• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    إرادة الإنسان بعمله الصالح الدنيا
    إبراهيم الدميجي
  •  
    جريمة الخروج على السكينة العامة والنسيج الاجتماعي ...
    د. صغير بن محمد الصغير
  •  
    لذة العبادة.. راحة الأرواح وغذاء القلوب
    د. أمير بن محمد المدري
  •  
    أمثال وحكم عن مكارم الأخلاق
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
  •  
    من مائدة الفقه: الصلوات الخمس
    عبدالرحمن عبدالله الشريف
  •  
    طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: منزلة التوبة
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    وقفات لتربية النفس في شهر شعبان (خطبة)
    د. فرغلي هارون
  •  
    العرش والكرسي
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    حديث: في امرأة المفقود: تتربص أربع سنين، تم تعتد ...
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    دروس وقيم وعظات من سورة الحجرات
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    سلسلة هدايات القرآن (13) هدايات سورة الفاتحة: ...
    حمادة إسماعيل فودة
  •  
    صفات المنافقين
    إبراهيم الدميجي
  •  
    فوائد من كتاب شرح السنة للإمام البغوي: كتاب ...
    فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ
  •  
    خطبة: خطر الظلم والتحذير منه
    الشيخ الدكتور صالح بن مقبل العصيمي ...
  •  
    خطبة: حسن الظن بالله
    أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة
  •  
    دور وسائل الاتصال في نشر خير الخصال (خطبة)
    الشيخ الحسين أشقرا
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

إرادة الإنسان بعمله الصالح الدنيا

إرادة الإنسان بعمله الصالح الدنيا
إبراهيم الدميجي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 7/2/2026 ميلادي - 20/8/1447 هجري

الزيارات: 47

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

إرادة الإنسان بعمله الصالح الدنيا

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام والبركة على خير المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، أما بعد؛ فإن هناك آفة للإخلاص شبيهة بالرياء وليست منه، وهي إرادة الإنسان بعمله الدنيا[1]، فالرياء لطلب الجاه. أما إرادة الدنيا فالعمل خالص لله ولكن بلا إرادة ثواب الآخرة، بل استعجل صاحبه ثواب الدنيا، وقد يدخل فيه الرياء من باب العموم والخصوص فيكون الرياء أخص، بأنه لا إخلاص فيه أصلاً لا وجه الله ولا الدار الآخرة. وهذا أعم بكونه يشمل كل ما لم تُرَدْ به الآخرة. قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإسراء: 18، 19]، وقال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [هود: 15، 16] أي من أراد بأعماله بالصالحة الحياة الدنيا دون الآخرة.


وقد قال الإمام المجدد رحمه الله في معنى الآية ما ملخصه: «ذكر عن السلف[2] من أهل العلم فيها أنواع مما يفعله الناس اليوم ولا يعرفون معناه:

النوع الأول: العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله، من صدقة وصلاة وإحسان إلى الناس، وترك ظلم، ونحو ذلك مما يفعله الإنسان، أو يتركه خالصًا لله، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته، أو حفظ أهله وعياله، أو إدامة النعم عليهم، ولا همّة له في طلب الجنة والهرب من النار، فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة نصيب. وهذا النوع ذكره ابن عباس.


النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، فهو الذي ذكره مجاهد في الآية أنها نزلت فيه: وهو أن يعمل أعمالاً صالحة ونيته رياء الناس لا طلب ثواب الآخرة.


النوع الثالث: أن يعمل أعمالاً صالحة يقصد بها مالاً، مثل أن يحج لمال يأخذه، لا لله، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل المغنم، فقد ذكر أيضًا هذا النوع في تفسير هذه الآية، وكما يتعلم الرجل لأجل مدرسة أهله أو مكتبهم أو رياسة، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة لأجل وظيفة المسجد[3] كما هو واقع كثيرًا، وهؤلاء أعقل من الذين قبلهم؛ لأنهم عملوا لمصلحة يحصلونها، والذين قبلهم عملوا من أجل المدح والجلالة في أعين الناس، ولا يحصل لهم طائل. والنوع الأول أعقل من هؤلاء؛ لأنهم عملوا لله وحده لا شريك له، لكن لم يطلبوا منه الخير الكثير الدائم وهو الجنة، ولم يهربوا من الشر العظيم وهو النار.


النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصًا لله وحده لكنه على عمل يكفره كفرًا يخرجه من الإسلام؛ كاليهود والنصارى إذا عبدوا الله أو تصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة[4]، ومثل كثير من الأمة الذين فيهم كفر أو شرك أكبر يخرجهم من الإسلام بالكلية»[5].


قال الشيخ العثيمين رحمه الله في القول المفيد: «فإن قيل: هل يدخل في الوعيد من يتعلمون في الكليات أو غيرها يريدون شهادة أو مرتبة بعلمهم؟


فالجواب: أنهم يدخلون في ذلك إذا لم يريدوا غرضًا شرعيًا. فنقول لهم:

أولاً: لا تقصدوا بذلك المرتبة الدنيوية، بل اتخذوا هذه الشهادات وسيلة للعمل في الحقول النافعة للخلق؛ لأن الأعمال في الوقت الحاضر مبنية على الشهادات. والناس لا يستطيعون الوصول لمنفعة الخلق إلا بهذه الوسيلة، وبذلك تكون النية سليمة.


ثانيًا: أن من أراد العلم لذاته قد لا يجده إلا في الكليات، فيدخلها لهذا الغرض، وأما بالنسبة للمرتبة فإنها لا تهمه.


ثالثًا: أن الإنسان إذا أراد بعمله الحسنيين؛ حسنى الدنيا وحسنى الآخرة فلا شيء عليه، إلا أن الله يقول: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطلاق: 2، 3]، فرغبه في التقوى بذكر المخرج من كل ضيق والرزق من حيث لا يحتسب. فإن قيل: من أراد بعمله الدنيا كيف يقال إنه مخلص؟ أجيب: إنه أخلص العبادة ولم يرد بها الخلق إطلاقًا، فلم يقصد مراءاة الناس، بل قصد أمرًا ماديًا، فإخلاصه ليس كاملًا لأن فيه شركًا، ولكن ليس كشرك الرياء، يريد أن يمدح بالتقرب إلى الله، بل أراد شيئًا دنيئًا غيره»[6].


وقال الشيخ صالح آل الشيخ في التمهيد: «الأعمال التي يعملها العبد ويستحضر فيها ثواب الدنيا على قسمين:

الأول: أن يكون العمل الذي عمله، واستحضـر فيه ثواب الدنيا وأراده، ولم يرد ثواب الآخرة، لم يرغب الشـرع فيه بذكر ثواب الدنيا، مثل الصلاة والصيام ونحو ذلك من الأعمال والطاعات، فهذا لا يجوز له أن يريد به الدنيا، ولو أراد به الدنيا فإنه مشرك ذلك الشرك.


الثاني: أعمال رتب الشارع عليها ثوابًا في الدنيا، ورغب فيها بذكر ثواب لها في الدنيا مثل صلة الرحم، وبر الوالدين ونحو ذلك، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من سره[7] أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه»[8].


فهذا النوع إذا استحضـر في عمله حين يعمل ذلك العمل ذلك الثواب الدنيوي وأخلص لله في العمل، ولم يستحضـر الثواب الأخروي؛ فإنه داخل في الوعيد[9]، فهو من أنواع هذا الشرك. وإن استحضـر الثواب الدنيوي والثواب الأخروي معًا، أي له رغبة فيما عند الله في الآخرة، ويطمع في الجنة ويهرب من النار، واستحضـر ثواب هذا العمل في الدنيا فإنه لا بأس بذلك؛ لأن الشرع ما رغّب فيه بذكر الثواب في الدنيا إلا لأجل الحضّ عليه، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من قتل قتيلاً له عليه بيّنة فله سلبه»[10]، فمن قتل حربيًّا في الجهاد لكي يحصل على السلب ولكن قصده من الجهاد الرغبة فيما عند الله جل وعلا، مخلصًا لوجه الله، لكن أتى هذا من زيادة الترغيب له، ولم يقتصر على هذا الغرض الدنيوي بل قلبه معلق أيضًا بالآخرة، فهذا النوع لا بأس به، ولا يدخل في النوع الأول مما ذكره السلف في هذه الآية.


النوع الثاني: أن يعمل العمل الصالح لأجل المال، مثل أن يدرس ويتعلم العلم الشرعي لأجل الوظيفة فقط، وليس في همه رفع الجهالة عن نفسه، ومعرفة العبد بأمر ربه ونهيه والرغبة في الآخرة، فهذا داخل في ذلك، أو حفظ القرآن ليكون إمامًا في المسجد ويكون له الرزق الذي يأتي من بيت المال، فغرضه من هذا العمل إنما هو المال، فهذا لم يعمل العمل صالحًا إنما عمل العمل الذي في ظاهره أنه صالح، ولكن في باطنه قد أراد به الدنيا.


النوع الثالث: أهل الرياء، الذين يعملون لأجل الرياء.


النوع الرابع: الذين يعملون العمل ومعهم ناقض من نواقض الإسلام.


وهنا إشكال أورده بعض أهل العلم في الآية: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [هود: 16]، فهي في الكفار الأصليين أو من قام به مكفّر، فكيف تكون هذه الأنواع المذكورة لمسلمين من ضمنها؟


والجواب: أن السلف أدخلوا أصنافًا من المسلمين في هذه الآية، وهي من آيات الوعيد، فمن أراد الدنيا بكل عمل وليس معه الإيمان والإسلام المصحح لأصل أعماله فهو مخلد في النار، أما من كان معه أصل الإيمان وأصل الإسلام الذي يصح به عمله فهذا قد يحبط العمل، بل يحبط عمله الذي أشرك فيه وأراد به الدنيا، وما عداه لا يحبط»[11].


ويرى بعض أهل العلم أن إرادة ثواب الدنيا فقط بالعمل الصالح الذي رتب عليه الشارع ثوابًا دنيويًا جائزة، وأنه لا يؤاخذ بذلك لكنه يحرم من ثواب الآخرة، بحجة أن الشارع هو من أباح له تلك الإرادة بالتوجيه لثوابها الدنيوي.


قلت: وفي هذا نظر، من أمور:

الأول: عمومات أدلة النهي عن إرادة الدنيا وزينتها بأعمال الآخرة.


الثاني: الأمور التي أذن الشرع بميل القلب فيها لثواب الدنيا إنما هي من جهة التبعية والمشاركة الأقل لإرادة الآخرة وليست من جهة التمحيض والاستقلال، بدليل أن كل عمل رتب الشرع عليه ثوابًا دنيويًا فقد رتب عليه أجورًا أخروية كذلك، وهي أعظم، فإرادة الآخرة هي المحرك الأصلي، أما الدنيا فهي مرغّب تابع.


الثالث: بما أن إخلاص العمل لله تعالى حتم في كل عبادة ولم يستثن من ذلك شيء، فكذلك إخلاص إرادة الآخرة إلا ما استثني على سبيل التشريك الأقل والتبعية من باب الحض والحث.


رابعًا: الإذن المستثنى مما أصله المنع مقدر بأدنى قدر ممكن، وهو هنا في التشريك الأدنى والتبعية فيقدر بقدرها ولا يتجاوزها من جهتين:

الأولى: أن تكون الإرادة تابعة للآخرة بحيث تكون إرادة الآخرة هي الغالبة.


الثانية: ألا يتجاوز الأمور التي ذكرها الشرع إلى أمور أخرى، فلا قياس هنا.


خامسًا: أن هذا القول أخذ بالاحتياط، والاحتياط المعتبر محمود، خاصة في مسائل التوحيد وأصول الدين.


قال ابن القيم رحمه الله: «فإن إرادة الدنيا قادحة في إرادة الآخرة، ولا يصح للعبد مقام الإرادة حتى يفرد طلبه وإرادته ومطلوبه، فلا ينقسم المطلوب ولا الطلب»[12].


قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أُعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفّع»[13].


قال شيخ الإسلام: «فسمّاه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الدينار والدرهم، وعبد القطيفة، وعبد الخميصة، وذكر فيه ما هو دعاء وخبر، وهو قوله: «وإذا شيك فلا انتقش»، وهذه حال من أصابه شر لم يخرج منه ولم يفلح لكونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب، ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عَبَدَ المال. وقد وصف ذلك بأنه إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، كما قال تعالى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ﴾ [التوبة: 58]. فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله، وهكذا حال من كان متعلقًا برئاسة أو صورة، أو نحو ذلك من أهواء النفس، إن حصل له رضي، وإن لم يحصل له سخط، فهذا عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له، إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده فهو عبده، وهكذا أيضًا طالب المال، فإن ذلك يستعبده ويسترقه.


وهذه الأمور نوعان:

الأول: ما يحتاج إليه العبد كما يحتاج إلى طعامه وشرابه ومنكحه ومسكنه ونحو ذلك، فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه، فيكون الحال عنده يستعمله في حاجته بمنزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه، من غير أن تستعبده فيكون هلوعًا.


الثاني: ما لا يحتاج إليه العبد، فهذه ينبغي ألا يعلق قلبه بها، فإذا تعلق قلبه بها صار مستعبدًا لها، وربما صار مستعبدًا معتمدًا على غير الله فيها، فلا يبقى معه حقيقة العبودية لله، ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعبة من شعب العبادة لغير الله[14]، ولا حقيقة التوكل عليه، بل فيه شعبة من العبادة لغير الله، وشعبة من التوكل على غير الله، وهذا من أحق الناس بقوله صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الدينار...»، فهو عبد لهذه الأمور، ولو طلبها من الله، فإن الله إذا أعطاها إياه رضي، وإن منعه إياها سخط، وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويبغض ما أبغضه الله ورسوله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله، فهذا الذي استكمل الإيمان»[15].


وقد عقد الغزالي رحمه الله فصولاً في ذم الجاه والرياء، ألخص مهماتها:

قال في بيان فضيلة الخمول: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رب أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره»[16]، وقال: «ألا أدلكم على أهل الجنة؛ كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره»[17]. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب[18]، تعرفون في أهل السماء، وتخفون في أهل الأرض.


وقال الثوري: وجدت قلبي يصلح بمكة والمدينة مع قوم غرباء، أصحاب قوت وعناء.


وقال الفضيل: إن قدرت على ألا تُعرف فافعل، وما عليك ألا تعرف، وما عليك ألا يثنى عليك، وما عليك أن تكون مذمومًا عند الناس إذا كنت محمودًا عند الله تعالى.


أما المحمود من الجاه والشهرة وانتشار الصيت فهو ما شهره الله تعالى لنشر دينه من غير تكلف طلب الشهرة منه.


وقال إبراهيم بن أدهم: ما صدق الله مَن أحب الشهرة.


وقال أيوب السختياني: والله ما صدق الله عبد إلا سرّه ألا يشعر بمكانه.


وكان خالد بن معدان إذا كثرت حلقته قام مخافة الشهرة.


وعن أبي العالية أنه كان إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة قام.


ورأى طلحة قومًا يمشون معه نحوًا من عشرة، فقال: ذباب طمع وفراش نار.


وقال سليم بن حنظلة: بينا نحن حول أبيّ بن كعب نمشـي خلفه إذ رآه عمر فعلاه بالدرة، فقال: انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع؟ فقال: إن هذه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع.


وعن الحسن قال: خرج ابن مسعود يومًا من منزله فأتبعه ناس فالتفت إليهم فقال: علام تتبعوني؟! فوالله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي ما اتبعني منكم رجلان.


وقال الحسن: إن خفق النعال حول الرجل قلما تلبث عليه قلوب الحمقى. وخرج يومًا فأتبعه قوم، فقال: هل لكم من حاجة؟ وإلا فما عسى أن يبقي هذا من قلب المؤمن؟


وصحب رجل ابن محيريز في سفر، فلما فارقه قال: أوصني، فقال: إن استطعت أن تَعرف ولا تُعرف، وتمشي ولا يُمشى إليك، وتسأل ولا تُسأل فافعل.


وقال الثوري: كانوا[19] يكرهون الشهرة من الثياب الجيدة والثياب الرديئة[20]، إذ الأبصار تمتد إليهما جميعًا.


فهذه الآثار والأخبار تعرفك مذمة الشهرة وفضيلة الخمول، وإنما المطلوب بالشهرة وانتشار الصيت هو الجاه والمنزلة في القلوب، وحب الجاه هو منشأ كل فساد.


فإن قلت: فأي شهرة تزيد على شهرة الأنبياء والخلفاء الراشدين وأئمة العلم؟ وكيف فاتتهم فضيلة الخمول؟

فاعلم أن المذموم هو طلب الشهرة، فأما وجودها من غير تكلف من العبد فليس بمذموم. نعم فيه فتنة على الضعفاء دون الأقوياء، وهم كالغريق الضعيف إذا كان معه جماعة من الغرقى، فالأولى به ألا يعرفه أحد منهم، فإنهم يتعلقون به فيضعف معهم فيهلك معهم، وأما القوي فالأولى أن يعرفه الغرقى حتى يكون سببًا لنجاتهم فيثاب على ذلك.


وقد ذم الله تعالى حب الجاه فقال: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [القصص: 83]، فجمع بين إرادة الفساد والعلو، وبين أن الدار الآخرة للخالي من الإرادتين جميعًا. وقال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [هود: 15، 16]، وهذا أيضًا متناول بعمومه لحب الجاه؛ فإنه أعظم لذة من لذات الحياة الدنيا وأكثر زينة من زينتها. وقال صلى الله عليه وسلم: «ما ذئبان ضاريان أرسلا في زريبة غنم بأسرع إفسادًا من حب الشرف والمال في دين الرجل المسلم»[21].


واعلم أن الجاه والمال هما ركنا الدنيا. ومعنى المال: ملك الأعيان المنتفع بها. ومعنى الجاه: ملك القلوب[22] المطلوب تعظيمها وطاعتها. وكما أن الغني هو الذي يملك الدراهم والدنانير، أي يقدر عليهما ليتوصل بهما إلى الأغراض والمقاصد وقضاء الشهوات وسائر حظوظ النفس، فكذلك ذو الجاه هو الذي يملك قلوب الناس، أي يقدر على استغلال قلوب الناس ليستعمل بواسطتها أربابها في أغراضه ومآربه، وكما أن الأموال تكتسب بأنواع الحرف والصناعات، فكذلك تكتسب قلوب الخلق بأنواع من المعاملات، ولا تصير القلوب مسخرة إلا بالمعارف والاعتقادات.


فكل من اعتقد القلب فيه وصفًا من أوصاف الكمال انقاد له وتسخر له بحسب قوّة اعتقاد القلب، وبحسب درجة ذلك الكمال عنده، ولا يشترط أن يكون الوصف كمالاً في نفسه، بل يكفي أن يكون كمالاً عنده وفي اعتقاده وقد يعتقد ما ليس كمالاً كمالاً، ويذعن قلبه للموصوف به انقيادًا ضروريًّا بحسب اعتقاده، فإن انقياد القلب حال القلب، وأحوال القلب تابعة لاعتقادات القلوب وعلومها وتخيلاتها.


وكما أن محب المال يطلب ملك الأرقاء والعبيد، فطالب الجاه يطلب أن يسترق الأحرار ويستعبدهم[23] وملك رقابهم بملك قلوبهم، بل الرق الذي يطلبه صاحب الجاه أعظم؛ لأن المالك يملك العبد قهرًا والعبد متأب بطبعه، ولو خُلّي ورأيه انسلّ عن الطاعة، وصاحب الجاه يطلب الطاعة طوعًا، وينبغي أن تكون له الأحرار عبيدًا بالطبع والطوع! مع الفرح بالعبودية والطاعة له! فما يطلبه فوق ما يطلبه مالك الرق بكثير.


فإذًا: معنى الجاه هو: قيام المنزلة في قلوب الناس، أي اعتقاد القلوب لنعت من نعوت الكمال فيه، فبقدر ما يعتقدون من كماله تذعن له قلوبهم، وبقدر إذعان القلوب تكون قدرته على القلوب، وبقدر قدرته على القلوب يكون فرحه وحبه للجاه. فهذا هو معنى الجاه وحقيقته، وله ثمرات كالمدح والإطراء، فإن المعتقد للكمال لا يسكت عن ذكر ما يعتقده فيثني عليه، وكالخدمة والإعانة، فإنه لا يبخل ببذل نفسه في طاعته بقدر اعتقاده فيكون سخرة له مثل العبد في أغراضه، وكالإيثار وترك المنازعة والتعظيم والتوقير بالمفاتحة والسلام وتسليم الصدر في المحافل والتقديم في جميع المقاصد، فهذه آثار تصدر عن قيام الجاه في القلب، ومعنى قيام الجاه في القلب: اشتمال القلوب على اعتقاد صفات الكمال في الشخص، إما بعلم أو عبادة أو حسن خلق أو نسب أو ولاية أو جمال أو قوة بدن، أو شيء مما يعتقده الناس كمالاً، فإن هذه الأوصاف كلها تعظم محله في القلب فتكون سببًا لقيام الجاه.


واعلم أن السبب الذي يقتضي كون الذهب والفضة وسائر أنواع الأموال محبوبًا هو بعينه يقتضـي كون الجاه محبوبًا، بل يقتضي أن يكون أحب من المال، فأنت تعلم أن الدراهم والدنانير لا غرض في أعيانهما، إذ لا تصلح لمطعم ولا مشـرب ولا ملبس ولا منكح، وإنما هي والحصباء بمثابة واحدة، ولكنهما محبوبان لأنهما وسيلة إلى جميع المحاب، وذريعة إلى قضاء الشهوات، فكذلك الجاه، بل حب الجاه مترجح على حب المال من ثلاثة أوجه:

الأول: أن التوصل بالجاه إلى المال أيسر من التوصل بالمال إلى الجاه، فالعالم أو الزاهد الذي تقرّر له جاه في القلوب لو قصد اكتساب المال تيسـر له، فإن أموال أرباب القلوب مسخرة للقلوب، ومبذولة لمن اعتقد فيه الكمال، أما الرجل الخسيس إذا وجد كنزًا ولم يكن له جاه يحفظ ماله، وأراد أن يتوصل بالمال إلى الجاه لم يتيسر له ذلك.


الثاني: أن المال معرض للبلوى والتلف، أما خزائن القلوب فمحروسة بأنفسها.


الثالث: أن ملك القلوب يسري وينمي ويتزايد من غير تعب، بخلاف المال.


وفي الطباع أمر عجيب وراء هذا وهو حب جمع الأموال وكنز الكنوز وادخار الذخائر واستكثار الخزائن وراء جمع الحاجات، حتى لو كان للعبد واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثًا، وكذلك يحب الإنسان اتساع الجاه وانتشار الصيت إلى أقاصي البلاد التي يعلم قطعًا أنه لا يطؤها ولا يشاهد أصحابها، ليعظموه أو ليبروه بمال أو ليعينوه على غرض من أغراضه، ومع اليأس من ذلك فإنه يلتذ به غاية الالتذاذ وحب ذلك ثابت في الطبع، ويكاد يظن أن ذلك جهل، فإنه حب لما لا فائدة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة[24].


وهذا الحب الذي لا تنفك عنه القلوب له سببان: أحدهما جلي تدركه الكافّة، والآخر خفي وهو أعظم السببين، ولكنه أدقهما وأخفاهما وأبعدهما عن أفهام الأذكياء فضلاً عن الأغبياء، وذلك لاستمداده من عرق خفي في النفس وطبيعة مستكنة في الطبع لا يكاد يقف عليها إلا الغواصون.


فأما السبب الأول: فهو دفع ألم الخوف؛ لأن الشفيق بسوء ظنّ مولع، والإنسان وإن كان مكفيًّا في الحال فإنه طويل الأمل، ويخطر بباله أن المال الذي فيه كفايته ربما يتلف فيحتاج إلى غيره، فإذا خطر ذلك بباله هاج الخوف من قلبه، ولا يدفع ألم الخوف إلا الأمن الحاصل بوجود مال آخر يفزع إليه إن أصابت هذا المال جائحة، عن طريق الاستعانة بجاهه الذي في قلوب الناس لأخذ أموالهم.


وأما السبب الثاني: وهو الأقوى؛ لأن الروح أمر رباني، وصفه تعالى بقوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85]، وللقلب ميل إلى صفات بهيمية كالأكل والوقاع، وإلى صفات سبعية كالقتل والضرب والإيذاء، وإلى صفات شيطانية كالمكر والخديعة والإغواء، وإلى صفات ربوبية كالكبر والعز والتجبر وطلب الاستعلاء، والإنسان بطبعه محب لأن يكون هو المنفرد بالكمال، ولذلك قال بعض المشايخ: ما من إنسان إلا وفي باطنه ما صرح به فرعون من قوله: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعات: 24]، ولكنه لا يجد له مجالاً، وهو كما قال[25]، فإن العبودية قهر على النفس والربوبية محبوبة بالطبع، ولكن لما عجزت النفس عن درك منتهى الكمال لم تسقط شهوتها للكمال، فتحب أن تستولي على كل الأشياء الموجودة معها، ومطلوب القلوب الكمال، والكمال بالعلم والقدرة.


هذا والجاه عرض من أعراض الحياة الدنيا، وينقطع بالموت كالمال، والدنيا مزرعة الآخرة، فكل ما خلق في الدنيا فيمكن أن يتزود منه للآخرة، وكما أنه لابد من أدنى مال لضرورة المطعم والمشرب والملبس، فلابد من أدنى جاه لضـرورة المعيشة مع الخلق، والإنسان كما لا يستغني عن طعام يتناوله فيجوز أن يحب الطعام أو المال الذي يبتاع به الطعام، فكذلك لا يخلو عن الحاجة إلى خادم يخدمه، ورفيق يعينه، وأستاذ يرشده، وسلطان يحرسه ويدفع عنه ظلم الأشرار، فحبه لأن يكون له في قلب خادمه من المحل ما يدعوه إلى الخدمة ليس بمذموم، كذلك حبه لأن يكون له في قلب رفيقه من المحل ما يحسن به مرافقته ومعاونته ليس بمذموم، كذلك أستاذه لإرشاده وتعليمه والعناية به، كذلك سلطانه لحمايته فليس بمذموم، فإن الجاه وسيلة إلى الأغراض كالمال، فلا فرق بينهما، إلا أن التحقيق في هذا يفضي إلى أن يكون المال والجاه بأعيانهما محبوبين له، بل ينزل ذلك منزلة حب الإنسان أن يكون له في داره بيت ماء[26]؛ لأنه مضطر إليه لقضاء حاجته، ويود لو استغنى عن قضاء الحاجة حتى يستغني عن بيت الماء، فكل ما يُراد للتوصل به للمحبوب، فالمحبوب هو المقصود المتوصل إليه، فحبه لأجل التوصل به إلى مهمات البدن غير مذموم، وحبه لعينه وذاته فيما يجاوز ضرورة البدن وحاجته مذموم، ولكنه لا يوصف صاحبه بالفسق والعصيان ما لم يحمل الحب على مباشرة معصية.


واعلم أن من غلب عليه حب الجاه صار مقصور الهم على مراعاة الخلق، مشغوفًا بالتودد إليهم والمراءات لأجلهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتًا إلى ما يعظم منزلته عندهم، وذلك بذر النفاق وأصل الفساد، ويجر ذلك لا محالة إلى التساهل في العبادات والمراءات بها، وإلى اقتحام المحظورات للتوصل إلى اقتناص القلوب، ولذلك شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حب الشرف والمال وإفسادهما للدين بذئبين ضاريين، فحب الجاه من المهلكات، وعلاجه مركب من علم وعمل.


أما العلم فهو أن يعلم أن السبب الذي لأجله أحب الحياة ــ وهو كمال القدرة على قلوب الناس ــ فذلك إن صفا وسلم فآخره الموت، فليس هو من الباقيات الصالحات، بل لو سجد لك كل من على بسيط الأرض من المشرق إلى المغرب فإلى خمسين سنة لا يبقى الساجد ولا المسجود له، ويكون حالك كحال من مات قبلك من ذوي الجاه مع المتواضعين له. فهذا لا ينبغي أن يترك له الدين الذي هو الحياة الأبدية التي لا انقطاع لها، ومن عرف ذلك صغر الجاه في عينه، وهذا لا يكون إلا لمن ينظر إلى الآخرة كأنه يشاهدها ويستحقر العاجلة، ويكون الموت كالحاصل عنده، كحال الحسن البصري حين كتب إلى عمر بن عبد العزيز: «أما بعد، فكأنك بآخر من كتب عليه الموت قد مات»، فانظر كيف من نظره نحو المستقبل، وقدّره كائنًا واقعًا، وكذلك حال عمر بن عبد العزيز حين كتب في جوابه: «أما بعد، فكأنك بالدنيا لم تكن، وكأنك بالآخرة لم تزل»[27].


فهؤلاء كان التفاتهم إلى العاقبة، فكان عملهم لها بالتقوى إذ علموا أن العاقبة للمتقين، فاستحقروا الجاه والمال في الدنيا، وأبصار أكثر الخلق ضعيفة مقصورة على العاجلة، لا يمتد نورها إلى مشاهدة العواقب، لذلك قال تعالى: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [الأعلى: 16، 17]، وقال عز وجل: ﴿ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ﴾ [القيامة: 20، 21].


وأما العلاج من حيث العمل: فبأن يقطع الطمع عن الناس بالقناعة، فمن قنع استغنى عن الناس، وينظر في أحوال السلف في ذلك وإيثارهم للخمول على الجاه ورغبتهم في الله والدار الآخرة.


وههنا أمر مهم، وهو أن كثيرًا من الناس هلكوا بخوف مذمة الناس أو بحب مدحهم، فصارت حركاتهم موقوفة على ما يوافق رضا الناس رجاءً للمدح وخوفًا من الذم، وذلك من المهلكات، وعلاج حب المدح أن تراجع عقلك، وتقول لنفسك هذه الصفة التي يمدحني بها هل أنا متصف بها أم لا؟ فإن كنت متصفًا بها، فهي إما صفة تستحق المدح كالعلم والورع، وإما صفة لا تستحق كالثروة والجاه والأعراض الدنيوية؛ لأن الفرح بها كالفرح بنبات الأرض الذي يصير على القرب هشيمًا تذروه الرياح، وهذا من قلة العقل، فلا ينبغي أن يفرح الإنسان بعروض الدنيا، وإن فرح فلا ينبغي أن يفرح بمدح المادح لها بل بوجودها.


وإن كانت الصفة مما يستحق الفرح بها كالعلم والورع فينبغي ألا يفرح بها لأن الخاتمة غير معلومة، وهذا إنما يقتضي الفرح لأنه يقرب عند الله زلفى، وخط الخاتمة باق، ففي الخوف من سوء الخاتمة شغل عن الفرح بكل ما في الدنيا[28]. وإن كانت الصفة التي مدحت بها أنت خالٍ منها ففرحك بالمدح غاية الجنون، ومثالك مثال من يهزأ به إنسان ويقول: ما أكثر العطر الذي في أحشائه، وهذا في غاية الجهل والسفه.


أما كراهية الذم فعلاجه أن تعلم أن من ذمك لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون صادقًا، وقصد النصح والشفقة، أو أن يكون صادقًا ولكن قصد الإيذاء، وإما أن يكون كاذبًا.


فإذا كان صادقًا وقصد النصح فلا ينبغي أن تذمه وتغضب عليه، بل ينبغي أن تتقلد منّته، فإنه من أهدى إليك عيوبك فقد أرشدك إلى المهلك حتى تتقيه، أما اغتمامك بذلك فهذا في غاية الجهل.


أما إن كان قصده الإيذاء فأنت قد انتفعت بقوله إذ أرشدك إلى عيبك إن كنت جاهلاً به، أو ذكّركه إن كنت غافلاً عنه، أو قبّحه في عينك لينبعث حرصك على إزالته، وكل ذلك أسباب سعادتك، وقد استفدت منه، فاشتغل بطلب السعادة فقد أتيحت لك أسبابها بسبب ما سمعته من المذمّة، وأمّا ما قصد العدوّ من التعنت فهي جناية منه على دين نفسه، وهو نعمة منه عليك، فلم تغضب عليه بقول انتفعت به أنت وتضرر هو منه؟


أما إذا افترى عليك بما أنت بريء منه عند الله تعالى فينبغي ألا تكره ذلك ولا تشتغل بذمه، بل تتفكر في ثلاثة أمور:

أحدها: أنك إن خلوت من ذلك العيب فلا تخلو عن أمثاله وأشباهه، وما ستر الله من عيوبك أكثر، فاشكر الله تعالى إذ لم يطلعه على عيوبك، ودفعه عنك بذكر ما أنت بريء منه.


الثاني: أن ذلك كفارة لبقية مساوئك وذنوبك، فكأنه رماك بعيب أنت بريء منه، وطهّرك من ذنوب أنت ملوّث بها، وكل من اغتابك فقد أهدى إليك حسناته، وكل من مدحك فقد قطع ظهرك. فما بالك تفرح بقطع الظهر وتحزن لهدايا الحسنات التي تقربك إلى الله، وأنت تزعم أنك تحب القرب من الله؟


الثالث: أن تعلم أن المسكين قد جنى على دينه، وأهلك نفسه بافترائه، وتعرّض لعقاب الله الأليم والسقوط من عين الله تعالى، فلا ينبغي أن تغضب عليه مع غضب الله عليه، فتُشْمِت به الشيطان، وتقول: اللهم أهلكه. بل ينبغي أن تقول: اللهم أصلحه، اللهم تب عليه، اللهم ارحمه، كما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقومه بعد أن كسروا ثنيته وشجوا وجهه وقتلوا عمه حمزة يوم أحد[29].


وفي طريقة الكشف عن الرياء وتمييزه عن الإخلاص عند رؤية الناس العمل ــ لشدة خفائه ــ فعليك أن تتمثل نفسك وبينك وبين الناس حجاب بحيث لا يعلمون بك، فإن نشطت نفسك للعبادة فهذا إخلاص، وإلا فرياء»[30].


ومن نعم الله على عبده أن يوفقه للعبادة ثم يوفقه لإحسانها، ومن إحسانها تجريدها لوجه الله، وإخفاؤها عن خلقه إلا ما شرع الجهر به. قال شيخ الإسلام: «إن أعظم النعم نعمة الإقبال والتعبد، ولكل نعمة حاسد على قدرها دقّت أو جلّت، ولا نعمة أعظم من هذه النعمة، فإن أنفس الحاسدين متعلقة بها، وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد. وقد قال يعقوب عليه السلام: ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [يوسف: 5].


وكم من صاحب قلب وجمعية وحال مع الله قد تحدث بها وأخبر بها فسلبه إياها الأغيار! لهذا يوصي العارفون والشيوخ بحفظ السر مع الله تعالى، ولا يطلع عليه أحد.


والقوم أعظم شيئًا كتمانًا لأحوالهم مع الله عز وجل، وما وهب الله من محبته والأنس به وجمعية القلب، ولاسيما فعله للمبتدئ[31] السالك، فإذا تمكن أحدهم وقوي، وثبّت أصول تلك الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء في قلبه، بحيث لا يخشى عليه من العواصف، فإنه إذا أبدى حاله مع الله تعالى ليُقتدى به ويؤتم به؛ لم يبال. وهذا باب عظيم النفع، إنما يعرفه أهله»[32].


هذا وإن من آفات الإخلاص بل من نواقضه الشرك الأكبر، فيتعين على من نصح نفسه وأراد نجاحها ورام فلاحها أن يتحرز منه غاية التحرز، وأن يجعل همه الأعظم تحقيق التوحيد والبراءة من الشرك.


ومن نظر إلى حال المسلمين اليوم فَطَرَ قلبَه الأسى مما يراه من واقع المنتسبة للإسلام الذين جرف الكثير منهم الشيطان إلى غيابات الشرك وأوحال الوثنية[33]، فلا ننفك نرى كل يوم دعاة على أبواب جهنم يزينون للأمة دين أبي جهل وأبي لهب ويزهدونهم في ملة محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، تحت ستار شبه أوهى من بيت العنكبوت[34]، تقاذفتها أمم الجهل والخرافة، وجددها الرجيم في نفوس كثير من العامة والخاصة[35]، مع أن نبينا محمدًا صلوات الله وسلامه عليه قد بيّن البيان التام وبلّغ البلاغ الوافي وسدّ الذرائع الموصلة للشرك، ولكن ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ [الرعد: 33]، ويكفي في التخويف من الشرك أن المرء لو وافى يوم القيامة بأعمال كأعمال النبيين والمرسلين ثم كان معه شرك أكبر لحبط عمله وصار هباءً منثورًا، وخلد صاحبه في النار أبدًا. عياذًا بوجه الله تعالى، قال تبارك وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ [الزمر: 65، 66]. فالتوحيد هو رأس الشكر.


والنار مثوى المشركين قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [المائدة: 72]، ومن الشرك الأكبر اتخاذ الوسائط من الموتى أو الجن ونحوهم، ودعاء القبور، والاستعانة بأهلها، ويا لله كم من مشرك قد خرج من ربقة الإسلام والإيمان وهو معدود من المسلمين، وما ثمّ إلا توفيق الله تعالى أو النار. فاللهم سلم سلم؛ قال ابن القيم رحمه الله: «ومن أنواع الشـرك: طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم. وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فضلاً عمن استغاث به، وسأله قضاء حاجاته، أو سأله أن يشفع له إلى الله فيها، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده، فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه، والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سببًا لإذنه، وإنما السبب لإذنه: كمال التوحيد. فجاء هذا المشـرك بسبب يمنع الإذن وهو بمنزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك.


والميت محتاج إلى من يدعو له ويترحّم عليه ويستغفر له، كما أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم ونستغفر لهم، فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة وقضاء الحوائج والاستغاثة بهم، وجعلوا قبورهم أوثانًا تعبد، فغيروا دين الله وعادوا أهل التوحيد، وهؤلاء هم أعداء الرسل والتوحيد في كل مكان وما أكثر المستجبيين لهم! ولله در خليله إبراهيم حيث يقول: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [إبراهيم: 35، 36]»[36].


كذلك فليحذر من بقية نواقض التوحيد وهوادم الإخلاص كالكفر الأكبر ومنه كفر الجحود وكفر التكذيب وكفر الإباء والاستكبار وكفر النفاق وكفر الإعراض، وليحرس ألفاظه وأفعاله بل وخطراته، قبل أن تزل قدم بعد ثبوتها، فيندم ولات حين مندم، ويريد الخلاص ولات حين مناص!


ثم عليه مرة أخرى أن يخاف من النفاق ويهرب منه أشد من فرار المرعوب من السبع الضاري، فالمنافق نفاقًا اعتقاديًّا في الدرك الأسفل من النار، قال جل ذكره: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴾ [النساء: 145]، قال ابن القيم رحمه الله: «وأما النفاق فالداء العضال الباطن الذي يكون الرجل ممتلئًا منه وهو لا يشعر فإنه أمر خفي على الناس، وكثيرًا ما يخفى على من تلبّس به؛ فيزعم أنه مصلح وهو مفسد.


والأكبر منه يوجب الخلود في النار في دركها الأسفل، وهو أن يظهر الإيمان ويبطن الكفر.


وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين، وكشف أسرارهم القرآن، وجلّى لعباده أمورهم ليكونوا منها ومن أهلها على حذر، وذكر طوائف العالم الثلاثة في أول سورة البقرة: المؤمنين، والكفار، والمنافقين، فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشرة آية لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدًّا؛ لأنهم منسوبون إليه وإلى نصـرته وموالاته، وهم أعداؤه في الحقيقة. يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد.


فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه؟ وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه؟! وكم من عَلَمٍ له قد طمسوه؟! وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه؟! وكم ضربوا بمعاول الشُّبه في أصول غراسه ليقلعوها؟! فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه من شبههم سريَّة بعد سريّة، ويزعمون بذلك أنهم مصلحون﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: 12]، اتفقوا على مفارقة الوحي، فهم على ترك الاهتداء به مجتمعون ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ [الأنعام: 112].


لبسوا ثياب أهل الإيمان، على قلوب الزيغ والخسران، والغل والكفران، فالظواهر ظواهر الأنصار، والبواطن قد تحيزت إلى الكفار، فألسنتهم ألسنة المسالمين وقلوبهم قلوب المحاربين، ويقولون: ﴿ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 8]، فكيف إذا جُمعوا ليوم التلاق، وتجلّى الله جل جلاله، وقد كُشف عن ساق ودُعوا إلى السجود فلا يستطيعون ﴿ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ﴾ [القلم: 43].


تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين لعلمهم بدقّه وجلّه وتفاصيله وجمله، ساءت ظنونهم بنفوسهم حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين. قال عمر رضي الله عنه: يا حذيفة نشدتك بالله، هل سمّاني رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؟ قال: لا، ولا أخبر بعدك أحدًا[37]. وقال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم من أحد يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل[38].


وعن الحسن البصري قال: ما أمنه إلا منافق، وما خافه إلا مؤمن.


وذكر عن بعض الصحابة أنه كان يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق. قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يُرى البدنُ خاشعًا والقلب ليس بخاشع.


زَرْعُ النفاق ينبت على ساقيتين: ساقية الكذب، وساقية الرياء. ومخرجهما من عينيه: عين ضعف البصيرة، وعين ضعف العزيمة. فإذا تمت هذه الأركان الأربع استحكم نبات النفاق وبنيانه، ولكنه بمدارج السيول على شفا جرف هار، فإذا شاهدوا سيل الحقائق يوم تبلى السرائر، وكشف المستور، وبعثر ما في القبور، وحصّل ما في الصدور، تبين حينئذ لمن كانت بضاعته النفاق أن حواصله التي حصّلها كانت كالسـراب ﴿ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [النور: 39].


قلوبهم عن الخيرات لاهية، وأجسادهم إليها ساعية، والفاحشة في فجاجهم فاشية، إذا سمعوا الحق كانت قلوبهم عن سماعه قاسية، وإذا حضروا الباطل وشهدوا الزور انفتحت أبصار قلوبهم، وكانت آذانهم واعية.


فهذه والله أمارات النفاق، فاحذرها أيها الرجل قبل أن تنزل بك القاضية:

إذا عاهدوا لم يوفوا، وإن وعدوا أخلفوا، وإن قالوا لم ينصفوا، وإن دُعوا إلى الطاعة وقفوا، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله والرسول صدفوا، وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أغراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا. فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان، والخزي والخسران، فلا تثق بعهودهم، ولا تطمئن إلى وعودهم، فإنهم فيها كاذبون، وهم لما سواها مخالفون، ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ [التوبة: 75 - 77]»[39].


وقال رحمه الله في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 19]: «الصيّب: هو المطر الذي يُصوب من السماء، أي ينزل منها بسرعة، وهو مَثَلُ القرآن الذي به حياة القلوب، كالمطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، فأدرك ذلك منه، وعلموا ما يحصل به من الحياة التي لا خطر لها، فلم يمنعهم منها مما فيه من الرعد والبرق، وهو الوعيد والتهديد والعقوبات والمثُلات التي حذّر الله بها من خالف أمره، أو ما فيه من الأوامر الشديدة كجهاد الأعداء والصبر على اللأواء، وكان حظ المنافق من ذلك الصيّب سحابُهُ ورعوده وبروقه فقط، ولم يعلم ما وراءه فاستوحش بما أنس به المؤمنون، وارتاب بما اطمأن به العالمون، وشك فيما تيقنه المبصرون.


وإذا صادف هذه العقول والأسماع والأبصار شبهات شيطانية، وخيالات فاسدة وظنون كاذبة، جالت فيها وصالت، وقامت فيها وقعدت، واتسع فيها مجالها، وكثر بها قيلُها وقالُها، فملأت الأسماع من هذيانها، والأرض من دويانها، وما أكثر المستجيبين لهؤلاء، والقابلين منهم، والقائمين بدعوتهم، والمحامين عن حوزتهم، والمقاتلين تحت ألويتهم والمكثّرين لسوادهم عددًا، وما أقلّهم عند الله وأوليائه قدرًا.


ولعموم البلية بهم، وضرر القلوب بكلامهم، هتك الله أستارهم في كتابه غاية الهتك، وكشف أسرارهم غاية الكشف، وبيّن علاماتهم وأعمالهم وأقوالهم، ولم يزل عز وجل يقول: ﴿ وَمِنْهُمْ ﴾ [التوبة: 49] ﴿ وَمِنْهُمْ ﴾ [التوبة: 58] ﴿ وَمِنْهُمُ ﴾ [التوبة: 61] ﴿ وَمِنْهُمْ ﴾ [التوبة: 75] حتى انكشف أمرهم وبانت حقائقهم، وظهرت أسرارهم»[40].


وقال رحمه الله في بيان طبقات المكلفين: «الطبقة الخامسة عشرة: طبقة الزنادقة، وهم قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسله، وهؤلاء هم المنافقون وهم في الدرك الأسفل من النار. قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴾ [النساء: 145]، فالكفار المجاهرون بكفرهم أخفّ، وهم فوقهم في دركات النار؛ لأن الطائفتين اشتركتا في الكفر ومعاداة الله ورسله، وزادت المنافقون عليهم بالكذب والنفاق. وبليّة المسلمين بهم أعظم من بليتهم بالكفار المجاهرين، لهذا قال تعالى: ﴿ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [المنافقون: 4]، وفي هذا إثبات أولوية العداوة وأحقيتها لهم.


وإنما كانت هذه الطبقة في الدرك الأسفل لغلظ كفرهم، وهم قد كفروا عن علم ومعرفة لمخالطتهم المسلمين، لهذا قال تعالى فيهم: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ [المنافقون: 3]، وقال فيهم: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ [البقرة: 18]، وقال في الكفار ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 171]. فالكافر لم يعقل، والمنافق أبصر ثم عمي، وعرف ثم تجاهل، وأقرّ ثم أنكر، وآمن ثم كفر، ومن كان هكذا فهو أشد كفرًا وأخبث قلبًا، وأعتى على الله ورسله، فاستحق الدرك الأسفل من النار.


وبالله التوفيق، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله ومن تبعه بإحسان.

 


[1] وقد بوب إمام الدعوة الإصلاحية رحمه الله في كتاب التوحيد بابًا بهذا المسمى بعد باب الرياء.

[2] انظر: طبقات المكلفين لابن القيم رحمه الله تعالى.

[3] كالمعلم للقرآن الكريم والعلوم الشـرعية، والمؤذن والإمام والمصلي التراويح بالناس والمحتسب والقاضي والغازي الذين لو توقف راتبهم وَرَزْقُهم لتركوا ذلك العمل لأنه غايتهم. ولكن إذا كان قصدهم الكفاية بالرِّزق والانشغال والتفرغ لتلك العبادة فلا يدخلون في الوعد إن شاء الله، كذلك من كانت إرادتهم تبعًا للعبادة لا دافعًا ومقيمًا لها، وإن كان الإخلاص أن يعافيه الله من ذلك الاستشراف كله.

[4] ابتغاء وجه الله: أخلصوا في ذلك العمل. والدار الآخرة: أي لم يريدوا عاجل الدنيا.

[5] تيسير العزيز الحميد (536، 537) وتلخيصها كالتالي:

1- من أراد حفظ دنياه بعبادته.

2- المرائي.

3- من أراد التوصل بالعبادة لحظ دنيا، فلو لم تحصل دنياه لترك ذلك العمل.

4- من أراد الله والدار الآخرة لكنه على عمل آخر مخرجه من الإسلام.

[6] القول المفيد، العثيمين (2/ 296، 297).

[7] قلت: وهذه الكلمة «من سره» كافية في إباحة ما ترتب على هذا السرور من ميل القلب نحو هذا الثواب الدنيوي التابع لإرادة الآخرة، وإن كان دون درجة المخلصين المقربين.

[8] البخاري (5986)، ومسلم (2557) واللفظ له.

[9] وبعض أهل العلم لم يدخله في الوعيد بحجة أن الشارع هو من أذن بتلك الإرادة المتمحّضة للدنيا. وهذا القول فيه نظر، فالشارع أذن بميل القلب من جهة المشاركة لا من جهة التمحيض، بدليل أن كل عمل عليه ثواب دنيوي، رتبت عليه أجور أخروية كذلك.

[10] أخرجه البخاري (3142)، ومسلم (1751).

[11] التمهيد لشرح كتاب التوحيد، صالح آل الشيخ (406ــ 409) بتصرف يسير. وانظر: عدة الصابرين، ابن القيم (270ــ 274)؛ حيث يرى أن هذه الآية لها حكم نظائرها من آيات الوعيد.

[12] عدة الصابرين، ابن القيم (405).

[13] رواه البخاري (2887).

[14] لاحظ شدة ارتباط أعمال القلوب ببعضها، فيقوى مجموعها بقوة أفرادها، كذلك العكس؛ ويضعف بضد ذينك، كما أن منها شعبًا كبارًا بمنزلة الأصول والينابيع لغيرها، فيكون ارتباطها بالصلاح أحتم. والله المستعان.

[15] عن تيسير العزيز الحميد (540، 541) باختصار.

[16] أخرجه مسلم (2622) بلفظ: «أشعث مدفوع بالأبواب».

[17] متفق عليه، البخاري (6657) ومسلم (2853).

[18] لعله قصد ألا يتكلف العبد في تزيين ثيابه.

[19] أي السلف.

[20] وهذا ملحظ نفيس، فقد تكون الشهرة بإظهار الزهادة والورع.

[21] البيهقي في الشعب (9786) وهو صحيح بشواهده عند الطبراني وأبي يعلى وغيرهما.

[22] أي يكون ذا سلطان عليها محبة أو حاجةً أو تعظيمًا.

[23] وهي عبودية وملك بحسبها، أي أجزاء من شعبها، فهي مطلق العبودية والملك لا العبودية المطلقة والملك المطلق، ومبالغة المصنف رحمه الله في التوصيف من أجل أن يصل لقاع الصفة حتى يجتثها بعروقها من القلب حتى ولو مع ندرة بعض الأمثلة والأوصاف. وقد أطلت النقل في آفة الجاه لغفلة كثير من الصالحين عن الحذر منها وتساهلهم في مبادئها.

[24] إلا إذا كان بحق؛ فإنهم شهداء الله في أرضه.

[25] وفيه نظر كبير، ولا أظنه يصح، ويكفي في ذلك الأنبياء فإن بواطنهم طاهرة قطعًا من هذه الرغبة الكامنة وهم غير محتاجين لمجاهدتها وكبتها.

[26] دورة مياه (بيت الخلاء).

[27] فالحسن نقله إلى آخر لحظات الدنيا واستقبال الآخرة، وعمر نقله إلى أولى ساعات الآخرة، وهذا من فقههما رحمهما الله تعالى. وكما كتب أحدهم لأخيه: «أما بعد، فتذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة. والسلام» وهذا من أبلغ النصح وأوجزه.

[28] والصحيح أن الأمر ليس بهذه السوداوية، بل لا بأس بشيء من الفرح الدنيوي استعانة به على الطاعة، وقد حُبّبت الطيبات للمؤمنين وسيدهم صلى الله عليه وسلم يقول: «حُبِّب إلي من الدنيا النساء والطيب» رواه النسائي (3939) وصححه الألباني. ومن المستقر أن الفرح يتبع الحب.

والمقصود أن على المؤمن أن يعطي كل دار قدرها وأن يحسن سياسة نفسه بالحكمة والعلم والرفق والحزم مع كون الآخرة هي محور حياة المؤمن وأولوياته واهتماماته، ووضع الدنيا حيث وضعها الله تعالى.

[29] وكان الإمام أحمد يعفو ويصفح ويسامح ويقول: ما ينفعك أن يعذب الله أحدًا بسببك.

[30] إحياء علوم الدين، الغزالي (2/ 1133ــ 1152) باختصار وتصرف.

[31] في الأصل: المهتدي ولعله تصحيف.

[32] الفتاوى (15/18).

[33] انظر: دمعة على التوحيد، حقيقة القبورية وآثارها في واقع الأمة، وهو رصد لحال الناس مع القبور وغلوهم فيها. من إصدار المنتدى الإسلامي.

[34] انظر: كشف الشبهات، محمد بن عبد الوهاب، تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد، الصنعاني، إغاثة اللهفان في مصائد الشيطان، ابن القيم، وغيرها.

[35] وقذف في قلوبهم شبه الأولين؛ فتوسلوا بالموتى بزعم أنهم وسائط، وهذا عين دين المشـركين ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾ [الزمر: 3].

[36] المدارج (1/ 604، 605) باختصار.

[37] كنز العمال (13/ 344).

[38] البخاري تعليقًا، الفتح (1/ 35).

[39] مدارج السالكين، ابن القيم (1/ 607ــ 625) باختصار.

[40] الوابل الصيب، ابن القيم (128ــ 130) باختصار.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • إن من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا
  • الإيمان بالقدر وعلاقته بالإرادة الإنسانية

مختارات من الشبكة

  • الحديث الأول: تصحيح النية وإرادة وجه الله بالعمل وحده لا شريك له(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خرق القوانين المركزية للظواهر الكونية بالمعجزات إرادة إلهية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تحريم إنكار إرادة الله تبارك وتعالى أو إرادة المخلوق(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سلسلة هدايات القرآن (11):هدايات سورة الفاتحة: لمن أراد السعادة الأبدية(مقالة - آفاق الشريعة)
  • من أراد أن يسلم، فليحذر من داء الأمم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تخريج حديث: أنه كان إذا أراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تخريج حديث: إذا أراد أحدكم أن يتبول فليرتد لبوله(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تخريج حديث: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مائة من أسماء الصحابيات لمن أراد تسمية البنات(مقالة - مجتمع وإصلاح)
  • بداية العام الجديد وقول الله تعالى (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا)(محاضرة - موقع الشيخ د. خالد بن عبدالرحمن الشايع)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • ندوة علمية في ساراتوف تبحث أحكام الزكاة وآليات تطبيقها
  • مفكرة يومية ترافق الصائمين في رحلتهم الإيمانية خلال رمضان في تتارستان
  • أئمة بلغاريا يطورون مهاراتهم الدعوية ضمن الموسم السابع من «الإمام الفاعل»
  • حملة «تنظيف المساجد» تعود من جديد في تتارستان استعدادا لشهر رمضان
  • فعالية خيرية إسلامية لتعبئة آلاف الوجبات الغذائية في ولاية فرجينيا
  • فعاليات علمية للاستعداد لشهر رمضان في عاصمة الأرجنتين
  • تقدم أعمال بناء مشروع المركز الإسلامي في ماستيك - شيرلي بنيويورك
  • جهود إسلامية خيرية واسعة لدعم الأمن الغذائي وسط كنتاكي

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 19/8/1447هـ - الساعة: 8:11
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب