• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    تفسير قوله تعالى: {الذين ينفقون أموالهم بالليل ...
    د. عبدالفتاح بن صالح الرصابي القعطبي
  •  
    الدعاء سلاح المؤمن
    مالك مسعد الفرح
  •  
    البعث والنشور: خروج الناس من القبور
    محمد بن سند الزهراني
  •  
    أربعة أسئلة قبل دخول رمضان (خطبة)
    محمد الوجيه
  •  
    نستقبل رمضان بترك الشحناء والبغضاء (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    رمضان والصيام والإمساك عن الآثام (خطبة)
    الشيخ عبدالله بن محمد البصري
  •  
    كنز الدعاء في رمضان
    السيد مراد سلامة
  •  
    وقفات مع حديث عظيم في فضل الصيام
    رمضان صالح العجرمي
  •  
    بر الوالدين العبادة الخفية في رمضان
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    النفخ في الصور وبداية أحداث القيامة
    محمد بن سند الزهراني
  •  
    القرآن الكريم وأثره
    بدر شاشا
  •  
    الدعاء آدابه وفضائله
    الشيخ خالد بن علي الجريش
  •  
    الاستغفار في رمضان
    السيد مراد سلامة
  •  
    قاعدة الخراج بالضمان (PDF)
    جواد بن حمد بن عبدالله الربيش
  •  
    تفسير قوله تعالى: {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا ...
    د. عبدالفتاح بن صالح الرصابي القعطبي
  •  
    الزكاة (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / العبادات / الصيام ورمضان وما يتعلق بهما
علامة باركود

نستقبل رمضان بترك الشحناء والبغضاء (خطبة)

نستقبل رمضان بترك الشحناء والبغضاء (خطبة)
د. عبد الرقيب الراشدي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 1/3/2026 ميلادي - 12/9/1447 هجري

الزيارات: 93

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

نستقبل رمضان بترك الشحناء والبغضاء

الخطبة الأولى

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102] ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].


عباد الله، اعلموا أن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم- وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذنا الله وإياكم من البدع والضلالات والنار، أما بعد:

أيها المؤمنون، أيام قلائل تفصلنا عن شهر رمضان المبارك، ونحن في اليوم الخامس والعشرين من شهر شعبان لعام 1447هـ. ويختلف المسلمون في استقبالهم شهر رمضان، فمنهم من يستقبله بتحضير أصناف من الطعام والشراب، ومنهم من يستقبله بإعداد وسائل الترفيه واللهو في أيامه ولياليه. وهذا النوع من الاستقبال يظل استقبالًا شكليًّا؛ لأنه لا يقرب الإنسان من ربه، ولا يزيد من رصيد إيمان المرء وتقواه، وأفضل استقبال يستقبل به المسلمون شهر رمضان أن يستقبلوه بصفاء قلوبهم، ونقاء سرائرهم تجاه بعضهم البعض، فيتخلصون من أسباب الشحناء والبغضاء التي قد نشأت فيما بينهم خلال السنوات والأعوام الماضية، وهذا ما كان يفعله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقبل عليهم شهر رمضان؛ ذكر عبدالرزاق في مصنفه، وابن عبدالبر في التمهيد، "أن ابن مسعود رضي الله عنه سئل: كيف كنتم تستقبلون شهر رمضان؟ قال: ما كان أحدنا يجرؤ أن يستقبل هلال رمضان وفي قلبه مثقال ذرة حقد على أخيه المسلم".


ونحن في عصر انتشرت فيه ظاهرة الشحناء والبغضاء في أوساط المسلمين، حتى أصبحت هذه الظاهرة من الأمور المألوفة في حياتنا اليومية؛ فنجد الشحناء والبغضاء في داخل أبناء الأسرة الواحدة، كما نجدها بين الجيران بعضهم وبعض، وبين الأرحام والأقارب، كما نجدها بين العاملين الذين يجمعهم العمل الواحد، وتزداد دائرة الشحناء والبغضاء لتشمل الدول والشعوب، كما لا يخفى على كل متابع حصيف لواقع المسلمين وأحوالهم.


ولأهمية سلامة الصدر من الشحناء والبغضاء قبل دخول شهر رمضان، سوف يكون حديثنا في هذه الخطبة عن ذلك؛ لأن انتشار هذا الداء في أوساط المسلمين يؤدي إلى تنازعهم، وضعفهم، وتفرُّقهم، وذهاب ريحهم، وصدق الله القائل: ﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 46].

أيها المؤمنون، ما أحسن أن يعيش الإنسان سليم القلب، خاليًا من الشحناء والبغضاء، سليمًا من الضغائن والأحقاد؛ فذلك أحفظ لدينه، وأسلم لنفسه وأعصابه؛ وذلك أنه لا شيء يؤلم القلب مثل أن يمتلئ حقدًا، ولا شيء يتلف الأعصاب مثل أن تسيطر الكراهية على النفس، ولا شيء يمرض الروح مثل الشحناء والبغضاء؛ لهذا دعا الإسلام إلى تنقية القلوب من الشحناء والبغضاء، ونهى عن كل ما يفسد العلاقات بين المسلمين، ويؤدي إلى حصول العداوة والبغضاء بينهم؛ ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم: لا يظلمه، ولا يحقره، ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه))، كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الهجران بين المسلم وأخيه المسلم حرصًا وحفاظًا على رابطة الأخوة بين المؤمنين؛ ففي الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)).

أيها المؤمنون، إن سلامة القلوب من الشحناء والبغضاء، ونقاءها من الغل والحقد والحسد دليل على صلاح الإنسان، وطريق إلى محبة الله للعبد. روى ابن ماجه في سننه، بسند صحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة، عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي الناس أفضل؟ قال: ((كل مخموم القلب، صدوق اللسان))، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: ((هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد))، ولما كان الغل في القلوب عذابًا لصاحبه، فلا يدخل أهل الجنة الجنة حتى ينزع الغل من قلوبهم، قال الله تعالى عن أهل الجنة: ﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ﴾ [الأعراف: 43].


أيها المؤمنون، لما علم الشيطان أنه قد عجز عن رد المؤمنين من الإيمان إلى الكفر، طمع فيما دون ذلك، وهو عمله في التحريش فيما بين المؤمنين، والذي يؤدي بهم إلى العداوة والبغضاء، وقد نجح في ذلك نجاحًا باهرًا. وقد ذكر الله في كتابه الكريم أن الشيطان يريد إيقاع العداوة والبغضاء بين المؤمنين، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ﴾ [المائدة: 91]. وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة؛ فقد روى الإمام مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم». والشيطان في كل يوم يرسل جنوده وأعوانه؛ ليفسدوا بين الناس، ليوقعوا بينهم العداوة والبغضاء، ففي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرَّقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه ويقول: نعم أنت)).


أيها المؤمنون، إن أسعد لحظات الشيطان يوم أن يرى نيران العداوة والبغضاء تشتعل بين المسلمين؛ لذلك فهو يحرص على أن يحضر كل واقعة يحدث فيها نزاع وخصام بين المؤمنين؛ لأنه يترتب عليها زراعة العداوة والبغضاء بين المسلمين، فقد روى الإمام أحمد في مسنده، بسند حسنه أحمد شاكر، في تحقيقه للمسند، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود، عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ ((أن رجلًا شتم أبا بكر، والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعجب ويتبسم، فلما أكثر ردَّ عليه بعض قوله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام، فلحقه أبو بكر، فقال: يا رسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت، قال: إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله، وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان)).


أيها المؤمنون، ولكي يفسد المسلم على الشيطان خطته، ويبطل عليه كيده، أرشدنا الله في كتابه الكريم إلى الاستعانة به عند كل نزغ يحدثه الشيطان في نفوسنا، وهدفه أن يدفعنا من خلاله إلى كل قول أو فعل قبيح؛ قال تعالى: ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾ [فصلت: 36].


كما أرشدنا الله تعالى إلى أن نقول القول الطيب الحسن في كل واقعة يحصل فيها نزاع وخصام؛ حتى نفوت على الشيطان لحظات نزغه بين المؤمنين، وصدق الله القائل: ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [الإسراء: 53].


أيها المؤمنون، وإنما يحرص الشيطان على إيقاع الشحناء والبغضاء بين المسلمين؛ لأنها تؤدي إلى فساد ذات بينهم، وفساد ذات البين هي الحالقة لدين الناس، فلا يرتفع للمتخاصمين عمل، ولا يغفر الله لهم ذنبًا، ما داموا مصرين على ذلك، واتبعوا سبل الشيطان الذي زين لهم طريق الشحناء والبغضاء، روى الإمام أحمد في مسنده، وحسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي عن الزبير بن العوام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين)).


أيها المؤمنون، إن الشحناء والبغضاء الناتجة عن فساد ذات البين لها آثار سيئة وعواقب وخيمة؛ فمن عقوباتها أنه لا يرفع لصاحبها صلاته التي يصليها لله تعالى في كل يوم وليلة، فقد روى ابن ماجه في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثةٌ لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا: رجل أمَّ قومًا وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان))؛ أي: متخاصمان.


ومن عقوبات الشحناء والبغضاء أن الله تعالى لا يغفر لصاحبها في يومي الاثنين والخميس، وهما اليومان اللذان تعرض فيهما الأعمال على الله تعالى، فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تُعرَض الأعمال في كل يوم خميس واثنين، فيغفر الله عز وجل في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئًا، إلا امرأً كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنْظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا، أنظروا هذين حتى يصطلحا))؛ أي: ردُّوهما وأخِّروهما، كما أن الله تعالى لا يغفر لصاحب الشحناء والبغضاء في ليلة النصف من شعبان، تلك الليلة التي يطلع فيها الله على الخلق، فيغفر لهم إلا مشركًا ومشاحنًا، روى ابن ماجه في سننه، بسند صححه الألباني، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لَيطلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو مشاحن)).


أيها المؤمنون، ولما يترتب على الشحناء والبغضاء من تقاطع الأرحام، وتهاجر بين المسلمين، وضياع الأعمال الصالحة؛ لهذا كان أجر من يسعى للإصلاح بين الناس عند الله عظيمًا، إن أجره أفضل من نوافل الصلاة والصيام والصدقة، روى الترمذي في سننه، وأحمد في مسنده، وصححه الألباني في صحيح الجامع، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟))، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين هي الحالقة)).


فلنزل الشحناء والبغضاء من قلوبنا، ولنحرص على إصلاح ذات بيننا، ولنملأ قلوبنا بالمحبة والسلام، ولنكن من الذين قال الله فيهم: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [الحجرات: 10].


قلت ما قد سمعتم، فاستغفروا الله يا لفوز المستغفرين!

الخطبة الثانية

الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:

أيها المؤمنون، لا يخلو أحد منا من مشاكل بينه وبين الناس، وهذه طبيعة الحياة، وعلى المسلم أن يتقي الله في ذلك، فإن كان ظالمًا رد المظالم إلى أهلها، وإن كان مظلومًا فليدفع بالتي هي أحسن، وليصبر وليحتسب، وليطالب بحقه بالتي هي أحسن، وإن تخلَّق بخلق العفو والإحسان فهو من أخلاق الأنبياء والمرسلين، ومن أخلاق عباد الله الصالحين؛ فهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم له مواقف كثيرة في العفو والإحسان عندما يساء إليه، روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أُحُد؟ قال: ((لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، قد بعثني إليك ربك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بل أرجو أن يخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل وحده لا يشرك به شيئًا))، لقد كان بإمكان النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ بحقه، وأن يأمر جبريل بأن يطبق الجبلين العظيمين على من آذوه ورجموه؛ ولكنه اختار العفو والمغفرة.


ولما فتح الله له مكة ودخلها فاتحًا، وكان كثير من المشركين يظنون أنه سينتقم منهم شر انتقام، وأنه سيقيم لهم المحاكم، وسينصب لهم المشانق؛ لما فعلوه به وبأصحابه في بداية الإسلام؛ لكنه لم يفعل شيئًا من ذلك، فقد وقف أمام قومه وقال لهم: ((ما ترون أني فاعل فيكم؟))، قالوا: خيرًا، أخٌ كريمٌ، وابنُ أخٍ كريم، فيقول: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)).


أيها المؤمنون، هذا هو يوسف عليه السلام، الذي تعرض للظلم والغدر من إخوته، الذين حسدوه على محبة أبيهم له، فألقوه في البئر، وهو غلام ضعيف لا حول له ولا قوة؛ ولكن الله تعالى حفظه ونجَّاه من مكرهم به، ولما مكنه منهم بعد سنين لم ينتقم منهم؛ بل عفا عنهم وسامحهم، وقال لهم: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [يوسف: 92]، وما يزيد الأمر عجبًا أنه لم يلقِ باللوم على إخوته؛ بل ألقاه على الشيطان الذي أفسد بينه وبينهم، فقال: ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾ [يوسف: 100]، إن هذا الموقف يعكس عظمة خلق يوسف عليه السلام، ورحمته التي فاقت كل حدود، وهو مثل للعفو والتسامح، ونموذج للمسلم الذي يتبع سنة الأنبياء.


أيها المؤمنون، وهذا أبو بكر الصديق- كما في الصحيحين- عفا عن مسطح بن أثاثة، الذي كان ينفق عليه، وبعد أن تكلم في عِرض ابنته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وكان ممن خاض في الإفك، فقطع عليه أبو بكر نفقته، فأنزل فيه آية: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور: 22].


قال أبو بكر: "بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي"، فعفا عن مسطح، وأعاد إليه النفقة؛ هذا هو العفو الذي يليق بالمؤمنين الذين يبتغون مغفرة الله ورحمته.


وذكر الإمام الذهبي في كتابه "سِيَر أعلام النبلاء" أن زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنهم، كانت له جارية تقوم على خدمته، وذات مرة سكبتْ له ماءً ليتوضَّأ به، فسقط الإبريقُ مِن يدها على وجهه فشجَّه، فرفع رأسَه إليها وهو غاضب، فقالت له الجارية: "إن الله يقول: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾ [آل عمران: 134]"، قال: "قد كظمْتُ غيظي"، قالت: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾ [آل عمران: 134]، فقال: "عفا اللهُ عنكِ"، فقالت: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 134]، قال: "أنتِ حُرَّةٌ لوجه الله تعالى".


أيها المؤمنون، وقد بلغ الصالحون في هذه الأمة مرتبة أنهم كانوا يدعون الله تعالى أن يعفو عمَّن ظلمهم، فقد ذكر ابن أبي الدنيا في كتابه "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وابن القيم في كتابه "مدارج السالكين" عن حماد: قَالَ لِي أَبُو سَعِيدٍ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَا حَمَّادُ، إِنْ كَانَ فِي الْقَوْمِ مَنْ يَظْلِمُنِي، فَإِنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَهُ نَفْسِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدِ، إِنَّكَ لَتَدْعُو لقَوْمٍ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرِّضَا عَنْهُمْ، فمن هم؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّهُمْ قَوْمٌ أَسَاءُوا إِلَيَّ، وَإِنِّي أَحِبُّ أَنْ أَحْسِنَ إِلَيْهِمْ، قُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدِ، إِنَّهُمْ لَيَظْلِمُونَكَ! قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: فَكَيْفَ؟ قَالَ: أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 40]؟ قَالَ حَمَّادٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ الْحَسَنَ يُكْثِرُ مِنْ ذَلِكَ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ، اعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، اللَّهُمَّ، اعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَنِي.


أيها المؤمنون، ومن أعظم ثمرات سلامة القلب أنه طريق إلى جنة عرضها السماوات والأرض، روى أحمد في مسنده، والنسائي في سننه، بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا جلوسًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة))، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه- أي: تقطر وتسيل- قد تعَلَّق نعليه في يده الشمال، فلما كان الغد، قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث، قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضًا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى، فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تبعه عبدالله بن عمرو بن العاص فقال: إني لاحيت أبي، فأقسمت ألَّا أدخل عليه ثلاثًا، فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت، قال: نعم، قال أنس: وكان عبدالله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث، فلم يره يقوم من الليل شيئًا، غير أنه إذا تعارَّ وتقلَّب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبدالله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرًا، فلما مضت الثلاثُ ليالٍ، وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله، إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ثم، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرار: ((يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة))، فطلعت أنت الثلاث مرار، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به، فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فقال: ما هو إلا ما رأيت، قال: فلما وليت دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًّا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه، فقال عبدالله: هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نطيق.


فلنحرص قبل دخولنا رمضان على أن نستقبله بأن نعفو عمن أساء إلينا، وأن نسامح من أخطأ في حقنا؛ وبذلك نكون أهلًا لأن يشملنا الله بعفوه ومغفرته في شهر رمضان، وأن يوفينا الله أجرنا بغير حساب، وصدق الله القائل: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 40]، أسأل الله بمنه وكرمه أن يبلغنا وإياكم شهر رمضان، وأن يجعلنا وإياكم ممن يشملهم الله فيه بعفوه ومغفرته، إنه أرحم الراحمين.


هذا وصلُّوا وسلِّموا على محمد بن عبد الله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].


وقال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا))، اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حميدٌ مجيدٌ، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين: أبى بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعلي، وارضَ اللهمَّ عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومَنْ تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين، اللهمَّ أعز الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمِ حوزة الدين.


اللهمَّ بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل.


اللهمَّ آتِ نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكَّاها، أنت وليُّها ومولاها، اللهمَّ إنا نسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى.


اللهمَّ أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر.


اللهمَّ اغفر لنا ولوالدينا، وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.

 

ربنا إن ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • المغضوب عليهم (خطبة)
  • موت الفجأة (خطبة)
  • الجزاء من جنس العمل (خطبة)
  • مرحبا شهر الصيام (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • كيف نستقبل رمضان؟ (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • كيف نستقبل رمضان؟ (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: كيف نستقبل رمضان؟(مقالة - آفاق الشريعة)
  • طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: المحبة في زمن الغفلة: استقبال رمضان بقلب حي(مقالة - آفاق الشريعة)
  • كيف نستقبل رمضان؟ (WORD)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • التعبد بترك الحرام واستبشاعه (خطبة) – باللغة البنغالية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • استقبال رمضان بالعزم على إصلاح القلوب والأعمال (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • استقبال رمضان بين الشوق والحرمان (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • استقبال شهر رمضان (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • استقبال رمضان (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مشروع إنساني يدمج المكفوفين في برامج تعليمية وتأهيلية خلال رمضان
  • أكاديميون من روسيا وتتارستان يناقشون أحكام الصيام في ندوة علمية
  • مجالس قرآنية يومية لتعزيز الوعي الديني للمسلمين في أمريكا اللاتينية خلال شهر رمضان
  • برامج دينية وخيرية ومبادرات تطوعية تميز رمضان بمنطقة مترو ديترويت
  • كيغالي تشهد حفلا ضخما لتخريج 70 ألف حافظ وحافظة لكتاب الله
  • أكثر من 400 امرأة يشاركن في لقاء نسائي تمهيدي لرمضان بكرواتيا
  • استعدادات رمضانية تنطلق بندوة شبابية في أوسلو
  • مبادرة رمضانية في ميشيغان لإطعام الأسر المحتاجة

  • بنر
  • بنر
  • بنر
  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 11/9/1447هـ - الساعة: 8:23
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب