• الصفحة الرئيسية خريطة الموقع RSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد   إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    حلم النبي صلى الله عيه وسلم (خطبة)
    د. عبد الرقيب الراشدي
  •  
    حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على أمته
    د. شريف فوزي سلطان
  •  
    الرقية من العين
    د. عبدالعزيز بن سعد الدغيثر
  •  
    تلبيس الشيطان في الصلاة (خطبة)
    الشيخ محمد بن إبراهيم السبر
  •  
    بر الوالدين (خطبة)
    د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري
  •  
    ما كرر قر وما هجر فر (خطبة)
    الشيخ عبدالله محمد الطوالة
  •  
    تفسير سورة آل عمران الآيات (37 - 38)
    يوسف بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن السيف
  •  
    أنين مسجد (6) صور من محافظة السلف رحمهم الله على ...
    د. صغير بن محمد الصغير
  •  
    طرق تصحيح العقود المشتملة على مخالفات شرعية: حمل ...
    د. نايف بن محمد اليحيى
  •  
    تدبر معي آية: الطريق إلى الجنة يبدأ من هنا
    د. علي شومان محمد علي أبو دية
  •  
    وفي حوادث السيارات معتبر (خطبة)
    أحمد بن عبدالله الحزيمي
  •  
    الإحسان أعلى مراتب الإيمان (خطبة)
    خميس النقيب
  •  
    خطبة: أسباب تأخر النصر
    هشام العاقب الأمير أحمد
  •  
    تفسير سورة النازعات
    أ. د. كامل صبحي صلاح
  •  
    تفسير قوله تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في ...
    الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم
  •  
    طرق تصحيح العقود المشتملة على مخالفات شرعية: حمل ...
    د. نايف بن محمد اليحيى
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الأسرة والمجتمع / تربية الأولاد
علامة باركود

بر الوالدين (خطبة)

بر الوالدين (خطبة)
د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 13/10/2026 ميلادي - 3/5/1448 هجري

الزيارات: 184

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

بر الوالدين

 

إنَّ الحمدَ للهِ، نحمدُه ونستعينُه ونستهديه ونستغفِرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنِا ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه.

 

أَمَّا بَعدُ، فَأُوصِيكُم أَيُّهَا النَّاسُ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الأنفال: 29].

 

أيها المؤمنون:

هل نستشعر نعمة الله عز وجل علينا حين وهب لنا والدين، أمٌ حنونةٌ وأبٌ رؤوف، أمٌ بصرف النظر عن شخصيتها الأخلاقية فهي الصدر الحنون، وهي التي منبعُ الحب، ومصدرُ الأمان، وحِرزٌ من المخاوف، وسببٌ للنماء، أمٌ حملتك في بطنها تسعَ شهورٍ وهي تعاني الآلام، وتكابد الأتعاب، وتتحمَّل الثقلَ المتنامي والمتزايد على بطنها، كم سحبتَ من قوتها وصحتها وقوامها لتنمو في قرارٍ مكين إلى قدرٍ معلوم، وكم عانت الغُصص والشِّدة والوهن حين خرجت إلى هذه الدنيا، ورغم ذلك قابلتك وهي مسرورة لا تسعها الفرح بخروجك سليمًا معافىً من رَحِمِها، وابتدأ مشوار حياتها معك بعد أن كنت تتغذى في أحشائها لا إراديًا صارت تُرْضِعُك الحليب من صدرها عامين كاملين، وتهتمُّ بنظافتك وطهارتك وصحتك، تستيقظ في أي وقتٍ من ليلٍ أو نهار لتلبي احتياجك حين تبكي وتصيح، وتسعدُ أيما سعادة حين تضحكُ أو تبتسم، ولا تزالُ ترعى وتهتم بملبسك وهندامك ومظهرك، كلما كبُر سِنُّك تغير طعامك، وكلما تقدَّم سنكَ احتجت إلى رعايةٍ خاصة، تخافُ عليك من كلِّ ما يؤذيك، سواءً من مرضٍ جسدي أو أذىً خارجي، وكما تهتمُّ برعايتكَ تجتهدُ أيضًا في العناية بك، العنايةُ بتعلمك وتربيتك وسلوكك وكلامك وأخلاقك وتعاملكَ مع الناس، تُلازمك حتى تتعلمُّ الخطَّ والكتابة، وصاحبتك حتى حفظت النصوص، وتابعتك حتى استطعت أن تُعْمِلَ عقلك وتفكِّر فتتقن الفهم والتحليل والحساب، وتحرص على عبادتك وتملاْ قلبك حبًا في الله وخوفًا من عقابه، علمتك الحلال والحرام، والخيرَ والشر، بيَّنت لك ما يُصلِح حالك وما يضرك، ترفعُ صوتها أحيانًا لمصلحتك بل تضربكَ بقوتها وهي الضعيفة حتى تُحَذِّرُكَ من الخطأ والزلل فلا تقع فيه، لا يهدأ لها بال ولا يرتاحُ لها خاطر حتى تراك سعيدًا هانئًا تحصدَ التميزَ وأعلى المراتب، لا يستقرُّ لها قرار إلا إذا رأتك زوجًا أو أبًا أو لك موارد مالية مغتنٍ عن سؤال الناس، يسعدها صلاحك ويفرحها تفوقك ويبهجها أن ترى أثر تربيتها لك في علاقتك مع الله وفي أخلاقك مع الناس وفي حصادك للشهادات والمراتب والوظائف العالية، تتمنى أن يتحقق فيك ما يُسعِدُك، ولا يكون لها سعادةً حتى تجدك سعيدًا، تتألم لألمك، وتشعرُ بك سواءً صرَّحت يما يختلج في صدرك أم لم تُصَرِّح، هذه الأم، وهي الوالدة، فكم هو محرومٌ من هذه النعمة من فقد والدته سواءً في صِغَرِه أو في كِبَرِّه، فالابن الفاقد للأم فاقدٌ لمصدر الحنان، فاقدٌ لمصدر الحُب، فاقدٌ لمصدر الطاقةِ والقوة، فاقدٌ لأمرٍ جللٍ عظيم، فحين يبحث القريب أو الصديق عن مصالحه واحتياجه وكرامته وحقوقه، فالأم تضحي من أجلِّ ولدها تفديه بحياتها من أجله، وتفديه من قوتها وبدنها ومالها ووقتها من أجل فلذةِ كَبِدِها، لا تشعرُ براحةٍ حتى يرتاحُ ولدها، ولو مسَّ ولدَها ضرٌ أو أذىً أو مكروهٌ أو مرضٌ فكأنها هي المصابة وليست هو، تقضي الأوقات الطِوال وبشكلٍ دائمٍ ويومي إما في طبخٍ أو تنظيفٍ أو غسيلٍ أو تعليمٍ، فقولوا لي بالله عليكم هل يمكن أن نقابل كلَّ هذا الإحسان بمثله؟ وهل نستطيع أن نكافئ الأم بنظير ما تبذل؟ كلا والله كلا، لذا قال صلى الله عليه وسلم حينَ سؤل من أحقُّ الناس بحسن صحابتي قال: أمك ثلاثًا، فأمك لا يعدلها شيءٌ في هذه الدنيا.

 

وأمَّا الأب والوالد فهو المصدرُ لجلب الرزق من مأكلٍ وملبسٍ ومسكن، وهو الذي اختارَ أمكَ لتكون زوجةً له وصاحبة، وهو الذي يغيبُ عن البيت من أجلك، يملكُ القِوامة لتشعر بالمودة والرحمة، ويملكُ القوة ليضبط سلوكك ويقوِّم أخلاقك، يُشَاركُ في التأديب والتهذيب والتعليمِ والتربيةِ، كم صبرَ وصابرَ ليواجه مشاقَّ الحياة وأتعابها لترتاح أنت، وكم بذل واجتهد ليوفِّر لك لقمةَ العيش، وما كانت الولايةُ للأبِ إلا لأنه الأدرى بمصالحك، أُبُوَّتُهُ صداقةٌ، ومصاحبُتُه مدرسةٌ يُتَعَلَّمُ منها، الأبُ يبثُّ في قلوب أبنائه وبناته الثقةَ والكرامةَ وقوَّة الشخصية، يشكرُ منجزاتكِ فتقفز خطواتٍ نحو الأمام، ويعاتبكَ على بعض أخطائك فترتعد، ويغضَّ الطرف عن بعض الهفوات ليُعَلِّمك الصفح والعفو والستر، الأب أيها الابن نظرتُهُ تأديب، وكلامُهُ حِكْمة، وأفعالهُ تعليم، الأب نموذجٌ في التضحية والمثابرة والبذل والعطاء، يعطي عطاءً لا حدود له، وإذا منع فإنه يمنعُ لتجنب الإسراف والتبذير، ويعطي على قدر الحاجة، ويعطي على قدر الموجود والممكن، التوازن في الحياة تستلهمها من إدارته للبيت، قد يُعَصِّب أو يهجر أو يضرب لكن لمصلحةٍ يرتجيها، قد ينهر أو يزجر أو يغضب لكن مقصده في ذلك اتقاء ما لا يُحْمَدُ عقباه، تواجده في البيت رحمةٌ وشفقةٌ وعطف، وغيابه عن المنزل غيابٌ للأنسِ والمداعبةِ والـمُلاطفة، مزاحهُ بهجة، واللعبُ معهُ فرحٌ وسرور، يضفي على البيت روحًا وحياةً وجمالًا، يتكاملُ الأبُ مع الأم لِيُعَمِّرا سويًا أسرةً ثمراتُها ونتاجها فلذات أكبادهما الذين يؤسسون هذا المجتمع ويبنونه بقيمه وهُوُيَّتِهِ وأخلاقَهِ، الوالدان أكثر ما يُسعِدُهما ويُفرِحْهُما هو أن يجدا أولادهما في أحسن الأحوال سواءً في صحتهم أو في تعليمهم أو في سلوكهم أو حتى دراستهم وبناء مستقبلهم، وأكثر ما يتعسهما ويجلب الهمَّ والغمَّ والشقاءَ لهما أن يجدا حالَ أولادهما يرثى له إما سلوكيًا أو أخلاقيًا أو علميًا أو ماديًا أو اجتماعيًا أو حتى عباديًا فهلا عرفتم أيها المؤمن شيئًا ونذرًا يسيرًا من قيمةِ أمك وأبيك وفضلِهما عليك منذ كنت جنينًا وحتى كبُرت، فمهما كَبُرَ سِنُّك فأنت صغيرٌ في نظرهما، فحبُّ الوالدين لأبنائهما لا يُطاله الأبناء ولا البنات، حبُّ الوالدين لأولادهما لا يتساوى أبدًا ولا يتعادل ولا يُقارن بحبِّ الأولاد لوالديهما، مهما عبَّر الولد عن حبِّه وعشقه وولهه بوالديه، فلن يعدل شيئًا من حُبِّ وعطف وحنان وشفقةِ والديه عليه، وهذا الأب يعقوب عليه السلام يفقد ابنه السنين الطوال، ﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 84 - 86]، وهذه أمُّ هوسى عليه السلام يُوحى إليها ﴿ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ﴾ [القصص: 7] تصوَّر يا ابنٌ لكل أم أن تُخَيَّر الأم إما أن يأتي فرعونُ وقومه ويقتلوا ولدها، وإما أن تلقي به في اليمِّ لعله ينجو من القوم الظالمين، فأخذت بأخفِّ الضررين لعله وعسى، ومع ذلك قال الله عن حالها وعبَّر عن مشاعرها فقال: ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا ﴾ [القصص: 10]، أصبح فؤاد أم موسى فارغًا من كلِّ شيءٍ من أمور الدنيا إلا من موسى عليه السلام، كلُّ الأولويات والاهتمامات والواجبات يتجه نحو الأولاد لأنهم فلذات كبدٍ وقطعةٌ منَّا فلا يرضى لهم الوالد والوالدة إلا الحسنى.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من آياتٍ وحكمة، ورحم الله والدينا كما ربونا صغارًا، ونستغفر الله ونتوبُ إليه من كلِّ عقوقٍ أو عدم إحسان وبرٍّ بهما، استغفروه إنه غفورٌ رحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا.

 

أيها الابن مهما كَبُرَ سنك، فبرُّ الوالدين لا ينتهي أبدًا سواءً كان الوالدين أحياءً أم أمواتًا، وقد تأملت كتاب الله عز وجل وأقوال الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم لأستنبط منهما بماذا وجَّها نحو الوالدين، فأقول:

أخذ الله عز وجل الميثاق على بني إسرائيل بالإحسان إلى الوالدين، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [البقرة: 83]، فبرُّ الوالدين ميثاقٌ قديمٌ أصيلٌ بقدم الأمم السابقة، والإحسان إلى الوالدين قرنه الله عز وجل بعبوديته جلَّ جلاله وعدم الإشراك به، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [النساء: 36]، والإحسان إلى الوالدين أولى الأولويات بعد الصلاة، فقد أخرج البخاري ومسلمٌ – رحمهما الله تعالى – في صحيحيهما عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألتُ النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الأعمالِ أحبُّ إلى الله عز وجل؟ قال: ((الصلاة على وقتها))، قلت ثم أي؟، قال: ((بِرُّ الوالدين))، قلتُ: ثم أيٌّ؟، قال: ((الجهاد في سبيل الله)).

 

فليس بعد عبادةِ الله وحده والتي تمثلها الصلاةَ التي هي ركنُ الإسلام الثاني، وليس بعدَ الإيمانِ بالله وحده وعدمِ الإشراك به شيءٌ أحبَّ إلى الله تعالى من الإحسان إلى الوالدين وبِرِّهِما، والإحسانُ إلى الوالدين قضاءُ الله وحُكمُه وَوَصِيَّتُهُ، فإذا كان ذلك من ربَّ العالمين فهل نستهين به؟ وهو القائل جلَّ جلاله: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23]، وهو القائل سبحانه وتقدَّس: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ﴾ [العنكبوت: 8]، وما كانَ الإحسانُ إلى الوالدين وصايةً وقضاءً وحُكْمًا من ربِّ العالمين إلا إشارةً ولفتًا وتنويهًا أنَّ به رِفعةً وعُلُوًا وخيرًا وسعادةً وراحةً وهناءً في الدنيا وأجرًا كثيرًا وثوابًا كبيرًا وجزاءً عظيمًا في الآخرة.

 

أيها الابن البار: الأم تُقَدَّم في البرِّ والإحسان والصحبةِ على الأب، كيف لا وقد وصف الله معاناةَ ولادَتِها ووهنها ومشقتها فقال عزَّ وجل: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ﴾ [لقمان: 14]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾ [الأحقاف: 15]، وقد أخرج البخاري ومسلمٌ رحمهما الله تعالى في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، مَن أحَقُّ النَّاسِ بحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قالَ: أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَ: ثُمَّ أبُوكَ)).

 

أيها الابن البار: أقلُّ مراتب البرِّ والإحسان طاعتهما فيما لا يرضي الله عز وجل، ومن الإحسان إليهما طِيْبُ الكلام والفِعالِ لهما من مدحهما والثناء عليهما والتَبَشْبُشِ لهما وملاطفتِهِما والتوددِ لهما والجلوسِ معهما، والإصغاء باهتمامٍ لحديثهما، وعملِّ كلِّ ما يرغبانه فيما يَخُصُّهُما، تقَرَّب إلى الله أيها الابنُ بتقبيل يديهما ورأسهما، تقرَّب إلى الله أيها الابنُ بمشاركتهما في أعمالهما التي يقومان بهما فلو شاركت أمك في الطهي أو شاركت والدك في التسوقِ لكان ذلك إحسانًا لهما، تقرَّب إلى الله أيها الابن ببذل كلِّ ما يُشْعِرهمُا أنك قريبٌ منهما قربَ القلب والجسد، تقرَّب إلى الله أيها الابن إحسانًا إليهما بصلاحك فصلاحُك يشعرون أنه أثرٌ منهما، وتقرَّب إلى الله بالإحسان إليهما بتميزك وتفوقك في شتى الأمور والنواحي فذلكم مهجةُ القلب وسعادة الدنيا لهما، تقرَّب إلى الله بالإحسان إليهما بأن تتعرَّف على احتياجهما فتبذله لهما قبل أن يطلبوه فهذه أعلى مراتب الإحسان.

 

أيها الابن البار: إذا كنت موجودًا بين أبويك فكن الأحسن برًا وإحسانًا ونافس إخوانك وأخواتك في ذلك، فإذا كنت أنت الأقرب إلى قلبهما فأنت الأبرُّ والأسبق في الإحسان، فكن السبَّاقُ إلى البرِّ ولو لم تكن الأكبر من بين إخوتك.

 

أيها الابن البار: أمُّكَ وأبوك اهتما بك منذ نعومة أظفارك وحتى كبرت، وهما يحتاجان إلى زيادةٍ في البرِّ والإحسان عندما يكبران، فالقوة الجسدية والقوة العقلية والقوة العصبية تضعف ضعفًا شديدًا قد تصل إلى درجةٍ عاليةٍ جدًا، وهنا يجب أن تسعى أيها الابن البار إلى بذل ما في وسعك وجهدك من إحسان، ولا بدَّ أن تقابل إساءتهما إليك غير المقصود بسبب ضعفهما وضعف التحكمِ في ضبط أقوالهما وأفعالهما من شتمٍ وضربٍ ونحوهما بالإحسان، وليس إلا الإحسان، فقد قال المحسن المتفضل سبحانه: ﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ [الإسراء: 23]، ولو كانت هنالك كلمة هي الأقل لتعبر بها عن مشاعر التذمر والتأفف لذكرها القرآن، ﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾ [الإسراء: 23]، أمسك عليك لسانك وأضبطه بالسكوت وإن أطلقته فلا ينطقُ إلا إحسانًا.

 

أيها الابن البار: القاعدة الشرعية أنك تقابل إساءة الوالدين بالإحسان قولًا وعملًا وحتى انفعالًا، فتقطيب الجبين وتحديق العينين، وتذمر الوجه، وإبداء الاستياء كلُّ ذلك من العقوق الواضح الجلي، ولك أن تتأمل قول الله عز وجل: ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا ﴾ [لقمان: 15]، فكما أنه ليس بعد الكفر ذنبٌ فليس أوضحُ ولا أبلغُ ولا أفصحُ من كلام الله عز وجل: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا ﴾ [لقمان: 15]، وقابل الإساءة التي ليس بعدها إساءة بالتي هي أحسن.

 

أيها الابن البار: التزم قول الله جلَّ جلاله﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 24] أي تواضع لهما ذلًا لهما ورحمةً وشفقةً ولينًا وانقيادًا وخضوعًا احتسابًا للأجر حتى لو كنت أعلى منهما عِلمًا وأكثر منهما غِنىً وأرفعُ منهما منصبًا، تواضع لهما فما أنت إلا نتاجَهُما، وادعُ لهما بالرحمة أحياءً كانوا أو أمواتًا جزاءً على تربيتهما إياك صغيرًا، وصدق رسولنا الحبيب المصطفى حيث قال: «إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له».

 

أيها الأبناء الفاقدون لآبائهم أو لأمهاتهم بسبب وفاتهم: جاء رَجُلٌ من بَنِي سُلَيمٍ فقال: يا رسولَ اللهِ، هل بقِيَ من برِّ أبوَيَّ شيءٌ أبرُّهما به بعدَ موتِهما؟ فقال عليهِ الصلاةُ والسلامُ: الصلاةُ عليهما – أي الدعاء لهما -، والاستغفارُ لهما، وإنفاذُ عهدِهما من بعدِهما – أي وصيتِهِما -، وإكرامُ صديقِهما، وصلةُ الرحمِ التي لا تُوصَلُ إلا بهما.

 

أيها المؤمنون: لا يَزيدُ في العُمُرِ إلَّا البِرُّ، وبِرُّوا آباءكم تَبَرُّكُمْ أبناؤكم، ورضا الربُّ في رضا الوالد، وسخط الربِّ في سخط الوالد، واصغوا إلى قول نبيكم عليه أفضلُ صلاةٍ وسلامٍ لتدركوا مسؤوليتكم تجاه آبائكم وأمهاتكم، فقد أخرج مسلمٌ في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا يَجْزِي ولَدٌ والِدًا، إلَّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فيُعْتِقَهُ».





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • بر الوالدين
  • وصية الرسول صلى الله عليه وسلم بـ (بر الوالدين)
  • علموا أولادكم بر الوالدين
  • خطبة: الوصية ببر الوالدين
  • خطبة: أولادنا وتعليمهم بر الوالدين
  • بر الوالدين (خطبة)
  • في رحاب بر الوالدين (خطبة)
  • بر الوالدين العبادة الخفية في رمضان

مختارات من الشبكة

  • فضل بر الوالدين (وبرا بوالديه)(مادة مرئية - مكتبة الألوكة)
  • بر الوالدين عبادة تحفظ العمر وترفع القدر وتفتح أبواب السماء (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة بر الوالدين(مقالة - موقع د. علي بن عبدالعزيز الشبل)
  • بر وعقوق الوالدين (خطبة)(مقالة - موقع الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري)
  • بر الوالدين (خطبة)(مقالة - موقع د. صغير بن محمد الصغير)
  • بر الوالدين من الأخلاق الإسلامية(مقالة - موقع عرب القرآن)
  • العيد موسم لأعمال البر(مقالة - ملفات خاصة)
  • أصدق البر(مقالة - آفاق الشريعة)
  • البر حقيقته وخصاله(مقالة - موقع الشيخ عبدالله بن صالح القصيِّر)
  • ضبط الإنفاق في سبيل الله تعالى(مقالة - موقع الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • انطلاق أعمال ترميم مسجد تاريخي في كوسوفا ضمن جهود صون التراث الإسلامي
  • مبادرة تعليمية إسلامية في فيينا لتعريف السكان بفرص التدريب والتأهيل المهني
  • "المدرسة الدينية 2026".. دورة إلكترونية لتعليم أساسيات الإسلام على مدار عام في القرم
  • طلاب تتارستان يتنافسون في حفظ وتلاوة أجزاء من القرآن الكريم بقازان
  • 150 مشاركا في افتتاح الدورة الـ18 من "مدرسة اليوم الواحد" بتتارستان
  • برعاية إسلامية .. "يوم المعرفة" في فيينا يطور مهارات المعلمين
  • برنامج أسبوعي لتعلم العربية والقرآن الكريم للأطفال في وارسو
  • ندوة إسلامية في فوشتري تستعرض سيرة النبي وتعاليمه

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
  • Facebook
  • Twitter
  • YouTube
  • Instagram
  • Telegram
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 2/5/1448هـ - الساعة: 19:31
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب