• الصفحة الرئيسيةخريطة الموقعRSS
  • الصفحة الرئيسية
  • سجل الزوار
  • وثيقة الموقع
  • اتصل بنا
English Alukah شبكة الألوكة شبكة إسلامية وفكرية وثقافية شاملة تحت إشراف الدكتور سعد بن عبد الله الحميد
الدكتور سعد بن عبد الله الحميد  إشراف  الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي
  • الصفحة الرئيسية
  • موقع آفاق الشريعة
  • موقع ثقافة ومعرفة
  • موقع مجتمع وإصلاح
  • موقع حضارة الكلمة
  • موقع الاستشارات
  • موقع المسلمون في العالم
  • موقع المواقع الشخصية
  • موقع مكتبة الألوكة
  • موقع المكتبة الناطقة
  • موقع الإصدارات والمسابقات
  • موقع المترجمات
 كل الأقسام | مقالات شرعية   دراسات شرعية   نوازل وشبهات   منبر الجمعة   روافد   من ثمرات المواقع  
اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة اضغط على زر آخر الإضافات لغلق أو فتح النافذة
  •  
    من فضل التسمية على الطعام.. ترك التسمية على ...
    د. خالد بن محمود بن عبدالعزيز الجهني
  •  
    القرب من الله: أهميته وثمرته (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    خطبة شناعة البدع
    الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
  •  
    ذكر بعض الصور الموضحة لإرادة الإنسان بعمله الدنيا
    فواز بن علي بن عباس السليماني
  •  
    فضل الصلح والتحذير من شح النفس: { وأحضرت الأنفس ...
    د. عبدالرحمن بن سعيد الحازمي
  •  
    مراقبة الله وقاية من الغش والمكر والخديعة
    الشيخ ندا أبو أحمد
  •  
    خطبة: هول الموقف بين يدي الله عز وجل
    أبو عمران أنس بن يحيى الجزائري
  •  
    {وآتوا حقه يوم حصاده}
    د. حسام العيسوي سنيد
  •  
    ويبقى الود ما بقي العتاب
    د. سعد الله المحمدي
  •  
    يأجوج ومأجوج (خطبة)
    د. محمود بن أحمد الدوسري
  •  
    أمهات المؤمنين رضي الله عنهن (11) زينب بنت جحش ...
    الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
  •  
    الحرص على متابعة السنة
    الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
  •  
    الخوف من الله: أهميته وثمرته (خطبة)
    ياسر عبدالله محمد الحوري
  •  
    باب في فضل السجود
    د. خالد النجار
  •  
    تفسير قوله تعالى: { إنما التوبة على الله للذين ...
    سعيد مصطفى دياب
  •  
    معركة القلب وسر النجاة
    د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر
شبكة الألوكة / آفاق الشريعة / منبر الجمعة / الخطب / الأسرة والمجتمع / قضايا المجتمع
علامة باركود

خطبة: التكافل الاجتماعي في الإسلام

خطبة: التكافل الاجتماعي في الإسلام
أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة

مقالات متعلقة

تاريخ الإضافة: 23/7/2026 ميلادي - 7/2/1448 هجري

الزيارات: 76

حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات
النص الكامل  تكبير الخط الحجم الأصلي تصغير الخط
شارك وانشر

خطبة: التكافل الاجتماعي في الإسلام

 

في ظل الوضع الذي يعيشه الناس اليوم على مستوى العالم الإسلامي عامة واليمن خاصة، يحتاج المسلمون إلى أن يذكروا بأمر عظيم حث عليه القرآن والسنة، وطبقه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه واقعًا عمليًّا في حياتهم، فعاشوا في خير ووئام ومحبة وسلام، وذهب الحقد والحسد والغل من نفوس بعضهم على بعض، وكانوا خير مجتمع وُجد على وجه الأرض، فرضيَ الله سبحانه وتعالى عنهم ورضوا عنه.

 

أيها المؤمنون عباد الله: هذا الأمر هو التكافل الاجتماعي بين الناس، الذي به تتحقق الولاية والمحبة والنصرة التي وصف الله سبحانه وتعالى بها عباده المؤمنين فقال: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71].

 

لقد أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالولاية من بعضهم لبعض، ومن لوازم الموالاة أن يستشعر المسلم حال أخيه المسلم، فيحسن إلى من يحتاج إلى إحسان، ويتفقد من يحتاج إلى تفقد، وخاصة الأصناف الضعيفة المحتاجة التي كتب الله سبحانه وتعالى عليها هذا الحال ابتلاء واختبارًا لها.

 

وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن مقومات المجتمع المسلم الصالح الذي تتحقق فيه هذه الصفات بين أفراده فقال: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ [النساء: 36]، فانظر إلى هذه التوجيهات في الإحسان إلى الخلق بعد توحيد الله سبحانه وتعالى؛ فذكر مجموعة من الأصناف هم أولى بإحسانك من غيرهم، وأولهم أبواك، ثم ذكر بعد الأبوين ذوي القربى وهم الأقارب، ثم ذكر الفئة الضعيفة في المجتمع وهم الأيتام، والمساكين، ثم ذكر حقوقًا تلزم للمسلم على المسلم بسبب السكن وهم الجيران، وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم وهم العبيد.

 

ثم بيَّن سبحانه وتعالى في آية أخرى أن البر بمفهومه العام الشامل الكامل الذي يحبه الله ويرضاه ليس هو مجرد الصلاة ولا الزكاة ولا الصوم، بل هو معانٍ أخرى إضافة إلى ما سبق ذكره من هذه الفرائض العظيمة، فقال سبحانه: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]، ما أعظمها من صفات حسنة لو تحققت في المجتمع المسلم لعاش في رغد العيش وراحة النفس واطمئنان البال!

 

أيها المؤمنون: حين نفتش في واقع المجتمع المسلم اليوم عن هذه الصفات ومدى تحققها فيه، نجد فرقًا شاسعًا وبَونًا كبيرًا بين ما يأمرنا الله به ويحثنا عليه، وبين ما نمارسه واقعًا عمليًّا وفي حياتنا اليومية، لذلك يعيش الناس بهذه الأحوال التي ترونها وتسمعون عنها من التقاطع والتدابر والتقاتل والفقر والاختلاف وسائر الأمراض الاجتماعية؛ لأنهم فرطوا في وصايا القرآن وصفات عباد الرحمن.

 

وقد أرشدنا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى هذا الأمر بقوله وبفعله، فنصحنا قولًا وطبق ذلك عمليًّا في حياته، فمن ذلك قوله: ((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا فإليَّ وعليَّ))؛ [صحيح مسلم]، يعني أنه سيتكفل بتسديد ديونه ومعالجة مشكلاته لأنه يمثل ولي الأمر لعموم المسلمين، وتخيلوا لو فعل ذلك ولاة أمور المسلمين اليوم وتبنوا هذا المبدأ، أن من ترك مالًا فلورثته ومن ترك دينًا فعلى بيت مال المسلمين أن يقوم بتسديد دينه، كيف سيكون الحال وكيف ستكون الحياة بين الراعي والرعية؟

 

وفي قوله صلى الله عليه وسلم وهو يرشد أفراد الأمة إلى أنه لا حق لك في شيء زائد عن حاجتك، بل عليك أن تمنح هذا الشيء الزائد لغيرك، فقال صلى الله عليه وسلم: ((من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له))؛ [رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري]، والمقصود بالظهر ما يركب من الدواب والوسائل الأخرى، والمقصود بالزاد الأطعمة؛ فإذا كان عندك طعام زائد فأعطِ هذا الزائد لغيرك ولا تتركه حتى يفسد، بل ابحث عمن يأكله قبل أن يفسد.

 

وذكر من أصناف الأشياء ما ذكر، حتى قال أبو سعيد الخدري راوي الحديث: "حتى ظننا أنه لا حق لأحد منا في فضل"، وفي هذا تحريك لشعور المسلمين بعضهم نحو بعض، حتى يتضامنوا ويتعاونوا على البر والتقوى، وحتى يعطي من عنده شيء زائد مما أعطاه الله لمن ليس عنده ذلك الشيء.

 

وفي الحديث الآخر: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة))؛ [رواه البخاري من حديث ابن عمر].

 

وفي حديث آخر شبه النبي صلى الله عليه وسلم المجتمع المسلم بالجسد الواحد، فقال صلى الله عليه وسلم: ((مَثَلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))؛ [صحيح مسلم]، انظر إلى هذا التشبيه البليغ الذي يقرب لك المعلومات المعنوية في صورة حسية؛ فجعل المجتمع كله بمثابة جسد واحد، وأفراد المجتمع بمثابة أعضاء الجسد، فالجسد له عينان، وله أذنان، له يدان، له أصابع، وله أقدام، له سائر الجوارح الموجودة فيه، فهذه الجوارح بمثابة أفراد المجتمع المسلم، فما الذي يحصل لجسدك كله لو أصيب عضو من أعضائك؟ سيتألم الجسد كله، ويسهر الإنسان بسبب مرض ذلك العضو.

 

فهكذا يجب أن يكون المجتمع المسلم الممتثل لأوامر الله، المطبق لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإذا أُصيب أحد الأعضاء بمصيبة تداعى له سائر أفراد المجتمع وتعاونوا معه وأحسوا بآلامه، وتخيلوا معي لو عاش المجتمع بهذا الشعور الراقي العظيم، هل سيوجد بينهم مشكلات ومعضلات وحروب وقتل وسلب ونهب، وهو ينظر إلى أخيه كما ينظر إلى نفسه؟ إنه إحساس عظيم لترابط المجتمع المسلم؛ لأنهم إخوة في الله: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: 10].

 

أيها المؤمنون عباد الله: إن ثواب التكافل الاجتماعي في الإسلام عظيم، وله في الآخرة أجر كبير، فقد عده رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثابة الجهاد في سبيل الله، ونحن نعلم أجر الجهاد فهو ذروة سنام الإسلام، قال صلى الله عليه وسلم: ((الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله))؛ [صحيح البخاري]، فمن يسعَ في كفالة أرملة أو إطعام مسكين أو الإحسان إلى يتيم، فله أجر كالمجاهد في سبيل الله، فمن صعب عليه الخروج للجهاد في سبيل الله، فقد هيأ الله سبحانه وتعالى له هذه الأنواع من الأعمال السهلة التي تعطيه أجر الجهاد وثوابه.

 

وبلغ من تشجيعه صلى الله عليه وسلم على التكافل الاجتماعي أن يقول لك: تريد أن تكون رفيقي في الجنة وأكون أنا وأنت في الجنة؟ ومن لا يريد أن يكون رفيقًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ من لا يشتاق إلى أن يكون مجالسًا ومصاحبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا))، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئًا؛ [صحيح البخاري]؛ يعني من أراد أن يصير إلى هذه المرتبة وأن يكون رفيقًا لمحمد صلى الله عليه وسلم في الجنة فليكفل يتيمًا، ومن الذي يزهد بهذا الفضل وبهذا الشرف العظيم إلا من حرمه الله؟

 

عباد الله: هذا هو التكافل في مفهوم في شريعة الإسلام، فقد جاء الإسلام ودعا إليه وحث الناس عليه قبل أن تأتي النظريات الغربية والمنظمات الفاسدة المفسدة التي تنادي بحقوق الإنسان زورًا وبهتانًا.

 

أين حقوق الإنسان الفقير المسكين المريض في الدول الفقيرة عند أولئك القوم الذين يلقون ملايين الأطنان من القمح في البحر كل عام حتى لا يقل سعره؟

 

أين حقوق الإنسان والتكافل بمفهومه الصحيح عند تلك المنظمات التي تسعى في استعباد الفقراء والمحتاجين والنازحين والمشردين، وإفساد أخلاقهم وقيمهم من أجل أن تعطيهم شيئًا من الدقيق الذي انتهت صلاحيته أو فسد وهو في المخازن؟

 

أين حقوق الإنسان والتكافل بمفهومه الصحيح عند أولئك القوم الذين لا يدعون مجتمعًا يعيش في وئام وسلام، بل يقيمون فيه الفتن ويشعلون فيه الحروب، ثم يتبجحون ويتظاهرون بإغاثته، والحفاظ على حقوق الإنسان فيه؟

 

أيها المؤمنون: لقد جاء الإسلام بنماذج وتطبيقات عملية لإقامة التكافل الاجتماعي التي يحصل في تنفيذها وتطبيقها التكافل بين الناس، ومن ذلك:

أولًا: فرض الله الزكاة في مال الأغنياء حقًّا للفقراء: ﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾ [المعارج: 24، 25]، فزكاة الغني هي حق للفقير في مال الغني، وفصلها تفصيلًا: زكاة الثمار، زكاة الحيوانات والأنعام، زكاة النقود، وزكاة الفطر؛ وجعل ذلك مشروعًا عمليًّا لتطبيق التكافل بين المجتمع المسلم، وتخيلوا معي لو أن أغنياء المسلمين قاموا بإخراج الزكاة المفروضة عليهم في أموالهم الزكوية، فهل سيوجد فقير في المجتمع المسلم؟ الجواب: لا.

 

ففي عهد عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه، وقد كانت الدولة انحرفت عن منهاج النبوة قليلًا فتولى الخلافة فيها سنتين فقط، فأقام العدل وطبق التوجيهات النبوية في المجتمع، وبدأ بنفسه وزوجته وأولاده ثم تتابع الناس إلى تطبيق ذلك الأمر، حتى ذهب الفقر والحاجة من واقع الناس وزاد المال في أيديهم، فكان يخرج بالمال وينادي: "هل من محتاج؟" قالوا: لا، "هل من فقير؟" قالوا: لا، ثم أمر أن ينفذ بذلك المال الزائد الطرقات وحفر العيون وغير ذلك من المصالح، بعد أن شبعت البطون واكتفى الفقراء والمحتاجون.

 

ثانيًا: شرع الله سبحانه وتعالى الصدقة، وهي ليست واجبة وإنما تطوع، يُخرج الإنسان ما يريد من الصدقة للفقراء والمحتاجين، وحثهم الصدقة الجارية وهي الصدقة المستمرة كالوقف بأنواعه؛ الذي يستثمر وينفق ريعه على الأيتام، والأرامل، والمساكين، والمحتاجين.

 

ثالثًا: شرع القرض الحسن، وإنظار المعسرين، وشرع الهدية، وكلها وسائل للتكافل الاجتماعي بين الناس.

 

رابعًا: شرع الإسلام الوصية؛ وهي أن يوصي الرجل بثلث ماله أو أقل منه في نفقات الخير وغيرها من الأعمال، وهذا نوع من التكافل الاجتماعي.

 

خامسًا: شرع الكفارات المالية؛ فمن حلف يمينًا أو ارتكب ذنبًا فكفارته إخراج طعامٍ للفقراء، مثل كفارة من أفطر في رمضان بالجماع، وكفارة الظهار، ونحوها، فيخرج الإنسان الكفارة فيخفف عن نفسه الذنب ويطعم بها المحتاج والمسكين، حتى يعيش المجتمع بأمن وسلام ووئام.

 

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا جميعًا امتثال هذه التوجيهات، إنه ولي ذلك والقادر عليه، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد عباد الله:

فأوصيكم ونفسي بتقوى الله فهي خير الزاد وهي خير اللباس: ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197].

 

أيها المؤمنون: إن قوة أي مجتمع وسلامته وترابطه تأتي من تكافله وتعاونه، ولا يمكن أن يبقى المجتمع المسلم مفككًا إذا تعاون أفراده بعضهم مع بعض، فالتفكك للمجتمع المسلم يأتي من الأثرة والأنانية، والظلم والاستبداد، وإضاعة الحقوق وعدم إعطائها لأهلها، أما إذا كانت علاقة المجتمع المسلم أفرادًا وجماعات هي علاقة التعاون والتكاتف والتكافل، فهذا يدل على أنه مجتمع خير وإحسانٍ، تتنزل فيه البركات وتحل عليه الرحمات.

 

نعم يا عباد الله: نحن نغفل عن هذه السنة الكونية ونبحث عن حلول لمشكلاتنا الاجتماعية بعيدًا عن سنن الله الشرعية والكونية؛ إن من أعظم الحلول للمشكلات الاجتماعية كالفقر والاختلاف والتقاطع والتدابر هو عودة الناس إلى الله، وتحقيق تقوى الله، وتحقيق التعاون على البر والتقوى، فإذا صلحت علاقة الناس بالله سبحانه وتعالى وصلحت علاقتهم فيما بينهم، حلَّت بهم الخيرات وتنزلت عليهم البركات، ومن يقطع علاقته بالله ويعيش بعيدًا عن الله، معرضًا عن فرائضه وشرعه وأحكامه، حتى وإن أحسن علاقته مع من حوله، لا يسمى صالحًا؛ لأن الصلاح الحقيقي هو أن تصلح علاقتك بالله أولًا وتصلح علاقتك بالخلق ثانيًا، لتحصل على ثمار ذلك في الدنيا والآخرة.

 

والتكافل الاجتماعي نحن مأمورون به شرعًا، فهو من ضمن الفرائض والواجبات الشرعية التي نتعبد لله سبحانه وتعالى بها؛ فكما نعبد الله بالصلاة بالصيام، نعبد الله بالزكاة والصدقة، ونعبد الله بفعل الخير، والإحسان إلى الناس، ونعبد الله بالتواصل والأخوة وحل المشكلات.

 

وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ذات يوم على الصدقة بالمال فتصدق الأغنياء وحزن الفقراء، وجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: "يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور"؛ أي: ذهب الأغنياء بالأجر لأن معهم مالًا يتصدقون به، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة))، وذكر من أنواع الصدقات الشيء الكثير، منها دلالة الطريق، ومنها إماطة الأذى عن الطريق، ومنها إعانة العاجز عن حمل متاعه، ودل الطريق ونحوها، فهذه كلها صدقات، حتى قال صلى الله عليه وسلم: ((وفي بضع أحدكم صدقة))، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: ((أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر))؛ [صحيح مسلم من حديث أبي ذرٍّ].

 

فهذا المفهوم الشامل للصدقة، والتكافل الاجتماعي، فلا نظن أن الصدقة والتكافل الاجتماعي هو إعطاء المال فقط، بل هو أعم من ذلك، وهو الإحسان إلى الناس بالمال وغير المال؛ فالكلمة الطيبة نوع من أنواع التكافل، وإصلاح ذات البين نوع من التكافل، وحل المشكلات نوع من التكافل، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنكم لن تسَعوا الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق))؛ [رواه أبو يعلى والحاكم]، فلن تستطيع أن تحسن إلى كل الناس بالمال؛ لأن بعضهم لا يحتاج إلى المال، وأيضًا مالك قليل لن يسع الناس كلهم، فأحسن إلى الناس ببسط الوجه وحسن الخلق فهذا الذي هو يسع الناس كلهم، وهذه وهي الخصلة التي توجد عند كل إنسان، ولو كان جيبه فارغًا من المال فإنه يستطيع أن يحسن إلى الناس بابتسامته وحسن خلقه، وحسن كلامه، وحسن تعامله، فليس المال كل شيء، حتى لا يظن الفقير والمسكين أنه ليس ممن يقوم بدور التكافل الاجتماعي في المجتمع، وأنه فقط يظل يطلب من الناس العطاء؛ فالتكافل أشمل من أن يكون مالًا، فالتكافل مال، وأخلاق، ومعاملات، وغيرها من وسائل الحياة التي يعيشها المسلم في يومه وليلته.

 

لذلك لا بد أن يجتهد الناس في هذا الأمر لأمرين:

الأول: الواقع الذي نعيشه، فهو واقع مرير نحتاج إلى ترميمه، فالمجتمع اليوم يتمزق نسيجه الاجتماعي وتتقطع أوصاله، فيحتاج إلى ترميم بالإحسان والأخلاق وحسن التعامل.

 

الثاني: أن أعداء الإسلام حريصون كل الحرص على تفتيت المجتمع المسلم وإفقاره وتقسيمه وإحياء النعرات فيه حتى يبقى أهله متحاربين متقاطعين متدابرين، كي تمرر فيه أجندتهم الخبيثة.

 

فإذا أردنا أن ندفع هذا العدو الذي يسعى لإفساد أخلاقنا وقيمنا وتمزيق وحدتنا وأوصالنا وإثارة النعرات والأحقاد فيما بيننا، فعلينا أن نسد عليه الطريق، بالتكافل فيما بيننا، ونستبعد المنظمات الغربية التي تنخر اليوم في المجتمع المسلم، فلو قام المسلمون بالتكافل فيما بينهم لما احتاجوا إلى أموال اليهود والنصارى القذرة التي تُعطى لتنفيذ أجندتهم السيئة في بلادنا، مهما غلفوها بأسماء الإحسان والإغاثة والعمل الإنساني، إلا أن لهم أهدافًا خبيثة معروفًا مَن وراءها يعرفها من تتبع حالهم.

 

أيها المؤمنون: علينا أن نسعى في هذا الأمر لأنه من الطاعات ومن القربات، وخاصة أننا نعيش أيامًا فاضلة العمل الصالح فيها خير من الجهاد في سبيل الله؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام)) -يعني عشر ذي الحجة- قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء))؛ [صحيح البخاري].

 

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة عليه: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].





حفظ بصيغة PDFنسخة ملائمة للطباعةأرسل إلى صديقتعليقات الزوارأضف تعليقكمتابعة التعليقات

شارك وانشر

مقالات ذات صلة

  • خطبة: أمواج الفساد وعلاجها
  • الهجرة: دروس وعبر (خطبة)
  • خطبة: العناية بمحكمات الشريعة
  • خطبة: الحرب الناعمة

مختارات من الشبكة

  • الله الله في إسلامكم (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • منزلة الاحترام في الإسلام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • المرأة في الإسلام كرامة ورسالة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • رسالة الإسلام رسالة إنقاذ (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • تربية الأبناء في الإسلام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • الحج وأركان الإسلام (خطبة)(مقالة - موقع الشيخ إبراهيم بن محمد الحقيل)
  • مكانة المرأة في الإسلام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • مظاهر عناية الإسلام بالطفولة (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)
  • خطبة: مكانة المساجد في الإسلام ووجوب المحافظة عليها(مقالة - آفاق الشريعة)
  • أسباب انتشار الإسلام (خطبة)(مقالة - آفاق الشريعة)

 



أضف تعليقك:
الاسم  
البريد الإلكتروني (لن يتم عرضه للزوار)
الدولة
عنوان التعليق
نص التعليق

رجاء، اكتب كلمة : تعليق في المربع التالي

مرحباً بالضيف
الألوكة تقترب منك أكثر!
سجل الآن في شبكة الألوكة للتمتع بخدمات مميزة.
*

*

نسيت كلمة المرور؟
 
تعرّف أكثر على مزايا العضوية وتذكر أن جميع خدماتنا المميزة مجانية! سجل الآن.
شارك معنا
في نشر مشاركتك
في نشر الألوكة
سجل بريدك
  • بنر
  • بنر
كُتَّاب الألوكة
  • انطلاق فعاليات "أيام مساجد إستولتس 2026" ببرنامج ديني وثقافي يمتد حتى أغسطس
  • قازان تحتضن المخيم الدولي الرابع للطلاب المسلمين
  • مسجد دابرافين يفتح أبوابه للمصلين بعد سنوات من البناء والعطاء
  • 130 شابا يشاركون في منتدى الشباب المسلم الإقليمي بتتارستان
  • بينزا تستضيف برنامجا صيفيا لتعليم الأطفال القرآن والعلوم الإسلامية
  • اختتام النسخة الـ18 من مسابقة حفظ وتلاوة القرآن الكريم في البوسنة والهرسك
  • انطلاق دورات «القرآن في قلوبهن» للفتيات بالمسجد التاريخي في إندركا
  • انطلاق الحملة السنوية لتوفير المستلزمات المدرسية لأبناء المسلمين في تتارستان

  • بنر
  • بنر

تابعونا على
 
حقوق النشر محفوظة © 1448هـ / 2026م لموقع الألوكة
آخر تحديث للشبكة بتاريخ : 6/2/1448هـ - الساعة: 12:0
أضف محرك بحث الألوكة إلى متصفح الويب