• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    تفسير: (الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا ...
    تفسير القرآن الكريم
  •  
    حقيقة الحياء وأهميته
    د. حسام العيسوي سنيد
  •  
    تخريج حديث: المستحاضة بالوضوء لكل صلاة (3)
    الشيخ محمد طه شعبان
  •  
    الحث على تيسير الزواج (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    الحديث الثامن والعشرون: بيان علو شأن مكارم ...
    الدكتور أبو الحسن علي بن محمد المطري
  •  
    يسروا أمر الزواج (خطبة)
    خالد سعد الشهري
  •  
    ونكتب ما قدموا وآثارهم (خطبة) - باللغة البنغالية
    حسام بن عبدالعزيز الجبرين
  •  
    من درر العلامة ابن القيم عن مخالطة الناس والتعامل ...
    فهد بن عبدالعزيز عبدالله الشويرخ
  •  
    طريق المسلم إلى الله قبل رمضان: قراءة تقديمية
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
  •  
    كن جميلا تر الوجود جميلا (خطبة)
    د. محمد حرز
  •  
    حين تتحول العادة إلى عبادة
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    تعظيم رب البريات في بيان حديث "إنما الأعمال ...
    إبراهيم الدميجي
  •  
    النهي عن ضرب الأمثال لله
    الشيخ عبدالعزيز السلمان
  •  
    النقد البناء
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    الحكمة من التشريع الإسلامي (خطبة)
    أبو سلمان راجح الحنق
  •  
    فضل الصدقة
    د. أمير بن محمد المدري
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الرقائق والأخلاق والآداب
علامة باركود

محاسبة وذكرى (خطبة)

محاسبة وذكرى (خطبة)
الشيخ عبدالله محمد الطوالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 4/8/2022 ميلادي - 7/1/1444 هجري

الزيارات: 12255

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

محاسبة وذكرى


الحمدُ للهِ رَبِّ البرياتِ، مُنزِّلِ الآيات، رفيعِ الدرجاتِ، عالمِ السِّرِ والخفِياتِ، تُسبِّحُ بحمدِه الأرضُ والسموات، وتُقِرُّ بوحدانيَّتهِ كلُّ الكائناتِ، ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ [غافر: 64].

 

وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شرِيكَ لهُ، باسِطِ الخيراتِ، واسِعِ الرَّحماتِ، مُجِيبِ الدَّعواتِ، ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ﴾ [الشورى: 25].

 

وأشهدُ أن محمدًا عبدُ الله ورسولهُ، وصفيهُ وخليلهُ، نبيٌ متى ما سارَ سارَ النُّورُ معهُ، وإذا نامَ ضمَّخَ الطيبُ مضْجعهُ، وإذا تكلَّمَ أصغى لهُ الكونُ كلهُ يسْمعهُ، وإذا قاتلَ عدوًا نزلت الملائكةُ تنْصُرهُ وتمنعُهُ.. صلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ عليهِ، وعلى آله وأصحابهِ ومن بإحسانٍ تبِعهُ، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، فلا عزَّ أرفعَ من التقوى، ولا زينَ أجملَ من العقل، ولا كنزَ أنفعَ من العلم، ولا عيبَ أسوءُ منَ الكَذِب، ولا حافظَ أسلم من الصمتِ، ولا غـائبَ أقـربَ من الـمـوت، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 282].

 

معاشِرَ المؤمنين الكرام؛ ليس لآخرِ العَامِ أَحكَامٌ خَاصةٌ أو عِبادات، وإنما هي مواعظُ وذكرى وعِظات: قال جلَّ وعلا: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ [الفرقان: 62]، فبين كلِّ فترةٍ وأخرى، يحسنُ بالمسلم أن يقفَ مع نفسهِ وقفةَ مُراجعةٍ ومحاسبة، حِفاظًا على ما حقَّقَ من المكاسِبِ، وتصحِيحًا لما وقع فيه من الأخطاء، وسعيًا للأفضلِ والأكمل، ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّـهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّـهَا ﴾ [الشمس: 9-10].

 

تأملوا يا عباد الله، عام كاملٌ مُترعٌ بالأحداثِ المروعِةِ، مُتخمٌ بالوقائع المتنوعةِ، حدثت فيها تغيُّراتٌ كبيرة، وابتلاءاتٌ شديدةٌ، عانت منها كثيرٌ من المجتمعات، ﴿ أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ [التوبة: 126].

 

فيا لها من عبرةٍ لو تأمَّلها عاقِل، ويا لها من ذكرى لو تنبَّه لها نبيه، سنةٌ كاملةٌ نقصَت من أعمارنا، أبعدتنا عن الدنيا، وقربتنا من الآخرة، سنةٌ كامِلةٌ، فيها من الساعاتِ ما يزيدُ على الثمانيةِ الألافِ ساعةٍ، ومن الدقائقِ ما يربو على النِّصفِ مليونِ دقيقةٍ، مرَّت كُلُّها تِباعًا، وتصرّمت جميعها سِراعًا، فما الذي أودعناه فيها، وهل ستشهدُ لنا أو علينا، ﴿ هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجاثية: 29]، فإلى متى الغفلةُ يا عباد الله، أوليسَ وراءنا حِسابًا وجزاءً، بلى والله: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ [الغاشية: 26].

 

فدعونا أحبتي في الله نتساءلُ عن عامنا الذي انتهى كيفَ أمضيناه، وهيا لنتأمل في سجل أعمالنا كيف ماذا أودعناه، وتعالوا بنا كي نحاسب أنفسنا على ما فعلناه وما قدَّمناه، فإن كان خيرًا حمدنا الله كثيرًا وشكرناه، وإن كان غير ذلك تُبنا إلى الله واستغفرناه، نعم يا عباد الله، لا بدَّ من وقفةِ محاسبة جادة، فالله جلَّ جلاله يقول: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنبياء: 1]، وقال أمير المؤمنين الفاروق رضي الله عنه: أيها الناس، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على الله، ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنبياء: 1]، ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ [الحاقة: 18].

 

وكتبَ رضي الله عنه إلى بعضِ عمُّالِهِ: "حاسِب نفسكَ في الرخاء قبلَ حسابِ الشِدَّة، فإن من حاسبَ نفسهُ في الرخاءِ قبلَ حساب الشدة، عادَ أمرُه إلى الرضا والغِبطة، ومن ألهتهُ حياتهُ وشغلتْـهُ أهواؤه عادَ أمرُه إلى النَّدامةٍ والخسارة"، وقال الحسن البصري رحمه الله: "إن المؤمنَ لا تراهُ إلا وهو يلومُ نفسهُ على كلِّ حالاته ويندمُ، وإن الفاجرَ يمضي قُدُمـًا لا يعاتبُ نفسَه"، وقال الإمام الماوردي: "محاسبةُ النفسِ أن يتصفَحَ الإنسانُ في ليله ما صدرَ من أفعال نهارَه، فإن كان محمودًا أمضاه، وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذمومًا استدركه إن أمكن، وانتهى عن مثله في المستقبل".

 

وقال الإمام ابن القيم: "حقٌّ على المؤمن الحازم ألا يغفَلَ عن محاسبة نفسهِ والتضييقِ عليها، فكل نفَسٍ من أنفاسهِ جوهرةٌ نفيسة، يمكن أن يُشترى بها كنزٌ لا يتناهى نعيمُه، فإضاعة هذه الأنفاس خُسرانٌ عظيمٌ لا يسمحُ بمثله إلا أجهلُ الناس، وإنما يظهرُ لهُ حقيقةُ هذا الخسران يومُ التغابن، ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾ [آل عمران: 30].

 

ووالله إِنَّهُ لتَوفِيقٌ عظيم أن يهبَ اللهِ تعالى لعبده المؤمن أُذُنًا تعي وتَسمَعُ، وَقَلبًا يَخشَى وَيَخشَعُ، وعقلًا يرعوي ويُقلِع؛ قَالَ جَلَّ وَعَلا: ﴿ إِنَّ في ذَلِكَ لَعِبرَةً لِمَن يَخشَى ﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ [ق: 37].

 

فذاك الَّذِيَ سيَنتَفِعُ بِالأَحدَاثِ والمواعظ، وَتُحَرِّكُ قُلبَهُ القَوَارِعُ والفواجع، وَأَمَّا مَنِ طالت نَومَتُهُ، وَاستَحكَمَت غَفلَتُهُ، وَأَحَاطَت بِهِ خَطِيئَتُهُ، فأنَّا له أن يعتَبَر: ﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾ [فاطر: 37]...

 

فلنَتَذكَّر في آخرِ العامِ ونَحنُ نَرى دقةَ الحِسابِ في بيانات الشَّرِكاتِ، دِقةَ حِساب الآخرة، ﴿ فَمَنْ ‌يَعْمَلْ ‌مِثْقالَ ‌ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ ‌يَعْمَلْ ‌مِثْقالَ ‌ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7-8].

 

نتذكرُ كِتابَ أعمالنا الذي سُجِلَ فيه كُلَّ شيءٍ، ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ﴾ [الكهف: 49]، يوم يقال لنا: ﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ [الإسراء: 14].

 

ونَتَذكَّرُ في آخرِ العامِ ونَحنُ نرى تَقييمَ الموظفينَ السَّنويَّ، فَمنهُم مُحسنٌ ومُسيء، وسعيدٌ وحزين، كَيفَ سيتَفاوتُ تقييمُ النَّاسِ يومَ القِيامةِ، ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ﴾ [الحاقة: 19-27].

 

نَتَذكَّرُ في آخرِ العامِ ونَحنُ نرى تَصفيَّةَ التُّجارِ للبَضائعِ القَديمةِ، تَصفيةَ القُلوبِ مِن الشَّحناءِ والخِلافاتِ الأثيمةِ، يَقولُ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الحديث الصحيح: "تُفْتَحُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَاّ رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى ‌يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى ‌يَصْطَلِحَا"... نَتَذكَّرُ ونَحنُ في آخر العَامِ، نِهايةَ الدُّنيا وكأنَّها حِلمٌ مِن الأحلامِ، وأنها مَتَاعُ الْغُرُورِ، متاعٌ مؤقتٌ زائل؛ جَدِيدُهَا يبلي، وَجَمِيلُهَا يذوي، وقَوِيُّهَا يضَعُف، وَشَبَابُهَا يهَرم، وعامِرُها يخرب: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: 20].

 

أَمَّا الْجَنَّةُ وَمَا فِيهَا، فَإن شَبَابهَا يبقى ولَا يَبْلَى، وَحَسَنُهَا يزيد لَا ينقصُ، ونعيمها يتجدَّدُ ولا ينفد.. وأهلها لَا يَمْرَضُونَ وَلَا يَهْرَمُونَ ولا يسأمونَ وَلَا يَمُوتُونَ، ﴿ وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ ﴾ [الأنبياء: 102]، ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾ [ق: 35].

 

فَـ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، و﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر: 18].

بارك الله..

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله كما ينبغي لجلاله وجماله وكماله، أَمَّا بَعدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ عباد الله وكونوا مع الصادقين، وكونوا من ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 18].

 

معاشر المؤمنين الكرام؛ سيقف كلٌّ منا أمام ربه عاريًا حافيًا، يُختَمُ على فيهِ، وتتكلمُ جوارحهُ، فتهيأ يا عبدالله لهذا الموقفِ الرهيب، اجلس مع نفسك وحاسِبها، فقد قال جلَّ وعلا عن الخاسرين: ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ﴾ [النبأ: 27]، ولمن يسأل، وعلى ماذا أحاسِبُ نفسي، فيقال: حاسِبها على فروضك وصلواتك، هل أديتها كما ينبغي، أم قصَّرت فيها، فأول ما يحاسب المرء على صلاته، حاسِبها على وِردِكَ من القرآن هل تعاهدته أم هجرته، فالقرآنُ حجةٌ لك أو عليك.

 

حاسِبها على أرحامِك وأقاربِك هل واصلتهم وجدَّدت العهد بهم، أم قطعتهم وهجرتهم، فـ"ما مِن ذنبٍ أجدرُ أن يُعجِّلَ اللهُ لصاحبِه العقوبةَ في الدنيا مع ما يَدَّخرُ لهُ في الآخرةِ من البَغي وقطيعةِ الرحمِ"..

 

حاسِبها على أموالك ونفقاتِك هل اكتسبتها من حلال، وهل أنفقتها فيما يرضي الله تعالى، فكل جِسمٍ نبت من سحتٍ فالنار أَولى به، ولا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، ومنها عن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟!

 

حاسِبها على لسانِك وكلماتِك وأحاديثك، فلا يكُبُّ الناسَ في النار إلا حصائِدُ ألسنتهم.

حاسِبها على تربية أبنائك وبناتك ومَن هم تحت يدك، هل تابعتهم وصدقت النصيحة لهم، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته.

 

حاسِبها على جوالِك وأجهزة حواسيِبك هل كُلُّ ما فيها سليمٌ من المحاذير الشرعية، فالعين تزني وزناها النظر، وفي محكم التنزيل: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7-8].

 

حاسِبها على أوقاتِك وساعاتِك فيما تمضي وكيف تمرُّ، فالفراغ نعمةٌ كبيرةٌ وأكثر الناس لا يحسنُ استثماره.

 

حاسِبها على غفلاتِك وبعدك عن مولاك، فما ضرب القلوب شرٌّ من الغفلة؛ قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف: 179].

 

حاسِبها على الغيبة والنميمة، فهذا عبدالله بن وهب رحمه الله يقول: نذرت أني كلما اغتبت إنسانًا أن أصوم يومًا فأجهدني، أي طال الأمر علي، فنويت أني كلما اغتبتُ إنسانًا أن أتصدقَ بدرهم، فمن حُبِّ الدَّراهم تركتُ الغيبة.

 

هكذا يحاسِبُ المسلم نفسهُ، يسألها عن حقوقِ الناس، هل أداها أم ضيَّعها، عن الولائم التي أقامها، والأماكن التي زارها، والمناسبات التي حضرها، والرسائل التي أرسلها، ونحو ذلك من الأسئلة، وإذا علم الله تعالى من عبده حُسن النيةِ، وصدقَ الرغبةِ في التوبة والتَّحسن، ومحبةَ القيام بما أوجب الله عليه، أعانهُ اللهُ وسددهُ، وهيأ له الأسباب ووفَّقه، ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69]، ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ [محمد: 17].

 

ثم اعلموا يا عباد الله أنَّ شهر الله المحرم شهرٌ عظيم مبارك، يستحبُّ فيه الإكثارُ من صيام النافلة، ففي الحديث الصحيح: "أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ"، وفي صحيح البخاري: "مَن صامَ يَوْمًا في سَبيلِ اللَّهِ، بَعَّدَ اللَّهُ وجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا".

 

فيا بن آدم عش ما شئت فإنك ميِّت، وأحبِب من شئت فإنك مفارقه، واعمَل ما شئت فإنك مَجزي به، البر لا يَبلى والذنب لا يُنسى، والديان لا يموت، وكما تدين تدان.

 

اللهم صلِّ على محمد...





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • الثبات على الدين وأسبابه (خطبة)
  • تواضعوا يا عباد الله (خطبة)
  • احبسوهم إنهم محاسبون (خطبة)
  • موعظة وذكرى (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • النفس اللوامة (محاسبة النفس)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • جلسة محاسبة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • محاسبة النفس في ضوء الكتاب والسنة وأحكام شهر الله المحرم (خطبة)(مقالة - موقع الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري)
  • موعظة وذكرى(مقالة - موقع الشيخ عبدالله بن جار الله آل جار الله)
  • في ذكرى وفاتها (قصيدة)(مقالة - حضارة الكلمة)
  • إذا ذكرت الله في ملأ ذكرك الله في ملأ خير منه(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الموازنة بين سؤال الخليل ربه وبين عطاء الله لنبيه صلى الله عليه وسلم (2)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • سلسلة حلقات حديث الجمعة (1) فاذكروني أذكركم(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • ذكريات ومواقف من دراستي في المرحلة المتوسطة والثانوية!(مقالة - موقع الشيخ الدكتور عبدالله بن ضيف الله الرحيلي)
  • أذكار المساء والصباح (تلخيص كتاب "الأذكار" للإمام النووي (ت/676 هـ))(كتاب - مكتبة الألوكة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • مشروع تعليمي يهدف لتعزيز الوعي بالذكاء الاصطناعي والإعلام للطلاب المسلمين في البوسنة
  • موافقة رسمية على توسعة مسجد الفاروق بمدينة غلاسكو الأسكتلندية
  • يناير شهر التراث الإسلامي بولاية ميشيغان الأمريكية
  • تطوير أساليب تدريس التربية الدينية محور ندوة علمية للمعلمين في سراييفو
  • مسلمون يقيمون مشروعا إنسانيا يجسد قيم الرحمة والمسؤولية الاجتماعية في بلانو
  • مبادرة تعليمية في بريطانيا لتوحيد رؤية الهلال محليا
  • المنتدى الإسلامي الإقليمي السابع في ألميتيفسك
  • نجاح البرنامج التجريبي "حلقة الإخوة" لدعم المسلمين الجدد في أستراليا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1447هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 6/8/1447هـ - الساعة: 17:9
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب