• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / خطب المناسبات
علامة باركود

العودة إلى المدارس وبعض آداب المتعلمين (خطبة)

العودة إلى المدارس وبعض آداب المتعلمين (خطبة)
الشيخ عبدالله بن محمد البصري

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 25/8/2026 ميلادي - 13/3/1448 هجري

الزيارات: 2706

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

العودة إلى المدارس وبعض آداب المتعلمين

 

أَمَّا بَعدُ، فَأُوصِيكُم أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، ﴿ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ [يوسف: 57].

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، سَبَقَ لَنَا حَدِيثٌ عَن أَهمِيَّةِ العِلمِ وَوُجُوبِ إِتْبَاعِهِ بِالعَمَلِ، وَتَأكِيدًا لِمَا سَبَقَ، وَلأَنَّ أَبنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا سَيَعُودُونَ إِلى مَدَارِسِهِم وَمَعَاهِدِهِم وَجَامِعَاتِهِم بَعدَ غَدٍ، فَإِنَّهُ يَنبَغِي لَنَا أَلاَّ نَمَلَّ مِن تَكرَارِ الحَدِيثِ عَنِ العِلمِ وَفَضلِهِ، وَبَيَانِ عُلُوِّ شَأنِ طُلاَّبِهِ وَأَهلِهِ، وَاتِّسَاعِ مَسَالِكِهِ وَتَنَوُّعِ سُبُلِهِ، وَوُجُوبِ تَأَدُّبِ طُلاَّبِهِ بِآدَابِهِ لِيَجنُوا حَمِيدَ آثَارِهِ وَيَنَالُوا نَاضِجَ ثِمَارِهِ.

 

أَلا وَإِنَّ مِن أَهَمِّ مَا يَنبَغِي لِلطَّالِبِ أَن يَهتَمَّ بِهِ؛ لأَنَّهُ أَعظَمُ مَا يُنَالُ بِهِ العِلمُ وَتَحصُلُ بَرَكَتُهُ بَعدَ الإِخلاصِ للهِ فِيهِ، أَن يَتَأَدَّبَ المُتَعَلِّمُ قَبلَ أَن يَتَعَلَّمَ، إِذْ إِنَّ قَلِيلًا مِنَ العِلمِ مَعَ كَثِيرٍ مِنَ الأَدَبِ، خَيرٌ مِن كَثِيرٍ مِنَ العِلمِ مَعَ قَلِيلٍ مِنَ الأَدَبِ، وَلِذَا كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَأتُونَ إِلى العَالِمِ فَيَهتَمُّونَ أَوَّلَ مَا يَهتَمُّونَ بِتَعَلُّمِ مَا لَدَيهِ مِنَ الأَدَبِ قَبلَ أَن يَأخُذُوا عَنهُ العِلمَ، وَمَا ذَاكَ إِلاَّ أَنَّ التَّحَلِّيَ بِمَحَاسِنِ الآدَابِ وَمَكَارِمِ الأَخلاقِ، وَالاتِّصَافَ بِالهَدي الحَسَنِ وَالسَّمتِ الصَّالِحِ، هُوَ سِمَةُ أَهلِ الإِسلامِ وَطَبعُ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ، وَلِعِلمِهِم أَنَّ العِلمَ وَهُوَ أَثمَنُ مَا يُسعَى لِنَيلِهِ، لا يَنَالُهُ وَيَصِلُ إِلَيهِ، إِلاَّ المُتَحَلِّي بِآدَابِهِ، المُتَخَلِّي عَن آفَاتِهِ.

 

وَمِمَّا يَجِبُ أَن يَستَقِرَّ في قُلُوبِ أَبنَائِنَا أَنَّ لِلمُعَلِّمِ حُقُوقًا عَلَى الطَّالِبِ، يَنبَغِي لَهُ أَن يَقُومَ بِهَا بِطِيبِ نَفسٍ وَانشِرَاحِ صَدرٍ؛ إِجلالًا لِمُعَلِّمِهِ وَتَوقِيرًا لَهُ، وَتَقدِيرًا لَعِلمِهِ وَسِنِّهِ، فَهُوَ أَكبَرُ مِنهُ سِنًّا، وَأَكثَرُ ثَقَافَةً وَخِبرَةً وَعِلمًا، وَلِهَذَا كَانَ لا بُدَّ لَهُ مِن إِعزَازِهِ وَإِجلالِهِ وَالتَّأَدُّبِ بَينَ يَدَيهِ، رَغبَةً في تَحصِيل الأَجرِ وَالثَّوَابِ مِنَ اللهِ أَوَّلًا، وَلِيَنَالَ مِنهُ مَا أَتَى لِتَحصِيلِهِ مِنَ العِلمِ ثَانِيًا، وَمَن لم يَتَأَدَّبْ مَعَ مُعَلِّمِيهِ وَفي مَدرَسَتِهِ أَو جَامِعَتِهِ، أَغضَبَهُم سُوءُ خُلُقِهِ، وَكَرَّهَهُم لِقَاءَهُ قِلَّةُ أَدَبِهِ، وَصَدَّهُم عَنهُ غُرُورُهُ وَتَعَالِيهِ وَجُرأَتُهُ وَعَدَمُ حَيَائِهِ، فَحُرِمَ الفَائِدَةَ وَلم يَنَلْ مِنَ العِلمِ مَا يَصبُو إِلَيهِ، وَصَارَ غُدُوُّهُ وَرَوَاحُهُ خَسَارَةً عَلَيهِ وَعَلَى أَهلِهِ، وَضَاعَ عُمُرُهُ وَتَبَدَّدَ جُهدُهُ؛ قَالَ العَلاَّمَةُ السَّعدِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: عَلَى المُتَعَلِّمِ أَن يُوَقِّرَ مُعَلِّمَهُ وَيَتَأَدَّبَ مَعَهُ حَسَبَ مَا يَقدِرُ عَلَيهِ؛ لِمَا لَهُ مِنَ الحَقِّ... وَإِذَا كَانَ مَن أَحسَنَ إِلى الإِنسَانِ بِهَدِيَّةٍ مَالِيَّةٍ يَنتَفِعُ بِهَا ثم تَذهَبُ وَتَزُولُ لَهُ حَقٌّ كَبِيرٌ عَلَى المُحسِنِ إِلَيهِ، فَمَا الظَّنُّ بِهَدَايَا العِلمِ النَّافِعِ الكَثِيرَةِ المُتَنَوِّعَةِ، البَاقِي نَفعُهَا مَا دَامَ العَبدُ حَيًّا وَبَعدَ مَمَاتِهِ. وَقَالَ العَلاَّمَةُ الشَّيخُ ابنُ عُثِيمِين رَحِمَهُ اللهُ: عَلَى التَّلامِيذِ أَن يُحسِنُوا مُعَامَلَةَ المُعَلِّمِ، فَيَكُونُوا أَمَامَهُ بِمَنزِلَةِ المُتَلَقِّي الَّذِي يَقبَلُ مَا يُعطَى لَهُ؛ كَالعَطشَانِ أَمَامَ السَّاقِي، أَوِ الجَائِعِ أَمَامَ المُطعِمِ، بِمَعنَى أَن يَشعُرَ التِّلمِيذُ أَنَّهُ بِحَاجَةٍ إِلى تَعلِيمِ المُدَرِّسِ حَتَّى يَقبَلَهُ وَيَنتَفِعَ بِهِ، أَمَّا إِذَا كَانَ أَمَامَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مِثلُهُ أَو أَحسَنُ مِنهُ، أَو أَنَّ المُعَلِّمَ نَاقِصٌ، فَإِنَّهُ لَن يَنتَفِعَ مِنهُ... وَهَذَا شَيءٌ مُجَرَّبٌ.

 

وَإِنَّهُ لَمِنَ الخَطَأِ الَّذِي لا يَلِيقُ بِالطَّالِبِ أَن يَكُونَ عَلَيهِ تَشَبُّهًا بِغَيرِهِ أَو تَقلِيدًا، أَن يَجتَرِئَ عَلَى مُعَلِّمِيهِ، أَو يَرفَعَ صَوتَهُ عَلَى مُدَرِّسِيهِ، أَو يَسُوءَ خُلُقُهُ وَتَكثُرَ مُشكِلاتُهُ مَعَ زُمَلائِهِ وَإِسَاءَتُهُ لَهُم، حَتَّى يَضطَرُّوا أَن يَحسِبُوا لَهُ حِسَابًا، أَو يَتَجَنَّبُوهُ وَيُعرِضُوا عَنهُ، وَلَرُبَّمَا دَخَلَ الطَّالِبُ بِهَذَا الوَصفِ فِيمَن ذَمَّهُمُ النَّبيُّ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ إِذْ قَالَ: "إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِندَ اللهِ مَنزِلَةً يَومَ القِيَامَةِ مَن تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ"؛ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.

 

وَقَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: "لَيسَ مِنَّا مَن لم يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ"؛ رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ، وَحَسَّنَهُ الأَلبَانيُّ.

 

وَمِنَ الآدَابِ الَّتي تُستَحَبُّ لِلطَّالِبِ في مَدرَسَتِهِ أَو جَامِعَتِهِ، أَن يَكُونَ نَظِيفًا في بَدَنِهِ وَمَلبَسِهِ، وَأَن يَجتَنِبَ المَلابِسَ الغَرِيبَةَ عَلَى مُجتَمَعِهِ، أَوِ التَّشَبُّهَ بِالكُفَّارِ أَوِ الفُسَّاقِ في إِطَالَةِ الشُّعُورِ أَو قَصِّهَا بِطَرِيقَةٍ مُقَزِّزَةٍ، أَو تَطوِيلِ ثَوبِهِ وَأَظفَارِهِ، وَأَن يَحرِصَ عَلَى التَّطَيُّبِ بِالطِّيبِ المُنَاسِبِ، وَأَن يُزِيلَ الرَّوَائِحَ الكَرِيهَةَ مِن جَسَدِهِ وَمَلابِسِهِ، وَلْيَعلَمْ أَنَّ كُلَّ هَذَا مِمَّا يَسُرُّ النَّفسَ وَيُبهِجُ الخَاطِرَ وَيُوَسِّعُ الصَّدرَ، وَبِهِ تَطمَئِنُّ النَّفسُ، وَيَكُونُ المَرءُ أَكثَرَ إِقبَالًا عَلَى العِلمِ وَأَشَدَّ اشتِيَاقًا إِلى الفَائِدَةِ، فَتَهيِئَةُ الجَسَدِ وَالمَلبَسِ وَتَزيِينُهُ وَالتَّطَيِّبُ، كُلُّ هَذَا مِمَّا يَمنَحُ النَّفسَ الاستِقرَارَ وَالهُدُوءَ وَالتَّوَازُنَ في التَّعُامُلِ، بِعَكسِ مَن لم يَهتَمَّ بِذَلِكَ وَخَرَجَ بِهَيئَةٍ غَيرِ حَسَنَةٍ وَلا صُورَةٍ مُقبُولَةٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُنَفِّرُ النَّاسَ مِنهُ وَيُزَهِّدُهُم فِيهِ، بَل وَقَد يَجعَلُهُ مَحَلَّ تَنَدُّرٍ وَسُخرِيَةٍ، فَيَنعَكِسُ ذَلِكَ عَلَيهِ وَيُؤَثِّرُ في نَفسِهِ، فَيُحِسُّ بِشَيءٍ مِنَ الغُربَةِ عَنهُم.

 

وَالعَاقِلُ مَن يَحرِصُ عَلَى أَن يُحِبَّ وَيُحَبَّ، وَأَن يُعطِيَ مَا عَلَيهِ لِلنَّاسِ مِنَ الحُقُوقِ؛ لِيَنَالَ بِذَلِكَ مَا لَهُ عَلَيهِم مِنَ حُقُوقٍ، وَأَحرَى النَّاسِ بِذَلِكَ هُمُ المُعَلِّمُونَ وَالمُتَعَلِّمُونَ.

 

وَمِنَ الآدَابِ الَّتي يَنبَغِي أَن يَأخُذَ بِهَا الطُّلاَّبُ أَن يَتَجَنَّبُوا اللَّعِبَ وَالعَبَثَ وَالتَّبَذُّلَ في أَثنَاءِ إِلقَاءِ مُعَلِّمِيهِم الدُّرُوسَ وَشَرحِهَا، وَمِن أَسوَأِ الطُّلاَّبِ وَأَقَلِّهِم مَنزِلَةً عِندَ المُعَلِّمِينَ، ذَاكَ الطَّالِبُ المَعرُوفُ بِالسُّخفِ وَكَثرَةِ الضَّحِكِ دُونَ سَبَبٍ، وَرَفعِ الصَّوتِ بِالقَهقَهَةِ، وَكَثرَةِ التَّنَدُّرِ بِزُمَلائِهِ وَالإِسرَافِ في المُزَاحِ وَإِدمَانِهِ، فَهَذَا يُفسِدُ سَيرَ الحِصَّةِ عَلَى مُعَلِّمِهِ، وَيَحرِمُ زُمَلاءَهُ مِنَ الفَائِدَةِ، وَالمَزحُ كَالمِلحِ، إِنَّمَا يُقبَلُ مِنهُ القَلِيلُ اليَسِيرُ في مَكَانِهِ وَأَوَانِهِ، وَبِحُدُودِهِ دُونَ تَجَاوُزٍ أَو تَقَصُّدٍ لِلنَّيلِ مِنَ الآخَرِينَ أَو تَنَقُّصٍ لَهُم أَوِ ازدِرَاءٍ أَوِ احتِقَارٍ، وَأَمَّا المُزَاحُ الَّذِي يَخرُجُ عَن حَدِّ الأَدَبِ وَطَرِيقَةِ أَهلِ العِلمِ، أَو يَكُونُ مُتَوَاصِلًا كَثِيرًا سَخِيفًا، فَإِنَّهُ يُوغِرُ الصُّدُورَ، وَيَجلِبُ الشُّرُورَ، بَل وَقَد يُؤَدِّي إِلى تَبَادُلِ الرُّدُودِ السَّاخِنَةِ وَالمُغَالَبَةِ، ثم حُدُوثِ الجَدَلِ وَالخِصَامِ وَالتَّلاحِي، وَكَثرَةُ المُزَاحِ وَاعتِيَادُ الضَّحِكِ، تَضَعُ مِن قَدرِ المَرءِ كَبِيرًا كَانَ أَو صَغِيرًا، وَتُزِيلُ عَنهُ وَصفَ الأَدَبِ وَجَمَالَ المَرُوءَةِ.

 

أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ أَيُّهَا الآبَاءُ وَالأَولِيَاءُ، وَلْنَحرِصْ عَلَى أَن يَتَخَلَّقَ أَبنَاؤُنَا بِالأَخلاقِ الجَمِيلَةِ وَيَتَأَدَّبُوا بِالآدَابِ الحَسَنَةِ، وَأَن يُحسِنُوا التَّعَامُلَ مَعَ مُعَلِّمِيهِم وَزُمَلائِهِم وَكُلِّ مَن حَولَهُم، فَإِنَّ أَبنَاءَنَا صُورَةٌ مِن بُيُوتِنَا، وَدَلِيلٌ عَلَى طَرِيقَتِنَا في التَّربِيَةِ، وَقَد قَالَ الشَّاعِرُ:

وَيَنشَأُ نَاشِئُ الفِتيَانِ فِينَا
عَلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ أَبُوهُ

فَعَوِّدُوا أَبنَاءَكُم كُلَّ صِفَةٍ جَمِيلَةٍ، وَحَذِّرُوهُم مِن كُلِّ تَصَرُّفٍ سَيِّئٍ وَرَذِيلَةٍ، وَأَدِّبُوهُم في صِغَرِهِم، يَصلُحْ أَمرُهُم في كِبَرِهِم، وَاصبِرُوا عَلَى تَأدِيبِهِم وَاحتَسِبُوا الأَجرَ في الإِنفَاقِ عَلَيهِم وَمُتَابَعَتِهِم، يَنفَعُوكُم وَيَنفَعُوا مُجتَمَعَهُم وَوَطَنَهُم وَأُمَّتَهُم، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الأنفال: 27 - 29].

 

الخطبة الثانية

أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالى وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ، وَاعلَمُوا أَنَّ أَفضَلَ مُعَلِّمٍ عَرَفَهُ البَشَرُ هُوَ نَبِيُّنَا محمدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَمِن ثَمَّ كَانَ هُوَ أَولى المُعَلِّمِينَ بِأَن تُعرَفَ حُقُوقُهُ وَتُؤَدَّى كَامِلَةً؛ لأَنَّهَا حُقُوقٌ أَوجَبَهَا اللهُ تَعَالى عَلَى كُلِّ فَردٍ مِن أَفرَادِ أُمَّتِهِ؛ لأَنَّهُ مَا مِن أَحَدٍ إِلاَّ وَلَهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ فَضلٌ عَلَيهِ، يُقَابِلُهُ حَقٌّ لا بُدَّ مِن أَدَائِهِ طَاعَةً للهِ، فَهُوَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ الهَادِي الَّذِي دَلَّ الأُمَّةَ عَلَى كُلِّ خَيرٍ وَحَذَّرَهَا مِن كُلِّ شَرٍّ.

 

الإِيمَانُ بِهِ وَمَحَبَّتُهُ، وَطَاعَتُهُ وَمُتَابَعَتُهُ، وَالاقتِدَاءُ بِهِ وَالسَّيرُ عَلَى سُنَّتِهِ، وَتَوقِيرُهُ وَتَعظِيمُ شَأنِهِ، وَوُجُوبُ النُّصحِ لَهُ، وَمَحَبَّةُ آلِ بَيتِهِ، وَمَحَبَّةُ أَصحَابِهِ، وَالذَّبُّ عَنهُ وَالرَّدُّ عَن عِرضِهِ.

 

كُلُّ هَذِهِ حُقُوقٌ وَاجِبَةٌ عَلَى أُمَّتِهِ، وَالأَدِلَّةُ عَلَيهَا مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ظَاهِرَةٌ مُتَوَافِرَةٌ، قَالَ تَعَالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا ﴾ [التغابن: 8]، وَقَالَ تَعَالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [الأعراف: 158]، وَقَالَ تَعَالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 24]، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "لا يُؤمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيهِ مِن وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ"؛ رَوَاهُ مُسلِمٌ.

 

وَقَالَ تَعَالى: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ﴾ [آل عمران: 32]، وَقَالَ تَعَالى: ﴿ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [الأعراف: 158]، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "كُلُّ أُمَّتي يَدخُلُونَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَن أَبى"، قَالُوا وَمَن يَأبى يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "مَن أَطَاعَني دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَن عَصَاني فَقَد أَبى"؛ رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

 

وَمِن أَظهَرِ عَلامَاتِ المُتَابَعَةِ لَهُ، تَركُ البِدَعِ وَاتِّبَاعُ سُنَّتِهِ وَسُنَّةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، قَالَ تَعَالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21]، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الفتح: 8، 9]، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [الحجرات: 2].

 

وَإِنَّ مِنَ البِدَعِ الَّتي ظَهَرَت بَعدَهُ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ وَبَعدَ القُرُونِ المُفَضَّلَةِ، وَابتَدَعَهَا العُبَيدِيُّونَ الرَّافِضَةُ في القَرنِ الرَّابِعِ، مَا يُسَمَّى بِالمَولِدِ النَّبَوِيِّ، وَهِيَ بِدعَةٌ شَنِيعَةٌ وَمُحدَثَةٌ لا أَصلَ لَهَا في الشَّرِيعَةِ، وَإِنِ ادَّعَى أَصحَابُهَا أَنَّهُم يَفعَلُونَهَا مَحَبَّةً لِرَسُولِ اللهِ، فَهُم في الحَقِيقَةِ غَيرُ صَادِقِينَ، إِذِ المَحَبَّةُ الحَقِيقِيَّةُ في اتِّبَاعِهِ وَعَدَمِ التَّقَدُّمِ عَلَى أَمرِهِ وَنَهيِهِ، قَالَ تَعَالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ * إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 31 - 33].

 

وَإِنَّ مَا يَحصُلُ في هَذَا الاحتِفَالِ البِدْعِيِّ مِن غِنَاءٍ وَرَقصٍ وَاختِلاطِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَابتِهَالٍ وَدُعَاءٍ وَتَوَسُّلِ بِغَيرِ اللهِ، لَيَكفِي في بَيَانِ سُوءٍ غَايَةِ مَنِ ابتَدَعَهُ، وَتَشَبُّهِهِم بِالنَّصَارَى في ذَلِكَ، فَلْيَحذَرِ المُسلِمُونَ مِنَ الابتِدَاعِ، وَلْيَكُونُوا أَهلَ سُنَّةٍ وَاتِّبَاعٍ.

 

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم وَمُعَلِّمِكُمُ الخَيرَ، فَإِنَّ هَذَا مِن حُقُوقِهِ عَلَيكُم، قَالَ رَبُّكُم تَبَارَكَ وَتَعَالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: "رَغِمَ أَنفُ امرِئٍ ذُكِرتُ عِندَهُ فَلَم يُصَلِّ عَلَيَّ"؛ رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • هيا إلى المدارس ( قصيدة للأطفال )
  • عودة المدارس آداب وتوجيهات (خطبة)
  • المدارس الإسلامية بين التبعية والذاتية
  • تعليم الأبناء في المدارس العالمية والأجنبية
  • تمكين التوجيه الطلابي بالمدارس

مختارات من الشبكة

  • العودة إلى بدء الوحي: سبيل الأمة للخروج من أزمتها الراهنة(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أصل الداء وسبيل الشفاء: أزمة الأمة بين الانحراف في العبودية والعودة إلى الله(مقالة - آفاق الشريعة)
  • وساوس للعودة للمعاصي(استشارة - الاستشارات)
  • سفر بلا عودة.. وانتظار لم يتحقق(مقالة - حضارة الكلمة)
  • توبة الأمة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الإنترنت والعودة إلى المعاصي(استشارة - الاستشارات)
  • ضعف المسلمين... بين لحظة المحنة وطريق العودة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مشروعية الأعياد في الإسلام(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فضائل العشر الأوائل من ذي الحجة(مقالة - ملفات خاصة)
  • {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون}(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • بعد 13 عاما حلم أسرة يتحول إلى أول مسجد في سوتوفو
  • مسجد الأنجام يضيف صرحا إسلاميا جديدا إلى زيلينودولسك
  • شباب المسلمين في ملبورن على موعد مع مؤتمر «تحديات، مسؤوليات، تأثير»
  • بعد 129 عاما مسجد رجب التاريخي يتجدد في تتارستان
  • آلاف الأطفال يتنافسون في القرآن والمعرفة الإسلامية في أقاليم بلغاريا
  • انطلاق الدورة الـ18 من المدرسة اليومية لتعليم أساسيات الإسلام بتتارستان
  • ندوة نسائية في كاكانج تناقش بناء الأسرة على هدي القرآن والسنة
  • معلمو التربية الإسلامية في بانيا لوكا يبحثون توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 24/3/1448هـ - الساعة: 14:2
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب