• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | أسرة   تربية   روافد   من ثمرات المواقع   قضايا المجتمع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    كبارنا .... غرباء في مجالسنا!
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    فقه القلوب.. حين يصبح الأسلوب رسالة
    د. عبدالسلام حمود غالب
  •  
    تحريم عضل المرأة عن الزواج بالكفء لمصالح شخصية أو ...
    د. علي شومان محمد علي أبو دية
  •  
    آثار الانحراف السلوكي على الفرد ، الأسرة ،
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    الروغان الإبراهيمي.. فقه المبادرة في شخصية خليل ...
    سعيد بن محمد آل ثابت
  •  
    العلم اليقيني يصدر عن خبرة {ولا ينبئك مثل خبير}
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    لماذا يفقد الإنسان توازنه؟
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    حين نطالب الشاب أن يكون نفسه بنفسه ... ولم نمهد ...
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    أمام الشاشات والضجيج... أين يقف القلب
    د. صلاح بن محمد الشيخ
  •  
    درجات الانحراف السلوكي
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    ظاهرة السيطرة على المساجد: قراءة متكاملة في ...
    محمد حسين حسن
  •  
    لماذا مشاعر الشباب أقوى من غيرهم؟
    عدنان بن سلمان الدريويش
  •  
    الفرق بين الانحراف السلوكي والانحراف العقدي ...
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
  •  
    ظاهرة الاحتيال في تجهيز العروس بين الغش والتدليس
    محمد حسين حسن
  •  
    التفكير التأملي وعلاقته بالتوجه الإيجابي لدى ...
    د. أسامة سيد محمد زكي
  •  
    الفرق بين الخطأ العارض والانحراف المتكرر
    الشيخ حذيفة بن حسين القحطاني
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / عقيدة وتوحيد / الإيمان بالقدر
علامة باركود

الابتلاء نعمة ونقمة عباد الله (خطبة)

الابتلاء نعمة ونقمة عباد الله (خطبة)
د. محمد حرز

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 8/10/2026 ميلادي - 27/4/1448 هجري

الزيارات: 366

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

الِابْتِلَاءُ نِعْمَةٌ ونِقْمَةٌ عِبَادَ اللَّهِ

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ، الْكَرِيمِ الْمَنَّانِ؛ امْتَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِالْعَافِيَةِ وَالرَّخَاءِ، وَلَطَفَ بِهِمْ فِي الشِّدَّةِ وَالْبَلَاءِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَعُونَةَ وَالصَّبْرَ، وَأَلْهَمَهُمُ الرِّضَا وَالشُّكْرَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ لَا يَقْضِي قَضَاءً لِمُؤْمِنٍ إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ؛ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَعَلَيْهِ السُّخْطُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ أُعْطِيَ فَشَكَرَ، وَابْتُلِيَ فَرَضِيَ وَصَبَرَ، وَكَانَتْ حَيَاتُهُ كُلُّهَا رِضًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَرِضًا بِهِ، وَسَعْيًا فِي مَرْضَاتِهِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَتَعَرَّفُوا إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكُمْ فِي الشِّدَّةِ، وَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ فِي الْعَافِيَةِ يَسْتَجِبْ لَكُمْ فِي الْبَلَاءِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْلَمُ بِكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَأَرْحَمُ بِكُمْ مِمَّنْ هُمْ أَقْرَبُ إِلَيْكُمْ، فَاصْبِرُوا عَلَى مَا أَصَابَكُمْ، وَارْضَوْا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ تَعَالَى لَكُمْ؛ ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [التَّغَابُنِ:11].

 

عِبَادَ اللَّهِ: (الِابْتِلَاءُ نِعْمَةٌ ونِقْمَةٌ عِبَادَ اللَّهِ) عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.

 

عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:

أَوَّلًا: الِابْتِلَاءُ سُنَّةٌ جَارِيَةٌ!!!

ثَانِيًا: وَمِنْ أَلْطَافِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْبَلَاءِ!!

ثالِثًا وَأَخِيرًا: يَا صَاحِبَ الابْتِلَاءِ، كُنْ مُتَفَائِلَاً.


أَيُّهَا السَّادَةُ: بِدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنِ ((الِابْتِلَاءِ نِعْمَةٌ ونِقْمَةٌ عِبَادَ اللَّهِ))، وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا انْتَشَرَتْ فِيهِ الِابْتِلَاءَاتِ والْأَمْرَاضُ، وَتَنَوَّعَتْ، وَعَجَزَ الْأَطِبَّاءُ عَنْ مَعْرِفَتِهَا وَدَوَائِهَا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَخَاصَّةً وَالْكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الِابْتِلَاءَاتِ عَلَامَةٌ عَلَى كُرْهِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ، وَأَنَّهُ في الِابْتِلَاءِ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِ وَمَعَاصِيهِ، وَالْحَقُّ أَنَّ الِابْتِلَاءَاتِ نِعْمَةٌ ونِقْمَةٌ وهو لَا يدري!!! وَخَاصَّةً مَنْ يَتَأَمَّلْ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- فِي الْمَرَضِ.. فَإِنَّهُ سَيَحْتَارُ فِي هَذَا الْمَخْلُوقِ الَّذِي يُصِيبُ الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ.. وَيَشْتَكِي مِنْهُ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ.. لَا يَدَعُ مُسْلِمًا وَلَا كَافِرًا.. وَلَا يَتْرُكُ مُحْسِنًا وَلَا فَاجِرًا.. وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُ أَحَدٌ حَتَّى سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ،وَخَاصَّةً وَالدُّنيَا دَارُ بَلاءٍ وأَمرَاضٍ، وأَسْقَامٍ وأَوجَاعٍ، ومَا من إِنسَانٍ إلا وسَيُوَاجِهَهُ فِيهَا مَرَضٌ وعَافِيَةٌ، وسُرُورٌ وفَرَحٌ وحُزْنٌ، وسَرَّاءُ وضَرَّاءُ، لأَنَّ العَبدَ مَا خُلِقَ إلا للابْتِلاءِ.

 

ثَمَانِيَةٌ تَجْرِيْ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ
وَلا بُدَّ لِلإِنْسَانِ يَلْقَى الثَّمَانِيَهْ
سُرُوْرٌ وَحُزْنٌ، وَاجْتِمَاعٌ وَفُرْقَةٌ
وَعُسْرٌ وَيُسْرٌ، ثُمَّ سُقْمٌ وَعَافِيَهْ

 

أَوَّلًا: الِابْتِلَاءُ سُنَّةٌ جَارِيَةٌ!!!

أَيُّهَا السَّادَةُ: إِنَّ الِابْتِلَاءَاتِ سُنَّةٌ رَبَّانِيَّةٌ اقْتَضَتْهَا حِكْمَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ، لِتَكُونَ دَارًا لِلِامْتِحَانِ فِي الشَّهَوَاتِ وَالْفَقْرِ وَالْمَرَضِ وَالْخَوْفِ وَالنَّقْصِ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ، كَمَا يَكُونُ الِابْتِلَاءُ بِكَثْرَةِ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَالصِّحَّةِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾. فَالِابْتِلَاءُ سُنَّةٌ كَوْنِيَّةٌ، وَضَرُورَةٌ إِيمَانِيَّةٌ، وَهُوَ أَمْرٌ حَتْمِيٌّ لَا يَخْلُو مِنْهُ أَحَدٌ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ [البلد: 4]؛ أَيْ: فِي مَشَقَّةٍ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 2، 3]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ [الملك: 2]. فَالْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ أَنَّهَا أَمْوَاجٌ مِنَ الِابْتِلَاءَاتِ، وَمَا دُمْتَ مَوْجُودًا فَأَنْتَ مُبْتَلًى؛ فَهُوَ قَدَرٌ حَتْمِيٌّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، لَا مَفَرَّ مِنْهُ وَلَا مَهْرَبَ.

 

فَالِابْتِلَاءُ هُوَ الِاخْتِبَارُ الْحَقِيقِيُّ لِصِدْقِ الْإِيمَانِ، وَهُوَ مَحَكُّ الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ، وَهَلْ يَدْخُلُ الْعِبَادُ جَنَّاتِ رَبِّهِمْ وَيَفُوزُونَ بِالدَّرَجَاتِ الرَّفِيعَةِ، وَيَنَالُونَ أَعْلَى اللَّذَّاتِ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى الِابْتِلَاءَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ؟! ((أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ))؛ فَالرَّاحَةُ وَالسُّرُورُ لَنْ يَنَالَهُمَا الْعَبْدُ إِلَّا بِالتَّعَبِ وَالْجِدِّ، وَالصَّبْرِ وَالنَّجَاحِ فِي الِابْتِلَاءَاتِ الَّتِي يَتَعَرَّضُ لَهَا فِي حَيَاتِهِ.

 

وَلَمَّا كَانَ الِابْتِلَاءُ لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْعَبْدِ طَالَمَا كَانَ حَيًّا، إِذْ هُوَ مُبْتَلًى فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ؛ حَدَّثَنَا الْقُرْآنُ عَنْ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ فَوْرَ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ أَنَّهُمْ شَكَرُوا رَبَّهُمْ عَلَى انْقِضَاءِ أَزْمَانِ الْبَلَاءِ، وَحُلُولِ النَّعِيمِ وَالْعَافِيَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ [فاطر: 34].وَعِنْدَمَا بَكَتْ فَاطِمَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- عَلَى أَبِيهَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يُعَانِي مِنْ سَكَرَاتِ الْمَرَضِ وَشِدَّتِهِ، وَتَقُولُ: وَاكَرْبَ أَبَتَاهُ، فَقَالَ: «لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ سَيُوَدِّعُ دَارَ الْمِحَنِ وَالِابْتِلَاءَاتِ إِلَى أَحْسَنِ وَأَعْظَمِ جِوَارٍ، إِلَى الرَّفِيقِ الْأَعْلَى.

 

وَالِابْتِلَاءُ لَازِمٌ مِنْ لَوَازِمِ الدُّنْيَا، وَأَصْلٌ مِنْ أُصُولِهَا، لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ أَيُّ مَخْلُوقٍ مَهْمَا كَانَ حَالُهُ؛ مُؤْمِنًا كَانَ أَمْ كَافِرًا، صَالِحًا كَانَ أَمْ فَاسِدًا، وَلَكِنْ شَتَّانَ بَيْنَ مَنْ كَانَ ابْتِلَاؤُهُ اصْطِفَاءً وَرِفْعَةَ دَرَجَةٍ، وَمَنْ كَانَ ابْتِلَاؤُهُ اخْتِبَارًا وَإِقَامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِ! وَشَتَّانَ بَيْنَ مَنْ كَانَ ابْتِلَاؤُهُ مِنْ أَجْلِ الدَّعْوَةِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَنُصْرَتِهِ وَالدِّفَاعِ عَنْهُ، وَمَنْ كَانَ ابْتِلَاؤُهُ مِنْ أَجْلِ الدُّنْيَا وَحُطَامِهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ».وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا ابْتَلَاهُ فِي الدُّنْيَا لِيَغْفِرَ لَهُ ذُنُوبَهُ وَخَطَايَاهُ؛ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).فَالِابْتِلَاءُ يَكْشِفُ لَنَا حَقِيقَةَ الدُّنْيَا وَزَيْفَهَا، وَأَنَّهَا مَتَاعُ الْغُرُورِ، وَيَكْسِرُ حِدَّةَ التَّعَلُّقِ بِهَا، وَأَنَّ الْحَيَاةَ الصَّحِيحَةَ الْكَامِلَةَ وَرَاءَ هَذِهِ الدُّنْيَا، فِي حَيَاةٍ لَا مَرَضَ فِيهَا وَلَا تَعَبَ؛ لِذَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الدُّنْيَا دَارَ أَكْدَارٍ وَأَوْصَابٍ وَابْتِلَاءَاتٍ، فَلَا يَكَادُ الْإِنْسَانُ يَفْرَحُ إِلَّا وَيَحْزَنُ، وَلَا يَكَادُ يَأْمَنُ إِلَّا وَيَخَافُ، وَلَا يَزُولُ هَمُّهُ إِلَّا عَادَ بِهَمٍّ جَدِيدٍ، وَمَعَ صُعُوبَةِ الْحَيَاةِ وَتَعْقِيدَاتِهَا، وَكَثْرَةِ الْأَخْطَارِ الْمُحْدِقَةِ بِالنَّاسِ؛ كَثُرَ الْقَلَقُ وَالْخَوْفُ وَالْغَمُّ فِيهِمْ، وَالْمُؤْمِنُ لَهُ رَبٌّ يَرْكَنُ إِلَيْهِ، وَدِينٌ يَهْتَدِي بِهِ، وَشَرِيعَةٌ يَأْخُذُ بِهَا؛ فَيَعْلَمُ أَنَّ فِي الْمِحَنِ مِنَحًا، وَأَنَّ بَعْدَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وَأَنَّ الشَّدَائِدَ لَا تَدُومُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَمْنَحُ الْعَبْدَ قُوَّةً تُوَطِّنُهُ عَلَيْهَا، وَتُكَيِّفُهُ مَعَهَا، فَيَأْلَفُهَا وَيَتَعَايَشُ مَعَهَا، نَاهِيكُمْ عَنِ احْتِسَابِ الْمُؤْمِنِ فِيهَا، وَمَا يَنْتَظِرُهُ مِنَ الْأَجْرِ عَلَيْهَا؛ إِذَا لَمْ يَجْزَعْ فِيهَا، وَيَزِيدُ أَجْرُهُ بِالصَّبْرِ وَالْحَمْدِ وَالرِّضَا.

 

وَالِابْتِلَاءُ يَكْشِفُ لِلْعِبَادِ ضَعْفَهُمْ أَمَامَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَفِي حَالِ الْعَافِيَةِ وَالْقُوَّةِ وَالسَّعَةِ يَبْطُرُ الْعَبْدُ، وَيَظُنُّ أَنَّ دُنْيَاهُ مَا اكْتَمَلَتْ لَهُ إِلَّا بِجُهْدِهِ وَكَدِّهِ وَكَدْحِهِ، وَتَغُرُّهُ مَعْرِفَتُهُ وَخِبْرَتُهُ وَتَدْبِيرُهُ وَعَقْلُهُ، فَيَرْكَنُ إِلَى الدُّنْيَا كَأَنَّهُ يُخَلَّدُ فِيهَا أَبَدًا، فَإِذَا ابْتُلِيَ عَلِمَ ضَعْفَهُ وَعَجْزَهُ وَقِلَّةَ حِيلَتِهِ، وَأَدْرَكَ حَقِيقَةَ الدُّنْيَا وَحَقَارَتَهَا وَضِعَتَهَا؛ ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [يُونُسَ:24]، وَكَذَلِكَ دُنْيَا الْعَبْدِ قَدْ تُقْبِلُ عَلَيْهِ، وَتُزْهِرُ لَهُ، وَتَعْظُمُ فِي عَيْنِهِ؛ فَيُصَغِّرُهَا اللَّهُ تَعَالَى بِبَلَاءٍ يُصِيبُهُ؛ رَحْمَةً مِنْهُ سُبْحَانَهُ بِعَبْدِهِ.

 

وَالِابْتِلَاءُ دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ الْإِيمَانِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ...» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). فَبَعْضُ النَّاسِ قَدْ يُبْتَلَى بِفَقْدِ مَالِهِ وَوَلَدِهِ فَيَصْبِرُ وَيَحْتَسِبُ، وَبَعْضُهُمْ يُبْتَلَى بِفَقْدِ حِذَائِهِ فَيَسْخَطُ وَيَجْزَعُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِعِبَادِهِ؛ فَيَبْتَلِي كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى قَدْرِ دِينِهِ وَقُوَّةِ إِيمَانِهِ.

 

وَالِابْتِلَاءُ عُنْوَانُ الْمَحَبَّةِ؛ فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَعْتَقِدُ أَنَّ الِابْتِلَاءَ سَخَطٌ مِنَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى عِبَادِهِ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ أَشَدَّ النَّاسِ ابْتِلَاءً، فَالِابْتِلَاءُ فِي الدُّنْيَا عُنْوَانُ مَحَبَّةِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- لِعِبَادِهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، وَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ» (صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ). فَالِابْتِلَاءُ يُذَكِّرُكَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْكَ بِالصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ الَّتِي تَمَتَّعْتَ بِهِمَا سِنِينَ طَوِيلَةً؛ فَإِنَّنَا أَحْيَانًا نَحْتَاجُ إِلَى بَعْضِ الْحِرْمَانِ كَيْ نَشْعُرَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، فَنَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهَا، وَنَقْنَعَ بِمَا أَعْطَانَا، فالِابْتِلَاءُ اصْطِفَاءً وَعَلاَمَةَ خَيْرٍ لِلْعَبْدِ، وَدَلِيلَ حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ؛ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ صُهَيْبِ بْنِ سَنَانٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)).

 

وَالِابْتِلَاءُ تَأْدِيبٌ وَتَهْذِيبٌ لِلنُّفُوسِ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا، مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ، وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الأعراف: 168]. وَالِابْتِلَاءُ فُرْصَةٌ لِإِظْهَارِ الْأَصْدِقَاءِ الْحَقِيقِيِّينَ، وَأَصْدِقَاءِ الْمَصْلَحَةِ؛ فَهُنَاكَ نَاسٌ لَا يُعْرَفُ فَضْلُهُمْ إِلَّا فِي الْمِحَنِ؛ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

جَزَى اللَّهُ الشَّدَائِدَ كُلَّ خَيْرٍ
وَإِنْ كَانَتْ تُغَصِّصُنِي بِرِيقِي
وَمَا شُكْرِي لَهَا إِلَّا لِأَنِّي
عَرَفْتُ بِهَا عَدُوِّي مِنْ صَدِيقِي

 

فَكَمْ مِنْ بَلَاءٍ أَعَادَ الْمُبْتَلَى لِلْمَسْجِدِ وَالصَّلَاةِ، وَكَانَ مِنْ قَبْلُ كَسْلَانَ مُتَثَاقِلًا عَنِ الْمَسْجِدِ! وَكَمْ مِنْ بَلَاءٍ أَصَابَ عَبْدًا فَنَشَرَ مُصْحَفَهُ وَكَانَ مُغْبَرًّا مِنَ الْهِجْرَانِ! وَكَمْ مِنْ بَلَاءٍ حَرَّكَ لِسَانًا بِالذِّكْرِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَكَانَ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْبَلَاءِ مِنَ الْغَافِلِينَ! وَكَمْ مِنْ بَلَاءٍ أَطْلَقَ يَدَ صَاحِبِهِ بِالْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ وَكَانَ قَبْلَ الْبَلَاءِ مِنَ الْمُمْسِكِينَ! وَأَبْوَابُ الطَّاعَاتِ الَّتِي يَفْتَحُهَا الْبَلَاءُ لِلْعَبْدِ كَثِيرَةٌ، أَكْثَرُهَا فِي النَّاسِ بَابُ الدُّعَاءِ، وَهُوَ أَعْظَمُهَا وَأَجَلُّهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ ‌الدُّعَاءَ ‌هُوَ ‌الْعِبَادَةُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غَافِرٍ:60]»؛ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

 

ثَانِيًا: وَمِنْ أَلْطَافِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْبَلَاءِ!!

أَيُّهَا السَّادَةُ: جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الدُّنْيَا دَارَ أَكْدَارٍ وَأَوْصَابٍ وَابْتِلَاءَاتٍ، فَلَا يَكَادُ الْإِنْسَانُ يَفْرَحُ إِلَّا وَيَحْزَنُ، وَلَا يَكَادُ يَأْمَنُ إِلَّا وَيَخَافُ، وَلَا يَزُولُ هَمُّهُ إِلَّا عَادَ بِهَمٍّ جَدِيدٍ، وَمَعَ صُعُوبَةِ الْحَيَاةِ وَتَعْقِيدَاتِهَا، وَكَثْرَةِ الْأَخْطَارِ الْمُحْدِقَةِ بِالنَّاسِ؛ كَثُرَ الْقَلَقُ وَالْخَوْفُ وَالْغَمُّ فِيهِمْ، وَالْمُؤْمِنُ لَهُ رَبٌّ يَرْكَنُ إِلَيْهِ، وَدِينٌ يَهْتَدِي بِهِ، وَشَرِيعَةٌ يَأْخُذُ بِهَا؛ فَيَعْلَمُ أَنَّ فِي الْمِحَنِ مِنَحًا، وَأَنَّ بَعْدَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وَأَنَّ الشَّدَائِدَ لَا تَدُومُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَمْنَحُ الْعَبْدَ قُوَّةً تُوَطِّنُهُ عَلَيْهَا، وَتُكَيِّفُهُ مَعَهَا، فَيَأْلَفُهَا وَيَتَعَايَشُ مَعَهَا، نَاهِيكُمْ عَنِ احْتِسَابِ الْمُؤْمِنِ فِيهَا، وَمَا يَنْتَظِرُهُ مِنَ الْأَجْرِ عَلَيْهَا؛ إِذَا لَمْ يَجْزَعْ فِيهَا، وَيَزِيدُ أَجْرُهُ بِالصَّبْرِ وَالْحَمْدِ وَالرِّضَا. وَأَلْطَافُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ عَلَى عِبَادِهِ كَثِيرَةٌ، فِي سَرَّائِهِمْ وَضَرَّائِهِمْ، وَفِي رَخَائِهِمْ وَشِدَّتِهِمْ، وَفِي عَافِيَتِهِمْ وَبَلَائِهِمْ، وَلَا يَفْطِنُ لِهَذِهِ الْأَلْطَافِ الرَّبَّانِيَّةِ إِلَّا مَنْ نَوَّرَ اللَّهَ تَعَالَى بَصَائِرَهُمْ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.


فَمِنْ أَلْطَافِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْبَلَاءِ: «انْكِسَارُ الْعَبْدِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَذُلُّهُ لَهُ، وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ كَثِيرٍ مِنْ طَاعَاتِ الطَّائِعِينَ»، «وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [الْبَقَرَةِ:156]، اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُمْ مِلْكُهُ وَعَبِيدُهُ، وَأَنَّهُمْ رَاجِعُونَ إِلَى حُكْمِهِ وَتَدْبِيرِهِ. وَقَضَاؤُهُ وَتَقْدِيرُهُ لَا مَفَرَّ لَهُمْ مِنْهُ، وَلَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهُ»، وَكَثِيرًا مَا تَنْصَرِفُ قُلُوبُ الْعِبَادِ عَنْ رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ فَيُعِيدُ اللَّهُ تَعَالَى قُلُوبَهُمْ إِلَيْهِ بِالْبَلَاءِ؛ فَيَكُونُ الْبَلَاءُ سَبَبَ تَوْبَتِهِمْ وَأَوْبَتِهِمْ، وَزَوَالِ سَكْرَتِهِمْ وَغَفْلَتِهِمْ؛ لِعِلْمِهِمْ أَنَّ رَفْعَ هَذَا الْبَلَاءِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ﴾ [يُونُسَ:107].

 

وَمِنْ أَلْطَافِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْبَلَاءِ: أَنَّهُ يُوجِبُ لِلْعَبْدِ الرُّجُوعَ بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْوُقُوفَ بِبَابِهِ، وَالتَّضَرُّعَ لَهُ وَالِاسْتِكَانَةَ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ فَوَائِدِ الْبَلَاءِ، وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ لَا يَسْتَكِينُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ:76]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾ [الْأَنْعَامِ:42]»، فَيَرْجُونَهُ كَشْفَ ضُرِّهِمْ، وَيَدْعُونَهُ مُتَذَلِّلِينَ خَاضِعِينَ؛ فَيَكُونُ الْبَلَاءُ سَبَبَ أَوْبَتِهِمْ، وَمُذَكِّرًا لَهُمْ بِرَبِّهِمْ سُبْحَانَهُ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ النَّفْعِ لِلْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ إِذْ رُجُوعُهُ إِلَى رَبِّهِ يَمْلَأُ فِي الدُّنْيَا قَلْبَهُ بِالسَّكِينَةِ وَالْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَيَقُودُهُ إِلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي يَدْخُلُ بِهَا الْجَنَّةَ.

 

وَمِنْ أَلْطَافِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْبَلَاءِ: أَنَّهُ يَجْعَلُ الْعَبْدَ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ عَلَى مَظَالِمِ النَّاسِ؛ فَطَبْعُ الْإِنْسَانِ أَنَّهُ ظَلُومٌ جَهُولٌ، بِسَبَبِ مَا فِيهِ مِنَ الْأَثَرَةِ وَحُبِّ الذَّاتِ، وَالِاسْتِبْدَادِ بِالرَّأْيِ، وَالسَّعْيِ فِي السَّيْطَرَةِ عَلَى الْغَيْرِ، وَلَا يَمْنَعُ الْإِنْسَانَ مِنَ الْجَهْلِ عَلَى الْآخَرِينَ وَظُلْمِهِمْ إِلَّا عَجْزُهُ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ شَرِيعَةٌ يَأْخُذُ بِهَا فَتُهَذِّبُهُ وَتُرَبِّيهِ عَلَى الْعَدْلِ؛ خَوْفًا مِنْ عَاقِبَةِ الظُّلْمِ الْوَخِيمَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الْأَحْزَابِ:72]، وَفِي الْغَالِبِ أَنَّ الظَّلُومَ الْجَهُولَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ دَائِمًا، وَأَنَّ مَنْ ظَلَمَهُمْ مُسْتَحِقُّونَ لِظُلْمِهِ وَبَطْشِهِ وَشِدَّتِهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ الْبَلَاءُ كَسَرَ سَوْرَةَ نَفْسِهِ، وَأَرْغَمَ عِزَّتَهُ وَأَنَفَتَهُ، فَحَاسَبَ نَفْسَهُ فِي حَالِ ضَعْفِهِ؛ لِيَجِدَ أَنَّهُ ظَلَمَ غَيْرَهُ مِنْ زَوْجَةٍ وَوَلَدٍ وَقَرَابَةٍ وَجِيرَانٍ وَزُمَلَاءِ عَمَلٍ وَغَيْرِهِمْ، فَأَمْكَنَهُ التَّحَلُّلُ مِنْهُمْ وَإِرْضَاؤُهُمْ قَبْلَ فَوَاتِ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ، فَكَانَ الْبَلَاءُ -بِقَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى- مُنْجِيًا لَهُ مِنْ إِفْلَاسِهِ مِنَ الْحَسَنَاتِ، وَاكْتِسَابِ سَيِّئَاتِ مَنْ ظَلَمَهُمْ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: ‌الْمُفْلِسُ ‌فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا؛ فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ؛ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. حِينمَا يُنَادِي مُنَادٍ عَلَى أَهْلِ الجَنَّةِ: ((إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا)).

 

وَمِنْ أَلْطَافِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْبَلَاءِ: أَنَّهُ يَفْتَحُ لِلْمُبْتَلَى أَبْوَابًا مِنَ الطَّاعَاتِ كَانَ قَلْبُهُ مُوصَدًا عَنْهَا بِسَبَبِ عُلُوِّهِ وَاسْتِكْبَارِهِ وَإِعْرَاضِهِ، فَإِذَا ذَاقَ حَرَّ الْبَلَاءِ، سَعَى فِي تَبْرِيدِ حَرَارَتِهِ بِالطَّاعَاتِ، وَالْخَلْوَةِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّضَرُّعِ بِالدُّعَاءِ، وَالْمُنَاجَاةِ فِي السُّجُودِ؛ حَيْثُ يَكُونُ قُرْبُهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَلَوْلَا رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعَبْدِ، وَإِصَابَتُهُ بِهَذَا الْبَلَاءِ مَا فَتَحَ لَهُ فِي تِلْكَ الطَّاعَاتِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: «مَرَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بِمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مَغْمُومًا؟ فَقَالَ أَبُو حَازِمٍ: ذَاكَ لِدَيْنٍ ‌قَدْ ‌فَدَحَهُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: أَفُتِحَ لَهُ فِي الدُّعَاءِ، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ:‌‌ لَقَدْ بُورِكَ لِعَبْدٍ فِي حَاجَةٍ أَكْثَرَ فِيهَا دُعَاءَ رَبِّهِ كَائِنَةً مَا كَانَتْ».

 

وَمِنْ أَلْطَافِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْبَلَاءِ: «أَنَّ الْبَلَاءَ يُوصِلُ إِلَى قَلْبِ الْمُؤْمِنِ الْمُبْتَلَى لَذَّةَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ، وَالرِّضَا بِهِ، وَذَلِكَ مَقَامٌ عَظِيمٌ جِدًّا»؛ فَإِنَّ الصَّبْرَ جَزَاؤُهُ عَظِيمٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النَّحْلِ:96]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزُّمَرِ:10]. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «لَيْسَ يُوزَنُ لَهُمْ وَلَا يُكَالُ، إِنَّمَا يُغْرَفُ لَهُمْ غَرْفًا»، وَالرِّضَا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى حَالَ الْبَلَاءِ مِنْ أَقْوَى الدَّلَائِلِ عَلَى الرِّضَا بِاللَّهِ تَعَالَى رَبًّا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ قَدْ يَرْضَى عَنْ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ فِي حَالِ الْعَافِيَةِ وَالرَّخَاءِ وَالسَّرَّاءِ، لَكِنْ قَدْ يَسْخَطُ فِي حَالِ الْبَلَاءِ وَالشِّدَّةِ وَالضَّرَّاءِ، فَيَسْخَطُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَمَنْ رَضِيَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَالِ بَلَائِهِ فَقَدِ اكْتَمَلَ رِضَاهُ بِاللَّهِ تَعَالَى رَبًّا، فَذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ، وَتَلَذَّذَ بِحَلَاوَتِهِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «‌ذَاقَ ‌طَعْمَ ‌الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، كَانَ حَقًّا ‌عَلَى ‌اللَّهِ ‌أَنْ ‌يُرْضِيَهُ» رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ إِلَّا النَّسَائِيَّ،

 

وَمِنْ أَلْطَافِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْبَلَاءِ: «أَنَّ الْبَلَاءَ يَقْطَعُ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى مَخْلُوقٍ، وَيُوجِبُ لَهُ الْإِقْبَالَ عَلَى الْخَالِقِ وَحْدَهُ»، فَكَمْ مِنْ شَخْصٍ كَانَ مُعْتَزًّا بِجَمْعِهِ وَعَشِيرَتِهِ، أَوْ مُحْتَمِيًا بِذِي نُفُوذٍ وَقُوَّةٍ، أَصَابَهُ الْبَلَاءُ فَمَا نَفْعَهُ جَمْعُهُ وَلَا عَشِيرَتُهُ، وَلَا حَمَاهُ ذَوُو النُّفُوذِ وَالْقُوَّةِ، فَضَاقَتْ حِيلَتُهُ، وَانْقَطَعَتْ عَنْهُ أَسْبَابُ الْخَلْقِ؛ لِيَتَعَلَّقَ بِالْخَالِقِ وَحْدَهُ، وَيَسْتَقِرَّ فِي قَلْبِهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الْأَنْعَامِ:17]، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا ‌عَلَى ‌أَنْ ‌يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ».

 

دَعِ المَقَادِيرَ تَجْرِي فِي أَعِنَّتِهَا
ولا تبيتَنَّ إلَّا خَالِيَ البالِ
مَا بَيْنَ غَمْضَةِ عَيْنٍ وانْتِبَاهَتِهَا
يُغَيِّرُ اللهُ مِنْ حَالٍ إلَى حَالِ

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية

الْحَمْدُ لِلَّهِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ، الْعَلِيِّ الْقَدِيرِ، يَبْتَلِي عِبَادَهُ بِالْمَصَائِبِ وَالْأَمْرَاضِ، لِيُخَفِّفَ عَنْهُمُ الذُّنُوبَ وَالسَّيِّئَاتِ، فَيَكُونُ حِسَابُهُ لَهُم بِإِذْنِهِ خَفِيفًا يَوْمَ بَعْثِ الْأَمْوَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَرْسَلَهُ إِلَيْنَا شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، فَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

ثالِثًا وَأَخِيرًا: يَا صَاحِبَ الابْتِلَاءِ، كُنْ مُتَفَائِلَاً.

أَيُّهَا السَّادَةُ: قُولُوا لِصَاحِبِ الابْتِلَاءِ: كُنْ مُتَفَائِلَاً وَشَاكِرَاً عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالمِحَنِ، لِأَنَّ الشَّدَائِدَ وَالمِحَنَ تَكْشِفُ طَبَائِعَ النَّاسِ وَمَعَادِنَهُمْ، وَلَوْلَا الشَّدَائِدُ لَمَا ظَهَرَتْ طَبَائِعُ النَّاسِ وَمَعَادِنُهُمْ، بَلْ يَبْقَى حَالُهُمْ مَسْتُورَاً.


بِالشَّدَائِدِ وَالابْتِلَاءَاتِ يَظْهَرُ المُسْتَقِيمُ مِنَ المُنْحَرِفِ، وَصَدَقَ اللهُ تعالى القَائِلُ: ﴿ لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾. فَالشَّدَائِدُ وَالابْتِلَاءَاتُ تُظْهِرُ طَبِيعَةَ المُؤْمِنِ الذي يَقُولُ: إِلَهِي أَنْتَ مَقْصُودِي، وَرِضَاكَ مَطْلُوبِي؛ فَلَا يُغَيِّرُ وَلَا يُبَدِّلُ قَيْدَ أُنْمُلَةٍ، كَمَا تُظْهِرُ الدَّعِيَّ غَيْرَ الصَّادِقِ في الْتِزَامِهِ.


قُولُوا لِصَاحِبِ الابْتِلَاءِ: لَا تَجْزَعْ لِحَوادِثِ الدَّهْرِ، لَا تَجْزَعْ، لِأَنَّ الجَزَعَ لَا يَرُدُّ المُصِيبَةَ بَلْ يُضَاعِفُهَا، وَلَا يُزِيلُ الهَمَّ بَلْ يَزِيدُهُ. لَا تَجْزَعْ، لِأَنَّ الجَزَعَ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِ المُؤْمِنِ لَا تَجْزَعْ، لِأَنَّ الجَزَعَ لَا يُرْضِي الرَّبَّ تَبَارَكَ وتعالى، بَلْ يُرْضِي الشَّيْطَانَ.


لَا تَجْزَعْ، لِأَنَّ الجَزَعَ لَا يَسُرُّ الصَّدِيقَ، بَلْ يَسُرُّ العَدُوَّ. لَا تَجْزَعْ، لِأَنَّ القَدَرَ وَقَعَ، فَإِنْ رَضِيتَ كُنْتَ عِنْدَ اللهِ مَحْمُودَاً، وَإِنْ لَمْ تَرْضَ ـ لَا قَدَّرَ اللهُ تعالى ـ كُنْتَ عِنْدَ اللهِ مَذْمُومَاً.


لَا تَجْزَعْ، لِأَنَّ الجَزَعَ قَدْ يَكُونُ سَبَبَاً في الرِّدَّةِ، وَالعِيَاذُ بِاللهِ تعالى، هَلْ نَسِيتَ أَيُّهَا المُؤْمِنُ قَوْلَ اللهِ تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَـسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ المُبِين ﴾ [الحج: 11].

لَا تَجْزَعْ وَلَكَ رَبٌّ عَظِيمٌ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، لَا تَقُلْ: يَا رَبِّ إِنَّ الكَرْبَ عَظِيمٌ، وَلَكِنْ قِفْ سَحَرَاً وَقُلْ: يَا كَرْبُ لِيَ رَبٌّ عَظِيمٌ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

 

كنْ عَن هُمُومِكَ مُعْرِضًا
وَكُلُّ الْأُمُورِ إِلَى الْقَضَا
وَأَنْعَمْ بِطُولِ سَلَامَةٍ
تُسْلِيكَ عَمَّا قَدْ مَضَى
فَلَرُبَّمَا اتَّسَعَ الْمَضِيقُ
وَرُبَّمَا ضَاقَ الْفَضَا
وَلَرُبَّ أَمْرٍ مُسْخَطٍ
لَكَ فِي عَوَاقِبِهِ رِضَا
اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ
فَلَا تَكُنْ مُعْتَرِضًا
اللَّهُ عَوَّدَكَ الْجَمِيلَ
فَقِسْ عَلَى مَا قَدْ مَضَى


يَا عِبَادَ اللهِ:قُولُوا لِصَاحِبِ الابْتِلَاءِ: لَا تَنْظُرْ إلى ما أُخِذَ مِنْكَ، بَلِ انْظُرْ إلى مَا أَبْقَى اللهُ تعالى لَكَ، هَذَا سَيِّدُنَا عُرْوَةُ بْنُ الزَّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بُتِرَتْ رِجْلُهُ، وَفَقَدَ وَلَدَهُ، فَقَالَ: إِنْ أَخَذَ اللهُ عُضْوَاً فَقَدْ تَرَكَ أَعْضَاءً، وَإِنْ أَخَذَ وَلَدَاً فَقَدْ تَرَكَ أَوْلَادَاً.


لَا تَنْظُرْ إلى مَا أُخِذَ مِنْكَ، وَلَكِنْ انْظُرْ إلى مَا أَبْقَى اللهُ لَكَ، أَلَمْ يُبْقِ لَكَ لِسَانَاً ذَاكِرَاً، وَقَلْبَاً شَاكِرَاً، وَعَيْنَاً دَامِعَةً؟ أَلَمْ يُبْقِ لَكَ الإِيمَانَ الذي هُوَ سِرُّ سَعَادَتِكَ؟ أَلَمْ يَشْرَحْ صَدْرَكَ لِلْإِسْلَامِ؟ أَلَمْ يُبْقِ لَكَ الطَّاعَةَ التي هِيَ سَبَبٌ لِدُخُولِكَ الجَنَّةَ؟ أَمَّا أَنْتُمْ يَا أَصْحَابَ النِّعَمِ، يَا مَنْ تَرَوْنَ أَهْلَ الابْتِلَاءِ، تَسَاءَلُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَنْفُسِكُمْ: هَلْ أَنْتُمْ تَسْتَغِلُّونَ نِعْمَةَ اللهِ تعالى عَلَيْكُمْ فَتَكُونُونَ سَبَبَاً في تَفْرِيجِ كُرَبِهِمْ؟ فَرِّجْ يَا أَخِي كُرْبَةً عَنْ أَخِيكَ في الحَيَاةِ الدُّنْيَا، يُفَرِّجِ اللهُ عَنْكَ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، فَرِّجْ عَنْهُ مَا اسْتَطَعْتَ، وَاغْتَنِمْ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ قَبْلَ تَحَوُّلِهَا عَنْكَ، أَو تَحَوُّلِكَ عَنْهَا.


يَا صَاحِبَ الْهَمِّ، إِنَّ الْهَمَّ مِنْفَرِجٌ=أَبْشِرْ بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْفَارِجَ اللَّهُ.


الْيَأْسُ يَقْطَعُ أَحْيَانًا بِصَاحِبِهِ=فَلَا تَيْأَسْ، فَإِنَّ الْكَافِيَ اللَّهُ.


اللَّهُ يُحْدِثُ بَعْدَ الْعُسْرِ مَيْسِرَةً=َلَا تَجْزَعْ، فَإِنَّ الصَّانِعَ اللَّهُ.


فَإِذَا بُلِيتَ، فَثِقْ بِاللَّهِ وَارْضَ بِهِ… إِنَّ الَّذِي يَكْشِفُ الْبَلَوَى هُوَ اللَّهُ وَاللَّهُ مَالِكٌ، لَا مَالِكَ لَكَ غَيْرُ اللَّهِ مِنْ أَحَدٍ…فَحَسْبُكَ اللَّهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ.


اللَّهُمَّ فَرِّجْ كَرْبَ كُلِّ مَكْرُوبٍ، وَاجْعَلْنَا سَبَبَاً لِتَفْرِيجِ كُرُوبِهِمْ. آمين.





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • كيف نتعامل مع الابتلاء؟ (خطبة)
  • فوائد الابتلاء بالمرض (خطبة)
  • من ألطاف الله تعالى في الابتلاء (خطبة)
  • الابتلاء بالتكاليف الشرعية (خطبة)
  • الابتلاء بالمصائب والنعم (خطبة)

مختارات من الشبكة

  • من نعم الابتلاء بالمرض (خطبة)(مقالة - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • الثبات عند الابتلاء بالمعصية (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ابتلاء الإنسان سنة كونية (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • الدنيا ميزان ابتلاء لا دار جزاء (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • ابتلاء الأبرص والأقرع والأعمى (خطبة)(مقالة - موقع د. محمود بن أحمد الدوسري)
  • الموسوعة الندية في الآداب الإسلامية (4) الآداب عند نزول الابتلاء (PDF)(كتاب - مكتبة الألوكة)
  • الدار الباقية بداية الجزاء ونهاية الابتلاء(مقالة - آفاق الشريعة)
  • العلاقات بين الابتلاء والصبر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • نعمة الأمن والأمان في بلاد الحرمين (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • نعمة الأمن ووحدة الصف (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • طلاب تتارستان يتنافسون في حفظ وتلاوة أجزاء من القرآن الكريم بقازان
  • 150 مشاركا في افتتاح الدورة الـ18 من "مدرسة اليوم الواحد" بتتارستان
  • برعاية إسلامية .. "يوم المعرفة" في فيينا يطور مهارات المعلمين
  • برنامج أسبوعي لتعلم العربية والقرآن الكريم للأطفال في وارسو
  • ندوة إسلامية في فوشتري تستعرض سيرة النبي وتعاليمه
  • المركز الإسلامي في فيينا يستضيف ندوة لتعزيز الوعي حول الإسلام
  • بعد سنوات من العمل والتبرعات.. افتتاح المركز الإسلامي في إيست سيراكيوز
  • اختتام برنامج تدريبي لتطوير مهارات القيادة والإدارة والتواصل للأئمة في توزلا

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 26/4/1448هـ - الساعة: 10:21
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب