• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | أسرة   تربية   روافد   من ثمرات المواقع   قضايا المجتمع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    الروغان الإبراهيمي.. فقه المبادرة في شخصية خليل ...
    سعيد بن محمد آل ثابت
  •  
    العلم اليقيني يصدر عن خبرة {ولا ينبئك مثل خبير}
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    لماذا يفقد الإنسان توازنه؟
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    حين نطالب الشاب أن يكون نفسه بنفسه ... ولم نمهد ...
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    أمام الشاشات والضجيج... أين يقف القلب
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    درجات الانحراف السلوكي
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    ظاهرة السيطرة على المساجد: قراءة متكاملة في ...
    محمد حسين حسن
  •  
    لماذا مشاعر الشباب أقوى من غيرهم؟
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    الفرق بين الانحراف السلوكي والانحراف العقدي ...
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    ظاهرة الاحتيال في تجهيز العروس بين الغش والتدليس
    محمد حسين حسن
  •  
    التفكير التأملي وعلاقته بالتوجه الإيجابي لدى ...
    د. أسامة سيد محمد زكي
  •  
    الفرق بين الخطأ العارض والانحراف المتكرر
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    خطورة التنمر وأهم أضراره
    د. حسام العيسوي سنيد
  •  
    طلاق لا عداء
    محمد حسين حسن
  •  
    كيف يفهم الشاب نفسه ليحقق توازنه؟
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    مداحم الجنوب يلين القلوب!
    نورة سليمان عبدالله
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / السيرة والتاريخ / رجالات الإسلام
علامة باركود

سعد بن معاذ رضى الله عنه وأرضاه (خطبة)

سعد بن معاذ رضى الله عنه وأرضاه (خطبة)
د. محمد حرز

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 28/9/2026 ميلادي - 17/4/1448 هجري

الزيارات: 2461

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ


إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102].

أَمَّا بَعْدُ:

عِبَادَ اللهِ عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ مَنْجَاةٌ مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ، وَعِصْمَةٌ مِنْ كُلِّ ضَلاَلَةٍ، وَبِتَقْوَى اللهِ فَازَ الْفَائِزُونَ، وَظَفَرَ الرَّاغِبُونَ، وَنَجَا الْهَارِبُونَ، وَأَدْرَكَ الطَّالِبُونَ، وَبِتَرْكِهَا خَسِرَ الْمُبْطِلُونَ ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128]"..


عِبَادَ اللهِ: (أَئِمَّةُ الهُدَى وَمَصَابِيحُ الدُّجَى) سِلْسِلَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ مُبَارَكَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ وَالأُسْلُوبِ الوَعْظِيِّ، أَعْرِضُهَا لِحَضْرَتِكُمْ بِأُسْلُوبٍ سَهْلٍ سَلِسٍ لِنَتَعَرَّفَ مِنْ خِلَالِهَا عَلَى الأَئِمَّةِ الأَخْيَارِ، عَلَى الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ وَالقُدْوَةِ الطَّيِّبَةِ، (سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ)، عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا..

عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

أَوَّلًا: سَعْدٌ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَعْدٌ!!!

ثَانِيًا: مَوَاقِفُ مُضِيئَةٌ فِي حَيَاةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ!

ثَالِثًا وَأَخِيرًا: وَكَيْفَ يُنْسَى سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ؟!!

أَيُّهَا السَّادَةُ: بَدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنِ: سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ! وَخَاصَّةً سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ هُوَ أَحَدُ أَصْحَابِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِينَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ قَائِلًا: ﴿ (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ﴾ (التَّوْبَةِ: 100)، وَخَاصَّةً إِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هُمْ أَبَرُّ النَّاسِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقُهُمْ عِلْمًا، وَأَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَالْيَوْمَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ نُرِيدُ أَنْ نَقْتَرِبَ مِنْ أُولَئِكَ الرِّجَالِ الْأَبْرَارِ، لِنَسْتَقْبِلَ فِيهِمْ أَرْوَعَ نَمَاذِجِ الْبَشَرِيَّةِ، وَلِنَرَى فِي سِيرَتِهِمْ أَسْمَى مَا عَرَفَتِ الْبَشَرِيَّةُ مِنْ عَظَمَةٍ وَنُبْلٍ وَرَشَادٍ، نَقْتَرِبُ مِنْهُمْ لِنَرَى إِيمَانَهُمْ، وَثَبَاتَهُمْ، وَبُطُولَاتِهِمْ، وَوَلَاءَهُمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، لِنَرَى الْبَذْلَ الَّذِي بَذَلُوا، وَالْهَوْلَ الَّذِي احْتَمَلُوا، وَالْفَوْزَ الَّذِي أَحْرَزُوا، نَرَى الدَّوْرَ الْجَلِيلَ الَّذِي نَهَضُوا بِهِ لِتَحْرِيرِ الْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا مِنْ وَثَنِيَّةِ الضَّمِيرِ، وَضَيَاعِ الْمَصِيرِ، حَقًّا، إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ فَزَادَهُمُ اللَّهُ هُدًى. وَخَاصَّةً مَا زِلْنَا وَإِيَّاكُمْ نَعِيشُ مَعَ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الَّذِينَ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِيَكُونُوا صَحَابَةً لِخَيْرِ الْبَشَرِ، هُمْ قُدْوَاتُنَا، هُمْ قَادَاتُنَا، مَدَحَهُمُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الْفَتْحِ: 29] مَعَ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الَّذِينَ كَانُوا لِلدِّينِ حُمَاةً بَرَرَةً، وَلِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْصَارًا عُظَمَاءَ، فَكَانُوا خَيْرَ الْقُرُونِ.

أَوَّلًا: سَعْدٌ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَعْدٌ!!!

أَيُّهَا السَّادَةُ:حَدِيثُنَا الْيَوْمَ عَنْ رَجُلٍ بَهَرَ النَّاسَ بِشَجَاعَتِهِ، وَفَاقَ الْكَثِيرَ بِحِنْكَتِهِ وَحُسْنِ قِيَادَتِهِ، وَبَزَّهُمْ بِبَيَانِهِ وَرَأْيِهِ وَحِكْمَتِهِ، كَانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مِنْ أَقْوَى النَّاسِ جَنَانًا، وَأَصْدَقِهِمْ هُدًى وَبَيَانًا، يَعْشَقُ الْعِزَّةَ، وَيَأْبَى الضَّيْمَ، قَائِدٌ هِمَامٌ وَأَسَدٌ ضِرْغَامٌ، تَسَابَقَتِ الْمَلَائِكَةُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وَاهْتَزَّ لِمَوْتِهِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، مَاتَ وَلَمَّا يَبْلُغِ الْأَرْبَعِينَ، إِنَّهُ الصَّادِقُ الصَّدُوقُ، عَدُوُّ الْيَهُودِ، وَسَيِّدُ الْأَوْسِ: سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَشْهَلِيُّ الْأَوْسِيُّ الْأَنْصَارِيُّ، الْبَطَلُ الشَّهِيرُ، وَصَاحِبُ الْعَقْلِ الْكَبِيرِ، الْأَمِيرُ الْقَائِدُ، وَالْبَطَلُ الْمُجَاهِدُ، الَّذِي خَرَجَ مِنْ رَعِيلٍ لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، كَمَا قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «الْأَنْصَارُ لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).


إِنَّهُمُ الْقَوْمُ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ، يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ، وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا، وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، مَنْ كَانُوا لِلدِّينِ حُمَاةً بَرَرَةً، وَلِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْصَارًا عُظَمَاءَ، حَتَّى كَافَأَهُمُ الْمُصْطَفَى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِدُعَائِهِ الْمُبَارَكِ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ، وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ». الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ سَيِّدُنَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ الَّذِينَ لَهُمْ مَكَانَةٌ رَفِيعَةٌ فِي الْإِسْلَامِ. كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّهُ وَيُعْطِيهِ قِيمَةً كَبِيرَةً، وَكَانَ لَهُ الْفَضْلُ فِي إِسْلَامِ قَوْمِهِ جَمِيعًا الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ احْتِرَامًا لَهُ. ثُمَّ جَعَلَ دَارَهُ مَقَرًّا لِنَشْرِ الدَّعْوَةِ بَيْنَ بَاقِي الْأَنْصَارِ، كَمَا كَانَ لَهُ ثِقْلُهُ فِي يَثْرِبَ وَكَلِمَتُهُ مَسْمُوعَةٌ.


أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَمَاتَ وَهُوَ شَابٌّ فِي السَّابِعَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمُرِهِ، وَكَانَتْ مُدَّةُ إِسْلَامِهِ لَا تَزِيدُ عَنْ سَبْعِ سَنَوَاتٍ. أُمُّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: كَبْشَةُ بِنْتُ رَافِعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّةُ، وَهِيَ مِنَ الصَّحَابِيَّاتِ اللَّاتِي بَايَعْنَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. كَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَجُلاً أَبْيَض، طَويلاً، جَمِيلاً، حَسَنَ الْوَجْهِ، جميلَ العينين، حَسَنَ اللِّحْيَةِ. كان لسعدِ بْنِ مُعَاذ من الولد: عَمْرو، وعبد الله، وأمهما هِنْدُ بِنْتُ سِمَاكِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ، الأنْصَاريَّةُ، وَهِيَ عَمَّةُ أُسَيْدِ بْنِ الْحُضَيْرِ بْنِ سِمَاكِ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُبَايِعَاتِ للنبي صلى الله عليه وسلم.


أسْلَمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ عَلَى يَدِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ. وَكَانَ مُصْعَبٌ قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَبْلَ السَّبْعِينَ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ الآخِرَةِ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الإِسْلامِ وَيُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. آخى النّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين سعدِ بنِ مُعاذ وأبي عُبَيْدة بن الجرّاح، بعد الهجرة.


كَفَى سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ شَرَفًا وَمَنْزِلَةً أَنْ يَكُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ شَهِدُوا غَزْوَةَ بَدْرٍ. رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، (وَذَلِكَ فِي قِصَّةِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ) أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». (مُسْلِمٌ).


وَكَفَى سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ شَرَفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ: رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جُبَّةُ سُنْدُسٍ، وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا» (البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ). قال الإمامُ النووي رحمه الله: قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا الحديث فيه إِشَارَةٌ إِلَى عَظِيمِ مَنْزِلَةِ سَعْدٍ فِي الْجَنَّةِ وَأَنَّ أَدْنَى ثِيَابِهِ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ هَذِهِ، لِأَنَّ الْمِنْدِيلَ أَدْنَى الثِّيَابِ، لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِلْوَسَخِ وَالِامْتِهَانِ، فَغَيْرُهُ أَفْضَلُ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْجَنَّةِ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.


سَعْدٌ يُوَافِقُ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى: رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ (هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ)، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ، فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ»، فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ، قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ، وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ، قَالَ: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ».


وَمِنْ فضائل سَيِّدِنَا سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَنَا مِمَّنْ حَفَرَ لِسَعْدٍ قَبْرَهُ بِالْبَقِيعِ، وَكَانَ يَفُوحُ عَلَيْنَا الْمِسْكُ كُلَّمَا حَفَرْنَا قَتْرَةً مِنْ تُرَابٍ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى اللَّحْدِ.

ضَمَّةُ الْقَبْرِ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: رَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً، لَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا نَجَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ» (حَدِيثٌ صَحِيحٌ).

اهْتِزَازُ عَرْشِ الرَّحْمَنِ لِوَفَاةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ». قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ» اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَاهْتِزَازُ الْعَرْشِ تَحَرُّكُهُ فَرَحًا بِقُدُومِ رُوحِ سَعْدٍ، وَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْعَرْشِ تَمْيِيزًا حَصَلَ بِهِ هَذَا، وَلَا مَانِعَ مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ. (شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ) وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ.


الْمَلَائِكَةُ تَشْهَدُ جَنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ» (حَدِيثٌ صَحِيحٌ). وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا حُمِلَتْ جَنَازَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ الْمُنَافِقُونَ: مَا أَخَفَّ جَنَازَتَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تَحْمِلُهُ» (حَدِيثٌ صَحِيحٌ).

ثَانِيًا: مَوَاقِفُ مُضِيئَةٌ فِي حَيَاةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ!

أَيُّهَا السَّادَةُ: لَقَدْ كَانَتْ لِسَعْدٍ فِي الْإِسْلَامِ مَوَاقِفُ عَظِيمَةٌ وَخَالِدَةٌ، وَسَنَعِيشُ مَعَ بَعْضِهَا.


الْمَوْقِفُ الْأَوَّلُ مِنْ حَيَاةِ هَذَا الصَّحَابِيِّ الْجَلِيلِ: يَوْمُ إِسْلَامِهِ: أَرْسَلَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى الْمَدِينَةِ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، أَرْسَلَهُ يَدْعُو إِلَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَتْلُو عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَدَخَلَ عَلَى يَدَيْهِ الْكَثِيرُ فِي دِينِ اللَّهِ. وَحِينَمَا عَلِمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ غَضِبَ، وَقَالَ: (مَنْ هَذَا الَّذِي يَجْرِي بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا، يُفْتِنُ الضُّعَفَاءَ مِنَّا وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ دِينِهِمْ وَدِينِ آبَائِهِمْ؟) وَأَخَذَ حَرْبَتَهُ يُرِيدُ شَيْئًا وَاللَّهُ يُرِيدُ شَيْئًا آخَرَ، وَاللَّهُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، أَقْبَلَ وَالْمَوْتُ فِي حَرْبَتِهِ. وَلَمَّا وَقَفَ أَمَامَ مُصْعَبٍ مُتَشَتِّمًا يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ شَدِيدٍ وَعَنِيفٍ، قَالَ: «اتْرُكُوا دِيَارَنَا»، قَالَ مُصْعَبٌ: «أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟» قَالَ: «وَمَا غَيْرُ ذَلِكَ؟» قَالَ: «تَجْلِسُ فَتَسْمَعُ مِنَّا، فَإِنْ أَعْجَبَكَ مَا قُلْنَاهُ فَقَبِلْتَهُ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ عَجَّلْنَا عَنْكَ مَا تَكْرَهُ»، قَالَ سَعْدٌ: «أَنْصَفْتَ».فَجَلَسَ وَتَلَا عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَدَخَلَ إِلَى شَغَافِ قَلْبِهِ: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [يُونُسَ: 57]. وَعُرِضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، فَانْفَرَجَتْ أَسَارِيرُهُ، وَظَهَرَ التَّأَثُّرُ، فَقَالَ: مَا الَّذِي يُطْلَبُ مِنَ الْإِنْسَانِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ دِينَكُمْ هَذَا؟ قِيلَ لَهُ: تَذْهَبُ فَتَغْتَسِلُ وَتَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، فَفَعَلَ ذَلِكَ وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَكَسَبَ الْإِسْلَامُ رَجُلًا بَطَلًا، وَمُجَاهِدًا عَظِيمًا، بَلَغَ بِهِ الْحَالُ إِلَى أَنْ اهْتَزَّ عَرْشُ ذِي الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ وَالْكَمَالِ لِمَوْتِهِ، فَجَمَعَنَا اللَّهُ بِهِ فِي حُسْنِ الْمَآلِ. ثُمَّ رَجَعَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ إِلَى قَوْمِهِ، فَجَمَعَهُمْ فِي دَارِهِ، وَقَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، مَا أَمْرِي فِيكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا، وَأَيْمَنُنَا نَقِيبًا، قَالَ: «إِنَّ كَلَامَكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ، رِجَالُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ». فَقَالُوا جَمِيعًا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَأَصْبَحُوا أُمَّةً وَاحِدَةً فِي الْإِسْلَامِ. فَلَمْ يَكُنْ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ، فَصَارُوا فِي كَفَّةِ حَسَنَاتِهِ وَمِيزَانِ بَرَكَاتِهِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.


الْمَوْقِفُ الثَّانِي مِنْ حَيَاةِ هَذَا الرَّجُلِ الْعَظِيمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: يَوْمُ بَدْرٍ: يَوْمُ الْفُرْقَانِ، يَوْمُ التَقَى الْجَمْعَانِ.. مَنْ يَنْسَى مِنْكُمْ بَدْرًا؟! وَهَلْ بَدْرٌ تُنْسَى؟! بَدْرٌ رَفَعَتْ رُؤُوسَنَا، وَسَحَقَتْ أَعْدَاءَنَا، وَكَتَبَتْ لَنَا تَارِيخًا، قَائِدُهَا مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَالْقِيَادَةُ الْعُلْيَا عِنْدَ جِبْرِيلَ، وَبَيَّضَ اللَّهُ وَجْهَ حَسَّانَ حَيْثُ يَقُولُ:

وَبِيَوْمِ بَدْرٍ إِذْ يَصُدُّ وُجُوهَهُمْ
جِبْرِيلُ تَحْتَ لِوَائِنَا وَمُحَمَّدُ

فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَأْيَ الْأَنْصَارِ فِي الْخُرُوجِ مِنَ الْمَدِينَةِ لِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ فِي بَدْرٍ، قَالَ: «أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ»، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَالْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالُوا خَيْرًا وَأَحْسَنُوا، فَدَعَا لَهُمُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ قَالَ: «أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ». فَقَالَ سَعْدٌ صَاحِبُ الثَّلَاثِينَ سَنَةً: وَاللَّهِ كَأَنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَجَلْ». فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أَرَدْتَ فَنَحْنُ مَعَكَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، وَإِنَّا لَقَوْمٌ صُبُرٌ فِي الْحَرْبِ، صُدُقٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُرِيَكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ. فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِكَلاَمِ سَعْدٍ، وَاسْتَنَارَ وَجْهُهُ كَأَنَّهُ فِلْقَةُ قَمَرٍ، وَقَالَ: «سِيرُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَرَى مَصَارِعَ الْقَوْمِ». وَوَقَفَ سَعْدٌ يُنَافِحُ عَنِ الْإِسْلَامِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَنَصَرَ اللَّهُ الْحَقَّ، وَرُفِعَتْ كَلِمَةُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. ثُمَّ اعْلَمْ -رَعَاكَ اللَّهُ- إِنْ كَانَ عِنْدَكَ أَحَدٌ أَعَزُّ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ رَسُولِهِ وَأَحَبُّ وَأَكْرَمُ؛ فَأَحْسَنَ اللَّهُ عَزَاءَكَ فِي إِيمَانِكَ! فَإِنَّهُ لَا زَوْجَةَ وَلَا أَهْلَ وَلَا مَالَ وَلَا أَبْنَاءَ وَلَا دَارَ وَلَا وَظِيفَةَ أَفْضَلَ وَأَعَزَّ وَأَرْفَعَ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التَّوْبَةِ: 24]. وَأَنَّ مَنِ اسْتَبْدَلَ رِضَا اللَّهِ بِرِضَا النَّاسِ، وَدِينَهُ بِدُنْيَاهُ، فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا، فَكَيْفَ إِذَا كَانَتِ الْمُفَاضَلَةُ بَيْنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَبَيْنَ كُلِّ مَا فِي الْحَيَاةِ؟!


الْمَوْقِفُ الثَّالِثُ مِنْ حَيَاةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: فِي غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ:

وَفِي غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ، الَّتِي جَاءَتْ فِيهَا قُرَيْشٌ وَأَحَابِيشُهَا، وَغَطَفَانُ وَأَتْبَاعُهَا، فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنَ الْمُقَاتِلِينَ لِيَغْزُوا النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابَهُ فِي عَقْرِ دَارِهِمْ، لَا يُرِيدُونَ أَنْ يُبْقُوا فِيهِمْ بَاقِيَةً. وَكَانَ الْمُفْتَرَضُ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَنْ يَكُونَ يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ الَّذِينَ يَعِيشُونَ فِي ضَوَاحِي الْمَدِينَةِ وَأَطْرَافِهَا، أَنْ يَكُونُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ضِدَّ أَيِّ هُجُومٍ عَلَى الْمَدِينَةِ بِالْمَالِ وَبِالسِّلَاحِ وَبِالرِّجَالِ إِذَا احْتَاجَ الرِّجَالَ، لِأَنَّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَهْدًا وَمِيثَاقًا. وَلَكِنَّ الْيَهُودَ انْتَهَزُوا الْفُرْصَةَ، وَقَالُوا: هَذَا الْجَيْشُ الْعَرْمَرَمُ الَّذِي يَغْزُو الْمَدِينَةَ، إِنَّهَا فُرْصَةٌ لَا تُعَوَّضُ أَنْ نَنْضَمَّ إِلَى هَذَا الْجَيْشِ، وَنُطْبِقَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ فَلَا تَقُومَ لَهُمْ قَائِمَةٌ، وَأَعْلَنُوا غَدْرَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ، وَنَقْضَهُمْ لِلْمُعَاهَدَةِ. وَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَعْدًا، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الْأَوْسِ، عَسَى أَنْ يَثُوبُوا إِلَى رُشْدِهِمْ وَيُرَاجِعُوا أَنْفُسَهُمْ وَيَعُودُوا إِلَى الصَّوَابِ، فَحَدَّثُوهُمْ عَنْ عَهْدِهِمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، فَرَدَّ الْيَهُودُ قَائِلِينَ: مَنْ رَسُولُ اللَّهِ؟ لَا نَعْرِفُ أَحَدًا، لَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَحَدٍ عَهْدٌ، وَأَسَاءُوا الْقَوْلَ وَأَسَاءُوا الْفِعْلَ وَرَدُّوا أَسْوَأَ الرَّدِّ. فَعَادَ سَعْدٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وَهُوَ يَدْعُو عَلَيْهِمْ وَيَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْهُمْ، وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ بِغَدْرِهِمُ الْمُعْلَنِ الْمُجَاهِرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَبْشِرُوا، إِنَّ هَذَا الْغَدْرَ يُبَشِّرُ بِخَيْرٍ؛ لِأَنَّهُ دَائِمًا مَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ». وَفِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ، عَاشَ الْمُسْلِمُونَ أَيَّامًا عَصِيبَةً، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ ﴾ [الْأَحْزَابِ: 10]. وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابِهِ، حَتَّى فَكَّرَ أَنْ يُفَرِّقَ الْمُهَاجِمِينَ، فَأَرْسَلَ إِلَى غَطَفَانَ يُفَاوِضُهُمْ فِي أَنْ يُعْطِيَهُمْ ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ وَيَرْجِعُوا. وَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- السَّعْدَيْنِ: سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهَذَا وَحْيٌ أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيْكَ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَ عَنْهُ أَوْ نَتَأَخَّرَ؟ أَمْ هُوَ أَمْرٌ رَأَيْتَهُ شَفَقَةً عَلَيْنَا؟ قَالَ: «بَلْ هُوَ رَأْيٌ رَأَيْتُهُ شَفَقَةً عَلَيْكُمْ». فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُنَّا مَعَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَيَعْبُدُونَهَا، وَمَا يَطْمَعُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَأْكُلَ ثَمَرَةً مِنْ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ إِلَّا بَيْعًا أَوْ قِرًى، فَكَيْفَ بَعْدَ أَنْ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ نُعْطِيهِمُ الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا؟ لَا وَاللَّهِ لَا يَكُونُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ إِلَّا السَّيْفُ. اللَّهُ أَكْبَرُ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ بِهَذِهِ الرِّجَالِيَّةِ، وَعَلِمَ أَنَّ مَعَهُ رِجَالًا صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ.


وَأَثْنَاءَ الْغَزْوَةِ أَرْسَلَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ سَهْمَهُ فِي ذِرَاعِ سَعْدٍ فَأَصَابَ أَكْحَلَهُ، فَانْفَجَرَ الدَّمُ مِنْ هَذَا الْعِرْقِ، كَوَاهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمْ يُفْلِحِ الْكَيُّ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى الْمَسْجِدِ يُمَرِّضُهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَمُرُّ عَلَيْهِ فِي الصَّبَاحِ فَيَقُولُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ، وَيَمُرُّ عَلَيْهِ فِي الْمَسَاءِ فَيَقُولُ: كَيْفَ أَمْسَيْتَ. ثُمَّ بَعْدَ أَنْ رَدَّ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ، وَسَكَنَتِ الْأُمُورُ، بَقِيَ جُرْحُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ يَثْغَبُ دَمًا فَتَرَةً، فَنَظَرَ سَعْدٌ إِلَى جُرْحِهِ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ قَدْ أَبْقَيْتَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا فَأَبْقِنِي حَتَّى أَشْهَدَهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْزُوَ قَوْمًا كَذَّبُوا رَسُولَكَ وَآذَوْهُ وَعَذَّبُوهُ وَأَخْرَجُوهُ، وَإِنْ كُنْتَ لَمْ تُقَدِّرْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قُرَيْشٍ حَرْبًا فَافْجُرْ هَذِهِ الْجِرَاحَةَ وَاجْعَلْهَا شَهَادَةً لِي، وَلَا تُمِتْنِي يَا رَبِّ حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ»؛ فَتَوَقَّفَ الدَّمُ. وَبَعْدَ انْتِهَاءِ الْمَعْرَكَةِ، اسْتَشَارَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فِي أَمْرِ حُلَفَائِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَفَرِحَ بَنُو قُرَيْظَةَ وَظَنُّوا أَنَّهُ سَيُجَامِلُهُمْ، وَقَالُوا: رَضِينَا بِحُكْمِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «احْكُمْ فِيهِمْ يَا سَعْدُ». فَقَالَ سَعْدٌ: «لَقَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَنْ لَا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ»، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا إِنِّي أَحْكُمُ أَنْ يُقْتَلَ مُقَاتِلُوهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ، وَتُغْنَمَ أَمْوَالُهُمْ». اللَّهُ أَكْبَرُ، لَيْسَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُوَالِيَ وَيُجَامِلَ أَعْدَاءَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ نَقَضُوا الْعُهُودَ وَخَانُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ».


وَمِنْ مَوَاقِفِهِ الْعَظِيمَةِ: مُوَاجَهَتُهُ لِأَهْلِ الْكُفْرِ بِمَكَّةَ:روى البخاريُّ عَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ صَدِيقًا لِأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا مَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ، وَكَانَ سَعْدٌ إِذَا مَرَّ بِمَكَّةَ نَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ انْطَلَقَ سَعْدٌ مُعْتَمِرًا، فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ لِأُمَيَّةَ: انْظُرْ لِي سَاعَةَ خَلْوَةٍ لَعَلِّي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ، فَخَرَجَ بِهِ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ، فَلَقِيَهُمَا أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا صَفْوَانَ، مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ فَقَالَ هَذَا سَعْدٌ، فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: أَلَا أَرَاكَ تَطُوفُ بِمَكَّةَ آمِنًا، وَقَدْ أَوَيْتُمُ الصُّبَاةَ، وَزَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَنْصُرُونَهُمْ وَتُعِينُونَهُمْ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّكَ مَعَ أَبِي صَفْوَانَ مَا رَجَعْتَ إِلَى أَهْلِكَ سَالِمًا، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ وَرَفَعَ صَوْتَهُ عَلَيْهِ: أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ مَنَعْتَنِي هَذَا لَأَمْنَعَنَّكَ مَا هُوَ أَشَدُّ عَلَيْكَ مِنْهُ، طَرِيقَكَ عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ: لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ يَا سَعْدُ عَلَى أَبِي الحَكَمِ، سَيِّدِ أَهْلِ الوَادِي، فَقَالَ سَعْدٌ: دَعْنَا عَنْكَ يَا أُمَيَّةُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّهُمْ قَاتِلُوكَ»، قَالَ: بِمَكَّةَ؟ قَالَ: لاَ أَدْرِي، فَفَزِعَ لِذَلِكَ أُمَيَّةُ فَزَعًا شَدِيدًا، فَلَمَّا رَجَعَ أُمَيَّةُ إِلَى أَهْلِهِ، قَالَ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ، أَلَمْ تَرَيْ مَا قَالَ لِي سَعْدٌ؟ قَالَتْ: وَمَا قَالَ لَكَ؟ قَالَ: زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ قَاتِلِيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: بِمَكَّةَ، قَالَ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ أُمَيَّةُ: وَاللَّهِ لَا أَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ اسْتَنْفَرَ أَبُو جَهْلٍ النَّاسَ، قَالَ: أَدْرِكُوا عِيرَكُمْ؟ فَكَرِهَ أُمَيَّةُ أَنْ يَخْرُجَ، فَأَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: يَا أَبَا صَفْوَانَ، إِنَّكَ مَتَى مَا يَرَاكَ النَّاسُ قَدْ تَخَلَّفْتَ، وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ الوَادِي، تَخَلَّفُوا مَعَكَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ أَبُو جَهْلٍ حَتَّى قَالَ: أَمَّا إِذْ غَلَبْتَنِي، فَوَاللَّهِ لَأَشْتَرِيَنَّ أَجْوَدَ بَعِيرٍ بِمَكَّةَ، ثُمَّ قَالَ أُمَيَّةُ: يَا أُمَّ صَفْوَانَ جَهِّزِينِي، فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا صَفْوَانَ، وَقَدْ نَسِيتَ مَا قَالَ لَكَ أَخُوكَ اليَثْرِبِيُّ؟ قَالَ: لَا مَا أُرِيدُ أَنْ أَجُوزَ مَعَهُمْ إِلَّا قَرِيبًا، فَلَمَّا خَرَجَ أُمَيَّةُ أَخَذَ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلًا إِلَّا عَقَلَ بَعِيرَهُ، فَلَمْ يَزَلْ بِذَلِكَ حَتَّى قَتَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِبَدْرٍ. (البخاري) فرَضيَ اللهُ عَنِ سعد بن معاذ وأَرضَاهُ، ورَضِيَ عَنِ الصَّحبِ الكِرَامِ والآلِ الطَّيبِينَ الطَّاهِرِينَ.. والحمدُ للهِ رَبَّ العَالِمَينَ.

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ للهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا ويَرْضَى، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَلِيُّ الأَعلَى، وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ صلَّى اللهُ عَليهِ في الآخِرةِ والأُولَى، أَمَّا بَعْدُ:

ثَالِثًا وَأَخِيرًا: وَكَيْفَ يُنْسَى سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ؟!!

أَيُّهَا السَّادَةُ: وَفِي يَوْمِ الْخَنْدَقِ يُصَابُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بِسَهْمٍ فِي ذِرَاعِهِ فَيَقْطَعُ أَكْحَلَهُ، فَيَنْزِفُ دَمًا غَزِيرًا، وَتَدْنُو لَحَظَاتُ الْمَوْتِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَفْقِدُ الْأَمَلَ، وَلَا يَتَذَرَّعُ بِالْأَلَمِ، بَلْ يَصْنَعُ الطُّمُوحَ فِي وَقْتِ الْأَلَمِ وَالْجُرُوحِ، وَيَسْمُو لِلْقِمَمِ بِعُلُوِّ الْهِمَمِ، وَيُبْقِي الْعَزِيمَةَ وَلَا يَرْضَى بِالْهَزِيمَةِ؛ فَيَدْعُو بِدُعَاءٍ عَجِيبٍ: «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ أَبْقَيْتَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْئًا فَأَبْقِنِي لَهَا، فَإِنَّهُ لَا قَوْمَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُجَاهِدَهُمْ فِيكَ مِنْ قَوْمٍ آذَوْا نَبِيَّكَ وَكَذَّبُوهُ وَأَخْرَجُوهُ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْعَلْهَا لِي شَهَادَةً، وَلَا تُمِتْنِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ». فَلَمَّا حَكَمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ حُكْمَهُ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، انْفَجَرَ جُرْحُهُ، وَأَخَذَتْ نَفْسُ سَعْدٍ تَرْتَفِعُ إِلَى الْوَاحِدِ الْأَحَدِ، وَتَتَلَاوَى فِي سَمَاءِ الرَّحْمَةِ، وَكَأَنَّهُ يُنَادِي بِقَلْبِهِ وَحَالِهِ: ﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ﴾ [الْفَجْرِ: 27-28]. وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَعَ أَصْحَابِهِ إِلَى سَعْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ الرَّاوِي: فَأَسْرَعَ بِهِمُ الْمَشْيُ حَتَّى تَقَطَّعَتْ شُسُوعُ نِعَالِنَا، يُرِيدُ أَنْ يُدْرِكَ سَعْدًا قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُسْرِعُ بِنَا سُرْعَةً شَدِيدَةً، فَقَالَ: «إِنِّي أَخْشَى أَنْ تَسْبِقَنَا الْمَلَائِكَةُ إِلَيْهِ فَتَغْسِلَهُ كَمَا غَسَلَتْ حَنْظَلَةَ». فَوَصَلَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يُغَسَّلُ، وَقَالَتْ أُمُّ سَعْدٍ حِينَ احْتُمِلَ نَعْشُهُ وَهِيَ تَبْكِيهِ: وَيْلَ أُمِّ سَعْدٍ سَعْدًا، صَرَامَةً وَحَدًّا، وَفَارِسًا مُعَدًّا، وَسُؤْدُدًا وَمَجْدًا.


فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَلَا يَرْقَأُ دَمْعُكِ وَيَذْهَبُ حُزْنُكِ، فَإِنَّ وَلَدَكِ أَوَّلُ مَنْ ضَحِكَ اللَّهُ لَهُ وَاهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ». فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ


يَا اللَّهُ! مَا هَذَا الْعِزُّ وَالْكَرَامَةُ! مَا هَذَا الْمَجْدُ وَالرِّفْعَةُ! هَكَذَا يُكْرَمُ مَنْ خَدَمَ دِينَ اللَّهِ، وَنَافَحَ عَنْ كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ. الدُّنْيَا بَكَتْ، وَالْقُلُوبُ تَأَثَّرَتْ، وَلَكِنَّ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَرْشَ الرَّحْمَنِ -جَلَّ فِي عُلَاهُ- اهْتَزَّ لِمَوْتِ سَعْدٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ-. سَنَوَاتٌ قَصِيرَةٌ حَافِلَةٌ بِالْخَيْرَاتِ وَالْبُطُولَاتِ، سَبْعُ سَنَوَاتٍ فِي الْإِسْلَامِ قَضَاهَا فَقَطْ، هِيَ خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ سَبْعَةِ قُرُونٍ لِكَثِيرٍ مِنَ اللَّاهِينَ وَالْغَافِلِينَ. تَرَى مَا السِّرُّ الْعَظِيمُ الَّذِي أَدْرَكَ بِهِ سَعْدٌ هَذِهِ الْمَنَاقِبَ الْعَظِيمَةَ؟ إِنَّهُ الصِّدْقُ مَعَ اللَّهِ يَا عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّهُ الْإِخْلَاصُ، وَالْيَقِينُ الثَّابِتُ بِمَوْعُودِ اللَّهِ؛ مَعَ حُسْنِ الصُّحْبَةِ، وَعِظَمِ الْمَحَبَّةِ، وَصِدْقِ الْمُتَابَعَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فَكَمْ مِنَ النَّاسِ يَا عِبَادَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ فِي مُجْتَمَعِهِ مَعْرُوفًا وَلَا مَشْهُورًا، وَعِنْدَ مَوْتِهِ لَا يُشَيِّعُهُ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَلَكِنْ تَسْبِقُ لِتَشْيِيعِهِ الْمَلَائِكَةُ، وَتُفْتَحُ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ قَبْلَ أَنْ يُودَعَ فِي قَبْرِهِ، فَحَرِيٌّ بِنَا أَنْ نَعْمَلَ لِهَذِهِ اللَّحْظَةِ الْحَاسِمَةِ، فَهِيَ لَا شَكَّ قَادِمَةٌ.


وَيَا ابْنَ آدَمَ: عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، الْبِرُّ لَا يَبْلَى، وَالذَّنْبُ لَا يُنْسَى، وَالدَّيَّانُ لَا يَمُوتُ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ. وَلِذَلِكَ فَمِنْ دُرُوسِ هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْعُمُرَ لَيْسَ بِكَثْرَةِ السِّنِينَ، وَلَكِنْ بِإِنْجَازَاتِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الْمُبَارَكَةِ، وَمَشَارِيعِ الْخَيْرِ وَالْإِحْسَانِ، وَمَنْفَعَةِ الْخَلْقِ. فَسُبْحَانَ مَنْ يَرْفَعُ مَنْ يَشَاءُ بِالْإِيمَانِ وَالْإِخْلَاصِ، وَيُخْلِدُ ذِكْرَ الصَّادِقِينَ فِي الْعَالَمِينَ.


رَحِمَ اللَّهُ تَعَالَى سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَجَزَاهُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ، وَجَمَعَنَا بِهِ فِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى مِنَ الْجَنَّةِ، مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • التطرف ليس في التدين فقط (خطبة)
  • خطبة: اليقين
  • دأب الصالحين: قيام الليل (خطبة)
  • الإمام الشافعي رضي الله عنه وأرضاه (خطبة)
  • خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن رضي الله عنه وأرضاه (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مناقب سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مناقب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • أتعجبون من غيرة سعد؟! (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • ومضات نبوية: "أنتم شهداء الله في أرضه"!(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أنتم شهداء الله في الأرض: شهادة الصالحين بشرى للميتين (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • فرحة في الأرض وبركة في السماء (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: الفساد في الأرض(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • طلاب تتارستان يتنافسون في حفظ وتلاوة أجزاء من القرآن الكريم بقازان
  • 150 مشاركا في افتتاح الدورة الـ18 من "مدرسة اليوم الواحد" بتتارستان
  • برعاية إسلامية .. "يوم المعرفة" في فيينا يطور مهارات المعلمين
  • برنامج أسبوعي لتعلم العربية والقرآن الكريم للأطفال في وارسو
  • ندوة إسلامية في فوشتري تستعرض سيرة النبي وتعاليمه
  • المركز الإسلامي في فيينا يستضيف ندوة لتعزيز الوعي حول الإسلام
  • بعد سنوات من العمل والتبرعات.. افتتاح المركز الإسلامي في إيست سيراكيوز
  • اختتام برنامج تدريبي لتطوير مهارات القيادة والإدارة والتواصل للأئمة في توزلا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 25/4/1448هـ - الساعة: 16:1
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب