبمزيته بعلم ما لم يعلمه أهل الملأ الأعلى، وكيف نشأت عداوة الشيطان له ولنسله؛ لتهيئة نفوس السامعين لاتهام شهواتها ولمحاسبتها على دعواتها"؛ (ابن عاشور، 1984، ص 204).


السياق الثالث: أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه:

يمتد هذا السياق من الآية 40: ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ [البقرة: 40] إلى الآية 123: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ [البقرة: 123]، في إطار هذا السياق نذكر أن عذاب الاستئصال كان ساريًا في القرى والأمم التي تكذب رسلها[5]، حتى بعث الله موسى[6]، فيكون آخر مَن أهلك استئصالًا فرعون وقومه، فلم يبقَ من المهلكين إلا بعض الآثار، وبعض الأحاديث التي لا يجد فيها اللاحقون تفاصيل ما عاشه الرسل مع أقوامهم من نقض العهد والخيانة والتكذيب، فيكون وجه المناسبة من ورود قصة بني إسرائيل بعد قصة آدم عليه السلام إعلام أمة الدعوة عامة وأمة الإجابة خاصة بما كان من بني إسرائيل مع عهد ربهم ومع رسله، فقد كانت تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، فمنهم مَن قُتلوا، ومنهم مَن كذِّبوا، وما كان منهم مع مَن جاورهم أو عاشرهم بشكل مفصل يغطي كل أوجه معاملاتهم وعقائدهم الفاسدة، ما أسروا منها وما أعلنوا عبرة وتحذيرًا للاحقين من الوقوع في ما وقع فيه هؤلاء، وإنهم قوم لم تنفع معهم شدة موسى، ولا فصحة هارون شيئًا.


بدأت الآيات بتذكير بني اسرائيل بنعم الله عليهم، واستمالتهم للوفاء بعهده سبحانه، وقد أخذ عليهم سابقًا، وهم في عالم الذرِّ، ثم ببعثة موسى، ثم ببعثة عيسى، وما أرسل الله بعدهم من أنبياء إلا وذكّروهم به، وهو معروض عليهم مع النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، وخُتمت الآيات بتذكيرهم بنعم الله تعالى عليهم، وإنذارهم من مغبة ما يعملون.


فقد كان منهم أن نسبوا لربهم الفقر والشح، والولد والصاحبة، وفريقًا من رسله كذبوا، وفريقًا قتلوا، ويوقدون نار الحرب حيثما حلوا، ويسعون في الأرض فسادًا، فما أصابهم إلا التيه والمسخ، وتسليط عليهم مَن يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة، وما كان استبقاؤهم تفضيلًا لهم؛ ولكن ليكونوا مثلًا لغيرهم عن انحرافهم عن الحق وسوء النية والفساد، فقد لعن الذين كفروا منهم على لسان داوود وعيسى بن مريم بما عصوا وكانوا يعتدون.


وذكرت الآيات نقضهم المواثيق والعهود قصة عنهم العديد من المرات، وجاء فيه عينة من مخازيهم، يتقدمها الاستكبار والحسد، وعدم استفادتهم مما علموا، وظلمهم واعتداؤهم، واشتراؤهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، وافتراؤهم واتباعهم أهواءهم، وكتمانهم الحق، وغير ذلك كثير. وجاء في سور أخرى أعظم من هذه، فكان هذا مانعًا لاهتدائهم إلى سبيل التوبة وهي مفتوحة لهم، كما قال سبحانه في سورة المائدة الآية 74: ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [المائدة: 74]، وقال سبحانه فيهم أيضًا في نفس السورة الآية 78: ﴿ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [المائدة: 74]، فضلوا ففسقوا وسفهوا، وخانوا واعتدوا، وزادهم هذا ضلالًا ففسقًا فاعتداءً، وهو نقيض حال أبيهم آدم الذي أقر بظلمه، فتذكر فنفعته الذكرى. فهذه قراءة لحال بني إسرائيل في دائرة الأمانة؛ جاءهم الهدى أكثر من مرة، فأعرضوا عنه، فخرجوا عن مسار التقوى، ووطَّنوا أنفسهم على الفساد والإفساد، فخانوا الأمانة، ودخلوا دائرة يلتقي أولها بآخرها من الضلال والاعتداء والخيانة[7]، هاوية بهم في دركات الخيانة والإفساد والضلال.


السياق الرابع: إني جاعلك للناس إمامًا:

يمتد هذا السياق من الآية 124: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 124] إلى الآية 141: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 141]، وفيه بيان لما كان من إبراهيم عليه السلام مع عهد ربه؛ وهي الكلمات التي ابتلاه بها، وما كان من ذريته إسماعيل وإسحاق ويعقوب في الوصية بدين الله، ووجه التناسب بين ذكر قصة بني إسرائيل بعد مخاطبة المشركين في أول السورة أن المشركين يدعون الانتساب إليه؛ لكنهم يشركون به سبحانه، ويحلون ويحرمون بأهوائهم، وأن بني إسرائيل ينسبون لإبراهيم وإسحاق ويعقوب اليهودية والنصرانية افتراءً عليهم.


فهذا إبراهيم الذي يلتقي في بنوَّته العرب وأهل الكتاب، وكلهم يدَّعي الانتساب إليه والمجادلة فيه، قد أتاه الله رشده، وأراه ملكوت السماوات والأرض، وابتلاه بكلمات فأتمهن أحسن تمام؛ إذ أظهر الحجة على قومه في عبادة الأصنام والكواكب، وعلى الذي جادله في ربه وما كان جوابه، إذ بنوا له بنيانًا ليلقوه في النار إلا أن قال: ﴿ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ [الصافات: 99]، وأسكن أهله بوادٍ غير زرع مستجيبًا لربه، وابتلاه بذبح ولده الذي رزقه على الكبر وغيرها، فكان أن جعله الله للناس إمامًا، واتخذه خليلًا، فهل بعد الإمامة للناس والخلة لله من منزلة في الهداية والتقوى، والوفاء بالعهد، ورعاية الأمانة؟!


السياق الخامس: إذ قلتم سمعنا وأطعنا:

يمتد هذا السياق من الآية 142: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 142] إلى آخر السورة، وفيه خطابات ثلاثة لمحمد صلى الله عليه وسلم، ولأمته من ورائه.


الخطاب الأول:

من الآية 142: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 142] إلى الآية 177: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177].


يبين فيه سبحانه لرسوله ولأمته حال السفهاء مع حدث تحويل القبلة، وما حبا الله به أمة محمد صلى الله عليه وسلم من هداية بتجنيبهم الريب في شأن تحويلها، فرفعهم بذلك على الناس؛ لتبوء منزلة العدالة في الدنيا والشهادة على الناس يوم القيامة، كما سيأتي وصفهم بالخيريةفي سورة آل عمران، فكان اتباعهم الرسول دليلًا على دخولهم في الذين هدى الله، فتكون الهداية متحققة لديهم، وما ذُكر أهل الكتاب في هذه الآيات إلا عرضًا لكتمانهم الحق، ولاشترائهم به ثمنًا قليلًا، ولتحذير المؤمنين من مكايد السفهاء، ولتثبيتهم على الحق، كما يخبر الله سبحانه المؤمنين أنهم سيكونون عرضة لابتلاءات كثيرة، لا زادهم للثبات على الهدى فيها إلا اليقين والصبر والصلاة، فيقودهم ثباتهم إلى التدرج في سلم الهداية والتقوى من درجة إلى أخرى أعلى منها؛ بذلك يهيئهم الله سبحانه لخوض سنة التدافع التي سيمحصهم بها، كما ذكر في سورة آل عمران، وكما سيجيء لاحقًا.


وفيه أيضًا بيانٌ لحال المشركين في اتخاذ الشركاء، والتحليل والتحريم، فيصف سبحانه لرسوله ولأمته حالهم يوم القيامة؛ إذ يتبرأ بعضهم من بعض، ويعقب سبحانه على ذلك بتذكير المؤمنين أن ما أوقع المشركين في شركهم، وما أحلوا وما حرموا إلا حبائل الشيطان.


ويواجه سبحانه في هذه الآيات بين السفهاء: (الذين رغبوا عن ملة إبراهيم) من جهة، والعدول (أمة محمد) من جهة أخرى، فالعدول هداهم الله، فاتبعوا الحق فصدقوا، وزادهم تقوى وهدًى، وما كان تحويل القبلة إلا ابتلاءً لهم في صدق اتباعهم الرسول. وأما السفهاء فقد كتموا الحق وحاربوه، واشتروا به الضلالة، فاختلفوا، فلبسوا الشقاق، فهم يتدرجون من ضلال إلى أضل، ومن خيانة إلى أشد، فهذا حال كل من السفهاء من جهة، وأمة محمد من جهة أخرى مع الأمانة.


الخطاب الثاني:

من الآية 178: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إليه بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 178] إلى الآية 283: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 283].


في هذا الخطاب جملة من التشريعات الخاصة بالحاجات الضرورية التي "لَا بُدَّ منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بِحَيْثُ إِذَا فُقِدَتْ لَمْ تَجْرِ مَصَالِحُ الدُّنْيَا عَلَى اسْتِقَامَةٍ، بَلْ عَلَى فَسَادٍ وَتَهَارُجٍ وَفَوْتِ حَيَاةٍ، وَفِي الْأُخْرَى فَوْتُ النَّجَاةِ وَالنَّعِيمِ، وَالرُّجُوعُ بِالْخُسْرَانِ الْمُبِينِ"؛ (الشاطبي، 1997، ص 17- 18).


هذه التشريعات مقصدها وقاية مجتمع المؤمنين من الأمراض الاجتماعية التي يؤدي انتشارها إلى فساد المجتمع وضعفه، وقد اصطلح علماء المقاصد على تسمية هذه الحاجات الضرورية بـ "الكليات الخمس"، والتي سنشير إليها فيما يلي بـ "عوامل المناعة"؛ وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسب (أو العرض أو الأسرة)، وحفظ العقل، وحفظ المال، وقد ألحَقَ بها ابن عاشور حفظ الحرية؛ (ابن عاشور، ص 162)، مخالفة هذه التشريعات يؤدي إلى كثير من الآفات الاجتماعية ينعدم بها الأمن، وتسوء بها الأخلاق ويكثر التهارج، كما ذكره الشاطبي، فيضعف بها المجتمع، ويفقد قدرته على حفظ بيضته، ودفع أعدائه، وفي التاريخ مواعظ من هذه.


ويكون حفظ هذه الضروريات "بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا يُقِيمُ أَرْكَانَهَا، وَيُثَبِّتُ قَوَاعِدَهَا، وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ مُرَاعَاتِهَا مِنْ جَانِبِ الْوُجُودِ، وَالثَّانِي مَا يَدْرَأُ عَنْهَا الِاخْتِلَالَ الْوَاقِعَ أو الْمُتَوَقَّعَ فِيهَا، وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ مُرَاعَاتِهَا مِنْ جَانِبِ الْعَدَمِ"؛ (ابن عاشور، ص 162)؛ إذ سترتبط بها سلامة المجتمع ومتانته.


سنة التدافع:

التدافع بين الناس هو أن يتخاصم فريقان في أمر تخاصمًا شديدًا إلى حد الاقتتال، وهو سنة ماضية إلى قيام الساعة بين أهل الحق وأهل الباطل، خوطب بها المؤمنون في سورة البقرة؛ ليتهيؤوا لها، وذكر لهم مثالًا من بني إسرائيل لم يتجاوزه منهم إلا الموقنون بنصر الله، وذلك في قوله تعالى في الآيات 246- 251: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 246].... ﴿ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 250، 251]، وقد أمر الله سابقًا المؤمنين بالاستعانة بالصبر وبالصلاة في مواجهة ما سيتعرضون له من تدافع، ثم إن رأس حربة هذا التدافع هو الاختلاف بين الناس في الدين كما بينت الآيات: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 213] و﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ [البقرة: 253]، وأمة محمد ستتعرض إلى قيام الساعة إلى أشكال مختلفة من التدافع، كما تذكر الآية 217: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 217].


وقد مرت أمة الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعدة محن في دينها أدت تدريجيًّا إلى فساد المجتمع كما قال ابن خلدون: "‌إذا ‌تأذَّن ‌الله ‌بانقراض ‌الملك ‌من ‌أمة؛ حملهم على ارتكاب المذمومات، وانتحال الرذائل، وسلوك طرقها؛ فتفقد الفضائل السياسية منهم جملة، ولا تزال في انتقاص إلى أن يخرج الملك من أيديهم، ويتبدَّل به سواهم؛ ليكون نعيًا عليهم في سلب ما كان الله قد أتاهم من الملك، وجعل في أيديهم من الخير"؛ (ابن خلدون، 1981، ص 180).


وقال أبو مروان (أبو حيان الأندلسي): "وقد أفشينا في شرح هذه الفادحة مصائب جليلة مؤذنة بوشك القلعة،... فمثل دهرنا هذا... قد غربل أهليه أشد غربلة، ‌فسفسف ‌أخلاقهم، واجتث أعراقهم، وسفَّه أحلامهم"؛ (الشنتريني، 1981، ص 188).


فيكون أهم سبب لهذه المحن هو ضياع مرجعية القوم المستمدة من الدين والعلم. فبتهلهل الدين والعلم عند الأفراد يتعدى على مدى طويل، (كما أشار إليه ابن خلدون) إلى السلطان، ويتغذى هذا من الفتن والشبهات التي يزرعها المنافقون والكافرون (يهود وخوارج وغيرهم).


عوامل المناعة:

حتى يقي مجتمع المؤمنين نفسه من آفات التهارج المؤدية للانحطاط تبرز أهمية السلطة الراعية لمصالح العامة والخاصة بتفعيل التشريعات الخاصة بالضروريات وما دونها، ولا يخفى انعكاس ضياع الكليات على المجتمع والأفراد كما ذكرناه، وقد تناول هذا علماء الاجتماع وغيرهم، فنجده مبثوثًا في نتائج دراساتهم.


وذكر العلماء دور السلطة والعلماء في تأمين هذه الضروريات؛ فذكر ابن خلدون نقلًا عن المسعودي في مروج الذهب وصية الموبذيان الذي قال: "أيها المَلِك، إنَّ الملك لا يتمُّ عِزُّهُ إلا بالشريعة[8]، والقيام لله بطاعته، والتصرف تحت أمره ونهيه، ولا قوام للشريعة إلا بالملك، ولا عز للملك إلا بالرجال، ولا قِوام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل، والعدل الميزان المنصوب بين الخليقة نصبه الرَّبُ، وجعل له قيِّمًا وهو الملِك"؛ (ابن خلدون، ص 43).


"فإقامة حكومة عامة وخاصة أصل من أصول التشريع الإسلامي، ثبت ذلك بدلائل كثيرة من الكتاب والسُّنَّة بلغت مبلغ التواتر المعنوي.... ولمكانة الخلافة في أصول الشريعة ألحقها علماء أصول الدين بمسائله؛ فكان من أبوابه باب الإمامة"؛ (ابن عاشور، ص 207).


الخطاب الثالث:

من الآية 284: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 284] إلى آخر السورة، وفيه تعقيب على حال أمة محمد؛ مفاده أن اثبتوا فالله مُطَّلع على أنفسكم، ويعلم ما تحدثكم به، فمحاسبكم عليه، وهذا من باب تحذيرهم، ووضعهم في أهبة مستمرة للاستقامة، وقد اشتدَّ على المؤمنين وقع قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾؛ خاصة أنهم لم يتلبسوا بما يكدر إيمانهم، ودام بهم هذا الوقع عامًّا كاملًا، حتى نزل ما بعدها يمتدحهم ويشرح صدورهم بقاعدة التكليف، ويعلمهم حسن التوجه إلى الله، كما جاء في هذا الخطاب ذكر الموثق الذي أخذ على أمة محمد بقولهم: سمعنا وأطعنا، وقد ذكرهم الله به في سورة العقود الآية 7: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [المائدة: 7].


3- الخاتمة:

قدم هذا المقال مكانة كلمات الهدى والتقوى والعهد (أو الميثاق) في بناء السورة، وربطها بالأمانة، وما توصلنا به إلى رسم دائرة للأمانة، وقد بينا أهمية التمييز من جهة بين هدى الدلالة الموجه لكل الناس، وهدى التوفيق الذي يختص به أصحاب الفطرة السليمة، ومن جهة أخرى بين التقوى الفطرية التي وُجد خلقها عند كل الناس؛ لكن منهم مَن جحده، والتقوى الكسبية باختيار الإنسان طريق الهدى، ثم ذكرنا نتيجة كل من الهدى والتقوى على الوفاء بالعهد أو نقضه، ورعاية الأمانة أو خيانتها، واختزلنا كل ذلك فيما أسميناه بدائرة الأمانة، وقد عرضنا كل سياقات السورة على هذه الدائرة فاستوعبتها وأفهمتها؛ بذلك اتخذنا الأمانة محورًا للسورة، ومنطقًا لفهم كل سياقاتها.


المراجع:

• ابن القيم، (1973)، الفوائد (ط 2)، بيروت، لبنان: دار الكتب العلمية.

• ابن بسام الشنتريني، (1981)، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة (ط 1، ج5)، ليبيا تونس: الدار العربية للكتاب.

• ابن تيمية، (2004)، مجموع الفتاوى (ج7)، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.

• ابن رجب الحنبلي، (1997)، جامع العلوم والحكم، تـ (الارناؤوط) (ج1)، بيروت، لبنان: مؤسسة الرسالة.

• ابن رجب الحنبلي، (2001)، روائع التفسير (ط1، ج1)، المملكة العربية السعودية: دار العاصمة.

• ابن عجيبة، (1419هـ)، المديد في تفسير القران المجيد، تـ (أحمد عبدالله القرشي) (ج7)، بيروت: دار الكتب العلمية.

• ابن فارس، (1969)، معجم مقايس اللغة تـ (عبدالسلام محمد بن هارون) (ط2، ج6)، بيروت: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، دار الجيل، ودار الفكر.

• أبو منصور الماتريدي، (2005)، تفسير الماتريدي: تأويلات أهل السنة، تـ (مجدي باسلوم) (ط1، ج5)، بيروت، لبنان: دار الكتب العلمية.

• إسماعيل التيمي الأصبهاني، (1999)، الحجة في بيان المحجة، (ط 2، ج 2)، الرياض، المملكة العربية السعودية: دار الراية.

• الجرجاني، (1983)، التعريفات، (ط 1)، بيروت، لبنان: دار الكتب العلمية.

• الحكيم الترمذي، (1986)، الأمثال من الكتاب والسنة، تـ (السيد الجميلي)، (ط 2)، بيروت: دار بن زيدون.

• الخازن، (1415هـ)، لباب التأويل في معاني التنزيل، تـ (محمد علي شاهين)، (ط1، ج3)، بيروت: دار الكتب العلمية.

• الشاطبي، (1997)، الموافقات، تـ (أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان)، (ط1، ج2)، دار ابن عفان.

• الطاهر ابن عاشور، (1984)، تفسير التحرير والتنوير، تونس: الدار التونسية للنشر.

• الطاهر ابن عاشور، (1964)، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، تونس: الدار التونسية للنشر.

• العبيدي خالد سعد الله، د. زهراء، والطوبجي يحيى إبراهيم طلال، (2013)، التناسب القصصي في سورة البقرة دراسة في هدي علم المناسبة، (جامعة الموصل، كلية الآداب قسم اللغة العربية)، مجلة جامعة زاخو، 1B) 200-210).

• القرطبي، (1964)، الجامع لأحكام القرآن، تـ (حمد البردوني، وإبراهيم أطفيش)، (ط 2، ج 1)، القاهرة: دار الكتب المصرية.

• النووي، (1392هـ)، شرح النووي على مسلم، (ط2، ج16)، بيروت، لبنان: دار إحياء التراث العربي.

• الواحدي، (1430هـ)، التفسير البسيط، (ط1، ج13)، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

• برهان الدين البقاعي، (1969)، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، (ط1، ج1)، حيدر آباد، الهند: دائرة المعارف العثمانية.

• ابن إبراهيم محمد التويجري، (بلا تاريخ)، موسوعة فقه القلوب، (ج1)، بيت الأفكار الدولية، (المكتبة الشاملة).

• عبد الرحمان بن خلدون، (1981)، كتاب العبر، (ج1)، بيروت: دار الفكر.

• عبدالكريم يونس الخطيب، (1431هـ)، التفسير القرآني للقرآن، (ج11)، القاهرة: دار الفكر العربي- المكتبة الشاملة.

• عبدالله بن سالم بن يسلم بافرج، (2016)، مظاهر الرحمة في حفظ الضرورات الخمس من خلال سورة البقرة، المؤتمر الدولي عن الرحمة في الإسلام 3. جامعة الملك سعود كلية التربية قسم الدراسات الإسلامية.

• عبدالله بن عبده العواضي، (2018)، روضة العابدين، صنعاء، اليمن: مكتبة الجيل الجديد.

• محمد الأمين الشنقيطي، (1955)، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (ج5)، بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

• نبيل بن عبدالمجيد النشمي، (بلا تاريخ)، صيد الفوائد، تاريخ الاطلاع 12 أكتوبر، 2025، من صيد الفوائد:

https://saaid.org/Doat/nashmi/30.htm

 


[1] تكررت هذه الكلمات في صيغها المختلفة على التوالي 36 و33 و17 (11 لعهد و6 لميثاق) (على سبيل الذكر لا الدلالة والاستقراء).
[2] عن عياض بن حمار؛ أخرجه مسلم والنسائي في السنن الكبرى.
[3] ﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 35]. ﴿ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [الأعراف: 22]. ﴿ فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾ [طه: 117].
[4] ينظر: تفسير الرازي للآية 20 من سورة الرعد؛ فقد أشار إلى عدة مسائل تتعلق بالعهد والميثاق.
[5] ﴿ ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ * ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [المؤمنون: 42- 44]. - ﴿ فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾ [الحج: 45].
[6] كان قوم إبراهيم استثناء من الاستئصال ربما لخروج إبراهيم منهم، وقوم يونس كذلك لإيمانهم.
[7] ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ [المائدة: 77].
[8] المقصود بالشريعة في الوصية: هي معتقدات القوم.

 





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • ملامح سورة البقرة
  • من وحي سورة البقرة
  • من فضائل سورة البقرة
  • التذكرة في فضائل سورة البقرة
  • تفسير خواتيم سورة البقرة
  • سورة البقرة: مفتاح البركة ومنهاج السيادة

مختارات من الشبكة

  • خطبة عن الأمانة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الأمانة... عنوان المؤمنين وميزان الصادقين(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطر الأمانة.. والرشوة(محاضرة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • حين خان الأمانة... وسقط في الغفلة - قصة قصيرة(مقالة - حضارة الكلمة)
  • تذكير أهل الديانة بخلق الأمانة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • حقيقة الحياء وأهميته(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تحريم الحلف بالأمانة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أمانة الحرف القرآني: مخارج الحروف توقيفية لا اجتهادية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • النوم أمانة في حفظ الله(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سياج الأمن وأمانة الكلمة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • ماساتشوستس تحتضن يوم المسجد المفتوح بمشاركة عشرات الزائرين
  • اختتام الدورة الثالثة عشرة لمسابقة التربية الإسلامية في فيليكو تشاينو
  • مسجد "توجاي" يرى النور بعد اكتمال أعمال بنائه في يوتازين
  • وضع حجر أساس مسجد جديد في غاليتشيتشي
  • تعديلات جديدة تمهد للموافقة على بناء مركز إسلامي في ستوفيل
  • ندوة شاملة لإعداد حجاج ألبانيا تجمع بين التنظيم والتأهيل
  • اختتام الدورة السابعة عشرة من "مدرسة اليوم الواحد" لتعليم أصول الإسلام في تتارستان
  • الذكاء الاصطناعي وتعليم اللغة العربية محور نقاش أكاديمي في قازان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 23/11/1447هـ - الساعة: 8:57
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب