• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    فضائل قضاء حوائج الناس (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    القراء العشرة الفضلاء (قصيدة)
    محمد عبدالمطلب علي مبروك هديب
  •  
    من مائدة العقيدة: الإيمان بألوهية الله عز وجل
    عبدالرحمن عبدالله الشريف
  •  
    وقفة مع شعبان وليلة النصف (خطبة)
    خالد سعد الشهري
  •  
    حديث: لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم والآخر أن ...
    الشيخ عبدالقادر شيبة الحمد
  •  
    تأملات في بعض الآيات (2) {رب أوزعني أن أشكر نعمتك ...
    حكم بن عادل زمو النويري العقيلي
  •  
    الاستواء
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    خطبة: فضائل شعبان وحكم صيامه
    يحيى سليمان العقيلي
  •  
    خطبة عن فضل شهر شعبان
    مالك مسعد الفرح
  •  
    انتكاس الفطرة (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    إن الله يبعث من في القبور (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    حاجة القلب إلى السكينة
    د. سعد الله المحمدي
  •  
    الحفاظ على البيئة من مقاصد الشريعة (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    كن بارا بوالديك... تكن رفيق النبي صلى الله عليه ...
    د. محمد جمعة الحلبوسي
  •  
    خطبة: اسم الله الرزاق، وأنواع الرزق
    أبو عمران أنس بن يحيى الجزائري
  •  
    اسم الله الوهاب (خطبة)
    د. محمد أحمد صبري النبتيتي
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

فضائل قضاء حوائج الناس (خطبة)

فضائل قضاء حوائج الناس (خطبة)
د. عبد الرقيب الراشدي

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 31/1/2026 ميلادي - 13/8/1447 هجري

الزيارات: 37

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

فضائل قضاء حوائج الناس

 

الخطبة الأولى

الحمد لله منشئ الموجودات، وباعث الأموات، وسامع الأصوات، ومجيب الدعوات، وكاشف الكربات، وعالم الأسرار والخفيات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ربنا الله ورب جميع الكائنات، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه، وصفيُّه من خلقه وحبيبه، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه، وتمسَّك بسُنَّته، واقتدى بهديه إلى يوم الدين، ونحن معهم يا أرحم الراحمين... ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102] ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء:1]، أما بعد:

أيها المسلمون؛ فاضل الله بين عباده في الرزق والشرف والجاه، وسخر بعضهم لبعض ليتحقق استخلافهم في الأرض، وليتخذ بعضهم بعضًا سخريًّا، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ﴾ [الأنعام: 165]، وقال تعالى: ﴿ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ﴾ [الزخرف: 32].

 

عباد الله؛ إن الذي يعمل على قضاء حوائج الناس يمتلك نفسًا زكية، ويدًا نَدِيَّة، وصدرًا رَضِيًّا، وقلبًا سليمًا، وعقلًا عظيمًا، وأفقًا واسعًا، وروحًا متألقة؛ لأنه بقضاء حاجة الناس يجبر نفوسًا كُسِرت، وقلوبًا فَتَرت، وأجسادًا أُنْهِكَت، وأرواحًا أُرْهِقَت، وفي المجتمع لا يفتقر الفقير إلا ببخل الغني، ولا ينكسر الضعيف إلا بطغيان القويِّ؛ لذلك تجد في شكوى الفقير ابتلاءً للغني، وفي انكسار الضعيف امتحانًا للقوي، وفي توجُّع المريض حكمةً للمُعافى، ومن أجْلِ هذه السُّنَّة الكونية جاءت السُّنَّة الشرعية بالحث على التعاون بين الناس، وقضاء حوائجهم، والسعي في تفريج كروبهم، وبذل الشفاعة الحسنة لهم؛ تحقيقًا لدوام المودة، وبقاء الأُلْفة، وإظهار الأُخوَّة، وحسن المعاملة، قال ابن القيم رحمه الله: "وقد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم على اختلاف أجناسها ومِلَلها ونِحَلِها على أن التقرب إلى رب العالمين والبر والإحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأن أضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر، فما استُجْلِبت نعمُ الله واستُدفِعت نقمه بمثل طاعته والإحسان إلى خلقه"؛ انتهى كلامه.

 

عباد الله؛ عندما تسوء الأخلاق، وتضيق الأرزاق، وتشتدُّ النوازل، وتتصاعد الرذائل، وتزداد المعوِّقات، وتكثُر العقبات، يحتاج العبد إلى من يأخذ بيده، ويشُدُّ من أزْرِهِ، ويُعْلِي من شأنه، ويرفع من عزمه، يجبُرُ خاطره، ويقضي حاجته، وإن أعظم عبادة يتقرَّب بها المرء إلى ربه قضاءُ حاجة أخيه المسلم، يسرِّي عنه، ويَبَشُّ له، ويمُدُّه بالعون، ويرفع عن كاهله الهمَّ، ويُسدِي له النصيحة، والذي يفعل ذلك يكون أحبَّ الناس إلى الله، فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أحبُّ الناسِ إلى الله أنفعُهم للناس، وأحبُّ الأعمالِ إلى الله سُرُورٌ تُدْخِلُه على مسلم، أو تَكْشِفُ عنه كُرْبَةً، أو تَقْضِي عنه دَيْنًا، أو تَطْرُدُ عنه جُوعًا، ولأَنْ أمشيَ مع أخي المسلمِ في حاجةٍ أحبُّ إِلَيَّ من أن أعتكفَ في هذا المسجدِ شهرًا، ومن كفَّ غضبَه سترَ اللهُ عورتَه، ومن كَظَمَ غَيْظَه ولو شاء أن يُمْضِيَه أَمْضاه ملأ اللهُ قلبَه رِضًا يومَ القيامةِ، ومن مشى مع أخيه المسلمِ في حاجةٍ حتى تتهيأَ له أثبتَ اللهُ قدمَه يومَ تَزِلُّ الأقدامُ، وإنَّ سُوءَ الخُلُق لَيُفْسِد العملَ كما يُفْسِدُ الخلُّ العسلَ))؛ رواه الطبراني وحسَّنه الألباني.

 

أيها المؤمنون، والسعي في شؤون الناس زكاة أهل المروءات، ومن المصائب عند ذوي الهمم عدم قصد الناس لهم في حوائجهم، يقول حكيم بن حزام: "ما أصبحت وليس على بابي صاحب حاجة إلا علمت أنها من المصائب"، وأعظم من ذلك أنهم يرون أن صاحب الحاجة منعم ومتفضل على صاحب الجاه حينما أنزل حاجته به، يقول ابن عباس: "ثلاثة لا أكافئهم: رجل بدأني بالسلام، ورجل وسَّع لي في المجلس، ورجل اغبرَّتْ قدماه في المشي إليَّ إرادة التسليم عليَّ، فأما الرابع فلا يكافئه عني إلا الله"، قيل: ومن هو؟ قال: "رجل نزل به أمرٌ فبات ليلته يفكر بمن ينزله، ثم رآني أهلًا لحاجته فأنزلها بي".

 

أيها المؤمنون، لقد حثَّ الإسلام على نفع الناس، وقضاء حوائجهم، والسعي إلى تفريج كرباتهم، وبذل الشفاعة الحسنة لهم، تحقيقًا لدوام المودَّة، وبقاء الأُلْفة، وزيادة في روابط الأخوة، قال تعالى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 114]، وقال تعالى: ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ﴾ [النساء: 85].

 

وجعل الإسلام بذل المعروف وفعل الخير سببًا من أسباب الفلاح في الدنيا والأخرى، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الحج: 77]، وتوعَّد الإسلام من منع المعروف أو حثِّ الناس على عدم فعله فهو على خطر عظيم، ومن المكذِّبين بالدِّين، قال سبحانه وتعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ [الماعون: 4-7]، والذي لا يحض غيره على إطعام الفقراء والمساكين مع قدرته عليه مأواه سقر، قال جل وعلا عن المجرمين: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ﴾ [المدثر:41- 44]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثة لا يُكلِّمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم))، فذكر منهم ((ورجل منع فضل ماء فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك)).

 

أيها المؤمنون، وقد بَيَّنَ النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلم أَنَّ نَفعَ النَّاسِ مِن أَعظَمِ الأَعمَالِ وَالقُرُبَاتِ، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ أَبِي مُوسَى رضي اللهُ عنه قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صلى اللهُ عليه وسلم مَا شَاءَ))، وروى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ جَابِرٍ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: ((مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ))، وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ رضي اللهُ عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ((مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).

 

أيها المؤمنون، من نعم الله على العبد أن يسخره لقضاء حوائج الناس، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ لِلَّهِ أَقْوَامًا اخْتَصَّهُمْ بِالنِّعَمِ لِمَنَافِعِ الْعِبَادِ، وَيُقِرُّهَا فِيهِمْ مَا بَذَلُوهَا، فَإِذَا مَنَعُوهَا نَزَعَهَا عَنْهُمْ وَحَوَّلَهَا إِلَى غَيْرِهِمْ))؛ قال الألباني: حسن لغيره.

 

ومن نعم الله تعالى على العبد أن يجعله مفاتحًا للخير والإحسان، عَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((عِنْدَ اللَّهِ خَزَائِنُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، مَفَاتِيحُهَا الرِّجَالُ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَهُ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، وَمِغْلاقًا لِلشَّرِّ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَهُ مِفْتَاحًا لِلشَّرِّ، وَمِغْلاقًا لِلْخَيْرِ)).

 

أيها المؤمنون، وعون الناس سبب لأن يكون الله تعالى في عون العبد وحاجته كما كان في عون أخيه وحاجته، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ: لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ، مَنْ كَانَ في حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ في حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).

 

وببذل المعروف للناس والإحسان إليهم تحسن الخاتمة، وتُصرف ميتة السوء، يقول عليه الصلاة والسلام: ((صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة))؛ رواه الطبراني وحسَّنه الألباني.

 

أيها المؤمنون، إن خدمة الناس دليل على طيب المنْبَت، ونقاء الأصل، وصفاء القلب، وحسن السريرة، وربنا يرحم من عباده الرحماء، ولله أقوامٌ يختصهم بالنعم لمنافع العباد، وجزاء التفريجِ تفريجُ كربات وكشفُ غمومٍ في الآخرة، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((من نَفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نَفَّسَ الله عنه كربة من كرب يوم القيامة))؛ رواه مسلم، وفي لفظ له: ((مَنْ سرَّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فليُنفِّس عن معسر أو يضع عنه)).

 

والسعيد من اغتنم جاهه في خدمة الدين ونفع المسلمين، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: "من مشى بحق أخيه ليقضيه فله بكل خطوة صدقة".

 

قلت ما قد سمعتم فاستغفروا الله يا لفوز المستغفرين!

 

الخطبة الثانية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

أيها المؤمنون، نفعُ الناس وعونهم، والسعي في كشف كربهم وقضاء حوائجهم من صفات الأنبياء والرسل؛ فهذا نبيُّ الله موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين، وجد عليه أُمَّةً من الناس يسقون، ووجد من دونهم امرأتين تذودان، رفع الحجر عن البئر وسقى لهما، حتى رويت أغنامهم، لقد رأى فتاتين عفيفتين طاهرتين، تتحاشيان الاختلاط بالرجال، معهما أغنامهما، وعلى الرغم من أنه لا يعرفهما، وليس له حاجة عندهما، فإنه رأى أنها فرصة لأن يكسب الأجر عند الله بقضاء حاجتهما، فسقى لهما، ثم بعد أن أنجز تلك المهمة، لم يطلب منهما أجرة ما عمل، أو انتظر منهن كلمة شكر، إنما تولى إلى الظل ليستظل من قَيظِ الحَرِّ، إنه رسول من أولي العزم من الرسل، إنه كليم الله موسى، عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة وأتم التسليم.

 

قال ربنا: ﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ [القصص: 21 - 24].

 

وهذا النبي الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم جميعًا السلام، مع ما فعله إخوته؛ حيث اتهموه في شرفه بالسرقة، ووضعوه في الجُبِّ، ومع ذلك قضى حاجتهم لما جاؤوا إليه متسوِّلين يقولون: ﴿ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ﴾ [يوسف: 88]، فعفا عنهم: وقال لهم: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ﴾ [يوسف: 92]، وقضى حوائجهم وجهَّزهم بجهازهم.

 

وأشرفُ الخَلْقِ محمد صلى الله عليه وسلم إذا سُئل عن حاجة لم يردَّ السائل عن حاجته؛ يقول جابر رضي الله عنه: ((ما سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط فقال: لا)).

 

وأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها تقول في وصف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: ((إنك لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتحمِل الكَلَّ، وتَكسِب المعدوم، وتَقرِي الضيف، وتُعين على نوائب الحق))؛ رواه البخاري.

 

وكان يحث أصحابه على نفع الناس وقضاء حوائجهم، فقد روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي اللهُ عنه قَالَ: "فَبَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ، قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى اللهُ عليه وسلم: ((مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ))، قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ، قال الإمام النووي: "وفي هذا الحديث الحثُّ على الصدقة، والجود، والمواساة، والإحسان إلى الرفقة، والأصحاب، والاعتناء بمصالح الأصحاب، وأمر كبير القوم أصحابه بمواساة المحتاج، وأنه يُكْتَفَى في حاجة المحتاج بتعرضه للعطاء، وتحريضه من غير سؤال".

 

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما مِن حَدِيثِ سَعِيدِ بنِ أَبِي بُرْدَةَ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: ((كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ قَالَ: تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَة))، وقال إبراهيم بن أدهم: ((من لم يواسِ الناس بماله وطعامه وشرابه، فلْيُواسِهم ببسط الوجه، والخُلُق الحسن)).

 

وعلى هذا النهج سار الصحابة والصالحون، فقد كان أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه يحلب للحي أغنامهم، فلما استُخلِف قالت جارية منهم: الآن لا يحلبها، فقال أبو بكر: بلى وإني لأرجو ألَّا يغيرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتعاهد الأرامل، يسقي لهن الماء ليلًا، وكان أبو وائل رحمه الله يطوف على نساء الحي وعجائزهن كل يوم، فيشتري لهن حوائجهن وما يُصلحهن.

 

كان علي بن الحسين- رحمه الله- يحمل الخبز إلى بيوت المساكين في الظلام، فلما مات فقدوا ذلك، كان ناس من أهل المدينة يعيشون ولا يدرون من أين معاشهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك الذي كان يأتيهم بالليل.

 

ولقد كان قيس بن سعد بن عبادة يتجاوز عن المعسرين، حتى إنه مرِض فلم يَعُدْهُ غير قليل من الناس، فتعجب من ذلك، فقيل له: لك عليهم ديون، ويستحون أن يأتوا ولك عليهم دَين، فأرسل غلامه ينادي في الأمصار: من كان عليه دَينٌ لقيس بن سعد بن عبادة، فقد تجاوزنا عنه وهو في حِلٌّ منه، فعاده الناس في اليوم التالي حتى كُسِرَت عتبة بابه من كثرة العوَّاد.

 

أيها المؤمنون، وقضاء حوائج الناس أمرٌ مطلوبٌ حتى مع غير المسلمين في شريعة الإسلام، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يسير يومًا في الطريق، فرأى رجلًا يتسوَّل، فقال له: ما لك يا شيخ؟ فقال الرجل: أنا يهودي كبِرت سِنِّي، وشاب شعري، ورَقَّ عظمي، وأتسوَّل لأدفع الجزية، فقال عمر: والله ما أنصفناك، نأخذ منك شابًّا، ثم نضيعك شيخًا، والله لأعطينَّك من مال المسلمين، وأعطاه عمر رضي الله عنه من مال المسلمين.

 

أيها المؤمنون، أبواب نفع الناس وقضاء حوائجهم كثيرة: كقضاء ديونهم، أو الصدقة على الفقراء منهم، أو تفريج كربهم، أو الصلح بينهم، أو إدخال السرور عليهم... وغيرها.

 

ومن قُضيت حاجته فينبغي له مكافأة من قضى له حاجته، فإن عجز عن ذلك فلا أقل من أن يلهج بالدعاء له، وهذا ما أرشدنا إليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: ((من صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه))؛ رواه النسائي.

 

فاتقوا الله عباد الله، وأعينوا إخوانكم واقضوا ما استطعتم من حاجاتهم، وابتغوا بذلك الأجر والثواب من الله تعالى، فلن يبقى للإنسان إلا عمله، والمرء حي بسجاياه وإن كان موسدًا مع أهل القبور في لَحْده، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2].

 

هـــذا وصلوا وسلموا- رحمكم الله- على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، النبي المصطفى، والرسول المجتبى، نبيِّنا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبدالله بن عبد المطلب، صاحب الحوض والشفاعة، فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

 

اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة أجمعين، ﻭﻋﻦ ﺍﻟﺘﺎﺑﻌﻴﻦ، ﻭﻣَﻦْ ﺗَﺒِﻌَﻬﻢ ﺑﺈﺣﺴﺎﻥ ﺇﻟﻰ ﻳﻮﻡ ﺍﻟﺪﻳﻦ، ﻭﻋﻨَّﺎ ﻣﻌﻬﻢ ﺑﻤﻨِّﻚ ﻭﺭﺣﻤﺘﻚ ﻳﺎ ﺃﺭﺣﻢ الراحمين.

 

الدعاء...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • قضاء حوائج المسلمين
  • لذة قضاء حوائج الناس
  • فضل قضاء حوائج المسلمين
  • حرص السلف على قضاء حوائج الناس وتفريط الخلف (خطبة)
  • قضاء حوائج الناس عبادة
  • قضاء حوائج الناس

مختارات من الشبكة

  • فضائل شهر شعبان(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فضائل حفظ وتلاوة القرآن(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • من درر العلامة ابن القيم عن فضائل الصحابة رضي الله عنهم(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مائة حديث في فضائل الصحابة رضي الله عنهم (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الوافي في فضائل يوم عرفة (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • من فضائل لا إله إلا الله(مقالة - موقع د. أمين بن عبدالله الشقاوي)
  • فضائل وثمرات الاستغفار(مقالة - آفاق الشريعة)
  • قضاء الحوائج: فضائل ونماذج (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • خطبة: فضائل شعبان وحكم صيامه(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فضائل الحياء (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • فعاليات علمية للاستعداد لشهر رمضان في عاصمة الأرجنتين
  • تقدم أعمال بناء مشروع المركز الإسلامي في ماستيك - شيرلي بنيويورك
  • جهود إسلامية خيرية واسعة لدعم الأمن الغذائي وسط كنتاكي
  • مشروع تعليمي يهدف لتعزيز الوعي بالذكاء الاصطناعي والإعلام للطلاب المسلمين في البوسنة
  • موافقة رسمية على توسعة مسجد الفاروق بمدينة غلاسكو الأسكتلندية
  • يناير شهر التراث الإسلامي بولاية ميشيغان الأمريكية
  • تطوير أساليب تدريس التربية الدينية محور ندوة علمية للمعلمين في سراييفو
  • مسلمون يقيمون مشروعا إنسانيا يجسد قيم الرحمة والمسؤولية الاجتماعية في بلانو

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 12/8/1447هـ - الساعة: 1:40
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب