• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    أين أنا في القرآن؟ {فيه ذكركم}
    أبو خالد بن ناظر الدين القاسمي
  •  
    ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    خطبة استسقاء 24/8/1447هـ
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    إطلالة على مشارف السبع المثاني (5) {إياك نعبد ...
    وضاح سيف الجبزي
  •  
    بشائر الصائمين وسبل الاستعداد لرب العالمين (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    ذكر يقوي بدنك فلا تحتاج إلى خادم
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    سلسلة ذنوب الجوارح - خطبة: جارحة القلب
    ياسر خالد
  •  
    فضل العفو والصفح من القرآن الكريم
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    مناقب سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    ظلم النفس والصدق مع الله تعالى (خطبة)
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    الصدقة برهان على صدق الإيمان (خطبة)
    الشيخ الحسين أشقرا
  •  
    هل القرائن توجب الحدود؟ (WORD)
    شمس الدين إبراهيم العثماني
  •  
    معايير الأخوة بين المسلمين (خطبة)
    يحيى بن إبراهيم الشيخي
  •  
    ذكرى الزمهرير (خطبة)
    د. محمد بن عبدالله بن إبراهيم السحيم
  •  
    الحجاوي وكتابه زاد المستقنع (PDF)
    رناد بنت علي بن عبدالله الهجرس
  •  
    رمضان وكسر العادات
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / تفسير القرآن
علامة باركود

إطلالة على مشارف السبع المثاني (5) {إياك نعبد وإياك نستعين} (خطبة)

إطلالة على مشارف السبع المثاني (5) {إياك نعبد وإياك نستعين} (خطبة)
وضاح سيف الجبزي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 12/2/2026 ميلادي - 25/8/1447 هجري

الزيارات: 53

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

إطلالة على مشارف السبع المثاني (5)

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾

 

اللهم إنا نستعينك، ونستهديك، ونستغفرك، ونتوب إليك، ونؤمن بك، ونتوكَّل عليك، ونثني عليك الخير كلَّه، نشكرك ولا نكفرك، ونخلَع ونترك من يفجُرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفِد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك الجدَّ بالكفار ملحق. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أحقُّ من عُبِد، وأحقُّ من حُـمِد، وأحقُّ من ذُكِر، وأولى من شُكِر، وأنصـرُ من ابتُغِي، وأرأف من ملَكَ، وأجود من سُئِل، وأوسع من أعطى، وأعفى من قَدَر، وأكرم من قُصِد، وأعدل من انتقم.

 

يا مَن له عنت الوجوهُ بأسرها
رَهَبًا وكلُّ الكائنات توحِّدُ
أنت الإلهُ الواحدُ الفردُ الذي
كلُّ القلوبِ له تُقِرُّ وتَشهدُ
ما في الوجود سواك ربٌّ يُعبَدُ
كَلَّا ولا مولًى هناك فيُقصَدُ
يا حيُّ يا قيومُ أنت المرتجى
وإلى علاك عنا الجبينُ السَّاجدُ

 

ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى والرحمة والعدالة،ودلَّ على نبوَّته بأفضل الدلالة، فبلَّغ عن الله الرسالة، وهدى من الضلالة، واستنقذ من البطالة، وعلَّم من الجهالة، وارتقى في درجات الكمال حتى بلغ الوسيلة، وصعد في سُلَّم الفضل حتى حاز كلَّ فضيلة.

 

أغرُّ عليه لِلنُّبُوَّة خاتمٌ
مِن الله مَشهودٌ يلوح ويشهدُ
نبيٌّ أتانا بعدَ يأسٍ وفَترةٍ
مِن الرُّسْل والأوثانُ في الأرض تُعبدُ
فأمسى سِراجًا مستنيرًا وهاديًا
يلُوح كما لاح الصَّقِيلُ المُهنَّدُ
وأنذرنا نارًا وبشَّر جنةً
وعلَّمنا الإسلامَ فاللهَ نحمَدُ

 

فصلَّى اللهُ وملائكتُه وأنبياؤه ورسلُه وعباده عليه، كما وحَّد ربَّه وعرَّف به وعبده ودعا إليه،

وبعد:

فإن الحديث لا يزال- أيها الأحِبَّة- في ظلال أمِّ الكتاب الحكيم، وفاتحة القرآن العظيم، وهذه هي الإطلالة الخامسة على مشارفها، ووقفة اليوم- بحول الله- مع خاتمة المناجاة بين العبد وربِّه الملك الحق المبين: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5].

 

أيها الموحِّدون، إذا أتمَّ الحامِدُ حَمْد ربِّه، يأخذ في التَّوجُّه إليه؛ بإظهار الإخلاص له، انتقالًا من الإفصاح عن حقِّ الرب إلى إظهار مراعاة ما يقتضيه حقُّه- تعالى- على عبده؛ من إفراده بالعبادة والاستعانة[1]: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾.

 

يقول ابن القيم: وسرُّ الأمر والخلق، والكتب والشرائع، والثواب والعقاب انتهى إلى هاتين الكلمتين، وعليهما مدار العبودية والتوحيد، حتى قيل: أنزل الله مائة كتابٍ وأربعة كتبٍ، جمع معانيها في التَّوْراة والإنجيل والقرآن، وجمع معانيَ هذه الكتب الثَّلاثة في القرآن، وجمع معانيَ القرآن في المفصَّل، ومعانيَ المفصَّل في الفاتحة، ومعانيَ الفاتحة في: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾[2].

 

عباد الله، إن هذه الآية هي قلبُ الفاتحة، وروح أسفارها، ورحيق أزهارها، وكنزُ أسرارِها، ومنبَعُ أنوارها، ومجمعُ آياتها، وفهرسُ فصولها، وخلاصة خلاصتها، نِصفُها للرَّب- جل وعلا-، ونصفها للعبد، كما قال صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا قَالَ الْعَبدُ: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ قالَ اللهُ: «هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[3]. وفي روايةٍ: «يَقُولُ العَبدُ: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾، يقُولُ اللهُ: فَهَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْن»[4].

 

فقوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ مع الثلاث الآيات قبلها للرب- تعالى-، وقوله: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ مع الثلاث الآيات بعدها للعبد؛ لأن هذه الآيةَ هي الآيةُ الرابعةُ من الفاتحة[5].

 

أيها المؤمنون، ومن بديع هذه الآية: أنها محل تحوُّل الأسلوب والتفاته من الغيبة إلى الخطاب، فقد كان الأسلوب من أول السورة إلى قوله تعالى: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّيْنِ ﴾ أسلوب غيبة، ثم إنه انتقل من هذه الآية: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ إلى آخر السورة إلى الحضور.

 

وتحوُّل الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب؛ إشارة إلى أنَّ العبد إذا ذكر الله تقرَّب منه، فصار من أهل الحضور فناداه، ولأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾[6].

 

أيها المسلمون، وقُدِّم المفعول وهو: ﴿ إِيَّاكَ ﴾، وكُرِّر؛ للاهتمام والحصـر؛ أي: لا نعبد إلَّا إيَّاك، ولا نتوكَّل إلَّا عليك، وهذا هو كمال الطاعة، والدينُ كلُّه يرجع إلى هذين المعنيين، وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سرُّ القرآن، وسرُّها هذه الكلمة: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾؛ فالأول: تبرؤ من الشرك، والثاني: تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله، وهذا المعنى في غير آية من القرآن؛ كما قال الله: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ [هود: 123]، ﴿ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ﴾ [الملك: 29]، ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ﴾ [المزمل: 9][7].

 

عباد الله، ومعنى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾؛ أي:نخصُّك ونقصدك بالعبادة، وهي الطَّاعة[8].

 

والعبادة في الأصل: الخضوع والانقياد، والطاعة والذِّلة، يقال: طريق مُعبَّد، إذا كان مذلَّلًا موطوءًا بالأقدام، وسُمِّي العبد عبدًا؛ لذلَّته، وانقياده لمولاه[9].

 

وهي في الاصطلاح: اسمٌ جامعٌ لِكلِّ ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة[10].

 

ثُمَّ العبادةُ هي اسمٌ جامِعُ
لكلِّ ما يرضى الإلهُ السَّامعُ
وفي الحديث أنها الدعاءُ
خوفٌ توكُّلٌ كذا الرَّجاءُ
ورغبةٌ ورهبةٌ خشوعُ
وخشيةٌ إنابةٌ خُضوعُ
والاستعاذةُ والاستعانهْ
كذا استغاثةٌ به سبحانهْ



يقول ابن القيم- رحمه الله- ما ملخصه: والعبادة تجمع أصلين:غاية الحبِّ بغاية الذُّلِّ والخضوع.. والاستعانة تجمع أصلين: الثَّقة بالله، والاعتماد عليه.. والتوكَّل معنى يلتئم من أصلين: من الثقة والاعتماد، وهو حقيقة ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾[11].

 

فعبادةُ الرَّحمنِ غايةُ حُبِّهِ
مع ذُلِّ عابِدِهِ هما قُطبانِ
وعليهما فَلكُ العبادةِ دائِرٌ
ما دار حتَّى قامتِ القُطبَانِ

 

وأركان العبودية ثلاثة: الحبُّ، والرجاء، والخوف، جُمعت في قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ﴾ [الإسراء: 57].

 

عباد الله، إن هذه الآية- ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾- عليها مدار دعوة الرسل- عليهم السلام-، فما من رسول إلا ودعا إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له، قال الله: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36].

 

وبالعبادة أرسل الله سائر أنبيائه ورسله- عليهم السلام-، كما قال الله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25].

 

والعبادة- يا أيها الموحِّدون-، نعتٌ لمن اصطفاهم الله من خلقه، وهم أكمل خلقه وأحبهم إليه- عليهم السلام-، قال تعالى: ﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾ [الإسراء: 3]، وقال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ﴾ [ص: 17]، وقال عن سليمان: ﴿ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ [ص: 30]، وقال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ ﴾ [ص: 41]، وقال تعالى: ﴿ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ ﴾ [ص: 45]، وقال تعالى عن المسيح- الذي ادُّعيت فيه الإلهية والنبوة-: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ﴾ [الزخرف: 59]، وبهذا نطق- عليه السلام- وهو في المهد: ﴿ إِنِّي عَبْدُ اللهِ ﴾[مريم: 30]، وقال الله عنه وعن الملائكة: ﴿ لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا للهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ﴾[النساء: 172]، وقال عن الملائكة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ﴾ [الأعراف: 206]، ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ [الأنبياء: 19]، ﴿ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴾ [الأنبياء: 26].

 

وبالعبادة نعَت اللهُ صفوةَ عباده، وخيرتَه من خلقه، وفي أكمل أحواله، وأشرف مقاماته، فقال في مقام التكريم والتعظيم والتفخيم: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ﴾ [الإسراء: 1].

 

وقال في مقام الاصطفاء والاجتباء: ﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾ [النجم: 10].

 

وقال في مقام التَّشـريف والتكليف: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ ﴾ [الفرقان: 1].

 

وقال في مقام الدعوة والبلاغ والإنذار: ﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ ﴾ [الجن: 19].

 

وقال في مقام التحدي والنصرة: ﴿ وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ﴾ [البقرة: 23].

 

وقال في مقام التبجيل والتفضيل: ﴿ الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾ [الكهف: 1].

 

وبالعبودية لله تشرَّف رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا: «فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ، وَرَسُولُهُ»[12].

 

ولما نزل عليه الملك وخيَّره قائلًا: «أَفَمَلِكًا نَبِيًّا يَجْعَلُكَ؟ أَوْ عَبْدًا رَسُولًا»؟ فقال جبريل -عليه السلام-: «تَوَاضَعْ لِرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ»، فقال صلى الله عليه وسلم: «بَلْ عَبْدًا رَسُولًا»[13].

 

معاشر المؤمنين، لقد جعل الله العبادة الوظيفة الأبدية لرسوله صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر: 99]، وقال: ﴿ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ﴾ [مريم: 65].

 

وبالعبادة أمر الله سائر عباده فقال: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ﴾ [الأنعام: 102]، ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 92].

 

وذم المستكبرين والمستنكفين عن عبادته بقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60].

 

وبالعبادة -عباد الله- وصف الله الصالحين من عباده، فقال: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا ﴾ [الفرقان: 63]، وقال: ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ ﴾[الإنسان: 6]، وعزل عنهم سلطان الشيطان، فقال: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾[الحجر: 42]، وجعل لهم البشارة المطلقة: ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ [الزمر:17-18]، وحباهم بالأمن المطلق: ﴿ يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ [الزخرف: 68].

 

وما أحسن قول القاضي عياض:

ومما زادني شرفًا وتيهًا
وكدتُ بأخمَصي أطأُ الثُّريَّا
دخولي تحت قولك: يا عبادي
وأنْ صيَّرتَ أحمدَ لي نبيَّا

 

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية»[14].

 

عباد الله، إن وصف العبودية هو غاية كمال الإنسان، ونهاية جمال الإحسان، حتى قيل: لا مقام أشرف من العبودية؛ إذ بها ينصرف من جميع الخلق إلى الحق[15].

 

ومما أُثر عن علي- رضي الله عنه-: كفى بي فخرًا أنْ أكون لك عبدًا، وكفى بي شرفًا أن تكون لي ربًّا، اللهم إني وجدتُك إلهًا كما أردت، فاجعلني عبدًا كما أردت[16].

 

فلا تدعني إلا بيا عبدَهُ
فإنه أشرفُ أسمائي

إن عبادة الله- يا أيها الأحبة- هي الغاية التي خُلق الخلقُ من أجلها: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]، «وإنما أُرسلت الرسل، وأُنزلت الكتب لذلك، فالعبادة حقُّ الله على عباده، ولا قدرة للعباد عليها بدون إعانة الله لهم؛ فلذلك كانت هذه الكلمة بين الله وبين عبده؛ لأنَّ العبادة حقُّ الله على عبده، والإعانة من الله فضل من الله على عبده»[17].

 

يقول شيخ الإسلام- رحمه الله-: تأمَّلتُ أنفع الدُّعاء، فإذا هو سؤال العون على مرضاته تعالى، ثمَّ رأيته في الفاتحة، في: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾[18].

 

عباد الله، والاستعانة: طلبُ العون، وهو المظاهرة والنصرة[19].

 

والعبادة تشير إلى بذل الجهد والمنَّة، والاستعانة تخبر عن استجلاب الطول والمنَّة، فبالعبادة يظهر شرف العبد، وبالاستعانة يحصل اللطف للعبد، في العبادة وجود شرفه، وبالاستعانة أمان تلفه، والعبادة ظاهرها تذلُّل، وحقيقتها تعزّز وتحمُّل[20].

 

وإذا تذلَّلت الرِّقاب تقرُّبًا
منَّا إليك فعزُّها في ذلِّها

يقول ابن القيم رحمه الله: وكثيرًا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية- قدَّس الله روحه- يقول: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ تدفع الرياء، ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ تدفع الكبرياء[21].

 

﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾: نخُصُّك بطلب العون منك، في جميع أمورنا الدينية والدنيوية، في جميع الأوقات والأحوال، ونعتمد عليك في جلب المنافع ودفع المضارِّ، مع تمام الثقة بك- يا ربنا- في تحصيل ذلك[22]، ﴿ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [الممتحنة: 4].

 

بك استعنَّا يا معينَ الضُّعفا
فحسبُنا يا ربّ أنت وكفى

إن هذه الكليةَ ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ تعلن ميلاد التحرُّر البشري الكامل الشامل، التحرُّر من عبودية الأوهام، والتحرر من عبودية النُّظُم، والتحرر من عبودية الأوضاع، وإذا كان الله وحده هو الذي يعبد، والله وحده هو الذي يستعان، فقد تخلَّص الضميرُ البشري من استذلال النُّظمِ والأوضاع والأشخاص، كما تخلَّص من استذلال الأساطير والأوهام والخرافات، ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا ﴾ [البقرة: 256].

 

إن العبودية لله وحده- يا عباد الله- هي حقيقة الإيمان، وهي في الوقت ذاته أشرف مقام تكريم يبلغه الإنسان، وما يرتفع الإنسان إلى أعلى مقام قُدِّر له إلا حين يعتصم من العبودية لهواه، كما يعتصم من العبودية لسواه، وحين يتجرَّد بكليته لمولاه، الذي تعنو له وحده الوجوه والجباه، ويستغني بالله عن كل ما عداه، وهنالك يكون حاله ومقاله، ولسانه ونجواه:

أنا بالله عزيزٌ
عزّتي في سجداتي
أنا لله وليٌّ
لا لعزّى أو مَناةِ
أنا عبدُ الله
لا عبدَ الهوى والشهواتِ
فنيتْ نفسيَ عن نفسي
فسُدتُ الكائناتِ
أنا أقوى الخلقِ بالله
بذكري بصلاتي
أنا أغنى الخلقِ بالحقِّ
بأغلى الثروات
أنا أدري غايتي
أعرفُ منهاج حياتي
أنا محميٌّ بدرعٍ
من يقينٍ وثباتِ
معيَ الله فلِمَ لا
أتحدَّى النائباتِ؟
معي الإيمان يهدي
ني لبحر الظلماتِ
معي الإخلاص ينجي
مركبي والموجُ عاتِ
هل ترى الإعصار يومًا
هزَّ شُمَّ الراسياتِ؟

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [يونس: 104-107].

 

قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، نحمده جل جلاله على ما أنعم، ونستعينه فيما ألزم.

 

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليُّ الأعظم.

 

ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي الأكرم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلِّم، وبعد:

ففي قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ تقدَّم لفظ العبادة على الاستعانة، وتقديم العبادة على الاستعانة: من باب تقديم الغايات على الوسائل؛ إذ العبادة غاية العباد التي خُلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها؛ ولأن ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ متعلِّقٌ بألوهيَّته واسمه (الله)، ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ متعلِّقٌ بربوبيَّته، واسمه (الرَّبّ)، فقدَّم ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ على ﴿ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾، كما قدَّم اسم (الله) على (الرَّب) في أول السورة، ولأن ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ قَسْمُ الرَّب، فكان من الشَّطر الأوَّل الذي هو ثناءٌ على الرَّبِّ- تعالى-؛ لكونه أولى به، و﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ قسم العبد، فكان مع الشَّطر الذي له، وهو: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾، ولأنَّ العبادةَ حقُّه الذي أوجبه عليك، والاستعانة طلبُ العون على العبادة، وهو بيان صدقته التي تصدَّق بها عليك، وأداءُ حقِّه أهمُّ من التَّعَرُّض لصدقته، ولأن ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ له، و﴿ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ به، وما له مقدَّمٌ على ما به، لأنَّ ما له متعلِّقٌ بمحبَّته ورضاه، وما به مُتعلِّقٌ بمشيئته، وما تعلَّق بمحبَّته أكملُ ممَّا تعلَّق بمجرَّد مشيئته[23]. فكأن العباد يقولون: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ لأنك الصانع، ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لأن المصنوع لا غنى له عن الصَّانع، ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ لتدخلنا الجنان، ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لتنقذنا من النيران، ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ لأنا عبيد، ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لأنك كريم مجيد، ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ لأنك المعبود بالحقيقة، ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لأننا العباد بالوثيقة[24].

 

يا مَن نلُوذُ به فيما نؤمِّلُهُ
ومَن نعوذُ به ممّا نُحاذِرُهُ
لا يجبُر النَّاس عظمًا أنت كاسرُهُ
ولا يَهيضُون عظمًا أنت جابرُهُ

 

إن المستعين بالله عارفٌ بربِّه، مقرٌّ بتفرُّده بالخلق والتدبير، والضر والنفع، والعطاء والمنع، وأنه ما شاء كان وإن لم يشأ الناسُ، وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه الناسُ، فيوجب له هذا اعتمادًا عليه، وتفويضًا إليه، وطُمأنينة به، وثقة به، ويقينًا بكفايته له، وكمال غنى العبد في تعلقه بربِّه، ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره، وكَلَه الله إلى من استعان به فصار مخذولًا. كما قيل:

إِذا لم يكُن عَونٌ مِن الله للفَتى
فأكثرُ ما يَجني عليه اجتِهادُهُ
إذا كان غيرُ الله لِلمرءِ عُدَّةً
أتَتْهُ الرَّزايا مِن وجُوه الفوائدِ

 

«كتب الحسن إلى عمر بن عبدالعزيز: لا تستعن بغير الله، فيكِلَكَ الله إليه.

 

ومن كلام بعض المتقدمين: يا ربِّ، عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك؟! عجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك؟

 

وقال بعضهم: فاستغنِ بالله واستعِنْه فإنَّه خير مستعان»[25].

 

عباد الله، إن الاستعانة بالله دَأْب الصالحين، ووصية النبيين والمرسلين: ﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ [الأعراف: 128]، وقال يعقوب- عليه السلام-: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 18]، وقال الله لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: ﴿ قَالَ رَبِّ احْكُمْ ‎بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [الأنبياء: 112].

 

وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ»[26].

 

وقيل: كان من دعاء موسى- عليه السلام-: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، وَإِلَيْكَ الْمُشْتَكَى، وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ، وَبِكَ الْمُسْتَغَاثُ، وَعَلَيْكَ التُّكْلَانُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»[27].

 

وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ»[28].

 

وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «لاَ تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ أن تَقُول: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»[29].

 

وقال صلى الله عليه وسلم في وصيته لابن عباس: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ»[30].

 

يقول ابن رجب- رحمه الله-: وأما الاستعانة بالله دون غيره من الخلق؛ فلأن العبد عاجزٌ عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضارِّه، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله جل جلاله، فمن أعانه الله فهو المُعان، ومن خذله فهو المخذول، وهذا تحقيق معنى قول: «لا حول ولا قوَّة إلا بالله»، فإنَّ المعنى: لا تحوُّلَ للعبد من حال إلى حال، ولا قوَّة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمة عظيمة، وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلِّها في الدنيا وعند الموت، وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله جل جلاله، فمَن حقَّق الاستعانة عليه في ذلك كلِّه أعانه، ومن ترك الاستعانة بالله، واستعان بغيره، وكَلَهُ الله إلى من استعان به فصار مخذولًا[31].

 

يقول الإمام فخرُ الدين الرازي- رحمه الله تعالى-: والذي جرَّبتُه من أول عمري إلى آخره: أن الإنسان كلما عوَّل في أمر من الأمور على غير الله؛ صار ذلك سببًا إلى البلاء والمحنة، والشدَّة والرزية، وإذا عوَّل العبدُ على الله، ولم يرجع إلى أحد من الخلق؛ حصل ذلك المطلوبُ على أحسن الوجوه، فهذه التجربة قد استمرَّت لي من أول عمري إلى هذا الوقت، الذي بلغت فيه إلى السابع والخمسين، فعند هذا استقرَّ قلبي على أنه لا مصلحة للإنسان في التعويل على شيء، سوى فضل الله- تعالى- وإحسانه[32].

 

وَمَن أحسَن الظَّنَّ بِالله لم
تَرُعْهُ الحوادثُ مهما جرىٰ
إذا مازَج الرُّوحَ إيمانُها
تسامتْ ولم يبقَ إلَّا ثرى

 

فيا أيَّتُها الأغصان العابثة بين ربيعٍ وخريف، تبيحين نداك لكل ريح؛ هذه الشمس تكاد تأتي على امتصاص كل أنداء الحياة، فإذا نضارة العود الطافح أوراقًا وأزهارًا تستحيل حطبًا، يتحطَّم وهَنًا على أعتاب الآخرة، فأين أنت من: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾؟ [33]


بمن يستغيث العبدُ إلا بربّهِ
ومَن للفتى عند الشدائد والكَرْبِ؟
ومَن مالكُ الدُّنيا ومالكُ أهلها
ومَن كاشفُ البلوى على البُعْد والقُربِ؟
ومن يدفعُ الغَمَّاءَ وقتَ نزولها
وهل ذاك إلا من فعالك يا رَبِّي؟!

 

فاللهم ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾، فاجعلنا من عبادك الصادقين، وحزبك المفلحين.



[1] التحرير والتنوير (1/ 175).

[2] مدارج السالكين (1/ 95).

[3] رواه مسلم (395).

[4] القراءة خلف الإمام للإمام البخاري (1/ 23)، سنن الدارقطني (1189)، السنن الكبرى للبيهقي (2366)، سنن ابن ماجه (3784)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح.

[5] كما في عدِّ المصاحف المدنية والبصرية والشامية، والآية السابعة عندهم هي: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}، وكما في مصاحف قالون وورش؛ فإنها لا تعد البسملة آية من الفاتحة. ينظر: معاني القرآن للفراء (1/ 92)، أحكام القرآن للجصاص (1/ 8)، جمال القراء للسخاوي (2/ 500).

[6] ينظر: تفسير ابن جُزَيّ (1/ 66)، تفسير ابن كثير (1/ 49).

[7] ينظر: تفسير ابن كثير (1/ 48-49).

[8] الوجيز للواحدي (1/ 89).

[9] تفسير الثعلبي (1/ 117).

[10] العبودية لشيخ الإسلام ابن تيمية (1/ 44).

[11] مدارج السالكين (1/ 95-96).

[12] رواه البخاري (3445).

[13] رواه أحمد (7160) وصححه شاكر والأرناؤوط، وابن حبان (6365)، وقال الهيثمي في المجمع (14209): رواه أحمد والبزار وأبو يعلى، ورجال الأوَّلَين رجال الصحيح. ينظر: الصحيحة (1002).

[14] مجموع الفتاوى (9/ 34).

[15] مرقاة المفاتيح للقاري (2/ 684).

[16] مفاتيح الغيب للرازي (1/ 215).

[17] ينظر: تفسير ابن رجب (1/ 69).

[18] مدارج السالكين (1/ 100).

[19] الدر المصون في علوم الكتاب المكنون للسمين الحلبي (1/ 61).

[20] لطائف الإشارات (1/ 48).

[21] مدارج السالكين (1/ 78).

[22] اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب، للاحم (1/ 261).

[23] ينظر: مدارج السالكين (1/ 97-98).

[24] تفسير الثعلبي (1/ 118).

[25] نور الاقتباس لابن رجب (136).

[26] رواه أحمد (1997) وصححه الأرناؤوط، وأبو داود (1510)، والترمذي (3551) وقال: حسن صحيح، صحيح الجامع (3485).

[27] أخرجه البيهقي بنحوه في الدعوات الكبير (264)، ينظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (1/ 112).

[28] رواه مسلم (2664).

[29] رواه أحمد (22119)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح، وأبو داوود (1522)، والنسائي في الكبرى (9857)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1596).

[30] رواه أحمد (2669) وصححه أحمد شاكر، والترمذي (2516) وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح المشكاة (5302).

[31] جامع العلوم والحكم (1/ 450).

[32] تفسير الرازي (18/ 462).

[33] قناديل الصلاة (26).





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • إطلالة على مشارف السبع المثاني (1) بين يدي السورة: فضائل وأنوار - مقاصد وأسرار (خطبة)
  • إطلالة على مشارف السبع المثاني (2) {الحمد لله رب العالمين} (خطبة)
  • إطلالة على مشارف السبع المثاني (3) ﴿ الرحمن الرحيم ﴾ (خطبة)
  • إطلالة على مشارف السبع المثاني (4) {مالك يوم الدين} (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • إطلالة على أنوار من النبوة(مقالة - موقع الشيخ الدكتور عبدالله بن ضيف الله الرحيلي)
  • حديث الدار (قصيدة)(مقالة - حضارة الكلمة)
  • الوجيز الـمنتقى من سيرة النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تكوة أهل الجنة وأناسها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • لا تطلب الأبدية من دنيا فانية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وثلاث حثيات من حثيات ربي(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الفاتحة (السبع المثاني والقرآن العظيم) (خطبة) (باللغة الهندية)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الفاتحة (السبع المثاني والقرآن العظيم) (باللغة الأردية)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • إطلالة على شرفات السبع المثاني (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق كل شيء(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مساجد فيكتوريا تنشر الإسلام وتعزز الروابط المجتمعية في يوم المسجد المفتوح
  • مناقشة الفضائل الأخلاقية والإيمانية للإمام في ندوة علمية بعاصمة الجبل الأسود
  • ورشة عمل تحضيرية لاستقبال شهر رمضان في مدينة بوينس آيرس الأرجنتينية
  • قمة شبابية دولية في أستراليا لتعزيز الهوية والقيادة الإسلامية
  • ندوة علمية في ساراتوف تبحث أحكام الزكاة وآليات تطبيقها
  • مفكرة يومية ترافق الصائمين في رحلتهم الإيمانية خلال رمضان في تتارستان
  • أئمة بلغاريا يطورون مهاراتهم الدعوية ضمن الموسم السابع من «الإمام الفاعل»
  • حملة «تنظيف المساجد» تعود من جديد في تتارستان استعدادا لشهر رمضان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 24/8/1447هـ - الساعة: 10:52
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب