• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    مقارنة بين سماحة الإسلام ورحمته وبين بعض الديانات ...
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    الحياء (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    آية العز
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}
    نورة سليمان عبدالله
  •  
    خطبة: ربيع المؤمنين وغنيمة العابدين (الشتاء)
    وضاح سيف الجبزي
  •  
    معالم من سورة الكوثر (خطبة)
    د. صغير بن محمد الصغير
  •  
    صرخة التوحيد في وجه التقليد: حكم الاحتفال بأعياد ...
    زهير حسن حميدات
  •  
    من أقسام القراءات من حيث المعنى: اختلاف اللفظ ...
    الشيخ أ. د. عرفة بن طنطاوي
  •  
    حسد الإخوة وكيدهم (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    نكتة لطيفة في إهداء الثواب للأموات عند العز بن ...
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    تفسير سورة الطارق
    أ. د. كامل صبحي صلاح
  •  
    ألطاف الله تحوطك في مرضك
    د. صلاح عبدالشكور
  •  
    بطلان الاستدلال على خلق القرآن بقوله تعالى: ﴿الله ...
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    تغير الأحوال بين الماضي والحاضر (خطبة)
    الشيخ أحمد إبراهيم الجوني
  •  
    الموازنة بين سؤال الخليل ربه وبين عطاء الله لنبيه ...
    د. أحمد خضر حسنين الحسن
  •  
    الشجاعة لن تنقص عمرا، والجبن لن يطيل أجلا
    أ. د. حلمي عبدالحكيم الفقي
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / مواضيع عامة
علامة باركود

صناعة الحياة بين الإقبال والإهمال (خطبة)

صناعة الحياة بين الإقبال والإهمال (خطبة)
د. عبدالرزاق السيد

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 5/1/2026 ميلادي - 17/7/1447 هجري

الزيارات: 908

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

صناعة الحياة بين الإقبال والإهمال

 

الحمد لله الذي أحيا القلوبَ بنور الإيمان، وجعل الحياة ميدانًا للعبادة والعطاء والعمران، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كريمٌ منان، أمر الإنسان بالإحسان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المصطفى العدنان، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أهمية الحديث عن صناعة الحياة:

أيها المسلمون: إن الحياةَ وسائر ما يُلابسها من لذائذَ أو آلام، ومُتَع أو حرمان؛ ليست هي القيمة الكبرى، وليست هي المقاييس التي تقرِّر حساب الربح والخسارة، وإنما مقياس ربح الحياة هو صناعة الحياة بمواقفَ ترفعك في الدنيا، وتسعدك في الآخرة، من إيمان بالله وثباتٍ على دينه، ورقيٍّ في خلق، وشموخٍ في همَّة، نافعًا للناس، يسعى في عمارة الأرض واكتشاف خيراتها أينما كان، لا تزلزله العواصف، ولا تُخيفه القواصف، مستمسكًا بعروة الله الوثقى، معتمدًا على الله في السر والنجوى؛ هذا هو الذي يصنع الحياة.

 

ومنهم من ضيَّع الحياة، وضيَّع نفائس عمره، وجوهرة شبابه، خلف شهوات النفس وملذاتها، وأمانيِّ الأحلام وسرابها، فما تزيده الأعوام إلا تذبذبًا في المنهج، وضعفًا في الإيمان، فتزل القدم عند أول عاصفة، وتتعثر الخُطى عند أول فتنة، ويحتار العقل عند أول شُبهة، فلا يقينَ يثبته، ولا إيمانَ يرفعه، ولا خُلق ينفعه.

 

حديث القرآن والسنة عن صناعة الحياة:

أيها المسلمون: لقد تحدَّث القرآن الكريم والسُّنة النبوية عمن يصنع الحياة، ومن يجعل له أثرًا في الدنيا ومقامًا في الآخرة؛ يقول الله تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]، ويُحسن صناعةَ الحياة مَن كان من أهل التقوى، وأحسن التوكل على الله؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطلاق: 2، 3]، ويصنع الحياة من سلك طريق الرضا والقناعة؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 145]، ويقول الله سبحانه: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾ [يس: 12]، ويضيِّع الحياة من علِم ظاهرَ الحياة الدنيا وليس له صلة بالآخرة؛ قال الله تعالى: ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ [الروم: 7]، وفي السنة النبوية عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كانت الآخرة همَّه، جَعَلَ الله غِناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتَتْهُ الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شمله، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما قُدر له))؛ [صحيح الترمذي].

 

من هم الذين يصنعون الحياة؟

أيها المسلمون: لقد طرح الإسلام من خلال القرآن والسنة رؤيةً جديدة لصناعة الحياة، تبدأ من داخل الإنسان في عقله وقلبه، وروحه ووجدانه، وغرائزه وميوله؛ عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: ((ألَا وإن في الجسد مضغةً، إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله؛ ألَا وهي القلب))؛ [البخاري]، وتنتهي في خارجه لكي تصوغه إنسانًا جديدًا متفوقًا، قادرًا على التغيير المطلوب في بنية العالم، ويكون ذلك بالعلم والمعرفة؛ قال الله تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 1 - 5].

 

وصناعة الحياة تكون بالعقيدة المُثلى للإنسان منفردًا أو مجتمعًا، وعاملًا لروحه أو عاملًا لجسده، وناظرًا إلى دنياه، أو ناظرًا إلى آخرته، جامعًا بين حقيقة الإيمان وصحيح العقيدة، وبين الأخلاق السامية وحقيقة البِرِّ العالية؛ قال الله تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]، وصناعة الحياة وفق منهج الله، فتكون حياته وأعماله فيها الصبغة الربانية، ويكون مشدودًا إلى الله في كل ما يؤديه للحياة، فهو يقوم به بنيَّة العابد الخاشع، وروح القانت المُخبت، يدفعه إلى كل عملٍ نافعٍ وكل إنتاج صالح؛ قال الله تعالى: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة: 105]، وتكون صناعة الحياة في كل مجالاتها، وفي كل ميادين النشاط البشري، فلا يَدَعُ جانبًا من جوانب الحياة الإنسانية إلا كان له فيه موقف، يتمثل في الإقرار والتأييد، أو في التصحيح والتعديل، أو في الإتمام والتكميل، أو في العمل والإنتاج، ويفهم دوره وفق سنن الله في الكون؛ قال الله تعالى: ﴿ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ [هود: 61]، وقوله عز شأنه: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ [البقرة: 29]، وقال الله تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾ [الجاثية: 13]، وقال الله تعالى: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 31 - 34].

 

وصناعة الحياة في هذه الرحلة القصيرة في الدنيا، يحدد الإنسان مصيره المستقبلي، ويخُطُّ بأعماله سيرتَه الذاتية، ويغرس بصناعته للحياة مكانته في قلوب الناس، يفوح عطرًا يَعْلَقُ في أذهان كل من عرفه، وورَّث سيرة طيبة يتناقلها الناس في حياته وبعد مماته، ولو استشعر المسلم الأجرَ المترتب على صناعة الحياة في الدنيا والآخرة، لَسما في آفاق البذل والعمل؛ ليجعل من سَمْتِهِ قدوةً، ومن سيرته منارةَ إشعاعٍ لكل من ينشد الخير والتميز، ويكون ابتغاء رضوان الله وحسن مثوبته، والموفَّق في صناعة الحياة من هُدي إلى الطيب من القول، والصالح من العمل، والجميل من السلوك؛ كانت جِبلة فيه أو اكتسبها؛ قال الله تعالى: ﴿ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ ﴾ [الحج: 24]، وهؤلاء غرسٌ غرسَهم الله بين خلقه؛ فعن عنبة الخولاني، وكان قد صلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا، يستعملهم في طاعته))؛ [صحيح ابن ماجه].

 

الذين يضيِّعون الحياة:

أيها المسلمون: إن الخسارة مرٌّ مذاقها، أليمٌ مآلها، وبعض الناس إذا لحِقت بهم خسارة دنيوية شقُّوا الجيوب، ولطموا الخدود، ودعَوا بدعوى الجاهلية، لكن الخسارة الحقيقية خسارة الدنيا، حينما يعيش فيها بغير إيمانٍ بالله ورسوله؛ لتعلُّقِ الحياة الأبدية به سعادةً وشقاء، ولا تصديقٍ باليوم الآخر الذي يكون فيه الوفاء والجزاء، فمن ربِح الإيمان بالله سعِد، ومن خسره شقيَ في الدنيا والآخرة؛ قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: 12]، فجعل خسارة النفس في فَقْدِ الإيمان.

 

يضيِّع الحياة من سلك طريقًا غير طريق الإسلام؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 85]، وفي آية أخرى: ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [المائدة: 5]، يضيِّعون الحياة من سلكوا طريق الشيطان واتبعوا سُبُله؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ﴾ [النساء: 119]؛ لأنه يدعو إلى التكذيب بلقاء الله تعالى: ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ﴾ [الأنعام: 31]، يضيِّعون الحياة من يسعَون في الدنيا ظانِّين أنهم يُحسنون صنعًا؛ قال الله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ [الكهف: 103، 104].

 

يضيعون حياتهم من جعلوا الحياة للمتعة والاستمتاع بالدنيا وملذاتها؛ قال الله تعالى: ﴿ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [التوبة: 69]، ضيَّعوا حياتهم باتباع قرناء السوء، وطاعة شياطين الجن والإنس؛ قال الله تعالى: ﴿ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ﴾ [فصلت: 25]، يضيِّعون الحياة من يتعاملون مع دين الله تعالى تعاملًا مصلحيًّا؛ فيُسخر دينه لخدمة دنياه، ويتمسك به في النَّعماء، وينحرف عنه في الضراء، وقد رأينا ذلك في المنتكسين عن دينهم، الناكصين على أعقابهم؛ قال الله تعالى عنهم: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الحج: 11]، الذين يضيعون الحياة سوف تتقطع قلوبهم حسراتٍ، وتذوب أفئدتهم ندمًا على ضياعها؛ قال الله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾ [الأنعام: 31]، يضيع الحياة من أفسد فيها، والفساد نقيض الإعمار، والإفساد ضد الإصلاح؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾ [الأعراف: 56]، وقال الله سبحانه: ﴿ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ [البقرة: 60]، ولأن الله تعالى يحرم الفساد، وينهى عن الإفساد في الأرض، فقد جعل لارتكاب تلك الجريمة أشدَّ العقوبات وأقساها في الدنيا والآخرة؛ فقال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [المائدة: 33].

 

أيها الأحِبَّة: إن أسوأ ما يُبتلى به المرءُ أن يُصاب بعُقدة النقص، فيشعر أنه غير مؤهَّل للتأثير وصناعة الحياة، وأنه ناقص، ولا يمكن له استكمال نقصه وسدِّ ثغراته، فيشعر بالدون ويتبادر إلى ذهنه دائمًا أن غيره أكملُ منه، وأقدر على قيادة الحياة؛ ولذا تراه منطويًا على نفسه، منكسرًا في ذاته، مكبلًا بأوهامه، عاجزًا عن فِعلِ أي شيء حتى لو كان بإمكانه فعله، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال في حديث شداد بن أوس رضي الله عنه: ((الكَيسُ من دان نفسه، وعمِل لِما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني))؛ [صحيح].

 

كيف نصنع الحياة؟

أيها المسلمون: إن المتأمِّل في حياة الناس يجد في الأغلب رؤيتهم لصناعة الحياة، تنبع من الرؤية المادية التي صبغت عصرنا، وطَغت على كل مظاهر الفكر والتنظير فيه، حتى صار الأثر المادي فقط هو مقياس التقدم والنجاح، والرقي والفلاح.

 

وإذا عُدنا إلى الوراء أربعة عشر قرنًا، رأينا بواكير الدعوة الربانية الإسلامية المحمدية، كيف انطلقت لتصنع الحياة الحقيقية التي يرضاها الله، وتقبلها الفطرة البشرية السَّوِيَّة في أرجاء المعمورة كلها.

 

هذه الدعوة التي أَحْيَتِ الإنسان حتى وقف أحدهم بثياب رثَّة، أمام قائد جيوش الإمبراطورية الفارسية في زَهْوِهِ وعدته وعتاده؛ قائلًا: "نحن قومٌ ابتعثنا الله لنُخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سَعة الدنيا والآخرة، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام".

 

إنه الفهم الواعي لمعنى صناعة الحياة، الحياة التي يخضع فيها الجميع لربٍّ واحدٍ، له يتعبدون وإليه يتوجهون، وباسمه يذكرون ويتبتَّلون.

 

الحياة التي يتحرر فيها الناس من عبودية البشر، ويحتكمون فيها جميعًا إلى قوانين رب البشر.

 

الحياة التي تسودها المحبة وانتشار الخير، وينزوي في جنباتها الكُره والبغضاء، وارتكاب الرذائل.

 

الحياة التي يحكمها العدل؛ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾ [النساء: 58].

 

الحياة التي تنطلق في الأرض تقلب ظهرها، وتخرج كنوزها، وتكتشف خباياها، لتقيم عمرانًا باسم الله، فيعيش فيها الغني متمتعًا معطيًا حقَّ الله، ويعيش فيها الفقير عفيفًا يأتيه رزق الله.

 

هذه هي الحياة التي يجب على كل مسلمٍ صناعتُها والسعي لإقامتها، وتنشئة الأجيال على معانيها ومراميها.

 

حياة اكتَسَت بكل معالم العبودية لله، ونشر الخير والعدل، وإقامة العمران فيها تابع لإقامة الإنسان، فإذا وُجد الإنسان الصحيح، وُجدت معه كل أسباب النجاح؛ قال الله تعالى على لسان أهل الإيمان حينما نصحوا قارون: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: 77].





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • فقه اليقين بموعود رب العالمين (خطبة)
  • محاسن الألطاف الربانية (خطبة)
  • دور المسلم في محيطه (خطبة)
  • آهات الندم (خطبة)
  • في رحاب بر الوالدين (خطبة)
  • العيش بأهداف سامية (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • وسائل صناعة الكراهية بين الثقافات: الاستشراق الصحفي(مقالة - موقع د. علي بن إبراهيم النملة)
  • وسائل صناعة الكراهية بين الثقافات: الاستشراق الإعلامي(مقالة - موقع د. علي بن إبراهيم النملة)
  • من وسائل صناعة الكراهية بين الثقافات: الاستشراق والتنصير(مقالة - موقع د. علي بن إبراهيم النملة)
  • وسائل صناعة الكراهية بين الثقافات: الاستشراق والسياسة(مقالة - موقع د. علي بن إبراهيم النملة)
  • وسائل صناعة الكراهية بين الثقافات: منهج السماحة(مقالة - موقع د. علي بن إبراهيم النملة)
  • من وسائل صناعة الكراهية بين الثقافات: تصنيف المستشرقين(مقالة - موقع د. علي بن إبراهيم النملة)
  • الاستشراق ووسائل صناعة الكراهية: صهينة الاستشراق(مقالة - موقع د. علي بن إبراهيم النملة)
  • الاستشراق ووسائل صناعة الكراهية: الخوف من الإسلام(مقالة - موقع د. علي بن إبراهيم النملة)
  • خاطرة في إصلاح الفكر وبناء إستراتيجية: مَن المفيد لصناعة القرار؛ المخالف في الرأي أم الموافق؟!(مقالة - ثقافة ومعرفة)
  • الدورات القرآنية... موسم صناعة النور في زمن الظلام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • المسلمون الأكثر سخاء في بريطانيا وتبرعاتهم تفوق المتوسط بأربعة أضعاف
  • تشوفاشيا تشهد افتتاح مسجد مرمم بحضور ديني ورسمي
  • تكريم الفائزين في مسابقة حفظ القرآن بزينيتسا
  • قازان تستضيف المؤتمر الخامس لدراسة العقيدة الإسلامية
  • تعليم القرآن والتجويد في دورة قرآنية للأطفال في ساو باولو
  • ورشة توعوية في فاريش تناقش مخاطر الكحول والمخدرات
  • المحاضرات الإسلامية الشتوية تجمع المسلمين في فيليكو تارنوفو وغابروفو
  • ندوة قرآنية في سراييفو تجمع حفاظ البوسنة حول جمال العيش بالقرآن

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 17/7/1447هـ - الساعة: 21:18
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب